الغدير
في الكتاب والسنة والادب
كتاب دينى . علمى . فنى . تاريخى . أدبى . أخلاقى
مبتكر في موضوعه فريد في بابه يبحث فيه عن حديث الغدير كتابا وسنة وادبا
ويتضمن تراجم أمة كبيرة من رجالات العلم والدين والادب من الذين نظموا هذه الاثارة
من العلم وغيرهم
تأليف
الحبر العلم الحجة المجاهد شيخنا الاكبر الشيخ
عبدالحسين احمد الامينى النجفى
الجزء التاسع
يتبع الجزء الثامن
الخليفة يخرج ابن مسعود من المسجد عنفا
أخرج البلاذري في الانساب 5 : 36 قال : حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف وعوانة في إسنادهما : إن عبدالله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة قال : من غير غيرالله ما به . ومن بدل أسخط الله عليه ، وما ارى صاحبكم إلا وقد غير وبدل ، أيعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويولى الوليد ؟ وكان يتكلم بكلام لا يدعه وهو :
إن أصدق القول كتاب الله ، وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الامور محدثاتها ، وكل محدث بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ( 1 )
فكتب الوليد إلى عثمان بذلك وقال : إن يعيبك ويطعن عليك ، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه فاجتمع الناس فقالوا : أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شئ تكرهه ، فقال : إن له علي حق الطاعة ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن . وفي لفظ أبي عمر : إنها ستكون امور وفتن لا أحب أن أكون أول من فتحها . فرد الناس وخرج اليه ( 2 )
قال البلاذري : وشيعه أهل الكوفة فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن فقالوا له :
جزيت خيرا فلقد علمت جاهلنا ، وثبت عالمنا ، وأقرأتنا القرآن ، وفقهتنا في الدين ، فنعم أخو الاسلام أنت ونعم الخليل ، ثم ودعوه وانصرفوا ، وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمارآه قال : ألا إنه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقئ ويسلح ، فقال إبن مسعود : لست كذلك ولكني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم بيعة الرضوان . ونادت عائشة : أي عثمان أتقول هذا لصاحب
(هامش ) * ( 1 ) هذه جملة من كلمة ابن مسعود وقد اخرجها برمتها ابونعيم في حلية الاولياء 1 : 138 وهى كلمة قيمة فيها فوائد جمة .
( 2 ) الاستيعاب 1 : 373 . [ * ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمرعثمان به فأخرج من المسجد إخراجا عنيفا ، وضرب به عبدالله ابن زمعة الارض ، ويقال : بل احتمله " يحموم " غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الارض فدق ضلعه ، فقال علي : يا عثمان أتفعل هذابصاحب رسول الله
صلى الله عليه وسلم بقول الوليد بن عقبة فقال : ما بقول الوليد فعلت هذا ولكن وجهت زبيد بن
الصلت الكندي إلى الكوفة فقال له ابن مسعود : إن دم عثمان حلال ، فقال علي : أحلت عن زبيد على غير ثقة .
وفي لفظ الواقدي : إن ابن مسعود لما استقدم المدينة دخلها ليلة جمعة فلما علم عثمان بدخوله قال : يا أيها الناس انه قد طرقكم الليلة دويبة ، من يمشي على طعامه يقئ ويسلح ، فقال ابن مسعود : لست كذلك ولكنني صاحب رسول الله يوم بدر ، و صاحبه يوم بيعة الرضوان ، وصاحبه يوم الخندق ، وصاحبه يوم حنين . قال : وصاحت عائشة : ياعثمان أتقول هذا لصاحب رسول الله فقال عثمان : اسكتي . ثم قال لعبدالله ابن زمعة : أخرجه إخراجا عنيفا ، فأخذه ابن زمعة احتمله حتى جاء به باب المسجد فضرب به الارض فكسر ضلعا من أضلاعه ، فقال ابن مسعود : قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان .
قال البلاذري : وقام علي بأمر إبن مسعود حتى أتى به منزله ، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي ، وأراد حين برئ الغزو فمنعه من ذلك وقال له مروان : إن ابن مسعود أفسد عليك العراق ، أفتريد أن يفسد عليك الشام فلم يبرح المدينة حتى توفي قبل مقتل عثمان بسنتين ، وكان مقيما بالمدينة ثلاث سنين .
وقال قوم : إنه كان نازلا على سعد بن أبي وقاص ، ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائدا فقال : ما تشتكي قال : ذنوبي ، قال : فماتشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قال : ألا أدعو لك طبيبا قال : الطبيب أمرضني . قال : أفلا آمر لك بعطائك ( 1 ) قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه ، وتعطينيه وأنا مستغن عنه ؟ قال : يكون لولدك ، قال : رزقهم على الله . قال : إستغفر لي يا أباعبدالرحمن ، قال : أسأل الله أن
(هامش ) * ( 1 ) قال ابن كثير في تاريخه 7 : 163 : كان قد تركه سنتين . [ * ]
يأخذلي منك بحقي ، وأوصى أن لا يصلي عليه عثمان فدفن بالبقيع وعثمان لا يعلم فلما علم غضب ، وقال : سبقتموني به ؟ فقال له عمار بن ياسر : إنه أوصى أن لا تصلي عليه .
فقال ابن الزبير ( 1 )
لاعرفنك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي
وفي لفظ ابن كثير في تاريخه 7 : 163 : جاء‌ه عثمان في مرضه عائدا فقال له : ماتشتكي ؟ قال ذنوبي . قال فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قال : لا آمر لك بطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني . قال : ألا آمر لك بعطائك ؟ - وكان قد تركه سنتين - فقال : لاحاجة لي . فقال : يكون لبناتك من بعدك ، فقال : أتخشى على بناتي الفقر ؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا .
وقال البلاذري : كان الزبير وصي ابن مسعود في ماله وولده ، وهو كلم عثمان في عطائه بعد وفاته حتى أخرجه لولده ، وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه عمار بن ياسر ، وقوم يزعمون ان عمارا كان وصيه ووصية الزبير أثبت .
وأخرج البلاذري من طريق أبي موسى القروي باسناده : انه دخل عثمان على ابن مسعود في مرضه فاستغفر كل واحد منهما لصاحبه ، فلما انصرف عثمان قال بعض من حضر : إن دمه لحلال . فقال إبن مسعود : ما يسرني انني سددت إليه سهما يخطئه وأن لي مثل أحد ذهبا .
وقال الحاكم وأبوعمرو ابن كثير : أوصى ابن مسعود إلى الزبير بن العوام فيقال : إنه هو الذي صلى عليه ودفنه بالبقيع ليلا بايصائه بذلك إليه ولم يعلم عثمان بدفنه ، ثم عاتب عثمان الزبير على ذلك ، وقيل : بل صلى عليه عثمان ، وقيل : عمار ( 2 )
وفي رواية توجد في شرح ابن أبي الحديد 1 : 236 : لما حضره الموت قال : من يتقبل مني وصية اوصيه بها على ما فيها ؟ فسكت القوم وعرفوا الذي يريد فأعادها فقال عمار : أنا أقبلها ، فقال ابن مسعود : أن لا يصلي علي عثمان . قال : ذلك لك ، فيقال :
(هامش ) * ( 1 ) كذاوالصحيح كما في شرح ابن ابى الحديد 1 : 236 : فتمثل الزبير .
( 2 ) المستدرك 3 : 313 ، الاستيعاب 1 : 373 ، تاريخ ابن كثير 7 : 163 . *
إنه لما دفن جاء عثمان منكرا لذلك فقال له قائل : إن عمارا ولي الامر . فقال لعمار : ما حملك على أن لم تؤذني ؟ فقال : عهد إلي أن لا اوذنك . إلخ . وذكر كل ما رويناه عن البلاذري مع زيادة ، فراجع .
وفي لفظ اليعقوبي : إعتل ابن مسعود فأتاه عثمان يعوده فقال له : ما كلام بلغني عنك ؟ قال : ذكرت الذي فعلته بي إنك أمرت بي فوطئ جوفي فلم أعقل صلاة الظهر ولاالعصر ومنعتني عطائي . قال : فاني اقيدك من نفسي فافعل بي مثل الذي فعل بك . قال : ما كنت بالذي أفتح القصاص على الخلفاء . قال : فهذا عطاؤك فخذه ، قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه . وتعطينيه وأنا غني عنه ، لا حاجة لي به . فانصرف فأقام ابن مسعود مغاضبا لعثمان حتى توفي . تاريخ اليعقوبي 2 : 147 .
وأخرج محمد بن إسحاق بن محمد بن كعب القرظي : ان عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا في دفنه أباذر . شرح ابن أبي الحديد 1 : 237 .
وفي تاريخ الخميس 2 : 268 : حبس ( عثمان ) عبدالله بن مسعود وأبي ذر عطاء‌هما وأخرج أباذر إلى الربذة وكان بها إلى أن مات . وأوصى ( عبدالله ) إلى الزبير وأوصاه أن يصلي عليه ولا يستأذن عثمان لئلا يصلي عليه ، فلما دفن وصل عثمان ورثته بعطاء أبيهم خمس سنين . وأجاب بأن عثمان كان مجتهدا ولم يكن من قصده حرمانه ، إما التأخير إلى غاية أدبا ، إما مع حصول تلك الغاية أو دونها وصل به ورثته ولعله كان أنفع له .
وفي السيرة الحلبية 2 : 87 من جملة ما انتقم به على عثمان : انه حبس عبدالله ابن مسعود وهجره ، وحبس عطاء أبي بن كعب ، وأشخص عبادة بن الصامت من الشام لما شكاه معاوية ، وضرب عمار بن ياسر وكعب بن عبدة ضربه عشرين سوطا ونفاه إلى بعض الجبال ، وقال لعبد الرحمن بن عوف : إنك منافق . الخ .
قال الاميني لعك لا تستكنه هذه الجرأة ولا تبلغ مداها حتى تعلم أن ابن مسعود من هو ، فهنالك تؤمن بأن ما فعل به حوب كبير لايبرر من ارتكب به أي عذر معقول فضلا عن التافهات .
1 - أخرج مسلم وابن ماجة من طريق سعد بن أبي وقاص قال نزل قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين " الانعام 52 " في ستة نفر منهم عبدالله بن مسعود . راجع تفسير الطبري 7 : 128 ، المستدرك للحاكم 3 : 319 ، تاريخ ابن عساكر 6 : 100 ، تفسير القرطبى 16 : 432 ، 433 ، تفسير ابن كثير 2 : 135 ، تفسير ابن جزي 2 : 10 ، تفسير الدر المنثور 3 : 13 ، تفسير الخازن 2 : 18 ، تفسير الشربيني 1 : 404 ، تفسير الشوكاني 2 : 115 .
2 - أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 3 : 108 ط ليدن من طريق عبدالله بن مسعود نزول قوله تعالى : الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم " آل عمران 172 " في ثمانية عشر رجلا هو أحدهم .
وذكر ابن كثير والخازن في تفسيرهما : إن ابن مسعود ممن نزلت فيهم الآيه
3 - ذكر الشربيني والخازن نزول قوله تعالى : أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة . في ابن مسعود وعمار وسلمان . يأتي تفصيله بعيد هذا في ترجمة عمار .
4 - عن علي عليه السلام مرفوعا : عبدالله يوم القيامة في الميزان أثقل من أحد .
وفي لفظ : والذي نفسي بيده لهما ( يعني ساقي ابن مسعود ) أثقل في الميزان من أحد .
وفي لفظ : والذي نفسي بيده لساقا عبدالله يوم القيامة أشد وأعظم من أحد وحراء .
راجع مستدرك الحاكم 3 : 317 ، حلية الاولياء 1 : 127 ، الاستيعاب 1 : 371 ،
صفة الصفوة 1 : 157 ، تاريخ ابن كثير 7 : 163 ، الاصابة 2 : 370 ، مجمع الزوائد
للهيثمي 9 : 289 ، وقال : أخرجه أحمد وأبويعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح غير ام موسى وهي ثقة ، ورواه من طريق البزار والطبراني فقال : رجالهما رجال الصحيح . كنز العمال 6 : 180 ، 181 ، ج 7 : 55 نقلا عن الطبراني والضياء وابن خزيمة وصححه .
5 - عن علقمة وعمر في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من سره أن يقرأ القرآن غضا . أو : رطبا ، كما أنزل فليقرأه على قراء‌ة ابن أم عبد .
أخرجه أبوعبيد في فضائله . أحمد . الترمذي . النسائي . البخاري في تاريخه . إبن أبي خزيمة . إبن أبي داود . إبن الانباري . عبدالرزاق . إبن حبان . الدار قطني إبن عساكر . أبونعيم . الضياء المقدسي . البزار . الطبراني . أبويعلي . وغيرهم .
راجع سنن إبن ماجة 1 : 63 ، حلية الاولياء 1 : 124 ، مستدرك الحاكم 3 :318 ، الاستيعاب 1 : 371 ، صفة الصفوة 1 : 156 ، طرح التثريب 1 : 85 ، الاصابة 2 : 369 ، مجمع الزوائد 9 : 287 ، كنز العمال 6 : 181 .
6 - عن أبي الدرداء مرفوعا في حديث : رضيت لامتي مارضي الله لها وابن أم عبد ، وسخطت لامتي ما سخط الله لهاوابن ام عبد .
أخرجه البزار والطبراني ورجال البزار ثقات كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 290 ، ورواه الحاكم في المستدرك 3 : 317 ، 318 وأبوعمر في الاستيعاب 1 : 371
ويوجد في كنزالعمال 6 : 181 وج 7 : 56 .
7 - عن عبدالله بن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : آذنك على أن ترفع
الحجاب وتسمع سوادي ( 1 ) حتى أنهاك . قال ابن حجر : أخرجه أصحاب الصحاح .
مسند أحمد 1 : 388 ، سنن ابن ماجة 1 : 63 ، حلية الاولياء 1 : 126 ،
الاستيعاب 1 : 371 ، تاريخ ابن كثير 7 : 162 ، الاصابة 2 : 369 .
8 - أخرج الترمذي من طريق عبدالله في حديث قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
تمسكوا بعهد إبن أم عبد .
وفي لفظ أحمد : تمسكوا بعهد عمار ، وما حدثكم إبن مسعود فصدقوه .
راجع مسند أحمد 5 : 385 ، حلية الاولياء 1 : 128 ، تاريخ ابن كثير 2 : 162 ،
الاصابة 2 : 369 ، كنزالعمال 7 : 55 .
9 - سئل علي ( أميرالمؤمنين ) عن ابن مسعود قال : علم القرآن وعلم السنة ثم انتهى وكفى به علما .
(هامش ) * ( 1 ) كذا في جميع المصادر والسواد بالكسر : السرار . يقال : ساودت الرجل اى ساورته . وحسبه ناشرحلية الاولياء غلطا فجعله في المتن " سرارى " وقال في التعليق : في الاصلين : سوادى *)
راجع حلية الاولياء لابي نعيم 1 : 129 ، المستدرك للحاكم 3 : 318 ، الاستيعاب 1 : 373 ، صفة الصفوة 1 : 157 .
10 - أخرج الحاكم في المستدرك 3 : 315 من طريق حبة العرني قال : إن ناساأتوا عليا فأثنوا على عبدالله بن مسعود فقال : أقول فيه مثل ماقالوا وأفضل : من قرأ القرآن وأحل حلاله ، وحرم حرامه ، فقيه في الدين ، عالم بالسنة .
11 - أخرج الترمذي باسناد رجاله ثقات من طريق حذيفة بن اليمان : إن أشبه الناس هديا ودلا وسمتا بمحمد صلى الله عليه وسلم عبدالله .
وفي لفظ البخاري : ما أعرف أحدا أقرب سمتا وهديا ودلا برسول الله صلى الله عليه وسلم من
إبن أم عبد ، وزاد الترمذي : ولقد علم المحفوظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبن ام عبد أقربهم إلى الله زلفى . وفي لفظ أبي نعيم : انه من أقربهم وسيلة يوم القيمة . وفي لفظ أبي عمر : سمع حذيفة يحلف بالله ما أعلم أحدا أشبه دلا وهديا برسول الله من حين
يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه من عبدالله بن مسعود ، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنه من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة .
وفي لفظ علقمة : كان يشبه بالنبي في هديه ودله وسمته .
راجع صحيح البخاري كتاب المناقب . مسند أحمد 5 : 389 ، المستدرك 3 :315 ، 320 حلية الاولياء 1 : 126 ، 127 ، الاستيعاب 1 : 372 ، مصابيح السنة 2 :283 ، صفة الصفوة 1 : 156 ، 158 ، تاريخ ابن كثير 2 : 162 ، تيسير الوصول 3 : 297
الاصابة 2 : 369 ، كنز العمال 7 : 55 .
12 - أخرج الشيخان والترمذي عن أبي موسى قال : قدمت أنا وأخي من اليمن وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لما نرى من دخوله و دخول أمه على النبي صلى الله عليه وسلم .
راجع المستدرك للحاكم 3 : 314 ، مصابيح السنة : 2 : 284 ، تيسير الوصول 3 : 279 نقلا عن الشيخين والترمذي ، تاريخ ابن كثير 7 : 162 ، مرآة الجنان لليافعى 1 : 87 ، الاصابة 8 : 369 قال : عند البخاري في التاريخ بسند صحيح .
13 - أخرج أحمد في مسنده 4 : 203 من طريق عمرو بن العاصي قال : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحب عبدالله بن مسعود وعمار بن ياسر .
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 290 بلفظ : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
راض عنه . حكاه عن أحمد والطبراني فقال . رجال أحمد رجال الصحيح ، وأخرجه ابن
عساكر من طريق عثمان بن أبي العاص الثقفي كما في كنزالعمال : 7 : 56 .
14 - أخرج البخاري من طريق عبدالله بن مسعود قال : أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان . وفي لفظ : أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت وله ذؤابة يلعب مع الغلمان . وفي لفظ : ما ينازعني فيها أحد .
حلية الاولياء 1 : 125 ، والاستيعاب 1 : 373 ، تهذيب التهذيب 6 : 28 وصححه كنز العمال 7 : 56 نقلا عن ابن أبي داود
15 - أخرج البغوي من طريق تميم بن حرام ( 1 ) قال : جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت أحدا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولاأحب إلي أن أكون في صلاحه من إبن مسعود ، الاصابة لابن حجر 2 : 370 . وأخرجه البخاري في تاريخه 1 قسم 2 ص 152 ولفظه : أدركت أبي بكر وعمر وأصحاب محمد عليهم السلام فما رأيت أحدا . الخ
16 - عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة : كان عبدالله صاحب سواد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني سره .
وعن أبي الدرداء : ألم يكن فيكم صاحب السواد عبدالله ؟ .
وعن عبدالله بن شداد : إن عبدالله كان صاحب السواد والوساد والسواك والنعلين ( 2 )
راجع طبقات ابن سعد 3 : 108 ، حلية الاولياء 1 : 126 ، الاستيعاب 1 : 371 ،
صفة الصفوة 1 : 156 ، طرح التثريب 1 : 75 .
17 - عن أبي وائل قال ابن مسعود : إني لاعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم و
(هامش ) * ( 1 ) في تاريخ البخارى : حذلم .
( 2 ) كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وآله ويحمل نعليه . قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب
6 : 28 . ( * )
ما في كتاب الله سورة ولا آية إلاوأنا أعلم فيم أنزلت ومتى نزلت . قال أبووائل : فما سمعت أحدا أنكر ذلك عليه .
أخرجه الشيخان والنسائي كما في تيسير الوصول 3 : 279 ، وأبوعمر في الاستيعاب 1 : 372 ، وذكره اليافعي في مرآته 1 : 87 .
هذا ابن مسعود
وهذاعلمه وهديه وسمته وصلاحه وزلفته إلى نبي العظمة صلى الله عليه وآله ، أضف إلى ذلك
كله سابقته في الاسلام وهو سادس ستة ، وهجرته إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، وشهوده بدرا ومشاهد النبي صلى الله عليه وآله كلها ، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة كما في رواية أبي عمر في الاستيعاب ، ولعلك لاتشك بعد سيرك الحثيث في غضون السيرة والتاريخ في أنه لم يكن له دؤب إلا على نشر علم القرآن وسنة الرسول وتعليم الجاهل ، وتنبيه الغافل ، وتثبيت القلوب ، وشد أزر الدين ، في كل ذلك هو شبيه رسول الله صلى الله عليه وآله في هديه و سمته ودله ، فلا تجد فيه مغمزا لغامز ، ولا محلا للمز لا مز ، وقد بعثه عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم ، وبعث عمارا أميرا وكتب إليهم : إنهما من النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر ، فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما ، وقد آثرتكم بعبدالله بن مسعود على نفسي ( 1 ) وقد سمعت ثناء أهل الكوفة عليه بقولهم : جزيت خيرا ، فلقد علمت جاهلنا وثبت عالمنا ، وأقرأتنا القرآن ، وفقهتنا في الدين ، فنعم أخو الاسلام أنت ونعم الخليل .
كان إبن مسعود أول من جهر بالقرآن بمكة ، إجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا : والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط ، فمن رجل يسمعهموه
فقال عبدالله بن مسعود : أنا . قالوا : إنا نخشاهم عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه ، قال : دعوني فإن الله سيمنعني ، قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى ، وقريش في أنديتها ، حتى قام عند المقام ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم . رافعا بها صوته . ألرحمن علم القرآن . قال : ثم استقبلها يقرؤها . قال : وتأملوه ، فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أم عبد قال : ثم قالوا : إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقاموا إليه ، فجعلوا يضربون في وجهه ، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء
(هامش ) * ( 1 ) الاستيعاب 1 : 373 ، ج 2 436 ، الاصابة 2 : 369 * )
الله أن يبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليك ، فقال : ما كان أعداء‌الله أهون علي منهم الآن . ولئن شئتم لاغادينهم بمثلها غدا ، قالوا : لا ، حسبك قد أسمعتهم مايكرهون ( 1 ) وقد هذبته تلكم الاحوال وكهربته ، فلم يسق لمغضبة على باطل ، ولم يحده طيش إلى غاية ، فهو إن قال فعن هدى ، وإن حدث فعن الصادع الكريم صدقا ، وإن جال ففي مستوى الحق ، وإن صال فعلى الضلالة ، وعرفه بذلك من عرفه من أول يومه ، وكان معظما مبجلا لدى الصحابة وكانوا يحذرون خلافه والرد عليه ويعدونه حوبا قال أبووائل : إن ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل إزاره فقال : ارفع إزارك . فقال : و أنت يا ابن مسعود فارفع إزارك . فقال : إني لست مثلك إن بساقي حموشة وأنا آدم الناس فبلغ ذلك عمر فضرب الرجل ويقول : أترد على ابن مسعود ( 2 )
وأخرج أبوعمر بن الاستيعاب 1 : 372 بالاسناد عن علقمة قال : جاء رجل إلى عمر وهو بعرفات فقال : جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يحكي المصحف عن ظهر قلبه فغضب عمر غضبا شديدا وقال : ويحك ومن هو ؟ قال عبدالله بن مسعود . قال : فذهب عنه ذلك الغضب وسكن وعاد إلى حاله وقال : والله ما أعلم من الناس أحدا هو أحق بذلك منه .
فلماذا يحرم هذا البدري العظيم عطاؤه سنين ثم يأتيه من سامه سوء العذاب وقد خالجه الندم ولات حين مندم متظاهرا بالصلة فلا يقبلها ابن مسعود وهو في منصرم عمره ، ويسأل ربه أن يأخذ له منه بحقه ، ثم يتوجه إلى النعيم الخالد معرضا عن الحطام الزائل ، موصيا بأن لا يصلي عليه من نال منه ذلك النيل الفجيع . لماذا فعل به هذا ولماذا شتم على رؤس الاشهاد ولماذا اخرج من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله مهانا عنفا ، ولماذا ضرب به الارض فدقت أضالعه ولما بطشوا به بطش الجبارين ؟ كل ذلك لانه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال
(هامش ) * ( 1 ) سيرة ابن هشام 1 : 337 .
( 2 ) الاصابة 2 : 370 ، كنز العمال : 55 . [ * ]
الكوفة يوم كان عليه ما أمربه ، فألق مفاتيح بيت المال لما لم يجد من الكتاب والسنة وهو العليم بهما مساغا لهاتيك إلاباحة ولا لاثرة الآمر بها ، وعلم أنها سوف تتبعها من الاعطيات التي لا يقرها كتاب ولا سنة ، فتسلل عن عمله وتنصل ، وما راقه أن يبوء بذلك الاثم ، فلهج بما علم ، وأبدى معاذيره في إلقاء المفاتيح ، فغاض تلكم الاحوال داعية الشهوات ، وشاخص الهوى الوليد بن عقبة ، فكتب في حقه ونم وسعي ، فكان من ولائد ذلك أن ارتكب من ابن مسعود ما عرفت ، ولم تمنع عن ذلك سوابقه في الاسلام وفضائله وفواضله وعلمه وهديه وورعه ومعاذيره وحججه ، فضلا على أن يشكرعلى ذلك كله ، فأوجب نقمة الصحابة على من نال ذلك منه ، وإنكار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وصيحة أم المؤمنين في خدرها ، ولم تزل البغضاء محتدمة على هذه وأمثالها حتى كان في مغبة الامر مالم يحمده خليفة الوقت وزبانيته الذين جروا إليه الويلات . ولو ضرب المسيطر على الامر صفحا عن الفظاظة في الانتقام ، أو أعار لنصح
صلحاء الامة أذنا واعية ، أولم يستبدل بجراثيم الفتن عن محنكي الرجال ، أولم ينبذ كتاب الله وسنة نبيه وراء ظهره ، لما استقبله ما جرى عليه وعلى من اكتنفه من الوأد والهوان لكنه لم يفعل ففعلوا ، ولمحكمة العدل الآلهي غدا حكمها البات .
ولابن مسعود عند القوم مظلمة أخرى وهي جلده أربعين سوطا في موقف آخر، لماذا كان ذلك ؟ لانه دفن أبا ذر لما حضر موته في حجته . وجد بالربذة في ذلك الوادي القفر الوعر ميتا كان في الغارب والسنام من العلم والايمان . وجد صحابيا عظيما كان رسول الله صلى الله عليه وآله بقربه ويدنيه قد فارق الدنيا . وجد عالما من علماء المسلمين قد غادرته الحياة . وجد مثالا للقداسة والتقوى ، فتمثل أمام عينيه تلك الصورة المكبرة التي كان يشاهدها على العهد النبوي . وجد شبيه عيسى بن مريم في الامة المرحومة هديا وسمتا ونسكا وزهدا وخلقا ، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الاسلام . وجد عزيزا من أعزاء الصحابة على الله ورسوله وعلى المؤمنين قد أودى على مستوى الهوان في قاعة المنفى مظلوما مضطهدا .
وجد في قارعة الطريق جثمان طيب طاهر غريب وحيد نازح عن الاوطان تصهره الشمس ، وتسفي عليه الرياح ، وذكر قول رسول الله : رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ، ويحشر وحده . فلم يدع العلم والدين ابن مسعود ومن معه من المؤمنين أن يمروا على ذلك المنظر الفجيع دون أن يمتثلوا حكم الشريعة بتعجيل دفن جثمان كل مسلم فضلا عن أبي ذرالذي بشر بدفنه صلحاء المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنهضوا بالواجب فأودعوه في مقره الاخير والعيون عبرى ، والقلوب واجدة على ما ارتكب من هذا الانسان المبجل ، فلما هبطوا يثرب نقم على ابن مسعود من نقم على أبي ذر ، فحسب ذلك الواجب الذي ناء به ابن مسعود حوبا كبيرا ، حتى صدر الامر بجلده أربعين سوطا ، وذلك أمر لا يفعل بمن دفن زنديقا لطم جيفته فضلا عن مسلم لم يبلغ مبلغ أبي ذر من العظمة والعلم والتقوى والزلفة ، فكيف بمثل أبي ذر وعاء العلم ، وموئل التقوى ، ومنبثق الايمان ، وللعداء مفعول قد يبلغ أكثر من هذا .
أي خليفة هذا لم يراع حرمة ولا كرامة لصلحاء الامة وعظماء الصحابة من البدريين الذين نزل فيهم القرآن ، وأثنى عليهم النبي العظيم ؟ وقد جاء في مجرم بدري قوله صلى الله عليه وآله لما قال عمر : إئذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه : مهلا يا ابن الخطاب إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : إعملوا ما شئتم فاني غافر لكم ( 1 ) واختلق القوم حديثا لادخال عثمان في زمرتهم لفضلهم المتسالم عليه عند الامة جمعاء ، كأن الرجل آلى على نفسه أن يطل على الامة الداعية إلى الخير ، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، بالذل والهوان ، ويسر بذلك سماسرة الاهواء من بني أبيه ، فطفق بمراده ، والله من ورائهم حسيب . والمدافع إن أعوزته المعاذير تشبث بالطحلب فقال : ( 2 ) حداه إلى ذلك الاجتهاد . ذلك العذر العام المصحح للاباطيل ، والمبرر للشنايع ، والوسيلة المتخذة لاغراء بسطاء الامة
(هامش ) * ( 1 ) أحكام القرآن 3 : 535 .
( 2 ) راجع التمهيد للباقلانى ص 221 ، الرياض النضرة 26 145 ، الصواعق ص 68 ، تاريخ الخميس 2 : 268 . [ * ]
، وذلك قولهم بأفواهم ، وان ربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ، وإن الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره .
42 ـ مواقف الخليفة مع عمار
1 - أخرج البلاذري في الانساب 5 : 48 بالاسناد من طريق أبي مخنف قال : كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر ، فأخذ منه عثمان ما حلي به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه فخطب
فقال : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام : فقال له علي : إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه . وقال عمار بن ياسر : أشهد الله إن أنفي أول راغم من ذلك . فقال عثمان : أعلي ياابن المتكاء ( 1 ) تجترئ ؟ خذوه ، فاخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتى غشي عليه ثم اخرج فحمل حتى اتي به منزل أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصل الظهر والعصر والمغرب فلما أفاق توضأ وصلى وقال : ألحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله ، وقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان عمار حليفا لبني مخزوم فقال : يا عثمان أما علي فاتقيته وبني أبيه ، وأما نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف ، أما والله لئن مات لاقتلن به رجلا من بني امية عظيم السرة ، فقال عثمان : وإنك لهاهنا يا ابن القسرية ؟ قال : فإنهما قسريتان وكانت أمه وجدته قسريتين من بجيلة ، فشتمه عثمان وأمر به فأخرج ، فأتى أم سلمة فاذا هي قد غضبت لعمار ، وبلغ عائشة ما صنع بعمار فغضبت وأخرجت شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثوبا من ثيابه ونعلا من نعاله ثم قالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد . فغضب عثمان غضبا شديدا حتى مادرى ما يقول فالتج المسجد وقال الناس : سبحان الله ، سبحان الله . وكان عمرو بن العاص واجدا على عثمان لعزله إياه عن مصر وتوليته إياها عبدالله بن سعد بن أبي سرح فجعل يكثر التعجب والتسبيح . وبلغ عثمان مصير هشام بن الوليد ومن مشى معه من بني مخزوم إلى أم سلمة وغضبها لعمار فأرسل إليها : ماهذا الجمع ؟ فأرسلت إليه دع ذا عنك ياعثمان ولا تحمل الناس في أمرك على ما يكرهون . واستقبح الناس فعله بعمار وشاع فيهم
(هامش ) * ( 1 ) المتكاء : البظراء . المفضاة . التى لا تمسك البول . العظيمة البطن . [ *
فاشتدإنكارهم له .
وفي لفظ الزهري كما في أنساب البلاذري ص 88 : كان في الخزائن سفط فيه حلي وأخذ منه عثمان فحلى به بعض أهله فأظهروا عند ذلك الطعن عليه وبلغه ذلك فخطب فقال : هذا مال الله أعطيه من شئت وأمنعه من شئت فأرغم الله أنف من رغم فقال عمار : أنا والله أول من رغم أنفه من ذلك . فقال عثمان : لقد اجترأت علي ياابن سمية ؟ و ضربه حتى غشي عليه فقال عمار : ما هذا بأول ما اوذيت في الله . وأطلعت عائشة شعرامن رسول صلى الله عليه وسلم ونعله وثيابا من ثيابه - فيما يحسب وهب - ثم قالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم . وقال عمرو بن العاص : هذا منبر نبيكم وهذه ثيابه وهذا شعره لم يبل فيكم وقد بدلتم وغيرتم . فغضب عثمان حتى لم يدرما يقول .
2 - قال البلاذري في الانساب 5 : 49 إن المقداد بن عمرو وعمار بن ياسر وطلحة والزبير في عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان و خوفوه ربه وأعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع فأخذ عمار الكتاب وأتاه به فقرأ صدرا منه فقال له عثمان : أعلي تقدم من بينهم ؟ فقال عمار : لاني أنصحهم لك . فقال : كذبت يا ابن سمية فقال : أنا والله ابن سمية وابن ياسر . فأمر غلمانه فمدوا بيديه ورجليه ثم ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق ، وكان ضعيفا كبيرا فغشي عليه .
وذكره ابن أبي الحديد في الشرح 1 : 239 نقلا عن الشريف المرتضى من دون غمز فيه .
وقال أبوعمر في الاستيعاب 2 : 422 : وللحلف والولاء الذين بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه ورغموا وكسروا ضلعا من أضلاعه ، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا : والله لئن مات لقتلنا به أحدا غير عثمان . صورة مفصلة
قال ابن قتيبة : ذكروا انه اجتمع ناس من أصحاب رسول الله عليه السلام كتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة صاحبيه .
2 - وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله ، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين .
3 - وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدواسبع دور بناها بالمدينة دارا لنائلة ودارا لعائشة وغيرهما من أهله وبناته .
4 - وبنيان مروان القصور بذي خشب وعمارة الاموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله .
5 - وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني امية من أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالامور .
6 - وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربعة ركعات ثم قال لهم : إن شئتم أن أزيدكم ركعة زدتكم .
7 - وتعطيله إقامة الحد عليه وتأخيره ذلك عنه .
8 - وتركه المهاجرين والانصار لا يستعملهم على شئ ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم
9 - وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة .
10 - وما كان من إدراره القطائع والارزاق والاعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه السلام ثم لا يغزون ولا يذبون .
11 - وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط ، وانه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس ، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران . ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الاسود وكانوا عشرة ، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمار جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده فمضى حتى جاء دار عثمان فاستأذن عليه فأذن له في يوم شات فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : نعم . قال : ومن كان معك ؟ قال : معي نفر تفرقوا فرقا منك . قال : ومن هم ؟ قال : أخبرك بهم . قال : فلم
اجترأت علي من بينهم ؟ فقال مروان : يا أميرالمؤمنين ! إن هذا العبد الاسود ( يعنى عمارا ) قد جرأ عليك الناس وإنك إن قتلته نكلت به من وراء‌ه . قال عثمان : إضربوه . فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه فغشي عليه فجروه حتى طرحوه على باب الدار ، فأمرت به أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل منزلها وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم ، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة فقال : أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا لاقتلن به رجلا عظيما من بني أمية فقال عثمان : لست هناك . قال : ثم خرج عثمان إلى المسجد فإذا هو بعلي وهو شاك معصوب الرأس فقال عثمان : والله يا أباالحسن ما أدري أشتهي موتك أم أشتهي حياتك ؟ فوالله لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك ، لاني لاأجد منك خلفا ولئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخذك سلما وعضدا ويعدك كهفا وملجأ ، لا يمنعني منه إلا مكانه منك ومكانك منه ، فأنا منك كالابن العاق من أبيه إن مات فجعه وإن عاش عقه ، فإما سلم فنسالم وإما حرب فنحارب ، فلا تجعلني بين السماء والارض . فإنك والله إن قتلتني لا تجد مني خلفا ، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفا ، ولن يلي أمر هذه الامة بادئ فتنة . فقال علي : إن فيما تكلمت به لجوابا ولكني عن جوابك مشغول بوجعي فأنا أقول كما قال العبد الصالح : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . قال مروان : إنا والله إذا لنكسرن رماحنا ولنقطعن سيوفنا ولا يكون في هذا الامر خير لمن بعدنا ، فقال له عثمان : اسكت ، ما أنت وهذا ؟ . الامامة والسياسة 1 ص 29 .
وذكره مختصرا ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 : 272 نقلا عن أبي بكر بن أبي شيبة من طريق الاعمش قال : كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة فقالوا : من يذهب بها إليه ؟ قال عمار : أنا . فذهب بها إليه فلما قرأها قال : أرغم الله أنفك قال : وبأنف أبي بكر وعمر قال : فقام إليه فوطئه حتى غشي عليه ثم ندم عثمان وبعث إليه طلحة والزبير يقولان له : إختر إحدى ثلاث : إما أن تعفو ، وإما أن تأخذ الارش ، وإما أن تقتص ، فقال : والله لا قبلت واحدة منها حتى ألقى الله .
3 - قال البلاذري في الانساب 5 : 54 : وقد روي أيضا : انه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : رحمه الله . فقال عمار بن ياسر : نعم فرحمه الله من كل أنفسنا . فقال عثمان : ياعاض أيرأبيه أتراني ندمت على تسييره ؟ وأمر فدفع في قفاه وقال : ألحق بمكانه فلما تهيأ للخروج جاء‌ت بنو مخزوم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان فيه فقال له علي : يا عثمان إتق الله فإنك سيرت رجلا ( 1 ) صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان : أنت أحق بالنفي منه فقال علي : رم ذلك إن شئت . واجتمع المهاجرون فقالوا : إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته فان هذا شئ لايسوغ . فكف عن عمار .
وفي لفظ اليعقوبي : لما بلغ عثمان وفاة أبي ذر قال : رحم الله أباذر . قال عمار : نعم رحم الله أباذر من كل أنفسنا . فغلظ ذلك على عثمان وبلغ عثمان عن عمار كلام فأراد أن يسيره أيضا ، فاجتمعت بنو مخزوم إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وسألوه إعانتهم فقال علي : لا ندع عثمان ورأيه . فجلس عمار في بيته ، وبلغ عثمان ما تكلمت بنو مخزوم فأمسك عنه . تاريخ اليعقوبي 2 : 150 .
4 - قال البلاذري في الانساب 5 : 49 : إن عثمان مر بقبر جديد فسأل عنه فقيل : قبر عبدالله بن مسعود فغضب على عمار لكتمانه إياه موته إذ كان المتولي للصلاة عليه والقيام بشأنه فعندها وطئ عمارا حتى أصابه الفتق .
وذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 239 نقلا عن الشريف المرتضي من دون غمز فيه .
وفي لفظ اليعقوبي : توفي " ابن مسعود " وصلى عليه عمار بن ياسر وكان عثمان غائبا فستر أمره فلما انصرف رأى عثمان القبر فقال : قبر من هذا ؟ فقيل : قبر عبدالله ابن مسعود ، قال : فكيف دفن قبل أن أعلم ؟ فقالوا : ولي أمره عمار بن ياسر وذكر انه أوصى أن لا يخبر به ولم يلبث إلا يسيرا حتى مات المقداد ( 1 ) فصلى عليه عمار وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان به فاشتد غضب عثمان على عمار وقال : ويلي على ابن السوداء أما لقد كنت به عليما . تاريخ اليعقوبي 2 : 147 .
وفي طبقات ابن سعد 3 : 185 ط ليدن : إن عقبة بن عامر هو الذي قتل عمارا
(هامش ) * ( 1 ) يعنى سيدنا اباذر الغفارى .
( 2 ) اتفقوا على انه مات سنة ثلاث وثلاثين ، وتوفى ابن مسعود قبله بسنة اواقل او اكثر (*)
وهو الذي كان ضربه حين أمره عثمان ابن عفان .
قال الاميني : هذه أفاعيل الخليفة في رجل نزل فيه القرآن شهيدا على طمأنينته بالايمان والرضا بقنوتة آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ، في رجل هو أول مسلم إتخذ مسجدا في بيته يتعبد فيه ( 1 ) في رجل تضافر الثناء عليه عن رسول الله صلى الله عليه وآله مشفوعا بالنهي المؤكد عن بغضه ومعاداته وسبه وتحقيره وانتقاصه بألفاظ ستقف عليها إنشاء الله تعالى . وقد أكبرته الصحابة الاولون ونقمت على من آذاه وأغضبه وأبغضه ، وفعل به كل تلكم المناهي ولم يؤثر عن عمار إلا الرضا بما يرضي الله ورسوله والغضب لهما والهتاف بالحق والتجهم أمام الباطل رضي الناس أم غضبوا ، ولم يزل على ذلك كله منذ بدء أمره الذي اوذي فيه هو وأبواه ، فكان مرضيا عند الله ايمانهم و خضوعهم وبعين الله ما قاسوه من المحن فعاد ذكرهم وردا لنبي الاسلام فلم يزل يلهج بهم ويدعو لهم ويقول :
اصبروا آل ياسر موعدكم الجنة . من طريق عثمان بن عفان ( 2 )
ويقول : ابشروا آل ياسر موعدكم الجنة . من طريق جابر ( 3 )
ويقول : أللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت . رواه عثمان أيضا ( 4 )
وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت اسلام - اذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : صبرا آل ياسر موعدكم الجنة . صبرا آل ياسر فإن مصيركم إلى الجنة ( 5 )
نعم : كان عمارا هكذا عند مفتتح حياته الدينية إلى منصرم عمره الذي قتلته فيه
(هامش ) * ( 1 ) طبقات ابن سعد 3 : 178 ط ليدن ، وذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 311 .
( 2 ) أخرجه الطبرانى كما في مجمع الزوائد 9 : 293 فقال : رجاله ثقات ، وأخرجه الطبرانى عن عمار ، والبغوى وابن مندة والخطيب وأحمد وابن عساكر عن عثمان كما في كنز العمال 6 : 185 .
( 3 ) مجمع الزوائد نقلا عن الطبرانى 9 : 293 فقال : رجاله رجال الصحيح غير ابراهيم وهو ثقة .
( 4 ) مسند احمد 1 : 62 ، مجمع الزوائد 9 : 293 فقال : رجاله رجال الصحيح . واخرجه
البيهقى والبغوى والعقيلى والحاكم في الكنى وابن الجوزى وابن عساكر كما في كنز العمال 7 : 72 .
( 5 ) سيرة ابن هشام 1 : 342 ، حلية الاولياء 1 : 140 ، طرح التثريب 1 : 87 ، واخرجه الحارث والضياء والحاكم والطيالسى والبغوى وابن مندة وابن عساكر كما في كنز العمال 7 : 72 . [ * ]
الفئة الباغية . وقد أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية . وفي لفظ : تقتل عمار الفئة الباغية ، وقاتله في النار .
وفي لفظ : ويح عمارا وويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية .
وفي لفظ معاوية : تقتل عمارا الفئة الباغية .
وفي لفظ عثمان : تقتلك الفئة الباغية ، قاتل عمار في النار .
وفي لفظ : تقتل عمارا الفئة الباغية عن الطريق ، وإن آخر رزقه من الدنيا ضياح من لبن .
وفي لفظ عمار : أخبرني حبيبي صلى الله عليه وسلم انه تقتلني الفئة الباغية ، وأن آخر زادي مذقة من لبن .
وفي لفظ حذيفة : انك لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية الناكبة عن الحق ، يكون آخر زادك من الدنيا شربة لبن .
وفي لفظ : ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار .
وفى لفظ أنس : ابن سمية تقتله الفئة الباغية قاتله وسالبه في النار .
وفي لفظ عائشة : أللهم بارك في عمار ، ويحك ابن سميه تقتلك الفئة الباغية ، و آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن .
وفي لفظ : ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما تقتلك الفئة الباغية .
جاء هذا الحديث من طرق كثيرة تربو حد التواتر منها طريق عثمان بن عفان .
عمرو بن العاص . معاوية بن أبي سفيان . حذيفة بن اليمان . عبدالله بن عمر . خزيمة بن ثابت . كعب بن مالك . جابر بن عبدالله . ابن عباس . أنس بن مالك . أبي هريرة الدوسي
عبدالله بن مسعود . أبي سعد . أبي امامة . أبي رافع . أبي قتادة . زيد بن أبي أوفى . عمار
بن ياسر . عبدالله بن أبي هذيل . أبي اليسر . زياد بن الفرد . جابر بن سمرة . عبدالله ابن عمرو بن العاص . أم سلمة . عائشة .
راجع طبقات ابن سعد 3 : 180 ، سيرة ابن هشام 2 : 114 ، مستدرك الحاكم 3 : 386 ، 387 ، 391 ، الاستيعاب 2 : 436 وقال : تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم
إنه قال : تقتل عمارا الفئة الباغية . وهذا من إخباره بالغيب واعلام نبوته وهو من أصح الاحاديث . طرح التثريب 1 : 88 وصححه ، تيسير الوصول 3 : 278 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 274 ، تاريخ ابن كثير 7 : 267 ، 270 مجمع الزوائد 9 : 296 وصححه من عدة طرق ، تهذيب التهذيب 7 : 409 وذكر تواتره ، الاصابة 2 : 512 وقال : تواترت الاحاديث ، كنز العمال 6 : 184 ، ج 7 ، 73 ، 74 ، ونص على تواتره السيوطي في الخصايص كما مر في الجزء الثالث 250 ط 2 . وأخرجه البخاري ، ومسلم ، وأحمد ، والبزار ، وعبدالرازق ، والطبراني ، و الدار قطني ، وأبويعلي ، وأبوعوانة ، والاسماعيلي ، والضياء المقدسي ، وأبونعيم ، وتمام ، وابن قانع ، وابن مندة ، والبارودي ، والبرقاني ، وابن عساكر ، والخطيب .
(عمار في الذكر الحكيم )
هذا عمار بين البدء والختام المحمودين وهو بينهما كما أثنى عليه الذكر الحكيم
بقوله تعالى : أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ( الزمر 9 )
أخرج ابن سعد في الطبقات 3 : 178 ط ليدن وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس : انها نزلت في عمار بن ياسر .
وذكر الزمخشري في تفسيره 3 : 22 : انها نزلت في عمار وأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي
وذكر القرطبي في تفسير 15 : 239 عن مقاتل : ان من هو قانت : عمار بن ياسر
وذكر الخازن في تفسيره 3 : 53 : انها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان . وذكره الخطيب الشربيني في تفسيره 3 : 410 . وذكر الشوكاني في تفسيره 4 : 442 حديث ابن سعد وابن مردويه وابن عساكر . وزاد الآلوسي عليه في تفسيره 23 : 247 قوله : و أخرج جويبر عن ابن عباس انها نزلت في عمار وابن مسعود وسالم مولي أبي حذيفة .
وعن عكرمة : الاقتصار على عمار . وعن مقاتل : المراد بمن هو قانت : عمار وصهيب و ابن مسعود وأبوذر . وجل ما ذكره الآلوسي مأخوذ من الدر المنثور 5 : 323 .
(آية ثانية ) * أخرج ابن ماجة في قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ . الآية ( الانعام 52 ) انها نزلت في عمار وصهيب وبلال وخباب .
راجع تفسير الطبري 7 : 127،128، تفسير القرطبي16 : 432، تفسير البيضاوي 1 : 380 ، تفسير الزمخشري 1 : 453 ، تفسير الرازي 4 : 50 ، تفسير ابن كثير 2 : 134 ،
تفسير ابن جزي2: 10، الدر المنثور3 :14، تفسير الخازن2 :18، تفسير الشربيني 1 : 404 ، تفسير الشوكاني 2 : 115 .
(آية ثالثة ) * أخرج جمع من الحفاظ نزول قوله تعالى : إلا من أكره وقلبه مطمأن بالايمان ( سورة النحل : 106 ) في عمار . وقال أبوعمر في الاستيعاب . هذا مما اجتمع أهل التفسير عليه . وقال القرطبي : نزلت في عمار في قول أهل التفسير . وقال ابن حجر في الاصابة : اتفقوا على انه نزل في عمار .
قال ابن عباس ( في لفظ الواحدي ) نزلت في عمار بن ياسر وذلك ان المشركين أخذوه وأباه ياسرا وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما ، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة ، وقيل لها : إنك أسلمت من أجل الرجال . فقتلت ، وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين قتلا في الاسلام ، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن عمارا كفر . فقال : كلا إن عمارا ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه ، واخلط الايمان بلحمه ودمه ، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله عليه السلام يمسح عينيه وقال : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت . فأنزل الله تعالى هذه الآية .
أخرج حديث نزولها في عمار ، إبن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبري عن ابن عباس . وعبدالرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه
وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر من طريق أبي عبيدة بن عمار عن أبيه . وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن أبي مالك .
راجع طبقات ابن سعد 3 ، 178 ، تفسير الطبري14 :122،أسباب النزول للواحدي ص 212 ، مستدرك الحاكم 2 : 357 ، الاستيعاب 2 : 435 ، تفسير القرطبي 10 : 180 ، تفسير الزمخشري 2 : 176 ، تفسير البيضاوي 1 : 683 ، تفسير الرازي 5 : 365 ، تفسير ابن جزي 2: 162، تفسيرالنيسابوري هامش الطبري 4 :122 ، بهجةالمحافل 1 : 94 ، تفسير ابن كثير 2 : 587 ، الدر المنثور 4 : 132 ، تفسير الخازن 3 : 143 ، الاصابة 2 : 512 ، تفسير الشوكاني 3 : 191 ، تفسير الآلوسي 14 : 237 .
(آية رابعة ) ذكر الواحدي من طريق السدي ان قوله تعالى : أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين ) القصص : 61 ) نزل في عمار والوليد بن المغيرة .
راجع أسباب النزول للواحدي ص 255 ، تفسير القرطبي 13 : 303 ، تفسير
الزمخشري 2 : 386 ، تفسير الخازن 3 : 43 ، تفسير الشربيني 3 : 105 .
(آية خامسة ) أخرج أبوعمر من طريق إبن عباس في قوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ( الانعام : 122 ) إنه عمار بن ياسر .
وأخرج نزولها في عمار إبن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبوالشيخ راجع الاستيعاب 2 : 435 ، تفسير ابن جزي 2 : 20 ، تفسير ابن كثير 2 : 172
تفسير البيضاوي 1 : 400 ، تفسير السيوطي 3 : 43 ، تفسير الشربيني 1 : 429 ، تفسير الخازن 2 : 32 ، تفسير الشوكاني 2 : 152 .
الثناء الجميل على عمار
أما الاحاديث الواردة في الثناء عليه فحدث عنها ولا حرج وإليك نزرا منها :
1 - عن إبن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث : إن عمارا ملئ ايمانه من قرنه إلى قدمه ، واختلط الايمان بلحمه ودمه .
راجع حلية الاولياء 1 : 139 ، تفسير الزمخشري 2 : 176 ، تفسير البيضاوي 1 : 683 ، بهجة المحافل 1 : 94 ، تفسير الرازي 5 : 365 ، تفسير الخازن 3 : 143 ، كنز العمال 6 : 184 ، وج 7 ، 75 ، تفسير الآلوسي 14 : 7 23 .
2 - أخرج ابن عساكر من طريق علي : عمار خلط الله الايمان ما بين قرنه إلى قدمه ، وخلط الايمان بلحمه ودمه ، يزول مع الحق حيث زال ، وليس ينبغي للنار أن تأكل منه شيئا ( كنز العمال 6 : 183 )
3 - أخرج البزار من طريق عائشة قالت : ما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلا لو شئت لقلت فيه ما خلا عمارا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ملئ ايمانا إلى مشاشه . وفي لفظ أبي عمر : ملئ عمار ايمانا إلى أخمص قدميه . وفي لفظ له : إن عمار بن ياسر حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنيه ايمانا .
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 295 وقال : رجاله رجال الصحيح ، وأخرجه ابن ماجة من طريق علي كما في طرح التثريب 1 : 87 ، وأخرجه إبن ديزيل والنسائي
من طريق عمرو بن شرحبيل عن رجل مرفوعا كما في تيسير الوصول 3 : 279 ، والبداية والنهاية 7 : 311 ، ولفظه : لقد ملئ عمار ايمانا من قدمه إلى مشاشه . ورواه عبدالرزاق والطبراني وابن جرير وابن عساكر كما في كنز العمال 6 : 184 . وأخرجه أبوعمر بالالفاظ الثلاثة في الاستيعاب 2 : 435 .
4 - أخرج إبن ماجة وأبونعيم من طريق هاني بن هاني قال : كنا عند علي فدخل عليه عمار فقال : مرحبا بالطيب المطيب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : عمار ملئ ايمانا إلى مشاشه .
سنن ابن ماجة 1 : 65 ، حلية الاولياء 1 : 139 ، الاصابة 2 : 512 .
5 - أخرج إبن سعد في الطبقات 3 : 187 ط ليدن مرفوعا : إن عمارا مع الحق والحق معه ، يدور عمار مع الحق أينما دار ، وقاتل عمار في النار .
وأخرج الطبراني والبيهقي والحاكم من طريق إبن مسعود مرفوعا : إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق .
ذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 270 ، والسيوطي في الجامع الكبير كما في ترتيبه 6 : 184 ، وفي لفظ إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في سيرة علي : جاء رجل إلى ابن مسعود فقال : أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع ؟ قال : عليك بكتاب الله . قال : أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق .
وأخرج أبوعمر في الاستيعاب 2 : 436 من طريق حذيفة : عليكم بابن سمية فإنه لن يفارق الحق حتى يموت . أو قال : فإنه يدور مع الحق حيث دار .
6 - أخرج ابن ماجة من طريق عطاء بن يسار عن عائشة مرفوعا : عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الارشد منهما .
وفي لفظ أحمد من طريق ابن مسعود مرفوعا : ابن سمية ما عرض عليه أمران قط إلا أخذ بالارشد منهما . وفي لفظ آخر له من طريق عائشة : لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما . وفي لفظ الترمذي : ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما .
راجع مسند أحمد 1 : 389 وج 6 : 113 ، سنن ابن ماجة 1 : 66 مصابيح البغوى 2 : 288 ، تفسير القرطبي 10 : 181 ، تيسير الوصول 3 : 279 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 274 ، كنز العمال : 184 ، الاصابة 2 : 512 .
7 - أخرج الترمذي من طريق علي قال : إستأذن عمار على النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
إئذنوا له : مرحبا بالطيب المطيب . فقال : حسن صحيح .
وأخرجه الطبراني وابن أبي شيبة وأحمد في المسند 1 : 100 ، 126 ، 138 ،
والبخاري في تاريخه 4 : 229 من القسم الثاني ، وابن جرير وصححه والحاكم والشاشي
وسعيد بن منصور وأبونعيم في حلية الاولياء 1 : 140 ، والبغوي في المصابيح 2 : 288 ،
وأبوعمر في الاستيعاب 2 : 435 ، وابن ماجة في السنن 1 : 65 ، وابن كثيرفي البداية
7 : 311 ، وابن الديبع في التيسير 3 : 278 ، والعراقي في طرح التثريب 1 : 87 ، و السيوطي في الجامع الكبير 7 : 71 .
8 - عن أنس بن مالك مرفوعا : إن الجنة تشتاق إلى أربعة : علي بن أبي طالب ، وعمار بن ياسر ، وسلمان الفارسي ، والمقداد .
وفي لفظ الترمذي والحاكم وابن عساكر : إشتاقت الجنة إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان .
وفي لفظ لابن عساكر : إشتاقت الجنة إلى ثلاثة : إلى علي وعمار وبلال .
أخرجه أبونعيم في الحلية 1 : 142 ، والحاكم في المستدرك 3 : 137 ، وصححه هو والذهبي ، والترمذي والطبراني كما في تفسير القرطبي 10 : 181 ، وتاريخ ابن كثير 7 : 311 ، ومجمع الزوائد للهيثمي 9 : 307 ، وأخرجه إبن عساكر في تاريخه 3 : 306 وفي ج 6 : 198 ، 199 ، وأبوعمر في الاستيعاب 2 : 435 .
9 - أخرج البزار من طريق علي مرفوعا : دم عمار ولحمه حرام على النار أن تطمعه . وفي لفظ ابن عساكر : دم عمار ولحمه حرام على النار أن تأكله أو تمسه .
مجمع الزوائد 9 : 295 ، كنز العمال 6 : 184 ، ج 7 : 75 .
10 - أخرج ابن هشام مرفوعا : مالهم ولعمار ؟ يدعوهم إلى الجة ويدعونه إلى النار ، إن عمارا جلدة مابين عيني وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه .
سيرة ابن هشام 2 : 115 ، العقد الفريد 2 : 289 ، شرح إبن أبي الحديد 3 : 274
ولفظه : ما لقريش ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلي النار ، قاتله وسالبه في النار ،
وبهذا اللفظ ذكره ابن كثيرفي تاريخه 7 : 268 .
11 - أخرج الطبراني وابن عساكر من طريق عائشة مرفوعا : كم من ذي طمرين لاثوب له لو أقسم على الله لابره ، منهم : عمار بن ياسر.( مجمع الزوائد 9 : 294 ، كنز العمال 6 : 184(.
12 - أخرج أحمد من طريق خالد بن الوليد مرفوعا : من عادى عمارا عاداه الله ، ومن أبغض عمارا أبغضه الله . صححه الحاكم والذهبي بطريقين ، وصححه الهيثمي .
وفي لفظ : من يسب عمارا يسبه الله ، ومن يبغض عمارا يبغضه الله ، ومن يسفه عمارا يسفهه الله . صححه الحاكم والذهبي .
وفي لفظ : من يسب عمارا ، يسبه الله ومن يعاد عمارا يعاده الله ، صححه الحاكم والذهبي .
وفي لفظ لاحمد : من يعاد عمارا يعاده الله عزوجل ، ومن يبغضه يبغضه الله عزوجل ، ومن يسبه يسبه الله عزوجل .
وفي لفظ الحاكم : من يحقر عمارا يحقره الله ومن يسب عمارا يسبه الله ، ومن يبغض عمارا يبغضه الله .
وفي لفظ ابن النجار : من سب عمارا سبه الله ، ومن حقر عمارا حقره الله ،
ومن سفه عمارا سفهه الله .
وفي لفظ ابن عساكر : من يبغض عمارا يبغضه الله ، ومن يلعن عمارا يلعنه الله .
وفي لفظ الطبراني : من يعادي عمارا يعاديه الله ، ومن يبغض عمارا يبغضه الله ،
ومن يسب عمارا يسبه الله ، ومن يسفه عمارا يسفهه الله ، ومن يحقر عمارا يحقره الله
وفي لفظ الطبراني أيضا : من يحقر عمارا يحقره الله ، ومن يسب عمارا يسبه
الله ، ومن ينتقص عمارا ينتقصه الله ، ومن يعاد عمارا يعاده الله . قال الهيثمي : رجاله ثقات .
أخرج هذا الحديث على اختلاف ألفاظه جمع كثير من الحفاظ وأئمة الفن راجع
مسند أحمد 4 : 89 ، مستدرك الحاكم 3 : 390 ، 391 ، تاريخ الخطيب 1 : 152 ،
الاستيعاب 2 : 435، أسدالغابة4: 45، طرح التثريب 1: 88 ، تاريخ ابن كثير 7 :311 ، الاصابة 2 : 512 ، كنز العمال 6 : 185 ، ج 7 : 71 - 75 .
13 - عن حذيفة انه قيل له : إن عثمان قد قتل فما تأمرنا ؟ قال : ألزموا عمارا قيل : إن عمارا لايفارق عليا قال : إن الحسد هو أهلك للجسد ، وإنما ينفركم من عمار قربه من علي . فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب ، وإن عمارا من الاخيار . أخرجه ابن عساكر في كنز العمال 7 : 73 .
14 - عن عبدالله بن جعفر قال : ما رأيت مثل عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر كانا لا يحبان أن يعصيا الله طرفة عين ، ولا يخالفان الحق قيد شعرة . أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد 9 : 292 .
15 - ذكرالابشيهي في المستطرف 1 : 166 في حديث : هبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ( وكان يسأل عن أصحابه ) إلى أن قال : من هذا الذي بين يديك يتقي عنك ؟ قال : عمار بن ياسر . قال : بشره بالجنة حرمت النار علي عمار . هذا عمار
إذا درست هذه كلها فهل تجد من الحق أن يعمل معه تلكم الفظاظات مرة بعد أخرى ؟ وهل تجد مبررا لشئ منها ؟ فإن زعمت انها تأديب من خليفة الوقت فان التأديب لا يسوغ إلا على إسائة في الادب ، وزور من القول ، ومناقضة للحق ، ومضادة للشريعة ، ويجل عمار عن كل ذلك ، فلم يصدر منه غير دعاء إلى الحق ، وأذان بالحقيقة ، وتضجر لمظلوم ، وعمل بالوصية واجب ، ورسالة عن أناس مؤمنين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فهل حظر الاسلام شيئا من هذه فأراد الخليفة أن يعيد عمارا إلى نصاب الحق أو أن الخليفة مفوض في النفوس كما يرى انه مفوض في الاموال فيراغم فيهاعامة المسلمين بارضاء من يجب إرغامهم من أناس لا خلاق لهم ؟ وكذلك يفعل بالنفوس فعل المستبدين ولوازم الدكتاتورية ومقتضيات الملك العضوض . ولو كان الخليفة ناصبا نفسه للتأديب فهل أدب أمثال عبيدالله بن عمر ، والحكم ابن أبي العاص ، ومروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة ، وسعيد العاص ، ونظرائهم من رجال العيث والفساد المستحقين للتأديب حينا بعدحين ؟ وهو كان يرنو إلى أعمالهم من كثب ، لكنه لم يصدر منه إلا إرضائهم وتوفير العطاء لهم والدفاع عنهم ، وتسليطهم على النفوس والاموال حتى أوردوه مورد الهلكة ، ولقد ادخر تأديبه كله لصلحاء الامة مثل عمار وأبي ذر وابن مسعود ومن حذا حذوهم ، فإلى الله المشتكى . وإنك لو أمعنت النظرة في أعماله وأفعاله لتجدنه لا يقيم وزنا لاي صالح من الامة ، ولقد ترقى ذلك أو تسافل حتى انه جابه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام غير مرة بقوارص كلماته ومما قال له مما مر في صفحة " 18 ، 19 " قوله : أنت أحق بالنفي منه . وقوله : لئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخذك سلما وعضدا ويعدك كهفا وملجأ . يريد بالطاغي أباذر وعمار وأمثالهما ويجعل الامام عليه السلام سلما وعضدا وكهفا وملجأ لمن سماهم الطغاة . كبرت كلمة تخرج من أفواههم . كأن الرجل لم يصاحب النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ، أولم يع إلى ماهتف به من فضائل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من أول يومه آناء الليل وأطراف النهار في حله ومرتحله ، في ظعنه وإقامته ، عند أفراد من أصحابه أو في محتشد منهم ، ولدى الحوادث والوقايع وعند كل مناسبة ، وفي حروبه ومغازيه . وكأنه لم يشهد بلاء مولانا الامام عليه السلام في مآزق الاسلام الحرجة ، ولم يشهد كراته وقد فر أصحابه ، وتفانيه في سبيل الدعوة عند خذلان غيره ، واقتحامه المهالك لصالح الاسلام حيث ركنوا إلى دعة ، وتقهقر بهم الفرق ، وثبطهم الخول . يزعم القوم أن الخليفة كان حافظا للقرآن وانه كان يتلوه في ركعة في لياليه ولو صح ما يقولون فهلا كان يمر بآية التطهير ومولانا الامام عليه السلام أحد الخمسة الذين أريدوا بها ؟ وبآية المباهلة وهو نفس النبي فيها ؟ إلى آيات أخرى نازلة فيها بالغة إلى ثلاثمائة آية كما يقوله حبرالامة عبدالله بن العباس ( 1 ) أو أنه كان يمر بها على حين غفلة من مفادها ؟ أو يمر بها وقد بلغ منه اللغوب من كثرة التلاوة فلا يلتفت اليها أو أنه كان يرتلها ملتفتا إلى مغازيها ؟ ولكن . . .
أنا لا أدري بماذا يعلل قوارص الخليفة عليا عليه السلام إبنا حجر وكثير وأمثالهما المعللون أقوال الخليفة وأفعاله في مثل أبي ذر وابن مسعود ومالك الاشتر ، بان مصلحة بقائهم في الاوساط الاسلامية مع الحرية في المقال لا تكافئ المفسدة المترتبة عليه من سقوط أبهة الخلافة . على انه ما كان عند القوم إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فهل يجر هم الحب المعمي والمصم إلى أن يقولوا بمثل ذلك في حق عظيم الدنيا والدين مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام فهل كانت مفسدة هنا لك مترتبة على مقام الامام في المدينة حتى يكون نفيه عنها أولى وهل هو إلا الصلاح كله ؟ وهل المصالح النوعية والفردية يسقى من غيره ولعمر الحق ان أبهة تسقط لمكان أميرالمؤمنين عليه السلام وفضله ونزاهته وعلمه وإصلاحه لحرية بالسقوط ، وأيم الله لو وسع أولئك المدافعون عن تلكم العظائم لدنسوا ساحة قدس الامام بالفرية الشائنة ، واتهموه بمثل ما اتهموا به غيره من صلحاء الامة وأعلام الصحابة والخيرة الآمرين بالمعروف والناهين عن
المنكر ، ولكن . . ولو كان خليفة يعير لنصائح الامام عليه السلام أذنا واعية لصانه عن المهالك ، ولم تزل الابهة مصونة له ، والعز والنجاح ذخرا له ولاهل الاسلام ، وكان خيرا له من ركوبه النهابير التي جرعته الغصص وأودت به وجرت الويلات على الامة حتى اليوم ، ولكنه . .
لا جرم ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراء هم يوما ثقيلا .
- 43 - تسيير الخليفة صلحاء الكوفة إلى الشام
روي البلاذري عن عباس بن هشام بن أبيه عن أبي مخنف في إسناده قال : لما
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في الجزء الاول ص 334 ط 2 .
عزل عثمان رضي الله عنه الوليد بن عقبة عن الكوفة ولاها سعيد بن العاص وأمره بمداراة
أهلها ، فكان يجالس قراء‌ها ووجوه أهلها ويسامرهم فيجتمع عنده منهم : مالك بن الحارث الاشتر النخعي ، وزيد وصعصعة إبنا صوحان العبديان ، وحرقوص بن زهير السعدي ، وجندب بن زهير الازدي ، وشريح بن أوفى بن يزيد بن زاهر العبسي ، وكعب ابن عبدة النهدي ، وكان يقال لعبدة بن سعدبن ذوالحبكة - ، وكان كعب ناسكا وهو الذي قتله بسر بن أرطاة بتثليث - وعدي بن حاتم الجواد الطائي ويكنى أباطريف ، وكدام بن حضري بن عامر ، ومالك بن حبيب بن خراش ، وقيس بن عطارد بن حاجب ، وزياد بن خصفة بن ثقف ، ويزيد بن قيس الارحبي ، وغيرهم فانهم لعنده وقد صلوا العصر إذ تذاكروا السواد والجبل ففضلوا السواد وقالوا : هو ينبت ما ينبت الجبل وله هذا النخل ، وكان حسان بن محدوج الذهلي الذي إبتدأ الكلام في ذلك فقال عبدالرحمن بن خنيس الاسدي صاحب شرطة : لوددت أنه للامير وان لكم أفضل منه . فقال له الاشتر : تمن للامير أفضل منه ولا تمن له أموالنا . فقال عبدالرحمن : ما يضرك من تمني حتى تزوي ما بين عينيك فوالله لو شاء كان له . فقال الاشتر : والله لو رام ذلك ما قدر عليه . فغضب سعيد وقال : إنما السواد بستان لقريش . فقال الاشتر : أتجعل مراكز رماحنا وما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك ؟ والله لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه . ووثب بابن خنيس فأخذته الايدي .
فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان وقال : إني لا أملك من الكوفة مع الاشتر وأصحابه الذين يدعون القراء وهم السفهاء شيئا . فكتب إليه أن سيرهم إلى الشام .
وكتب إلى الاشتر : إني لاراك تضمر شيئا لو أظهرته لحل دمك وما أظنك منتهيا حتى يصيبك قارعة لابقيا بعدها ، فإذا أتاك كتابي هذا فسر إلى الشام لافسادك من قبلك وإنك لا تألوهم خبالا . فسير سعيد الاشتر ومن كان وثب مع الاشتر وهم : زيد و صعصعة إبنا صوحان ، وعائذ من حملة الطهوي من بني تميم ، وكميل بن زياد النخعي ، وجندب بن زهير الازدي ، والحارث بن عبدالله الاعور الهمداني ، ويزيد بن المكفف النخعي ، وثابت بن قيس بن المنقع النخعي ، وأصعر ( 1 ) بن قيس بن الحارث الحارثى
(هامش ) * ( 1 ) كذا في انساب الاشراف بالعين المهملة وفي الاصابة بالمعجمة . [ * ]
فخرج المسيرون من قراء أهل الكوفة فاجتمعوا بدمشق نزلوا مع عمرو بن زرارة فبرهم معاوية وأكرمهم ، ثم انه جرى بينه وبين الاشتر قول حتى تغالظا فحبسه معاوية فقام عمرو بن زرارة فقال : لئن حبسته لتجدن من يمنعه . فأمر بحبس عمرو فتكلم سائر القوم فقالوا : أحسن جوارنا يا معاوية ثم سكتوا فقال معاوية : مالكم لا تكلمون فقال زيد بن صوحان : وما نصنع بالكلام ؟ لئن كنا ظالمين فنحن نتوب إلى الله ، وإن كنا مظلومين فانا نسأل الله العافية . فقال معاوية : يا أبا عائشة أنت رجل صدق . وأذن له في اللحاق بالكوفة ، وكتب إلى سعد بن العاص : أما بعد : فاني قد أذنت لزيد بن صوحان في المسير إلى منزله بالكوفة لما رأيت من فضله وقصده وحسن هديه فأحسن جواره وكف الاذى عنه وأقبل اليه بوجهك وودك ، فانه قد أعطاني موثقا أن لا ترى منه مكروها . فشكر زيد معاوية وسأله عند وداعه إخراج من حبس ففعل . وبلغ معاوية أن قوما من أهل دمشق يجالسون الاشتر وأصحابه فكتب إلى عثمان : إنك بعثت إلي قوما أفسدوا مصرهم وأنغلوه ، ولا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي و يعلموهم مالا يحسنونه حتى تعود سلامتهم غائلة ، واستقامتهم إعوجاجا . فكتب إلى معاوية يأمره أن يسيرهم إلى حمص ، ففعل وكان واليها عبدالرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة ، ويقال : إن عثمان كتب في ردهم إلى الكوفة فضج منهم سعيد ثانية فكتب في تسييرهم إلى حمص فنزلوا الساحل .
الانساب 5 : 39 - 43 .
صورة مفصلة
إن عثمان أحدث أحداثا مشهورة نقمها الصحابة من تأمير بني أمية ولاسيما الفساق منهم وأرباب السفه وقلة الدين ، وإخراج مال الفئ اليهم وما جرى في أمرعمار وأبي ذر وعبدالله بن مسعود وغير ذلك من الامور التي جرت في أواخر خلافته ، ثم اتفق ان الوليد بن عقبة لما كان عاملا على الكوفة وشهد عليه بشرب الخمر صرفه ، وولى سعيد بن العاص مكانه فقدم سعيد الكوفة واستخلص من أهلها قوما يسمرون عنده فقال سعيد يوما : إن السواد بستان لقريش وبني أمية ، فقال الاشتر النخغي : وتزعم ان السواد الذي أفاء‌ه الله على المسلمين بأسيافنا بستان لك ولقومك ؟ فقال صاحب شرطته : أترد على الامير مقالته ؟ وأغلظ له ، فقال الاشتر لمن حوله من النخع وغيرهم من أشراف الكوفة : ألا تسمعون ؟ فوثبوا عليه بحضرة سعيد فوطؤه وطأ عنيفا وجروا
برجله ، فغلظ ذلك على سعيد وأبعد سماره ، فلم يأذن بعد لهم فجعلوا يشتمون سعيدا في مجالسهم ثم تعدوا ذلك إلى شتم عثمان ، واجتمع إليهم ناس كثيرا حتى غلظ أمرهم فكتب سعيد إلى عثمان في أمرهم فكتب إليه أن يسيرهم إلى الشام لئلا يفسدوا أهل الكوفة وكتب إلى معاوية وهو والي الشام : إن نفرا من أهل الكوفة قد هموا بإثارة الفتنة وقد سيرتهم ، إليك ، فانههم فإن آنست منهم رشد افأحسن إليهم وارددهم إلى بلادهم . فلما قدموا على معاوية ، وكانوا : الاشتر ، ومالك بن كعب الارحبي ، والاسود بن يزيد النخعي ، وعلقمة بن قيس النخعي ، وصعصعة بن صوحان العبدي ، وغيرهم جمعهم يوما وقال لهم : إنكم قوم من العرب ذووا أسنان وألسنة وقد أدركتم بالاسلام شرفا وغلبتم الامم وحويتم مواريثهم ، وقد بلغني انكم ذممتم قريشا ، ونقمتم على الولاة منها ، ولولا قريش لكنتم أذلة إن أئمتكم لكم جنة فلا تفرقوا عن جنتكم ، إن أئمتكم ليصبرون على الجور ويحتملون فيكم العتاب ، والله لتنتهين أوليبتلينكم الله بمن يسومكم الخسف ولا يحمدكم على الصبر ثم تكون شركاؤهم فيما جررتم عليه الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم .
فقال له صعصعة بن صوحان : أما قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية ، وإن غيرها من العرب لاكثر منها وأمنع . فقال معاوية : إنك لخطيب القوم ولا أرى لك عقلا وقد عرفتكم الآن ، وعلمت أن الذي أغراكم قلة العقول ، أعظم عليكم أمر الاسلام فتذكروني الجاهلية ، أخزى الله قوما عظموا أمركم ، افقهوا عني ولا أظنكم تفقهون : إن قريشا لم تعز في جاهلية ولا في الاسلام إلا بالله وحده ، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدها ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا ، وأمحضهم أنسابا ، وأكملهم مروء‌ة ، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس تأكل بعضهم بعضا إلابالله ، فبوأهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم ، هل تعرفون عربا أو عجما أوسودا أو حمرا ؟ إلاوقد أصابهم الدهر في بلدهم وحرمهم إلا ما كان من قريش ، فانه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الاسفل حتى أراد الله تعالى أن يستنقذ من اكرمه باتباع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة ، فارتضى لذلك خير خلقه ، ثم ارتضى له أصحابا ، وكان خيارهم قريشا ، ثم بنى هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة فيهم فلا يصح الامر إلا بهم ، وقد كان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم ، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه أف لك ولاصحابك ، أما أنت يا صعصعة فان قريتك شر القرى ، أنتنها نبتا ، وأعمقها واديا ، وألامها جيرانا ، وأعرفها بالشر ، لم يسكنها شريف قط ، ولا وضيع إلا شب بها نزاع الامم وعبيد فارس ، وأنت شر قومك أحين أبرزك الاسلام وخلطك بالناس أقبلت تبغي دين الله عوجا ، وتنزع إلى الغواية إنه لن يضر ذلك قريشا ولايضعهم ولا يمنعهم من تأدية ما عليهم ، إن الشيطان عنكم لغير غافل ، قد عرفكم بالشر فأغراكم بالناس ، وهو صارعكم وإنكم لا تدركون بالشر أمرا إلا فتح عليكم شر منه وأخزى ، قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم ، لا ينفع الله بكم أحدا ابدا ولا يضره ، ولستم برجال منفعة ولا مضرة ، فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا نبطرنكم النعمة ، فإن البطر لا يجر خيرا ، اذهبوا حيث شئتم ، فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم . وكتب إلى عثمان : إنه قدم علي قوم ليست لهم عقول ولا أديان ، اضجرهم العدل لا يريدون الله بشئ ، ولا يتكلمون بحجة ، إنما هممهم الفتنة والله مبتليهم وفاضحهم وليسوا بالذين نخاف نكايتهم ، وليسوا الاكثر ممن له شعب ونكير . ثم أخرجهم من الشام .
وروى الحسن المدائني : انه كان لهم مع معاوية بالشام مجالس طالت فيها المحاورات والمخاطبات بينهم ، وإن معاوية قال لهم في جملة ما قاله : إن قريشا قد عرفت ان أباسفيان أكرمها وابن أكرمها إلا ما جعل الله لنبيه صلى الله عليه وآله فانه إنتجبه وأكرمه ، ولوان أباسفيان ولد الناس كلهم لكانوا حلماء .
فقال له صعصعة بن صوحان : كذبت ، قد ولدهم خير من أبي سفيان ، من خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البر والفاجر والكيس والاحمق .
قال : ومن المجالس التي دارت بينهم : إن معاوية قال لهم : أيهاالقوم ردو اخيرا واسكنوا وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم والمسلمين فاطلبوه وأطيعوني .
فقال له صعصعة : لست بأهل لذلك ولاكرامة لك أن تطاع في معصية الله .
فقال : إن أول كلام ابتدأت به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعة رسوله وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .
فقال صعصعة : بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله .
فقال : إن كنت فعلت فإني الآن أتوب وآمركم بتقوى الله وطاعته ولزوم الجماعة وأن توقروا أئمتكم وتطيعوهم . فقال صعصعة : إذا كنت تبت فإنا نأمرك أن تعتزل أمرك فإن في المسلمين من هو أحق به منك ممن كان أبوه أحسن أثرا في الاسلام من أبيك ، وهو أحسن قدما في الاسلام منك .
فقال معاوية : إن لي في الاسلام لقدما وإن كان غيري أحسن قدما مني لكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني ، ولقد رأى ذلك عمربن الخطاب ، فلو كان غيري أقوى مني لم يكن عند عمر هوادة لي ولغيري ، ولا حدث ماينبغي له أن أعتزل عملي ، ولو رأى ذلك أميرالمؤمنين لكتب إلي فاعتزلت عمله ، ولو قضى الله أن يفعل ذلك لرجوت أن لا يعزم له على ذلك إلا وهو خير ، فمهلا فإن في دون ما أنتم فيه ، ما يأمر في الشيطان وينهى ، ولعمري لو كانت الامور تقضي على رأيكم وأهوائكم ما استقامت الامور لاهل الاسلام يوما وليلة ، فعودوا الخير وقولوه . فقالوا : لست لذلك أهلا . فقال : أما والله إن لله لسطوات ونقمات وإني لخائف عليكم أن تتبايعوا إلى مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن فيحلكم ذلك دار الهوان في العاجل والآجل . فوثبوا عليه فأخذوا برأسه ولحيته فقال : مه ، إن هذه ليست بأرض الكوفة والله لو رأى اهل الشام ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضا ، ثم قام من عندهم فقال : والله لا أدخل عليكم مدخلا ما بقيت وكتب إلى عثمان :
بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبدالله عثمان أميرالمؤمنين من معاوية بن أبي سفيان
أمابعد : يا أميرالمؤمنين فانك بعثت إلي أقواما يتكلمون بألسنة الشياطين وما يملون عليهم ويأتون الناس زعموا من قبل القرآن فيشبهون على الناس ، وليس كل الناس يعلم ما يريدون ، وإنما يريدون فرقة ، ويقربون فتنة ، قد أثقلهم الاسلام وأضجرهم ، و تمكنت رقى الشيطان من قلوبهم ، فقد أفسدوا كثيرا من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة ، ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم و فجورهم فارددهم إلى مصرهم ، فلتكن دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم . والسلام .
فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فرد هم إليه فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا ، وكتب سعيد إلى عثمان بضج منهم ، فكتب عثمان إلى سعيد أن سيرهم إلى عبدالرحمن بن خالد بن الوليد وكان أميرا على حمص وهم : الاشتر ، وثابت بن قيس الهمداني ( 1 ) وكميل بن زياد النخعي ، وزيد بن صوحان وأخوه صعصعة ، وجندب بن زهير الغامدي ، وحبيب بن كعب الازدي ، وعروة ابن الجعد ( 2 ) وعمرو بن الحمق الخزاعي .
وكتب عثمان إلى الاشتر وأصحابه : أما بعد : فاني قد سيرتكم إلى حمص فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها فإنكم لستم تألون الاسلام وأهله شرا . والسلام . فلماقرأ الاشتر الكتاب قال : أللهم أسوأنا نظرا للرعية ، وأعملنا فيهم بالمعصية فعجل له النقمة . فكتب بذلك سعيد إلى عثمان ، وسار الاشتر وأصحابه إلى حمص فأنزلهم عبدالرحمن بن خالد الساحل وأجرى عليهم رزقا .
وروى الواقدي : إن عبدالرحمن بن خالد جمعهم بعد أن أنزلهم أياما وفرض لهم طعاما ثم قال لهم : يا بني الشيطان لا مرحبا بكم ولا أهلا ، قد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد في بساط ضلالكم وغيكم ، جزى الله عبدالرحمن إن لم يؤذكم ، يا معشر من لا أدري أعرب هم أم عجم ، أتراكم تقولون لي ما قلتم لمعاوية ؟ أنا ابن خالد بن الوليد ، أنا ابن من عجمته العاجمات ، أنا ابن فاقئ عين الردة ، والله يا ابن صوحان لاطيرن بك طيرة بعيدة المهوى إن بلغني أن أحدا ممن معي دق أنفك فاقتنعت رأسك ، قال :
فأقاموا عنده شهرا كلما ركب أمشاهم معه ويقول لصعصعة : يا ابن الخطية ! إن من لم
(هامش ) * ( 1 ) في تاريخ الطبرى : النخعى . بدل : الهمدانى .
( 2 ) في اسد الغابة 3 : 403 : كان ممن سيره عثمان رضي الله عنه إلى الشام من أهل الكوفة . [ * ]
يصلحه الخير أصلحه الشر ، مالك لاتقول كما كنت تقول لسعيد ومعاوية ؟ فيقولون :
نتوب إلى الله ، أقلنا أقالك الله ، فما زال ذاك دأبه ودأبهم حتى قال : تاب الله عليكم . فكتب إلى عثمان يسترضيه عنهم ويسأله فيهم فرد هم إلى الكوفة .
تاريخ الطبري 5 : 88 - 90 ، الكامل لابن الاثير 3 : 57 - 60 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 158 - 160 ورأى هذه الصورة أصح ما ذكر في القضية ، تاريخ ابن خلدون 2 : 387 - 389 ، تاريخ أبي الفداج 1 : 168 في حوادث سنة 33 .
قال الاميني : كان في عظمة أكثر هؤلاء القوم وصلاحهم المتسالم عليه وتقواهم المعترف بها مرتدع من أذاهم وإجفالهم عن مستوى عزهم وموطن إقامتهم وتسييرهم من منفي إلى منفى ، والاصاخة إلى سعاية ذلك الشاب المستهتر والله سبحانه يقول : إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( 1 ( وكان على الخليفة أن يبعث اليه باللا ئمة بل يعاقبه على ما فرط في جنب أولياء الله بتسميته إياهم السفهاء وهم قراء المصر ، وزعماء الملا ، ونساك القطر ، وفقهاء القارة ، وهم القدوة في التقوى والنسك ، وبهم الاسوة في الفقه والاخلاق ، ولم يكن عليهم إلا عدم التنازل لميول ذلك الغلام الزائف ، وعدم مماشاتهم إياه على شهواته ومزاعمه ، وهلا أستشف الخليفة حقيقة ما شجر بينه وبين القوم حتى يحكم فيه بالحق ، لكنه بدل أن يتخذ تلكم الطريقة المثلى في القضية استهواه ذلك الشاب المترف فمال اليه بكله ، ونال من القوم ما نال ، وأوقع بهم ما حبذه له الحب والمعمي والمصم ، لكن الدين وملاه أنكرا ذلك عليه وحفظه التاريخ مما نقم به على عثمان . كانت لائمة معاوية للقوم مزيجها الملاينة لاعن حلم ، وخشونة لا يستمر عليها ، كل ذلك لم يكن لنصرة حق أو ابتغاء إصلاح ، وإنما كان يكاشفهم جلبا لمرضاة الخليفة ، ويوادعهم لما كان يدور في خلده من هوى الخلافة غدا ، وكان يعرف القوم بالشدة والمتبوعية ، فما كان يروقه قطع خط الرجعة بينه وبينهم متى تسنى له الحصول على غايته المتوخاة ، وكانت هذه الخواطر لا تبارحه ، ولا يزال هو يعد الدقائق والثواني للتوصل إليها ، وكان أحب الاشياء إليه إكتساح العراقيل دونها ، ولذلك أطلق سراح
(هامش ) * ( 1 ) سورة الحجرات : 6 . [ * ]
القوم وتثبط عن النهضة لنصرة عثمان لما استنصره ( كما سيأتي تفصيله ) حتى قتل و معاوية في الخاذلين له . وأما إبن خالد فقد مجرى أبيه في الفظاظة والغلظة ، فلم يعاملهم إلا بالرعونة
لم يجاملهم إلا بالقسوة ، وكل إناء بالذي فيه ينضح . وهاهنا نوقفك على نبذ من أحوال من يهمك الوقوف على حياته الثمينة من أولئك الرجال المنفيين الابرار ، حتى تعلم أن ما تقولوه فيهم وفعلوه بهم في منتأى عنهم ، وإنما كان ذلك ظلما وعدوانا ، وتعلم أن ابن حجر مائن فيما يصف به الاشتر من المروق ( 1 ) غير مصيب في قذفه ، متجانف للاثم في الدفاع عن عثمان بقوله : إن المجتهد لا يعترض عليه في أموره الاجتهادية ، لكن أولئك الملاعين المعترضون لافهم لهم بل ولاعقل ( 2 )الاشتر
1 - مالك بن الحارث الاشتر ، أدرك النبي الاعظم وقد أثنى عليه كل من ذكره ، ولم أجد أحدا يغمز فيه ، وثقة العجلي وذكره ابن حبان في الثقات ، ولايحمل عدم رواية أي إمام عنه على تضعيفه ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب 10 : 12 : قال مهنا : سألت أحمد عن الاشتر يروي عنه الحديث ؟ قال : لا . قال : ولم يرد أحمد بذلك تضعيفه ، وإنما نفى أن تكون له رواية . وكفاه فضلا ومنعة كلمات مولانا أميرالمؤمنين في الثناء عليه في حياته وبعد المنون ، وإليك بعض ما جاء في ذلك البطل العظيم :
1 - من كتاب لمولانا أميرالمؤمنين كتبه إلى أهل مصر لما ولى عليهم لاشتر :
أما بعد : فقد بعثت إليكم عبدا من عبادالله لا ينام أيام الخوف ، ولا ينكل عن الاعداء ساعات الروع ، أشد على الفجار من حريق النار . وهو : مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق ، فإنه سيف من سيوف الله ، لا كليل الظبة ( 1 ) ولانابي الضريبة ، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، فإنه لا يقدم ولا يحجم ، ولا يؤخر ولا يقدم إلا عن أمري ، وقد
(هامش ) * ( 1 ) راجع الصواعق ص 68 .
( 2 ) راجع الصواعق ص 68 . [ * ]
آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم ، وشدة شكيمته على عدوكم . إلخ .
تاريخ الطبري 9 : 55 ، نهج البلاغة 2 : 61 ، شرح إبن أبي الحديد 2 : 30 .
صورة أخرى
رواها الشعبي من طريق صعصعة بن صوحان .
أما بعد : فإني قد بعثت إليكم عبدا من عبادالله لا ينام أيام الخوف ، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر ، لا ناكل من قدم ، ولا واه في عزم ، من أشد عبادالله بأسا ، وأكرمهم حسبا ، أضر على الفجار من حريق النار ، وأبعد الناس من دنس أو عار ، وهو : مالك بن الحرث الاشتر ، حسام صارم ، لانابي الضريبة ، ولا كليل الحد ، حكيم في السلم ، رزين في الحرب ، ذو رأي أصيل ، وصبر جميل ، فاسمعوا له وأطيعوا أمره ، فإن أمركم بالنفر فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري ، وقد آثرتكم به نفسي نصيحة لكم ، وشدة شكيمته على عدوكم . إلخ ( 2 )
2 - من كتاب للمولى أميرالمؤمنين كتبه إلى أميرين من أمراء جيشه .
وقد أمرت عليكما وعلى من في حيز كما مالك بن الحارث الاشتر ، فاسمعا له وأطيعا واجعلاه درعا ومجنا ، فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ، ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل .
قال إبن أبي الحديد في شرحه 3 : 417 : فأما ثناء أميرالمؤمنين عليه السلام عليه في هذا الفصل فقد بلغ مع اختصاره مالا يبلغ بالكلام الطويل ، ولعمري كان الاشتر أهلا لذلك ، كان شديد البأس جوادا رئيسا حليما فصيحا شاعرا ، وكان يجمع بين اللين والعنف ، فيسطو في موضع السطوة ، ويرفق في موضع الرفق ، ومن كلام عمر : إن هذا الامر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف ، ولين في غير ضعف . اه‍ .
3 - من كتاب كتبه مولانا أميرالمؤمنين إلى محمد بن أبي بكر يذكر فيه الاشتر فيقول :
إن الرجل الذي كنت وليته مصر كان لنا نصيحا ، وعلى عدونا شديدا ، وقد استكمل أيامه
(هامش ) * ( 1 ) الظبة بتخفيف الموحدة : حد السيف .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 2 : 29 ، جمهرة الرسائل : 1 : 549 .
ولاقى حمامه ، ونحن عنه راضون ، فرضي الله عنه ، وضاعف له الثواب ، وأحسن له المآب
تاريخ الطبري 6 : 55 ، نهج البلاغة 2 : 59 ، الكامل لابن الاثير 3 : 153 ،
شرح ابن أبي الحديد 2 : 30 .
4 - لما بلغ عليا ( أميرالمؤمنين ) موت الاشتر قال : إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين ، . ألهم إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر . ثم قال : رحم الله مالكافقد كان وفى بعهده ، وقضى نحبه ، ولقي ربه ، مع أناقد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وآله فإنها من أعظم المصائب ، قال المغيرة الضبي : لم يزل أمرعلي شديدا حتى مات الاشتر ( 1 )
5 - عن جماعة من أشياخ النخع قالوا : دخلناعلى علي أميرالمؤمنين حين بلغه موت الاشتر فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه ثم قال : لله در مالك ، وما مالك ؟ لو كان من جبل لكان فندا ( 2 ) ، ولو كان من حجر لكان صلدا ، أما والله ليهدن موتك عالما ، وليفرحن عالما ، على مثل مالك فليبك البواكي ، وهل موجود كما لك
وقال علقمة بن قيس النخعي : فما زال على يتلهف ويتأسف حتى ظننا انه المصاب دوننا ، وعرف ذلك في وجهه أياما .
وفي لفظ الشريف الرضي والزبيدي : لو كان جبلا لكان فندا ، لا يرتقيه حافر , ولا يوفى عليه الطائر .
نهج البلاغة 2 : 239 ، شرح إبن أبي الحديد 2 : 30 ، لسان العرب 4 : 336 ،
الكامل لابن الاثير 3 : 153 ، تاج العروس 2 : 454 .
6 - قال ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 416 : كان فارسا شجاعا رئيسا من أكابر الشيعة وعظمائها ، شديد التحقق بولاء أميرالمؤمنين عليه السلام ونصره وقال فيه بعد موته : رحم الله مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
7 - دس معاوية بن أبي سفيان للاشتر مولى عمر فسقاه شربة سويق فيها سم فمات
(هامش ) * ( 1 ) شرح ابن أبى الحديد 2 : 29 .
( 2 ) الفند بالكسر : القطعة العظيمة من الجبل .
فلما بلغ معاوية موته قام خطيبا في الناس فحمدالله وأثنى عليه وقال : أما بعد : فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين وهو عمار بن ياسر ، و قطعت الاخرى اليوم وهو مالك الاشتر . تاريخ الطبري 6 : 255 ، الكامل لابن الاثير 3 : 153 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 29 .
قال الاميني : ما أجرأ الطليق ابن الطليق الطاغية على السرور والتبهج بموت الاخيار الابرار بعد ما يقتلهم ، ويقطع عن أديم الارض اصول بركاتهم ، ويبشر بذلك أمته الفئة الباغية ، ويأمرهم بالدعاء عليهم ، أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الاخسرون ، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ؟ .
8 - وقبل هذه كلها ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في دفن أبي ذر سيد غفار من قوله في لفظ الحاكم وأبي نعيم وأبي عمر : ليموتن أحدكم بفلاة من الارض يشهده عصابة من المؤمنين . وفي لفظ البلاذري : يلي دفنه رهط صالحون . وقد دفنه مالك الاشتر وأصحابه الكوفيون كمافي أنساب البلاذري 5 : 55 ، وحلية الاولياء لابي نعيم 1 : 17 ، المستدرك للحاكم 3: 337 ، الاستيعاب لابي عمر 1 : 83 ، وشرح ابن أبي الحديد ، 3 : 416 فقال : هذا الحديث يدل فضيلة عظيمة للاشتر رحمه الله وهي شهادة قاطعة من النبي صلى الله عليه وآله بأنه مؤمن .
قال الاميني : ما أبعد المسافة بين هذه الشهادة وبين وصف إبن حجر إياه في الصواعق ص 68 بالمروق وعدم الفهم والعقل ، ولعنه إياه وأصحابه الصلحاء ، وقد عزب عنه انه لا يلفظ من قول إلا ولديه رقيب عتيد .
نحن لسنا الآن في صدد التبسط في فضائل مالك وتحليل نفسياته الكريمة ومآثرة الجمة وإلا لاريناك منه كتابا ضخما ، ولقد ناء بشطر مهم منها الفاضلان الشريفان
السيد محمد الرضا آل السيد جعفر الحكيم النجفي ، وابن عمه السيد محمد التقي بن السيد السعيد الحكيم النجفي في كتابيهما المطبوعين المخصوصين بمالك ، وقد سبقهما إلى ذلك بعض علمائنا السابقين ، يوجد كتابه المخطوط في مكتبة مولانا الامام الرضا عليه السلام بخراسان المشرفة ، حيا الله حملة العلم سلفا وخلفا .
2 - زيد بن صوحان العبدي الشهير بزيد الخير ، أدرك النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وترجمه أبوعمروابن الاثير وابن حجر في معاجم الصحابة ، قال أبوعمر : كان فاضلا دينا سيدا في قومه .
أخرج أبويعلى وابن مندة والخطيب وابن عساكر من طريق على عليه السلام مرفوعا :
من سره أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان .
وفي حديث آخر : الاقطع الحبر زيد ، زيد رجل من أمتي تدخل الجنة يده قبل بدنه - قطعت يده يوم القادسية - .
وفي حديث أخرجه ابن مندة وأبوعمر وابن عساكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد وما زيد ؟ يسبقه بعض جسده إلى الجنة ثم يتبعه سائر جسده إلى الجنة .
وأخرج ابن عساكر من طريق الحكم بن عيينه قال : لما أراد زيد أن يركب دابته أمسك عمر بركابه ثم قال لمن حضره : هكذافاصنعوا بزيد وإخوته وأصحابه .
تاريخ ابن عساكر 6 : 11 - 13 ، تاريخ الخطيب 8 : 440 ، الاستيعاب 1 : 197 ،
اسد الغابة 3 : 234 ، بهجة المحافل 2 : 237 ، الاصابة 1 : 582 .
وفي الفائق للزمخشري 1 : 35 : قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام : زيد الخير الاجذم من الخيار الابرار .
وفي معارف ابن قتيبة ص 176 : كان من خيار الناس ، وروي في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : زيد الخير الاجذم ، وجندب ما جندب ؟ فقيل : يارسول الله أتذكر رجلين ؟
فقال : أما أحدهما فسبقته يده إلى الجنة بثلاثين عاما ، وأما الآخر فيضرب ضربة يفصل بها بين الحق والباطل ، فكان أحد الرجلين زيد بن صوحان شهد يوم جلولاء فقطعت يده وشهد مع على يوم الجمل فقال : يا أميرالمؤمنين ما أراني إلا مقتولا . قال : وما علمك بهذا يا أبا سليمان قال : رأيت يدي نزلت من السماء وهي تستشيلني . فقتله عمرو ابن يثربي وقتل أخاه سليمان يوم الجمل .
وفي تاريخ الخطيب 8 : 439 : كان زيد يقوم الليل ويصوم النهار واذا كانت ليلة الجمعة أحياها ، وقال : قتل يوم الجمل وقال : ادفنوني في ثيابي فاني مخاصم . وفي رواية :
لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا إلا الخفين ، وارمسوني الارض رمسا فإني رجل محاج . زاد أبونعيم : أحاج يوم القيامة .
وفي مرآة الجنان لليافعي 1 : 99 : كان زيد بن سادة التابعين صواما قواماو
في شذرات الذهب 1 : 44 : من خواص علي من الصلحاء الاتقياء .
وقال عقيل بن أبي طالب لمعاوية في حديث مروج الذهب 2 : 75 : أما زيد و عبدالله ( أخوه ) فانهما نهران جاريان يصب فيهما الخلجان ، ويغاث بهما اللهفان ، رجلا جد لا لعب معه .
ووصفه أخوه صعصعة لابن عباس لما قال له : أين أخواك منك زيد وعبدالله ؟ صفهما فقال : كان " زيد " والله يا ابن عباس عظيم المروة ، شريف الاخوة ، جليل الخطر ، بعيد الاثر ، كميش العروة ، أليف البدوة ، سليم جوانح الصدر ، قليل وساوس الدهر ، ذاكر الله طرفي النهار وزلفا من الليل ، الجوع والشبع عنده سيان ، لا ينافس في الدنيا ، وأقل في أصحابه من ينافس فيها ، يطيل السكوت ، ويحفظ الكلام ، وإن ينطق نطق بمقام يهرب منه الدعار الاشرار ، ويألفه الاحرار الاخيار . فقال ابن عباس : ما ظنك برجل من أهل الجنة ، رحم الله زيدا .
3 - صعصعة بن صوحان العبدي أخو زيد الخير المذكور ، ذكر في معاجم الصحابة قال أبوعمر : كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلقه ولم يره . كان سيدا فصيحا خطيبا دينا . قال الشعبي : كنت أتعلم منه الخطب ، وقال عقيل بن علي بن أبي طالب
لمعاوية في حديث : أما صعصعة فعظيم الشأن ، عضب اللسان ، قائد فرسان ، قاتل أقران ،
يرتق مافتق ، ويفتق مارتق ، قليل النظير ، وقال ابن الاثير : كان سيدا من سادات قومه عبدالقيس ، وكان فصيحا خطيبا لسنا دينا فاضلا يعد في أصحاب علي رضي الله عنه .
له مع عثمان محاورة سيوافيك شئ منها ، ومواقفه مع معاوية ذكرت جملة منها في مروج الذهب 2 : 76 - 83 ، وتاريخ ابن عساكر 6 : 424 - 427 ، وثقه ابن سعد
والنسائي وابن حبان وابن عساكر وابن الاثير وابن حجر .
أخرج ابن شبة أن عمر بن الخطاب قسم المال الذي بعث اليه أبوموسى وكان
ألف ألف درهم وفضلت منه فضلة فاختلفوا عليه حيث يضعها فقام خطيبا فحمدالله وأثنى عليه وقال : أيهاالناس قدبقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس فما تقولون فيها ؟ فقام صعصعة بن صوحان وهو غلام شاب فقال : يا أميرالمؤمنين إنما تشاور الناس لم ينزل الله فيه قرآنا ، أما ما أنزل الله به القرآن ووضعه مواضعه فضعه في مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها فقال : صدقت أنت مني وأنا منك . فقسمه بين المسلمين .
راجع طبقات ابن سعد ، مروج الذهب ، تاريخ ابن عساكر ، الاستيعاب ، أسد الغابة ، الاصابة ، تهذيب التهذيب ، خلاصة الجزري .
4 - جندب بن زهير الازدي ، صحابي مترجم له في الاستيعاب ، وأسد الغابة ، والاصابة وله في يومي الجمل وصفين مواقف محمودة مع أميرالمؤمنين عليه السلام .
5 - كعب بن عبدة ، سمعت فيما مر عن البلاذري انه كان ناسكا .
6 - عدي بن حاتم الطائي ، صحابي عظيم قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله سنة 7 لم يختلف اثنان في ثقته أخرج حديثه أئمة الصحاح الست ، وقد أثنى عليه عمر بن الخطاب لما
قال له : يا أميرالمؤمنين أتعرفني ؟ فقال : نعم والله إني لاعرفك ، اكرمك الله بأحسن المعرفة ، أعرفك والله آمنت إذ كفروا ، وعرفت إذ أنكروا ، ووفيت إذ غدروا ، وأقبلت إذ أدبروا ، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه أصحابه صدقة طئ جئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم أخذ يعتذر .
أخرجه أحمد في المسند 1 : 45 ، وابن سعد في الطبقات ، ومسلم في صحيحه ،
وأبوعمر في الاستيعاب ، والخطيب في تاريخه ، وابن الاثير في أسد الغابة وفيه : انه كان منحرفا عن عثمان ، وابن حجر في تهذيب التهذيب 7 : 166 .
وأعجب ما أجده من التحريف في تاريخ الخطيب ما أخرجه في ج 1 : 191 بالاسناد عن المغيرة قال : خرج عدي بن حاتم ، وجرير بن عبدالله البجلي ، وحنظلة الكاتب من الكوفة فنزلوا قرقيساء وقالوا : لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان . والصواب : يشتم فيه علي . فبدلت يد التحريف عليا بعثمان وذكره على علاته
ابن حجر في تهذيب التهذيب 7 : 167 . توجد ترجمة عدي في الاستيعاب ، تاريخ بغداد ج 1 ، أسد الغابة ، الاصابة ، تهذيب التهذيب .
7 - مالك بن حبيب . له إدراك عد من الصحابة .
8 - يزيد بن قيس الارحبي . له إدراك وكان رئيسا كبيرا عظيما عند الناس ولما ثار أهل الكوفة على عثمان اجتمع قراء الكوفة وأمروه ، وكان مع علي في حروبه و ولاه شرطته ثم ولاه اصبهان والري وهمذان وهو المعني في قول ثمامة :
معاوي إن لا تسرع السير نحونا * فبايع عليا أو يزيد اليمانيا
وله يوم صفين مواقف وخطابات تعرب عن نفسياته الكريمة وملكاته الفاضلة ، تذكر وتشكر ، ذكر جملة منها ابن مزاحم في كتاب صفين ، والطبري في تاريخه ، وابن الاثير في الكامل ، ومما ذكروه قوله :
إن المسلم السليم من سلم دينه ورأيه ، إن هؤلاء القوم ما إن يقاتلونا على إقامة دين رأونا ضيعناه ، ولا إحياء عدل رأونا أمتناه ، ولا يقاتلونا إلا على إقامة الدنيا ، ليكونوا جبابرة فيها ملوكا ، فلو ظهروا - عليكم لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا - إذا ألزموكم مثل سعيد والوليد وعبيدالله بن عامر السفيه ، يحدث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت ، ويأخذ مال الله ويقول : هذا لي ولا إثم علي فيه ، كأنما أعطي تراثه من أبيه ، وإنما هو مال الله أفاء‌ه علينا بأسيافنا ورماحنا ، قاتلوا ، عبادالله ! القوم الظالمين الحاكمين بغيرما أنزل الله ، ولا تأخذكم في جهادهم لومة لائم ، إنهم إن ظهروا عليكم يفسدوا دينكم ودنياكم ، وهم من قد عرفتهم وجربتم ، والله ما أرادو إلى هذا إلا شرا ، واستغفر الله العظيم لي ولكم ( 1 )
9 - عمرو بن الحمق ( 2 ) بن حبيب الخزاعي الكعبي . صحب النبي الاعظم وحفظ عنه أحاديث ، وحظى بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم له لما سقاه لبنا وبقوله : أللهم أمتعه بشبابه فاستكمل الثمانين من عمره ولم يرشعرة بيضاء ( 3 )
أخرج حديثه البخاري في التعاليق ، وابن ماجة والنسائي وغيرهم ، وكان من أعوان حجر بن عدي سلام الله عليه وعليهم ، ترجمه أبوعمر في الاستيعاب ، وابن الاثير في أسد الغابة ، وابن حجر في الاصابة ، ولم أجد كلمة غمز لاي أحدفيه مع قولهم : كان ممن سار إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو أحد
(هامش ) * ( 1 ) كتاب صفين ص 279 ، تاريخ الطبرى 6 : 10 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 485 ، الاصابه 3 : 675 .
( 2 ) بفتح المهملة وكسر الميم .
( 3 ) اسدالغابة 4 : 100 ، الاصابة 2 : 533 .
الاربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا وصاربعد ذلك من شيعة علي . وقولهم :
إنه كان ممن قام على عثمان . وقولهم : كان أحد من ألب على عثمان .
وله يوم صفين مواقف مشكورة وكلم قيمة خالدة مع الابد تعرب عن ايمانه الخالص ، وروحه النزحة الطاهرة ، راجع كتاب صفين لابن مزاحم ص 115 ، 433 ، 454 ، 551 .
قال ابن الاثير في اسد الغابة 4 : 101 : قبره مشهوربظاهر الموصل يزار ، وعليه مشهد كبير ابتدأ بعمارته أبوعبدالله سعيد بن حمدان - وهو ابن عم سيف الدولة وناصر الدولة ابني حمدان - في شعبان من سنة ست وثلاثين و ثلاثمائة ، وجرى بين السنة والشيعة فتنة بسبب عمارته .
10 - عروة بن الجعد ، ويقال : أبي الجعد البارقي الازدي ، صحابي مرضي مترجم له في معاجم الصحابة : الاستيعاب ، أسد الغابة ، الاصابة . روى حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الاجر والمغنم . قال شيب بن غرفدة : رأيت في دار عروة سبعين فرسا رغبة في رباط الخيل ( 1 ) أخرج حديثه أئمة الصحاح الست فيها .
11 - أصعر بن قيس بن الحارث الحارثي : له إدراك ذكره ابن حجر في الاصابة 1 : 109 .
12 - كميل بن زياد النخعي ، كان شريفا في قومه قتله الحجاج سنة 42 ، وثقه ابن سعد ، وابن معين ، والعجلي ، وابن عمار ، وذكره ابن حبان في الثقات ( 2 )
13 - الحارث بن عبدالله الاعور الهمداني ، من وراة الصحاح الاربعة من الستة قال ابن معين : ثقة . وقال ابن أبي داود : كان أفقه الناس ، وأحسب الناس ، وأفرض الناس ، تعلم الفرائض من علي قال ابن أبي خيثمة : قيل ليحيى : يحتج بالحارث ؟
فقال : ما زال المحدثون يقلبون حديثه . وقال أحمد بن صالح المصري : ثقة ماأحفظه وما أحسن ما روى عن علي وأثنى عليه . ووثقه ابن سعد .
وهناك من كذبه والعمدة في ذلك الشعبي . قال ابن عبدالبر في كتاب العلم :
(هامش ) * ( 1 ) صحيح البخارى في المناقب باب قول الله تعالى : يعرفونه كمايعرفون ابنائهم
( 2 ) تهذيب التهذيب 8 : 447 . [ * ]
أظن الشعبي عوقب بقوله في الحارث : كذاب ، ولم يبن من الحارث كذبه ، وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي .
وقال أحمد بن صالح : لم يكن الحارث يكذب في الحديث ، إنما كان كذبه في رأيه
وقال الذهبي : والنسائي مع تعنته في الرجال قد احتج به والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في الابواب .( تهذيب التهذيب 2 : 145 ، 147 )
فمحصل القول في الهمداني : انه لا مغمز فيه غير نزعته العلوية الممدوحة عندالله وعند رسوله
- 44 - تسيير الخليفة كعب بن عبدة وضربه
كتب جماعة من القراء إلى عثمان منهم معقل بن قيس الرياحي ، وعبدالله بن الطفيل العامري ، ومالك بن حبيب التميمي ، ويزيد بن قيس الارحبي ، وحجر بن عدي الكندي ، وعمروبن الحمق الخزاعي ، وسليمان بن صرد الخزاعي ويكنى أبامطرف ، والمسيب بن نجبة الفزاري ، وزيد بن حصن الطائي ، وكعب بن عبدة النهدي ، وزياد ابن النضر بن بشربن مالك بن الديان الحارثي ، ومسلمة بن عبدالقاري من القارة من بني الهون بن خزيمة بن مدركة . إن سعيدا كثر على قوم من أهل الورع والفضل والعفاف فحملك في أمرهم على مالا يحل في دين ولا يحسن في سماع ، وإنا نذكرك الله في أمة محمد ، فقد خفنا أن يكون فساد أمرهم على يديك ، لانك قد حملت بني أبيك على رقابهم ، واعلم أن لك ناصرا ظالما ، وناقما عليك مظلوما ، فمتى نصرك الظالم ونقم عليك الناقم تباين الفريقان واختلفت الكلمة ، ونحن نشهد عليك الله وكفى به شهيدا ، فانك أميرنا ما أطعت الله و استقمت ، ولن تجد دون الله ملتحدا ولا عنه منتقذا .
ولم يسم أحد منهم نفسه في الكتاب وبعثوا به مع رجل من عنزة يكنى أبا ربيعة وكتب كعب بن عبدة كتابا من نفسه تسمى فيه ودفعه إلى أبي ربيعة ، فلما قدم أبوربيعة على عثمان سأله عن أسماء الذين كتبوا الكتاب فلم يخبره فأراد ضربه و حبسه فمنعه علي من ذلك وقال : إنما هو رسول أدى ما حمل ، وكتب عثمان إلى سعيد أن يضرب كعب بن عبدة عشرين سوطا ، ويحول ديوانه إلى الري . ففعل ثم إن عثمان تحوب وندم فكتب في إشخاصه اليه ففعل فلما ورد عليه قال له : إنه كانت مني طيرة ثم نزع ثيابه وألقى اليه سوطا وقال : إقتص ، فقال : قد عفوت يا أميرالمؤمنين ويقال : إن عثمان لما قرأ كتاب كعب كتب إلى سعيد في إشخاصه اليه فأشخصه اليه مع رجل أعرابي من أعراب بني أسد فلما رأي الاعرابي صلاته وعرف نسكه وفضله قال :
ليت حظي من مسيري بكعب * عفوه عني وغفران ذنبي
فلما قدم به على عثمان قال عثمان : لان تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وكان شابا حديث السن نحيفا ثم أقبل عليه فقال : أأنت تعلمني الحق وقد قرأت كتاب الله وأنت في صلب رجل مشرك فقال له كعب : إن إمارة المؤمنين إنما كانت لك بما أوجبته الشورى حين عاهدت الله على نفسك في ( أن ) تسيرن بسيرة نبيه ، لاتقصرعنها وإن يشاورونا فيك ثانية نقلناها عنك ، ياعثمان إن كتاب الله لمن بلغه وقرأه وقد شركناك في قرائته ، ومتى لم يعمل القارئ بما فيه كان حجة عليه . فقال عثمان : والله ما أظنك تدري أين ربك ؟ فقال : هو بالمرصاد . فقال مروان : حلمك أغرى مثل هذا بك وجرأء عليك . فأمر عثمان بكعب فجرد وضرب عشرين سوطا ، وسيره إلى دباوند ( 1) ويقال : إلى جبل الدخان ، ، فلما ورد على سعيد حمله مع بكير بن حمران الاحمري فقال : الدهقان الذي ورد عليه : لم فعل بهذا الرجل ما أرى ؟ قال بكير : لانه شرير فقال : إن قوما هذا من شرارهم لخيار .
ثم إن طلحة والزبير وبخا عثمان في أمر كعب وغيره وقال طلحة : عندغب الصدر يحمد عاقبة الورد . فكتب في رد كعب رضي الله عنه وحمله إليه فلما قدم عليه نزع ثوبه وقال : يا كعب إقتص . فعفا رضي الله عنهم اجمعين ( 2 )
وعد الحلبي في السيرة 2 : 87 من جملة ما انتقم به على عثمان : انه ضرب كعب
(هامش ) * ( 1 ) بفتح المهملة وتضم ويقال : دنباوند ، ودماوند بالميم بدل الموحدة : كورة من كورة الرى
( 2 ) انساب البلاذرى 5 : 41 - 43 ، تاريخ الطبرى 5 : 137 ، الرياض النضرة 2 : 140
149 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 168 ، الصواعق ص 68 ، واللفظ للبلاذرى .
ابن عبدة عشرين سوطا ونفاه إلى بعض الجبال .
قال الاميني : ألا تعجب في أمر هذا الخليفة ان مناوئيه كلهم في عاصمة الخلافة وبقية الاوساط الاسلامية خيار البلاد وصلحاء الامة ؟ كما أن من اكتنف به وأغراه بالابرارهم المتهتكون في الدين ، المفضوحون بالسمعة الشائنة ، رواد الشره ، وسماسرة المطامع ، من طغمة الامويين ومن يقتص أثرهم ، فلا ترى له سوط عذاب يرفع إلا وكان مصبه أولئك الصالحون ، كما أنك لا تجد جميلا له يسدى ولا يدا موفورة إلا لاولئك الساقطين ، فهل بعث الخليفة ( وهو رحمة للعالمين ) نقمة على المؤمنين ؟ أم ماذا كانت حقيقة الامر ؟ أنا لا أدري لماذاأسخط الخليفة كتاب القوم فأراد بحامله السوء من حبس وضرب بعد يأسه عن معرفة كاتبيه لولا أن عليا أميرالمؤمنين حال بينه وبين ما يشتهيه ، وهل كان الرجل إلا وسيطا كلف بالرسالة فأداها ؟ ولعله لم يكن يعلم ما فيها ، وليس في الكتاب إلا التذكير بالله ، والتحذير عما يوجب تفريق الكلمة ، وإقلاق السلام ، وإظهار الطاعة بشرط طاعة الله والاستقامة الذي هو مأخوذ في الخليفة قبل كل شئ ( وعليه جرى انتخاب يوم الشورى ) وإيقافه على مكان سيعد الشاب الغر من السعاية التي خافوا أن تكون ، وبالا عليه ، وبالاخير وقع ماخافوا منه وحذروا الخليفة عنه ، والشهادة لاولئك المنفيين بالبراء‌ة مما نبزوا به وانهم من أهل الورع والفضل والعفاف ، وإن تسييرهم لا يحل في دين الله ، ويشوه سمعة الخليفة . ولماذا أغضبه كتاب كعب ؟ وهو بطبع الحال لدة ما كتبه القوم من النصح الجميل . ولماذا أمر بإشخاصه إلى المدينة وضربه وجازاه على نصحه بجزاء سنمار ؟ فهلا انبعث الخليفة إلى التفاهم مع القوم فيما أظهروا انهم يتحرون ما فيه صلاحه وصلاح الامة ؟ فإما أن يقنعهم بما عنده ، أو يقتنع بمايبدونه ، فيرتفع ذلك الحوار ، وتدفع عنه المثلات ، لكنه أبى إلا أن يستمر على ما ارتآه وحبذه له المحتفون به الذين إتخذوه قنطرة إلى شهواتهم ، ولذلك لم يتفاهم مع كعب إلا بالغلظة فقال له : أأنت تعلمني . الخ . أنا لا أدري موقع هذا الكلام التافه ، هل الكون في صلب رجل مشرك يحط من كرامة الانسان وقد آمن بالله ورسوله ؟ إذن لتسرب النقص إلى الصحابة الذين نقلوا من أصلاب المشركين وارتكضوا في أرحام المشركات ، وكثير منهم أشركوا بالله قبل إسلامهم ، لكن الاسلام يجب ما قبله ، وهل الاصلاب والارحام إلا أوعية ثم السبق إلى قراء الكتاب العزيز هل هو بمجرده يرفع من قدر الرجل حتى إذا لم يعمل به كما أجاب به وفصله كعب ؟ ولا أدري ما يريد الخليفة بقوله : والله ما أظنك تدري أين ربك . هل هو يريد المكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأي مسلم لا يعرف ان ربه لا يقله حيز ، فإنه حري بالسقوط ، وما أحسن جواب كعب من قوله : هو بالمرصاد ، فإن كان يريد مثل ما قاله كعب فلماذا احتمل ان مثل كعب الموصوف بالفضيلة والتقوى لا يعرف ذلك وهل يريد عندئذ إلا إهانة الرجل وهتكه ثم ماذا كان في هذه المحاورة حتى عند مروان سكوت الخليفة عنه من الحلم وكلام كعب من الجرأة وثور الخليفة على الرجل وهنالك إنفجر بركان غضبه فأمر به فجرد وضرب وسير ، وعوقب لنصحه وصلاحه ، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم .
لقد أراد القوم أن يزحزحوا التبعة عن عثمان فاختلق كل شيئا من غير تواطؤ بينهم حتى يفتعلوا أمرا واحدا ، ففي ذيل هذه الرواية ان الخليفة ندم على ما فعل وتاب بعد توبيخ طلحة والزبير إياه واستعفى الرجل فعفى عنه ، ولم يعلم المتقول أن خليفة لا يملك طيشه حيث لا موجب له لا يأتمن على دين ولادنيا ، فان من الممكن عندئذ أن يقتحهم المهالك حيث لا موبخ فيستمر عليها وفيهلك ويهلك ، وإن مما قاله الخليفة نفسه يوم الدار عن الثائرين عليه : إنهم يخيروني إحدى ثلاث : إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابا غير متروك منه شئ ، فقلت لهم : أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقد من أحد منهم . الخ . وهذه الكلمة تعطينا انه ما كان يتنازل للاقادة حتى في أحرج ساعاته المشارفة لقتله ، فكيف بآونة السعة وساعة المقدرة ؟ فما يزعمه هذا الناحت لذيل الرواية من أنه تنازل لكعب لان يقيده بنفسه لا يكاد يلائم مع هذه النفسية ، ولو كان فعل شيئا من ذلك لتشبث به في ذلك المأزق الحرج .
وهناك رواية أخرى جاء ، بها الطبري من طريق السري الكذاب المتروك عن شعيب المجهول عن سيف الوضاع المرمي بالزندقة المتفق على ضعفه ( 1 ) عن محمد وطلحة
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في ج 8 : 84 ، 140 ، 141 ، 326 333 من كلمات الحفاظ حول رجال الاسناد *)
ان كعبا كان يعالج نيرنجا ( 1 ) فبلغ ذلك عثمان فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك فإن أقربه فأوجعه ، فدعابه فسأله فقال : إنما هو رفق وأمر يعجب منه فأمر به فعزر وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان : إنه قد جد بكم فعليكم بالجد وإياكم والهزال فكان الناس عليه وتعجبوا من وقوف عثمان على مثل خبره فغضب فنفر في الذين نفروا فضرب معهم فكتب إلى عثمان فيه ، فلما سير إلى الشام من سير سير كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبدالله وكان دينه كدينه إلى دنباوند لانها أرض سحرة فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد .
لعمري لئن طردتني ما إلى التي * طمعت بها من سقطتي لسبيل
رجوت رجوعي يا ابن أروى ورجعتي * إلى الحق دهر اغال ذلك غول
وإن اغترابي في البلاد وجفوتي * وشتمي في ذات الآله قليل
وإن دعائي كل يوم وليلة * عليك بدنباوندكم لطويل
فلما ولى سعيد أقفله وأحسن إليه واستصلحه فكفره فلم يزدد إلا فسادا ( 2 )
شوه الطبري صحيفة تاريخه بمكاتبات السري وقد أسلفنا في الجزء الثامن انها موضوعة كلها ، اختلق الرجل في كل ما ينتقد به عثمان رواية تظهر فيها لوائح الكذب ، يريد بها رفاء لما هنالك من فتق ، وهو الذي قذف أباذر ونظرائه من الصالحين ، غير مكترث لمغبة الكذب والافتراء ، ومن ملامح الكذب في هذه الرواية أن تسيير من سير إلى الشام من قراء الكوفة ونساكها وضرب كعب إنما هو على عهد سعيد بن العاص لا الوليد بن عقبة كما زعمه مختلق الرواية .
وإن كتاب عثمان إلى الوليد لا يصلح ولم يؤثر في أي من مدونات التاريخ والسير ولو كان تفرد به أناس يوثق بهم لكان مجالا للقبول ، لكن الرواية كما قيل :
صحاحهم عن سجاح عن مسيلمة * عن ابن حيان والدوسي يمليه
وكلهم ينتهي إسناد باطله * إلى عزازيل منشيه ومنهيه ( 3 )
(هامش ) * ( 1 ) النيرج والنيرج : اخذ كالسحر وليس به .
( 2 ) تاريخ الطبرى 5 : 137 .
( 3 ) البيتان من قصيدة للشريف ابن فلاح الكاظمى .
على أنه يقول فيها : إن وليدا قرأه على رؤس الاشهاد ، كأنه يحاول معذرة عما أرتكب من كعب ، وإنه كان برضى من المسلمين ، ولو صحت المزعمة لكانت مستفيضة إذ الدواعي كانت متوفرة على نقلها ، لكنهم لم يسمعوها فلم يرووها ، مضافا إلى أن المعروف من كعب بن عبدة انه كان من نساك الكوفة وقرائها كما سمعته من كلام البلاذري وغيره لا ممن يتلهى بالنيرنجات وأشباهها . وإن تعجب فعجب ان صاحب النيرنج - لو صدقت الاحلام - يعزز ويعاقب ، ومعاقر الخمور وليد الفجور لا يحدلشربه الخمر إلا بعد نقمة الصحابة على خليفة الوقت من جراء ذلك ، ثم يكون مقيم الحد عليه غيره وهو مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ولم يكن في أولئك المسيرين من يسمى مالك بن عبدالله وإنما كان فيهم مالك بن الحارث الاشتر ، ومالك بن حبيب الصحابيان كما تقدم ذكرهما . وأبيات كعب تناسب أن يخاطب بها عثمان لا الوليد فإنه هو ابن أروى بنت كريز وفيها صراحة بسبب إغتراب كعب وجفوته وشتمه ، وانها كانت في ذات الله ، يقول ذلك بملا فمه ولا يرد عليه راد بأنها ليست في ذات الله وإنما هي لانه كان يعالج نيرنجا . هكذا لعبت بالتاريخ يد الاهواء والشهوات تزلفا إلى أناس وانحيازا عن آخرين ، فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون .
- 45 - تسيير الخليفة عامر بن عبد قيس التميمي البصري الزاهد الناسك إلى الشام .
أخرج الطبري من طريق العلاء بن عبدالله بن زيد العنبري إنه قال : إجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع ، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه ويخبره بأحداثه ، فأرسلوا إليه عامر بن عبدالله التميمي ثم العنبرى وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فأتاه فدخل عليه فقال له : إن ناسا من المسلمين إجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله عزوجل وتب إليه وانزع عنها .
قال له عثمان : انظر إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه قارئ ثم هو يجئ فيكلمني في المحقرات فوالله ما يدري أين الله . قال عامر : أنالا أدري أين الله ؟ قال نعم ، والله ما تدري أين الله . قال عامر : بلى والله إني لادري إن الله بالمرصاد لك . فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان ، وإلى عبدالله بن سعد بن أبي سرح ، وإلى سعيد ابن العاص ، وإلى عمرو بن العاص ، وإلى عبدالله بن عامر فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغ عنهم فلما اجتموا عنده قال لهم : إن لكل امرئ وزراء ونصحاء وانكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي ، وقد صنع الناس ما قد رأيتم ، وطلبوا إلى أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدو رأيكم وأشيروا علي .
فقال له عبدالله بن عامر : رأيي لك يا أميرالمؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك ، فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه . ثم أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له : ما رأيك ؟ قال : يا أميرالمؤمنين إن كنت تريد رأينا فاحسم عنك الداء واقطع عنك الذي تخاف ، واعمل برأيي تصب . قال : وما هو ؟ قال : إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر . فقال عثمان : إن هذا الرأي لولا ما فيه . ثم أقبل على معاوية فقال : ما رأيك ؟ قال : أرى لك يا أمير المؤمين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم وأنا ضامن لك قبلي . ثم أقبل على عبدالله بن سعد فقال : ما رأيك ؟ قال : أرى يا أميرالمؤمنين إن الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم . ثم أقبل على عمرو بن عاص فقال له : ما رأيك ؟ قال : أرى إنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل ، فإن أبيت فاعتزم إن تعتزل ، فإن أبيت فاعتزم عزما وامض قدما .
فقال عثمان : مالك قمل فروك ؟ أهذا الجد منك ؟ فأسكت عنه دهرا حتى إذا تفرق القوم قال عمرو : لا والله يا أميرالمؤمنين ! لانت أعز علي من ذلك ، ولكن : قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوابي فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا .
فرد عثمان عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وأمرهم بتجمير الناس في البعوث ، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاج إليه ( 1 )
وقال البلاذري في الانساب 5 : 57 : قال أبومخنف لوط بن يحيى وغيره : كان عامر ابن قيس التميمي ينكر على عثمان أمره وسيرته فكتب حمران بن أبان مولى عثمان إلى عثمان بخبره فكتب عثمان إلى عبدالله بن عامربن كريز في فحمله فلما قدم عليه فرآه وقد أعظم الناس إشخاصه وإزعاجه عن بلده لعبادته وزهده ، ألطفه وأكرمه ورده إلى البصرة .
وروى ابن المبارك في الزهد من طريق بلال بن سعد أن عامر بن عبد قيس وشي به إلى عثمان ، فأمر أن ينفى إلى الشام على قتب ، فأنزله معاوية الخضراء وبعث اليه بجارية وأمرها أن تعلمه ما حاله ، فكان يقوم الليل كله ويخرج من السحر فلا يعود إلا بعد العتمة ، ولا يتناول من طعام معاوية شيئا ، كان يجئ معه بكسر فيجعلها في ماء فيأكلها ويشرب من ذلك الماء ، فكتب معاوية إلى عثمان بحاله فأمره أن يصله ويدنيه فقال : لا ارب لي في ذلك .
(الاصابة لابن حجر 3 : 85 )
وذكر ابن قتيبة في المعارف ص 84 و 194 ، وابن عبدربه في العقد الفريد 2 : 261 ، والراغب في المحاضرات 2 : 212 جملة ممانقم به على عثمان وعد وامنه : انه سير عامربن عبد قيس من البصرة إلى الشام ، وقال ابن قتيبة : كان خيرا فاضلا .
قال الاميني : منظر غريب لعمرك في ذلك اليوم ، أليس من المستغرب ان صلحاء البلاد مضطهدون فيه على بكرة أبيهم ؟ فمن راسف تحت نير الاضطهاد ، ومن معتقل في غيابة الجب ، ومن مغترب يجفل به من منفى إلى منفى ، ومن منقطع عن العطاء ، ومن ممقوت ينظر اليه شزرا ، ومن مضروب تدق به أضالعه ، إلى المشتوم يهتك به الملا الديني لماذا ذلك كله ؟ لانهم غضبوا للحق ، وانكروا المنكر ، فهلا كان في وسع من يفعل بهم ذلك إقناعهم بالاقلاع عما ينكرونه وفيه رضا الله قبل كل شئ ، ومرضاة رسوله من بعده ، ومرضاة الامة جمعاء ، وبه كانت تدحر عنه المثلاث وتخمد الفتن ، وكانت فيه مجلبة للمودة ، ومكتسح للقلاقل ، وهو أدعى لجمام النفس ، وسيادة الامن ، وإزاحة الهرج
(هامش ) * ( 1 ) أنساب البلاذرى 5 : 43 ، تاريخ الطبرى 5 : 94 ، الكامل لابن الاثير 3 : 62 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 390 .
، وكان خيرا له من ارتكاب العظائم بالنفي والضرب والشتم والازعاج والجفوة ،
ولو كان الخليفة يرى خطأهم في إنكارهم عليه فإنه كان في وسعه أن يعقد لهم محتفلا للتفاهم ، فإما أن يتنازلوا عن بعض ما أرادوا ، أو يتنازل هو عن بعض ما يبتغيه ، أو يتكافئا في التنازل فتقع خيرة الكل على أمر واحد ، وكان عقد هذا المنتدى خيرا له مما عقده للنظر في شأن عامر بن عبد قيس ، وجمع خلقا من أصول الجور ، وجذوم الفتن ، وجراثيم العيث والفساد ، فروع الشجرة الملعونة ، وهم الذين جروا اليه الويلات بجورهم وفجورهم واستعبادهم الامة وابتغائهم الغوائل ، وهملجتهم وراء المطامع ، فلم يسمع منهم في ذلك المجتمع ولا في غيره إلا رأي مستغش ، ونظرية خائن ، أو أفيكة مائن ، أو دسيسة لعين بلسان النبي الاقدس مرة بعد أخرى ، وهو مع ذلك يراهم وزراء‌ه ونصحاء‌ه وأهل ثقته أولا تعجب من خلافة يكون هؤلاء وزرائها ونصحائها وأهل ثقة صاحبها ؟ ثم انظر كيف كان التفاهم بين الرجلين : الخليفة وسفير المسلمين اليه ، هذا يذكره بالتقوى وبالتوبة إلى الله وينهاه عن ارتكاب العظائم التي استعظمها المسلمون العلماء منهم والقراء والنساك وذووا الرأي والمسكة ، والخليفة يعد ما استعظمته الامة من المحقرات ، ثم يهزأ به ويقذفه بقلة المعرفة مشفوعا ذلك باليمين كما قذف به كعبا و صعصعة بن صوحان وسمع منهما ما سمعه من عامر لانهم حملة العلم ، والعلم حرف واحد كثره الجاهلون . والاعجب كيف يعيرالخليفة إلى سعاية حمران بن أبان أذنا واعية وقد رآه على الفاحشة هو بنفسه وذلك انه تزوج امرأة في العدة فضربه ونفاه إلى البصرة ( 1 ) و أسر اليه سرا فأخبر به عبدالرحمن بن عوف ، ، فغضب عليه عثمان ونفاه ( 2 ) وقال البلاذري
في الانساب 5 : 75 : كان عثمان وجه حمران إلى الكوفة حين شكا الناس الوليد بن عقبة ليأتيه بحقيقة خبره فرشاه الوليد فلما قدم على عثمان كذب عن الوليد وقرظه ثم إنه لقي مروان فسأله عن الوليد فقال له : الامر جليل فأخبر مروان عثمان بذلك فغضب على حمران وغربه إلى البصرة لكذبه إياه وأقطعه دارا .
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 91 ، الكامل لابن الاثير 3 : 60 .
( 2 ) تهذيب التهذيب 3 : 24 .
كيف وثق خليفة المسلمين بخبر إنسان هذا شأنه من الفسق والتهور والله جل اسمه يقول : إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا ، أن تصيبوا قوما بجهالة . الآية
ثم اعجب أن حمران نفاه الخليفة على فسقه وأقطعه دارا لجمع شمله ، والعبد الصالح أبوذر الغفاري الصادق المصدوق أجفل إلى الربدة ، وترك في البر الاقفر لا يأوي إلى مضرب ، ولا يظله خباء ، هذا من هوان الدنيا على الله . وهل الخليفة عرف عامرا ومكانته في الامة ومنزلته من الزهد والتقوى ومحله من التعبد والنزاهة ، فأصاخ فيه إلى قول الوشاة وأشخصه إلى المدينة مرة وسيره إلى الشام على القتب أخرى ، وأزرى به وأهانه حين مثل بين يديه ؟ أو انه لم يعرفه ولا شيئا من فضله ، فوثق بما قالوه ؟ وكان عليه أن يعرفه لما علم بسفارته من قبل وجهاء البصرة وأهل الحريجة والتقوى ، ذوي الحلوم الراجحة ، والآراء الناضجة ، فإنهم لا يرسلون طبعا إلا من يرضونه في مكانته وعلمه وعقله وتقواه . وهل كان فيما يقوله مغضبة أوانه ماكان يتحرى صالح الامة وصلاح من يسوسها ؟ إن من العصيب أن نعترف بأنه ما كان يعرف عامرا وصلاحه ، فقد كان يسير بذكره الركبان ، وهبت بأريج فضله النسائم في الاجواء ، والارجاء ، وفي طيات المعاجم والسير اليوم نماذج من تلكم الشهرة الطائلة عن عامر بين العباد وفي البلاد يوم ألزم نفسه أن يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ( 1 ) فكانوا يعدونه من أولياء الله المقربين ، وأول الزهاد الثمانية ، وذكروا له كرامات ومكرمات . أفمن الممكن إذن أن لا يعرفه الخليفة ؟ ولم يكن فيما ينكره إلا ما أصفقت على إنكاره أهل الحل والعقد يومئذ من الصالح العام في الحواضر الاسلامية كلها ، غير انهم لم يجدوا كما أن عامرا لم يجد أذنا مصغية لهتافهم ، فتكافئ دؤب الخليفة على التصامم ودؤب القوم على الانكار حتى استفحل الخطب ودارت الدوائر . وهلم معي ننظر إلى رواية الضعفاء رواية كذاب متروك عن مجهول منكر عن وضاع متهم بالزندقة متفق على ضعفه : السري عن شعيب عن سيف بن عمر بن محمد و
طلحة : إن عثمان سير حمران بن أبان أن تزوج امرأة في عدتها وفرق بينهما وضربه و
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ ابن عساكر 7 : 169 ، الاصابة 3 : 85 .
سيره إلى البصرة ، فلما أتى عليه ما شاء الله وأتاه عنه الذي يحب ، أذن له فقدم عليه المدينة ومعه قوم سعوا بعامر انه لا يرى التزويج ، ولا يأكل اللحم ، ولا يشهد الجمعة فألحقه عثمان بمعاوية فلما قدم عليه رأى عنده ثريدا فأكل أكلا عربيا ، فعرف أن الرجل مكذوب عليه فعرفه معاوية سبب إخراجه فقال : أما الجمعة فاني أشهدها في مؤخر المسجد ثم ارجع في أوائل الناس ، وأما التزويج فاني خرجت وأنا يخطب علي ، وأما اللحم فقد رأيت ( 1 )
أولا تعجب من الذين اتخذوا هذه الرواية مصدرا في تعذير عثمان عن نفي عامر وإشخاصه وهم يبطلون الرواية في غير هذا المورد بوجود واحد من رجال هذا السند الثلاثة ، لكنهم يحتجون بروايتهم جميعا هاهنا ، وفي كل ما نقم به على عثمان ؟ ثم لننظر فيما وشى به على الرجل بعد الفراغ من النظرة في حال الواشي وهو حمران المتقدم ذكره ، هل يوجب شئ منها ذما أو تعزيرا تأديبا أو تغريبا ؟ وهل هي من المعاصي المسقطة لمحل الانسان ؟ أما ترك التزويج فلم يثبت حرمته إن لم يكن من باب التشريع وأخذه دينا ، وإنما النكاح من المرغب فيه ، على أنه كان لم يزل يخطب لنفسه لكنه لا يجد من يلائمه في خفة المؤنة ، أخرج أبونعيم في الحلية 2 : 90 : ان عامر بن عبد قيس بعث اليه أمير البصرة فقال : إن أمير المؤمنين أمرني أن أسألك مالك لا تزوج النساء ؟ قال : ما تركتهن وإني لدائب في الخطبة ، قال : ومالك لا تأكل الجبن ؟ قال : أنا بأرض فيها مجوس فما شهد شاهدان من المسلمين أن ليس فيه ميتة أكلته . قال :وما يمنعك أن تأتي الامراء ؟ قال : إن لدى أبوابكم طلاب الحاجات فادعوهم واقضوا حوائجهم ، ودعوا من لا حاجة له اليكم .
وأخرج من طريق أحمد بن حنبل باسناده عن الحسن قال : بعث معاوية إلى عبدالله بن عامر أن انظر عامر بن عبدقيس فأحسن إذنه وأكرمه ومره أن يخطب إلى من شاء وامهر عنه من بيت المال ، فأرسل اليه ان أميرالمؤمين قد كتب إلي وأمرني أن آمرك أن تخطب إلى من شئت وأمهر عنك من بيت المال . قال : أنا في الخطبة دائب . قال : إلى
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 91 ، تاريخ ابن عساكر 7 : 167 ، الكامل لابن الاثير 3 : 60 ، اسد الغابة ، تاريخ ابن خلدون 2 : 389 . *)
من ؟ قال : إلى من يقبل مني الفلقة والتمرة . وهذان الحديثان يكذبان ما جاء به السري ، ولو صح ذلك فما وجه هذه المسألة في أيام معاوية عن تزويج عامر ؟ وأما ترك اللحوم فليس بن المحرم ايضا وقد جاء‌ت السنة بتحليلها كلها من غير ايجاب ، نعم تركها النهائي مكروه إن لم يكن من باب التدين ، وقد تستدعي المبالغة في الزهادة الذهول عن شؤن الدنيا بأسرها فلا يلتفت صاحبها إلى الملاذ كلها ، وكان مع ذلك لعامر عذر ، قال ابن قتيبة في المعارف ص 194 : وكان سبب تسييره أن حمران بن أبان كتب فيه : انه لا يأكل اللحم ، ولا يغشى النساء ، ولا يقبل الاعمال ، فعرض بأنه خارجي ، فكتب عثمان إلى ابن عامر : أن ادع عامرا فإن كنت فيه الخصال فسيره فسأله فقال : أما اللحم فإني مررت بقصاب يذبخ ولا يذكر اسم الله ، فإذا اشتهيت اللحم اشتريت شاة فذبحتها ، وأما النساء فإن لي عنهن شغلا ، وأما الاعمال فما أكثر من تجدونه سواي . فقال له حمران : لا أكثرالله فينا أمثالك ، فقال له عامر : بل أكثر الله فينا من أمثالك كساحين حجامين .
وأما عدم الحضور للجمعة : فقدبين عامر نفسه حقيقته لمعاوية وهو الصادق الامين على انه كان له أن لا يحضر الجمعة والجماعة إن لم ير لمقيمها أهلية للايتمام به ، وليس من المنكر ذلك في حق الولاة الامويين يومئذ . وعلى فرض صحة الرواية وكون كل مما نبزبه حوبا كبيرا فكان من الميسور تحقيق حال الرجل من قبل والي البصرة كما وقع ذلك فيما مر من رواية أبي نعيم بالنسبة إلى التزويج وأكل الجبن وإتيان الامراء . ولا أدري هل من الفرائض في الشريعة
السمحاء أكل الجبن بحيث يوجب تركه التجسس والتفتيش ؟ وعلى كل فما الموجب لاجفال الرجل العظيم من مستقر أمنه على قتب إلى الشام منفى الثائرين على الخليفة ؟
وأي عقل يقبل تسييره وتعذيبه لتلك الامور التافهة ؟ نعم : الغريق يتشبث بكل حشيش .
- 46 - تسيير الخليفة عبدالرحمن الجمحي
عد ممن سيره الخليفة عبدالرحمن بن حنبل الجمحي . قال اليعقوبي : سير عبدالرحمن صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى القموس ( 1 ) من خيبر ، وكان سبب تسييره إياه أنه بلغه كرهه مساوي ابنه وخاله وانه هجاه .
وقال العلائي عن مصعب وأبوعمر في الاستيعاب انه لما أعطى عثمان مروان خمس مائة ألف من خمس أفريقية قال عبدالرحمن :
وأحلف بالله جهد اليمين * ماترك الله أمرا سدى
ولكن جعلت لنا فتنة * لكي نبتلي بك أو تبتلى
دعوت الطريد فأدنيته * خلافا لماسنه المصطفى
ووليت قرباك أمر العباد * خلافا لسنة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس الغنيمة * آثرته وحميت الحمى
ومالا أتاك به الاشعري * من الفئ أعطيته من دنا
فإن الامينين قد بينا * منار الطريق عليه الهدى
فما أخذادرهما غيلة * ولا قسما درهما في هوى ( 2 )
فأمر به فحبس بخيبر ، وأنشد له المرزباني في معجم الشعراء انه قال وهو في السجن :
إلى الله أشكو لا إلى الناس ما عدا * أبا حسن غلا شديدا أكابده
بخيبر في قعر الغموص كأنها * جوانب قبرأعمق اللحد لا حده
أإن قلت حقا أو نشدت أمانة * قتلت ؟ فمن للحق إن مات ناشده ؟
وكتب إلى علي وعمار من الحبس :
أبلغ عليا وعمارا فأنهما * بمنزل الرشد إن الرشد مبتدر
لا تتركا جاهلا حتى يوقره * دين الاله وإن هاجت به مرر
لم يبق لي منه إلاالسيف إذ علقت * حبائل الموت فينا الصادق البرر
يعلم بأني مظلوم إذاذكرت * وسط الندي حجاج القوم والعذر
فلم يزل علي يكلم عثمان حتى خلى سبيله على أنه لايساكنه بالمدينة فسيره
* ( هامش ) * ( 1 ) كذا في لفظ اليعقوبى . وفي الاصابة : الغموص كما في الابيات . والصحيح : القموص بالقاف المفتوحة وآخره صاد مهملة .
( 2 ) قد تنسب هذه الابيات إلى أسلم راجع 8 : 254 . [ * ]
إلى خيبر فأنزله قلعة بها تسمى " القموص " فلم يزل بها حتى ناهض المسلمون عثمان و ساروا اليه من كل بلد فقال عبدالرحمن :
لولا علي فإن الله أنقذني * على يديه من الاغلال والصفد
لما رجوت لدى شد بجامعة * يمنى يدي غياث الفوت من أحد
نفسي فداء على إذ يخلصني * من كافر بعد ما أغضى علي صمد
كان عبدالرحمن مع علي في صفين قال الطبري من طريق عوانة : إنه جعل ابن
حنبل يقول يومئذ :
إن تقتلوني فأنا ابن حنبل * أنا الذي قد قلت فيكم نعثل
راجع تاريخ الطبري 6 : 25 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 150 ، الاستيعاب 2 : 410 ، شرح ابن ابي الحديد 1 : 66 ، الاصابة 2 : 395 .
قال الاميني : هذا أحد المعذبين الذين أقلتهم غيابة الجب مصفدا بالحديد و لم يجهز عليه إلا إنكاره المنكر ، وجنوحه إلى الحق المعروف ، والكلام فيه لدة ما كررناه في غير واحد من زملائه الصالحين ، وأحسن ماينم عن سريرته شعره الطافح بالايمان .
- 47 - تسيير الخليفة عليا أميرالمؤمنين
لعل التبسط في البحث عما جرى بين عثمان أيام خلافته وبين علي أميرالمؤمنين يوجب خدش العواطف ، وينتهي إلى ما يحمد عقباه ، والتاريخ وإن لم يحفظ منه إلا النزر اليسير غير أن في ذلك القليل غنى وكفاية وبه تعرف جلية الحال ، ونحن نمر به كراما ، فلا نحوم حول البحث عن كلمه القوارص لعلي عليه السلام ، البعيدة عن ساحة قدسه النائية عن مكانته الراقية التي لا يدرك شأوها ، ويقصردون استكناهها البيان . أيسع لمن أسلم وجهه لله وهو محسن وآمن بالكتاب وبما نزل من آية في سيد العترة ، وصدق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما صدع به من فضائل علي عليه السلام ، وجاوره مع ذلك حقبا وأعواما بيت بيت ، ووقف على نفسياته الكريم‍ وهو على ضمادة من أفعاله وتروكه وشاهد مواقفه المبرورة ومساعيه المشكورة في تدعيم الدين الحنيف ، أيسع لمسلم هذا شأنه أن يخاطب أخا الرسول المطهر بلسان الله بقوله : لم لا يشتمك مروان إذا شتمته فوالله ما أنت عندي بأفضل منه ( 1 ) ومروان طريد رسول الله وابن طريده و لعينه وابن لعينه .
أم بقوله له : والله يا أباالحسن ما أدري أشتهي موتك ؟ أم أشتهى حياتك ؟ فوالله لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك لاني لا أجد منك خلفا ، ولئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخدك سلما وعضدا ، ويعدك كهفا وملجأ ، لا يمنعني منه إلا مكانه منك ومكانك منه ، فأنا منك كالابن العاق من أبيه إن مات فجعه وإن عاش عقه . إلى آخر مامر في في ص 18
أم بقوله له . ما أنت بأفضل من عمار ، وما أنت أقل إستحقاقا للنفي منه ( 2 )
أم بقوله له : أنت أحق بالنفي من عمار ( 3 )
أم بقوله الغليظ الذي لا يحب المؤرخون ذكره ونحن سكتنا عن الاعراب عنه ( 4 )
وبعد هذه كلها يزحزحه عليه السلام عن مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ويقلقه من عقر داره و ويخرجه إلى ينبع مرة بعد أخرى قائلا لابن عباس : قل له فليخرج إلى ماله بالينبع ، فلا أغتم به ولا يغتم بي .لا مسائل الرجل عما أوجب أولوية الامام الطاهر المنزه عن الخطل ، المعصوم
من الزلل بالنفي ممن نفاهم من الامة الصالحة ؟ أكان بزعمه علي عليه السلام شيوعيا إشتراكيا
شيخا كذابا كأبي ذر الصادق المصدق ؟ أم كان عنده دويبة سوء كإبن مسعود أشبه الناس هديا ودلا وسمتا برسول الله صلى الله عليه وآله ؟ أم كان الرجل يراه ابن متكاء ، عاضا اير أبيه ، طاغيا كذابا يجترأ عليه ويجرأ عليه الناس كعمار جلدة ما بين عيني النبي صلى الله عليه وآله ؟
أم كان يحسبه معالجا نيرنجا ككعب بن عبدة الصالح الناسك ؟
(هامش ) * ( 1 ) راجع ج 8 ص 304 و 310 .
( 2 ) الفتنة الكبرى ص 165 .
( 3 ) راجع صفحة 19 من هذا الجزء .
راجع ج 8 : 298 ، 299 ، 306 ، 323 . [ * ]
أم كان يراه تاركا الجبن واللحم والجمعة والتزويج كعامر بن عبد قيس القارئ الزاهد المتعبد ؟ .
أم كان الامام متكلما بألسنة الشياطين غير عاقل ولا دين كصلحاء الكوفة المنفيين ؟ .
حاشا صنوالنبي الاقدس عن أن يرمى بسقطة في القول أو في العمل بعد ما طهره الجليل ، واتخذه نفسا لنبيه ، واختارهما من بين بريته نبيا ووصيا .
وحاشا اولئك المنفيون من الصحابة الاولين الابرار والتابعين لهم بإحسان عن تلكم الطامات والافائك والنسب المفتعلة .
نعم كان يرى الرجل كلا من أولئك الصفوة البررة الآمرين بالعمروف والناهين عن المنكر طاغيا إتخذ عليا عليه السلام سلما ويعده كهفا وملجأ يدافع عنهم بوادر غضب الخليفة ، ويحول بينهم وبين ما يرومه من عقوبة تلك الفئة الصالحة الناقمة عليه لما ركبه من النهابير ، فدفع هذا المانع الوحيد عن تحقق هواجس الرجل كان عنده أولى بالنفي من أولئك الرجال المنفيين ، ولولاه لكان يشفي عنهم غليله ، ويتسنى له ما كان يبتغيه من البغي عليهم ، والله يدافع عن الذين آمنوا وانه على نصرهم لقدير . على أنه ليس من المعقول أن يكون من يأوي إلى مولانا أميرالمؤمنين وآواه هو طاغيا كما يحسبه هذا الخليفة ، فإنه لا يأوي إلى مثله إلا الصالح الراشد من المظلومين وهو عليه السلام لا يحمي إلا من هو كذلك ، وهو ولي المؤمنين ، وأمير البررة ، وقائد الغر المحجلين ، وإمام المتقين ، وسيد المسلمين ، كل ذلك نصامن الرسول الصادق الامين وليتنى أدري مم كان يغتم عثمان من مكان أميرالمؤمنين عليه السلام بالمدينة ؟ ووجوده رحمة ولطف من الله سبحانه وتعالى على الامة جمعاء لا سيما في البيئة التي تقله ،
يكسح عن أهلها الفساد ، ويكبح جماح المتغلبين ، ويقف أمام نعرات المتهو سين ، و يسير بالناس على المنهج اللاحب سيرا سجحا .
نعم : يغتم به سماسرة النهمة والشره فيروقهم بعاده ليهملج كل منهم إلى غاياتة قلق الوضين . وما كان هتاف الناس به يومئذ إلا لان يقيم أود الجامعة ، ويعدل الخطة العوجاء ، ويقف بهم على المحجة الواضحة ، غير أن ذلك الهتاف لايروق من لا يروقه ذلك كله ، فالاغتمام به جناية على المجتمع الديني ، ووقوف أمام سير الصالح العام . ولعمر الله ان هذه القوارص هي التي فتحت باب الجرأة على أميرالمؤمنين بمصراعيه طيلة حياته ، وهتكت منه حجاب حرمته وكرامته ، وأطالت عليه ألسنة البذاء‌ة والوقيعة فيه ، وعثمان هو الذي أزرى الامام في الملا الديني ، وصغره في أعين الناس وجرأ عليه طغام الامويين وسفلة الاعراب ، فباذأه أبناء أمية وهم على آسال خليفتهم إتخذوه أسوة وقدوة في شتميته وقذيعته وآذوا نبيهم في أخيه علم الهدى ، إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ، وأعدلهم عذابا مهينا ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا
بهتانا وإثما مبينا .
- 48 - آية نازلة في الخليفة
أخرج الواحدي والثعلبي من طريق ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك قالوا : نزلت قوله تعالى في سورة النجم 33 ، 34 ، 35 : أفرأيت الذي تولى ، و أعطى قليلا وأكدى ( 1 ) ، أعنده علم الغيب فهو يرى : نزلت في عثمان رضي الله عنه كان يتصدق وينفق في الخير فقال له أخوه من الرضاعة عبدالله بن أبي سرح : ما هذا الذي تصنع ؟ يوشك أن لايبقي لك شيئا . فقال عثمان : إن لي ذنوبا وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه ، فقال له عبدالله : أعطني ناقتك وبرحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها . فأعطاه وأشهد عليه وأمسك وعن بعض ما كان يصنع من الصدقه ، فأنزل الله تعالى : أفرأيت الذي تولى . الخ . فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله .
وذكره جمع من المفسرين وفي تفسير النيسابوري : معنى تولى : ترك المركز يوم أحد .
راجع أسباب النزول للواحدي ص 298 ، تفسير القرطبي 17 : 111 ، الكشاف 3 : 146 ، تفسير النيسابوري هامش الطبري 27 : 50 تفسير الشربيني 4 : 128 .
(هامش ) * ( 1 ) قال ابن عباس ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك : اكدى : انتقطع فلا يعطى شيئا . يقال البئر اكدت . [ * ]
قال الاميني : لا غرابة من ابن أبي سرح وقد تشاكلت أحواله يوم كفره وإسلامه وردته وزلفته من عثمان على عهد خلافته إن لهج بهذه السخافة التي لا تلائم أيا من نواميس العدل : ولكن إن تعجب فعجب قبول عثمان تلكم الخرافة منه ، ومنحه إياه ناقته برحلها على أن يحمل عنه ذنوبه ( ولا تزر وازرة وزر اخرى ) وإشهاده عليه وإمساكه عن الصدقات ، وحسبانه ان ماقاله ذلك الساخر كائن لا محالة ، كأن بيد إبن أبي سرح أزمة الحساب ، وعنده مقاليد يوم القيامة ، وهو الخبير ما يكون فيه ، فأنبأه بأن ذنوبه محيت بتلك المبادلة ، أو أن عثمان نفسه كان يعلم الغيب ، فهو يرى ان ما يقوله حميمه حق ، وكأنه نسي قوله تعالى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وماهم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون ، وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ( 1 ) وقوله تعالى : من يعمل سوء‌ايجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ( 2 ) وقوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 3 ) وقوله تعالى : كل نفس بما كسبت رهينة ( 4 ) ومن يكسب إثمافإنما يكسبه على نفسه ( 5 ) أليوم تجزى كل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم ( 6 ) ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ( 7 ) إلى آي كثيرة من أمثالها وهي كلها تقرر حكم العقل بقبح أخذ أي أحد بجريمة غيره .
والعدل يحكم بأن إبن أبي سرح وهو مثال المئاثم والمخازي إن حمل إثما من جراء قولته هذه فإنما هو جرأته علي الله تعالى وتصغيره عظمة نيران القسط الالهي و نهيه عن الصدقة لا ما سبق لعثمان إقترافه من السيئات ، لكن هلم معي إلى ضئولة عقل من يصدق تلكم المهزأة ، ويرتب عليها آثارا عملية حتى ند د به الذكر الحكيم .
(هامش ) * ( 1 ) سورة العنكبوت : 12 ، 13 .
( 2 ) سورة النساء : 123 .
( 3 ) سورة الزلزلة : 7 ، 8 .
( 4 ) سورة المدثر : 381 .
( 5 ) سورة النساء : 111 .
( 6 ) سورة غافر : 17 .
( 7 ) سورة الجاثية : 22 .
وهب أنا غاضينا الراوي على عود الرجل إلى ما كان بعد نزول الآية الكريمة ،
لكن ذلك لا يجديه نفعا يزيح عنه وصمة ضعف الرأي وقوة الرعونة فيه ، نعم : كان
يجديه لو لم يعبأ بتلكم الضلالة ، أوانه عدل عنها بقوة التفكير لا بتوبيخ الوحي الالهي ،
وليته لم يعدل فإنه عدل إلى ما عرفت من سيرته في الصدقات ، وجاء يخضم مال الله
خضمة الابل نبتة الربيع .
- 49 - الخليفة لا يعر ف المخلص من النار
أخرج ابن عساكر في تاريخه 2 : 58 من طريق أحمد بن محمد أبي علي بن مكحول البيروتي قال : مر عمر على عثمان بن عفان فسلم عليه فلم يرد عليه السلام فجاء عمر إلى أبي بكر الصديق فقال : يا خليفة رسول الله ألا اخبرك بمصيبة نزلت بنا من بعد رسول الله ؟ قال : وما هي ؟ قال : مررت على عثمان فسلمت عليه فلم يرد علي السلام .
فقال أبوبكر : أو كان ذلك ؟ قال : نعم . فأخذ بيده وجاء إلى عثمان فسلما عليه فرد عليهما السلام . فقال أبوبكر : جاء‌ك عمر فسلم عليك فلم ترد عليه ؟ فقال : والله يا خليفة رسول الله ما رأيته . قال : وفي أى شئ كانت فكرتك ؟ قال : كنت مفكرا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فارقناه ولم نسأله : كيف الخلاص والمخلص من النار ؟ فقال أبوبكر : والله لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرني فقال عثمان : ففرج عنا قال أبوبكر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تمسكوا بالعروة الوثقى قول لا إله إلا الله .
قال الاميني : أكان في أذن الرجل وقر على عهد النبوة عما كان يتهالك دونه رسول الله صلى الله عليه وآله ويهتف به آناء الليل وأطراف النهار منذ بدء البعثة إلى أن لقي ربه من الاشادة بكلمة التوحيد ، وإن الاخلاص بها هو المنقذ الفذ ، والسبب الوحيد للنجاة من الهلكة التي من ورائها النار ، وان من يسلم وجهه لله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ( 1 ) فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ( 2 ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة ( 3 ) وانه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ( 1 )
(هامش ) * ( 1 ) سورة لقمان : 22 .
( 2 ) سورة البقرة : 256 .
( 3 ) سورة البقرة : 82 . [ * ]
ألم يك يسمع نداء‌ه صلى الله عليه وآله : قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ( 2 ) ؟ .
وقوله : من شهد أن لا إله إلا الله ، وان محمدا رسول الله ، حرم الله عليه النار .
وقوله : من قال : لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة .
وقوله : ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار .
وقوله : إني لاعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار : لا إله إلا الله . إلى أحاديث كثيرة جمع جملة ضافية منها الحافظ المنذري
في الترغيب والترهيب 2 : 160 - 164 .
أو ان الرجل كان يسمع هذه الكلمات الذهبية ، لكنه لا يعيرها أذنا واعية فنسيها ؟ فإن كان لم يع هذه وهي أساس الدعوة فما الذي وعاه ؟ وما الذي تعقله من نبي جاء وذهب ولم يعرف ما هو المخلص من النار ؟ ولم يبعث إلا لانتشال أمته منها ، وفي يده كتابه الكريم فيه تبيان كل شئ ، وأي نبي كان يحسبه عثمان ، نبي العظمة ؟ وعلى أي أساس علا صروح إسلامه ؟ وأي مسلم هذا يدرك أيام دعوة نبيه كلها ثم يدركه صلى الله عليه وآله الموت ولم يعرف المسكين بعد ما ينجيه من النار ؟ نعم : لم يأل نبي الاسلام في تنوير سبل السلام ، وإنقاذ البشر من النار ، فماذا عليه ؟ إن لم تصادفه نفس صاغية إلى تعاليمه فلم تحفظها .
- 50 - ترك الخليفة التكبير في كل خفض ورفع
أخرج أحمد بالاسناد عن مطرف عن عمران بن حصين قال : صليت خلف علي صلاة ذكرني صلاة صليتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين قال : فانطلقت فصليت معه فإذا هو يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه من الركوع فقلت : يا أبا نجيد من أول من تركه ؟ قال : عثمان رضي الله عنه حين كبر وضعف صوته تركه ( 3 )
* ( هامش ) * ( 1 ) . سورة المائدة 72 .
( 2 ) تاريخ البخارى ج 4 القسم الثانى ص 14 .
( 3 ) مسند احمد 4 : 428 ، 429 ، 432 ، 440 ، 444 .
قال الاميني : سيوافيك البحث الضافي في الجزء العاشر إنشاء الله تعالى حول التكبيرة في الصلاة عند كل رفع وخفض وانها سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله تسالمت عليها الامة ، وعمل بها الصحابة ، واستقر عليها إجماع أئمة المذاهب ، وهذا الحديث يعطينا خبرا بأن أول من تركها هو عثمان وتبعه معاوية وبنو أمية ، وما زال الناس على هذا المزن وتمرنت عليه الامة طوعا أو كرها حتى ضاعت السنة الثابتة ونسيت ، وكان من جاء بها يعد أحمقا كأنه إرتكب بأمر إمر شاذ عن الشرع المقدس ، والتبعة في ذلك كله على الخليفة البادي بترك سنة الله التي لا تبديل لها . قال الزرقاني في شرح الموطأ 2 : 145 : ولاحمد عن عمران : أول من ترك التكبير عثمان حين كبر ، وللطبري عن أبي هريرة : أول من ترك معاوية ، وأبي عبيد : أول من تركه زياد . ولا ينافي ما قبله لان زيادا تركه بترك معاوية ، وكأنه بترك عثمان وقد حمله جماعة من العلماء على الاخفاء . ه‍ .
وتبرير عمل عثمان بالحمل علي الاخفاء يأباه صريح لفظ ترك . وإنما يخبر ابن حصين عن تكبيرأميرالمؤمنين في الهوي والانتصاب لا عن جهره به ، والسائل إنما يسأله عن أول من تركه لا عمن خافت به أولا ، ويزيفه ما يأتي عن ابن حجر والشوكاني وغيرهما من قولهم كما سمعت عن الزرقاني : كان معاوية تركه بترك عثمان . ولم يؤثر عن معاوية غير الترك والتنقيص كمايأتي حديثه بلفظ نقص ، وقد اتبع إثر عثمان في أحدوثته فإلى الملتقى .
نتاج البحث
هذه نبذ قليلة نشرتها يد التاريخ الجانية بعد أن طوى كشحا عن ذكر مهمات ماجرى في ذلك العهد المشحون بالقلاقل ، الطافح بالفتن ، المفعم بالهنابث ، وقد عرفناه جانيا بسترتلكم الحقايق ، جنوحا إلى العاطفة ، سايرا مع الميول ، والتاريخ حريجب أن يمضي مع الواقع وأن لا يلويه مع القصد تعصب لاحد أو تحيز إلى فئة ، لكن القوم لم يسيروا في سرد التاريخ كما يجب عليهم ، فطفقوا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويثبتون ما يوافق هواهم ، ويدعون مالا يروقهم .
قال الطبري في تاريخه 5 : 108 : إن الواقدي ذكر في سبب مسير المصريين إلى الغدير ( 6(
عثمان ونزولهم ذأ خشب أمورا كثيرة ، منها ما تقدم ذكره ، ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني ذكره لبشاعته .
وقال في ج 5 : 113 : قد ذكرنا كثيرا من الاسباب التي ذكر قاتلوه إنهم جعلوها ذريعة إلى قتله ، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الاعراض منها .
وقال في ص 232 : إن محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية لما ولي فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يتحمل سماعها العامة .
ومر في ج 8 : 305 في ذكر ما جرى بين علي عليه السلام وعثمان قول المسعودي :
فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره وأجابه علي بمثله .
وقال ابن الاثير في الكامل 3 : 70 : قد تركنا كثيرا من الاسباب التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك .
وقال ابن كثير في البداية والنهاية 7 : 166 : وفي هذه السنة ( يعني 33 ) سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام وإلى مصر بأسباب مسوعة لما فعله رضي الله عنه فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الاعداء في الحط والكلام فيه وهم الظالمون في ذلك ، وهو البار الراشد رضي الله عنه .
وقال في ص 177 : جرت أمور سنورد منها ما تيسير وبالله المستعان . ثم ذكر من الامور ما راقه ويلائم ذوقه ولم يذكر إلا سلسلة أكاذيب لم يصح شئ منها .
وقال الدكتور أحمد فريد رفاعي في عصر المأمون 1 : 5 : أما نحن فلا يطلب منا أن نبدي رأينا في عثمان ، فهو صحابي عظيم وله أثره الخالد في جمع القرآن وغير القرآن وله دينه السمح الذي لا تشوبه شائبة ، وما كان الدين ليحتم على الناس جميعا أن يكون نظرهم إلى الحياة الدنيا نظر التقشف والزهد ، ولا يطلب منا أن نثبت ضعف الحكومة العثمانية ، وإنما يطلب منا أن نسرد الحوادث بايجاز ، ولنا في تسلسل هذه الحوادث و دراستها وتقييد آثارها ما قد يسمح لنا بالتعرض له حين معالجتنا الكلام عن عصرنا فيما بعد . ه‍ .
ثم ذكر ماجاء به اليعقوبي من الايعاز إلى بعض ما نقم به على عثمان فتخلص عن البحث فيه بما أتى به إبن الاثير من رواية الطبري عن السري الكذاب عن شعيب المجهول عن سيف المتروك الساقط المتهم بالزندقة أوعن أناس آخرين أمثال هؤلاء أضف إلى هذه كثيرا من كتب التاريخ المؤلفة قديما وحديثا فإنها ألفت بيد أثيمة على ودايع العلم والدين ، ولعل في المذكور في كتابنا هذا وهو قليل من كثير مقنعا للحصول على العلم بنفسيات الخليفة من شتى نواحيه ، ومبلغه من العلم ، ومقداره من التقوى ، ومداه من الرأي ، ومآثره من ناحية ملكاته ، وقد عرف كل ذلك من عاصره وعاشره ، فكانت كلمتهم في حقه واحدة ، ورأيهم فيه فذا ، وأعمالهم معه كل يشبه الآخر ، ونحن نذكر لك نماذج مما لفظ به من قول وعمل به من فعل في ذلك الدور القاتم
بالفجايع والفظايع فدونكها :
1 - حديث أميرالمؤمنين
علي بن أبي طالب صلوات الله عليه
1 - من كلام له عليه السلام في معنى قتل عثمان : لو أمرت به لكنت قاتلا ، أو نهيت عنه لكنت ناصرا ، غير ان من نصره لا يستطيع أن يقول : خذله من أنا خير منه ، و من خذله لا يستطيع أن يقول : نصره من هو خير مني ، وأنا جامع لكم أمره : إستأثر فأساء الاثرة ، وجزعتم فأسأتم الجزع ، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع ( 1 )
قال ابن أبي الحديد في الشرح 1 : 158 : قوله : غير أن من نصره . معناه ان خاذليه كانوا خيرا من ناصريه ، لان الذين نصروه كان أكثرهم فساقا كمروان بن الحكم وأضرابه ، وخذله المهاجرون والانصار .
2 - من كلام له عليه السلام قاله لابن عباس وقد جاء‌ه برسالة من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع فقال عليه السلام :
يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملا ناضحا بالغرب ( 2 ) أقبل وأدبر بعث إلي أن أخرج ثم بعث إلي أن أقدم ، ثم هو الآن يبعث إلي أن أخرج ، والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما ( 3 )
3 - أخرج البلاذري في الانساب 5 : 98 من طريق أبي حادة انه سمع عليا رضي الله عنه يقول وهو يخطب فذكر عثمان فقال : والله الذي لا إله إلا هو ما قتلته ، و
(هامش ) * ( 1 ) نهج البلاغه 1 : 76 .
( 2 ) الناضح : البعير يستقى عليه . الغرب : الدلو العظيمة .
( 3 ) نهج البلاغة 1 : 468 . [ * ]
لا ما لات على قتله ، ولا ساء‌ني .
4 ـ أخرج ابن سعد من طريق عمار بن ياسرقال : رأيت عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل عثمان وهو يقول : ما أحببت قتله ولا كرهته ، ولا أمرت به ولا نهيت عنه . الانساب للبلاذري 5 : 101 .
وأو عز شاعر أهل الشام كعب بن جعيل إلى قول الامام عليه السلام بأبيات له ألا وهي :
وما في علي لمستعتب * مقال سوى ضمه المحدثينا
وإيثاره اليوم أهل الذنوب * ورفع القصاص عن القاتلينا
إذا سيل عنه حذا شبهة ( 1 ) * وعمى الجواب على السائلينا
فليس براض ولا ساخط * ولا في النهاة ولا الآمرينا
ولا هو ساء ولا سرة * ولا بد من بعض ذا أن يكونا ( 2 )
قال ابن أبي الحديد بعد ذكر الابيات : ما قال هذا الشعر إلا بعد أن نقل إلى أهل الشام كلام كثير لامير المؤمنين في عثمان يجري هذا المجرى نحو قوله : ما سرني ولا ساء‌ني ، وقيل له : أرضيت بقتله ؟ فقال : لم أرض ، فقيل له : أسخطت قتله ؟ فقال : لم أسخط . وقوله تارة : ألله قتله وأنا معه . وقوله تارة أخرى : ما قتلت عثمان ولا مالات في قتله . وقوله تارة أخرى : كنت رجلا من المسلمين أوردت إذا وردوا ، و أصدرت إذا صدروا . ولكل شئ من كلامه إذا صح عنه تأويل يعرفه أولو الالباب .
5 - أخرج أبومخنف من طريق عبدالرحمن بن عبيد : ان معاوية بعث إلى علي حبيب من مسلمة الفهري وشرحبيل بن سمط ومعن بن يزيد بن الاخنس فدخلوا عليه وأنا عنده ( إلى أن قال بعد كلام حبيب وشرحبيل وذكر جواب مولانا أميرالمؤمنين ) : فقالا أتشهد أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما ؟ فقال لهما : لا أقول ذلك . قالا : فمن لم يشهد ان عثمان قتل مظلوما فنحن منه برء‌آء . ثم قاما فانصرفا فقال علي : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون .
(هامش ) * ( 1 ) في العقد الفريد : زوى وجهه .
( 2 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 63 ، العقد الفريد 2 : 267 ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 158 [ * ]
كتاب صفين لابن مزاحم ص 277 واللفظ له ، تاريخ الطبري 6 : 4 ، الكامل لابن الاثير 3 : 125 .
6 - ذكر البلاذري في الانساب 5 : 44 في حديث قول علي عليه السلام لعثمان : يا عثمان إن الحق مرئ ، وإن الباطل خفيف وبئ ، وإنك متى تصدق تسخط ومتى تكذب ترض .
7 - كان علي كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان أرسل إبنه الحسن إليه فلما أكثر عليه قال له : إن أباك يرى أن أحدا لا يعلم ما يعلم ، ونحن أعلم بما نفعل ، فكف عنا ، فلم يبعث علي إبنه في شئ بعد ذلك ، وذكروا أن عثمان صلى العصر ثم خرج إلى علي يعوده في مرضه ومروان معه فرآه ثقيلا فقال : أماو الله لولا ما أرى منك ما كنت أتكلم بما أريد أن أتكلم به ، والله ما أدري أي يوميك أحب إلي أو أبغض ، أيوم حياتك ؟ أو يوم موتك ؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتا يعدك كهفا ، ويتخذك عضدا ، ولئن مت لافجعن بك ، فحظي منك حظ الوالد المشفق من الولد العاق ، إن عاش عقه ، وإن مات فجعه فليتك جعلت لنا من أمرك لنا علما نقف عليه ونعرفه ، إما صديق مسالم ، وإماعدو معاني ، ولا تجعلني كالمختنق بين السماء والارض ، لا يرقى بيد ولا يهبط برجل ، أما والله لئن قتلتك لا اصيب منك خلفا ، ولئن قتلتني لا تصيب مني خلفا ، وما أحب أن أبقى بعدك . قال مروان : إي والله ، وأخرى انه لا ينال ماوراء ظهورنا حتى تكسر رماحنا ، وتقطع سيوفنا ، فما خيرالعيش بعد هذا ؟ فضرب عثمان في صدره وقال :
ما يدخلك في كلامنا ؟ فقال علي : إني والله في شغل عن جوابكما ولكني أقول كما قال أبويوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . ( العقد الفريد 2 : 274 ، الامامة والسياسة 1 : 30 )
8 - في كتاب لمولانا أمير المؤمنين يجيب به معاوية بن أبي سفيان قال : وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي إياهم والبغي عليهم ، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون ، وأما الكراهة لهم فوالله مااعتذر للناس من ذلك ، وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه فقد عمل عثمان بما قد علمت ، وعمل به الناس ما قد بلغك ، فقد علمت أني كنت من أمره في عزلة إلا أن تجنى فتجن ماشئت ، وأما ذكرك قتلة عثمان وما سألت من دفعهم إليك فإني نظرت في هذا الامر وضربت أنفه وعينه فلم يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك ، وإن لم تنزع عن غيك لنعرفنك عما قليل يطلبونك ولا يكلفونك أن تطلبهم في سهل ولاجبل ولابر ولا بحر .
كتاب صفين لابن مزاحم ص 102 ، العقد الفريد 2 : 286 ، نهج البلاغة 2 : 10 ،
شرح ابن أبي الحديد 3 : 409 .
9 - أخرج الطبري من طريق إسماعيل بن محمد : ان عثمان صعد يوم الجمعة المنبر فحمدالله وأثنى عليه فقام رجل فقال : أقم كتاب الله ، فقال عثمان : اجلس فجلس حتى قام ثلاثا فأمر به عثمان فتحاثوا بالحصباء حتى ما ترى السماء وسقط عن المنبر وحمل فأدخل داره مغشيا عليه فخرج رجل من حجاب عثمان ومعه مصحف في يده وهو ينادي : إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله . ودخل علي بن أبي طالب على عثمان رضي الله عنهما وهو مغشي عليه وبنو أمية حوله ،
فقال : مالك يا أميرالمؤمنين ؟ فأقبلت بنو أمية بمنطق واحد فقالوا : ياعلي أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأميرالمؤمنين ، أما والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا . فقام علي مغضبا .
تاريخ الطبري 5 : 113 ، الكامل لابن الاثير 3 : 67 .
10 - ذكر ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 ص 42 في حديث مسائلة عمرو بن العاص راكبا : فقال له عمرو : ما الخبر ؟ قال : قتل عثمان ، قال : فما فعل الناس ؟ فقال : بايعوا عليا . قال : فما فعل علي في قتلة عثمان ؟ قال : دخل عليه وليد بن عقبة فسأله عن قتله فقال : ما أمرت ولانهيت ، ولا سرني ولاساء‌ني . قال : فما فعل بقتلة عثمان ؟ فقال : آوى ولم يرض ، وقد قال له مروان : إن لا تكن أمرت فقد توليت الامر ، وإن لا تكن قتلت فقد آويت القاتلين ، فقال عمرو بن العاص : خلط والله أبوالحسن .
11 - روى الاعمش عن الحكم بن عتيبة عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت عليا عليه السلام على منبر الكوفة وهو يقول : ياأبناء المهاجرين ! انفروا إلى أئمة الكفر ، وبقية الاحزاب وأولياء الشيطان ، إنفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا ، فوالله الذي [ * ]
فلق الحبة وبرأ النسمة انه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقض من أوزارهم شيئا ( 1 )
قال الاميني : طعن ابن أبي الحديد في هذا الحديث بمكان قيس ( 2 ) بن أبي حازم
وقال : هو الذي روى حديث انكم لترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ، وقد طعن مشايخنا المتكلمون فيه وقالوا : إنه فاسق ولا تقبل روايته لانه قال : إني سمعت عليا يخطب على منبر الكوفة ويقول : انفروا إلى بقية الاحزاب . فأبغضته ودخل بغضه في قلبي ومن يبغض عليا عليه السلام لا تقبل روايته . ثم حمله على فرض الصحة على إرادة معاوية من قوله : حمال الخطايا فقال : لانهم يحامون عن دمه ، ومن حامى عن دم إنسان فقد قاتل عليه . اه‍ .
ألا مسائل الرجل عن ان رواية حديث الرؤية أي منقصة وحزازة فيها وقد أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد في مسنده ؟ فهل طعن أحد في أولئك الائمة لروايتهم إياها ؟
ثم لو كان من أبغض عليا عليه السلام فاسقا غير مقبول الرواية - كما هو الحق فما - قيمة الصحاح عندئذ في سوق الاعتبار ؟ وما أكثرفيها من الرواية عن مناوئي أميرالمؤمنين ومنهم نفس الرجل ( قيس بن أبي حازم ) فقد أخرج أئمة الصحاح أحاديث من طريقه و هو من رجالهم . على أن علماء الفن من القوم مع قولهم بأنه كان يحمل على علي نصوا على ثقة الرجل وقالوا : متقن الرواية ، والحديث عنه من أصح الاسناد ، وقال ابن خراش : كوفي جليل . وقال ابن معين : ثقة . وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن حجر : أجمعوا على الذهبي الاحتجاج به ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه . ) راجع تهذيب التهذيب 8 : 386 )
وأما تأويل : ( حمال الخطايا ) بإرادة معاوية منه فمن التافة البعيد عن سياق العربية نظير تأويل معاوية الحديث الوارد في عمار من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : تقتلك الفئة الباغية .
12 - كان مولانا أميرالمؤمنين يخطب ويلوم الناس على تثبيطهم وتقاعدهم و
(هامش ) * ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 179 .
( 2 ) من رجال الصحيحين : البخارى ومسلم . [ * ]
يستنفرهم إلى أهل الشام فقال له الاشعث بن قيس : هلا فعلت فعل ابن عفان ؟ فقال له :
إن فعل ابن عفان لمخزاة على من لادين له ولا وثيقة معه ، إن امرأ أمكن عدوه من نفسه يهشم عظمه ويفري جلده لضعيف رأيه ، مأفون عقله ، أنت فكن ذاك ، إن أحببت فأما أنا فدون أن اعطي ذاك ضرب بالمشرفية الفصل ( 1 )
13 - من كتاب له عليه السلام كتبه إلى أهل مصر لما ولى عليهم الاشتر :
من عبدالله علي أمير المؤمنين : إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصى في أرضه وذهب بحقه ، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر ، والمقيم والظاعن ، فلا معروف يستراح إليه ، ولا منكر يتناهى عنه ( 2 )
قال ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 58 : هذا الفصل يشكل علي تأويله لان أهل مصرهم الذين قتلوا عثمان ، وإذا شهد أميرالمؤمنين عليه السلام انهم غضبوا لله حين عصي في الارض ، فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان وإتيان المنكر . ثم تأوله بمارآه تعسفا ، والتعسف لايغني عن الحق شيئا ولاتتم به الحجة .
هب ابن أبي الحديد تعسف هاهنا وتأول فما يصنع ببقية كلمات مولانا أمير المؤمنين وكلمات ساير الصحابة لدة هذه الكلمة وهي تربو على مئات ؟ فهل يسعنا أن نكون عسوفا في كل ذلك ؟ سل عنه خبيرا .
14 - من كلام لاميرالمؤمنين قاله عثمان لما اجتمع الناس إليه وشكوا إليه مانقموه على عثمان فدخل عليه السلام عليه فقال : إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم ، ووالله ما أدري ما أقول لك ، ما أعرف شيئا تجهله ، ولا أدلك على أمر لا تعرفه ، إنك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه ، ولا خلو نا بشئ فنبلغكه وقد رأيت كمارأينا ، وسمعت كما سمعنا وصحبت رسول الله كما صحبنا ، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك ، وأنت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشيجة رحم منهما ، وقد نلت من صهره مالم ينالا ، فالله الله في نفسك فانك والله ما تبصر من عمى ، ولا تعلم من جهل ، وإن الطرق
(هامش ) * ( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 1 : 178 .
( 2 ) تاريخ الطبرى 6 : 55 ، نهج البلاغة ، 2 : 63 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 29 . [ * ]
لواضحة ، وإن أعلام الدين لقائمة ، فاعلم أن أفضل عبادالله عندالله إمام عادل ، هدي وهدى ،
فأقام سنة معلومة ، وأمات بدعة مجهولة ، وإن السنن لنيرة لها أعلام ، وإن البدع لظاهرة لها أعلام ، وأن شر الناس عندالله إمام جائر ، ضل وضل به ، فأمات سنة مأخوذة ، وأحيا بدعة متروكة ، واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في نار جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى ثم يرتبط في قعرها ، وإني أنشدك الله أن تكون إمام هذه الامة المقتول فإنه كان يقال : يقتل في هذه الامة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويلبس أمورها عليها ، ويثبت الفتن فيها ، فلا يبصرون الحق من الباطل ، يموجون فيها موجا ، ويمرجون فيها مرجا ، فلا تكونن لمروان سيقة يسوقك حيث شاء بعد جلال السن و تقضي العمر ، فقال له عثمان : كلم الناس في أن يؤجلوني حتى أخرج اليهم من مظالمهم فقال عليه السلام : ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك اليه ( 1 )
تاريخ الطبري 5 : 96 ، الانساب للبلاذري 5 : 60 ، نهج البلاغة 1 : 303 ، الكامل
لابن الاثير 3 : 63 ، تاريخ ابن كثير 7 : 168 .
15 - أخرج ابن السمان من طريق عطاء إن عثمان دعا عليا فقال : ياأبالحسن إنك لو شئت لاستقامت علي هذه الامة فلم يخالفني واحد . فقال علي : لو كانت لي أموال الدنيا وزخرفها ما استطعت أن أدفع عنك أكف الناس ، ولكني سأدلك على أمر هو أفضل مما سألتني : تعمل بعمل أخويك أبي بكر وعمر ، وأنا لك بالناس لا يخالفك أحد (الرياض النضرة 2 : 129 )
16 - من خطبة لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام الشقشقية قوله : إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، إلى انكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكتب به بطنته .
مرت مصادر هذه الخطبة في الجزء السابع ص 82 - 85 ط 2 .
17 - قال ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 : 267 : قال حسان بن ثابت لعلي : إنك تقول : ما قتلت عثمان ولكن خذلته ، ولا آمر به ولكن لم أنه عنه ، فالخاذل
(هامش ) * ( 1 ) سيأتى تمام الحديث في صور توبة الخليفة وحنثه اياها مرة بعد اخرى . [ *
شريك القاتل ، والساكت شريك القاتل .
18 - أخرج البلاذري في الانساب 5 : 13 من طريق عبدالله بن عباس قال : إن عثمان شكا عليا إلى العباس فقال له : يا خال ؟ إن عليا قد قطع رحمي ، وألب الناس إبنك ، والله لئن كنتم يا بني عبدالمطلب ! أقررتم هذا الامر في أيدي بني تيم وعدي فبنو عبد مناف أحق أن لا تنازعوهم فيه ولا تحسدوهم عليه . قال عبدالله بن العباس : فأطرق أبي طويلا ثم قال : يا ابن أخت ؟ لئن كنت لا تحمد عليا فما يحمدك له ، وإن حقك في القرابة والامامة للحق الذي لايدفع ولايجحد ، فلو رقيت فيما تطأطأ أو تطأطأت فيما رقى تقاربتما ، وكان ذلك أوصل وأجمل ، قال : قد صيرت الامر في ذلك اليك فقرب الامر بيننا . قال : فلما خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه ، فما لبثنا أن جاء أبي رسول عثمان بالرجوع إليه فلما رجع قال : يا خال أحب أن تؤخر النظر في الامر الذي ألقيت إلي حتى أرى من رأيي ، فخرج أبي من عنده ثم التفت إلي فقال : يا بني ليس إلى هذا الرجل من أمره شئ ، ثم قال : أللهم أسبق بي الفتن ولا تبقني إلي ما لا خير لى في البقاء اليه . فما كانت جمعة حتى هلك .
19 - أخرج البلاذري في الانساب 5 : 14 من طريق صهيب مولى العباس : إن العباس قال لعثمان : أذكرك الله في أمر ابن عمك وابن خالك وصهرك وصاحبك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد بلغني انك تريد أن تقوم به وبأصحابه ، فقال : أول ما أجيبك به أني قد شفعتك ، ان عليا لو شاء لم يكن أحد عندي إلا دونه ولكنه أبى إلا رأيه ، ثم قال لعلي مثل قوله لعثمان ، فقال علي : لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت .
20 - من كتاب لامير المؤمنين عليه السلام إلي معاوية : أما بعد : فوالله ما قتل ابن عمك غيرك ، وإني لارجو أن ألحقك به على مثل ذنبه وأعظم من خطيئته .
(العقد الفريد 2 : 223 ، وفي ط 285 )
ولا تنس في الختام قول حسان بن ثابت :
صبرا جميلا بني الاحرار لا تهنوا * قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني * ما كان شأن علي وابن عفانا [ * ]
لتسمعن وشيكا في دياركم * ألله أكبريا ثارات عثمانا ( 1 )
قال الاميني : يعطينا الاخذ بمجامع هذه الاحاديث الامام عليه السلام ما كان يرى الخليفة إمام عدل يسوء‌ه قتله ، أو يهمه أمره يسخطه التجهمر عليه ، بل كان يعتزل عن أمره ويخشى أن يكون آثما إن دؤب على الدفاع عنه ، ولا يرى الثائرين عليه متحوبين في نهضتهم وإلا لساء‌ه ذلك فضلا عن أن يسكت عنهم ، أو يطريهم كماسمعته من كتابه إلى اهل مصر ، أو يرى الخاذلين له خيرا ممن نصره ، ولو كان يراه إمام عدل فأقل المراتب أن يقول : إن ناصره خير من خاذله . بل الشأن هذا في أفراد المسلمين العدول من الرعية فضلا عن إمامها .
وحديث شكاية عثمان إلى عمه العباس المتوفى سنة 32 بعلمنا بأن الخلاف والتشاجر بينهما كانا قبل تجمهر الثائرين عليه في أواسط أيام خلافته قبل وفاته بأعوام وقول أميرالمؤمنين له : لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت . فيه إيعاز إلى أن انكاره عليه السلام على الرجل لم يكن قط في الملك ، وما كان يرضى بشق عصا المسلمين بالخلاف عليه في أمره ، وإنما كان للامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يك يرى لنفسه بدا من ذلك .
ولو أمعنت النظر فيما سردناه من ألفاظه الدرية لا نفتح عليك أبواب من رأي الامام عليه السلام في الخليفة لم نوعز إليها ، ويعرب عن رأيه فيه ما مر في ج 8 ص 287 ط 2
من خطبة له عليه السلام خطبها في اليوم الثاني من بيعته من قوله : ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان . وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال . فلو كان الرجل إمام عدل عند الامام عليه السلام لكان أخذه ورده وقطعه وعطاء‌ه حجة لا يتطرق إليها الرد ، ولكن . . . .
1 حديث عائشة
بنت أبي بكر أم المؤمنين
1 - قال ابن سعد : لما حصر عثمان كان مروان يقاتل دونه أشد القتال ، و أرادت عائشة الحج وعثمان محصور فأتاها مروان وزيد بن ثابت وعبدالرحمن بن عتاب
(هامش ) * ( 1 ) أنساب البلاذرى 5 : 104 . [ * ]
فقالوا : ياأم المؤمنين لو أقمت فان أميرالمؤمنين على ما ترين محصور ومقامك مما يدفع الله به عنه . فقالت : قد حلبت ظهري ، وعريت غرائري ، ولست أقدر على المقام فأعادوا عليها الكلام فأعادت عليهم مثل ما قالت لهم ، فقام مروان وهو يقول :
وحرق قيس علي البلا - د حتى إذا استعرت أجذما
فقالت عائشة : أيها المتمثل علي بالاشعار وددت والله إنك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وإنكما في البحر ، وخرجت إلى مكة وفي لفظ البلاذري : لما اشتدالامر على عثمان أمر مروان بن الحكم وعبد الرحمن ابن عتاب بن اسيد فأتيا عائشة وهي تريد الحج فقالا لها : لو أقمت فلعل الله
يدفع بك عن هذا الرجل . فقالت : قد قرنت ركابي وأوجبت على الحج نفسي ، ووالله لا أفعل . فنهض مروان وصاحبه ومروان يقول :
وحرق قيس علي البلا - د حتى إذا اضطرمت أجذما
فقالت عائشة : يا مروان ! وودت والله انه في غرارة ( 1 ) من غرائري هذه وأني طوقت حمله حتى ألقيه في البحر .
2 - مر عبدالله بن عباس بعائشة وقد ولاه عثمان الموسم وهي بمنزل من منازل طريقها فقالت : يا ابن عباس ؟ إن الله قد آتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية . أخرجه البلاذري .
وفي لفظ الطبري : خرج ابن عباس فمر بعائشة في الصلصل ( 2 ) فقالت : يا ابن عباس انشدك الله فإنك قد أعطيت لسانا إزغيلا أن تخذل عن هذا الرجل وأن تشكك فيه الناس ، فقد بانت لهم بصائرهم وانهجت ورفعت لهم المنار وتجلبوا من البلدان لامر قد جم ، وقد رأيت طلحة بن عبدالله قد اتخذ على بيوت الاموال والخزائن مفاتيح ، فإن يل يسير بسيرة ابن عمه أبي بكر رضي الله عنه . قال : قلت : يا أمه لوحدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا . فقالت : أيها عنك إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك . وحكاه ابن أبي الحديد عن تاريخ الطبري في شرح النهج غير ان فيه :
(هامش ) * ( 1 ) الغرارة بكسر المعجمة : الجوالق .
( 2 ) صلصل بالضم والتكرير : موضع بنواحى المدينة على سبعة أميال منها . [ * ]
فقالت يا ابن عباس انشدك الله فإنك قد أعطيت فهما ولسانا عقلا أن لاتخذل الناس عن طلحة فقد بانت لهم بصائر هم في عثمان ، واتهجت ورفعت لهم المنابر وتجلبوا من البلدان لامر عظيم قد حم ، وان طلحة قد اتخذ رجالا على بيوت الاموال ، وأخذ مفاتيح الخزائن ، وأظنه يسير إنشاء الله بسيرة ابن عمه أبي بكر . الحديث .
3 - كانت عائشة وأم سلمة حجتا ذلك العام ( عام قتل عثمان ) وكانت عائشة تؤلب على عثمان فلما بلغها أمره وهي بمكة أمرت بقبتها فضربت في المسجد الحرام وقالت : إني أرى عثمان سيشأم قومه كما شأم أبوسفيان قومه يوم بدر . رواه البلاذري .
4 - أخرج عمر بن شبة من طريق عبيد بن عمرو القرشي قال : خرجت عائشة رضي الله عنها وعثمان محصور فقدم عليها مكة رجل يقال له : أخضر ، فقالت : ما صنع الناس ؟
فقال : قتل عثمان المصريين . قالت : إنا لله وإناإليه راجعون ، أيقتل قوما جاؤا يطلبون الحق وينكرون الظلم ؟ والله لا نرضى بهذا . ثم قدم آخر فقالت : ما صنع الناس ؟
قال : قتل المصريون عثمان ، قالت . العجب لاخضر زعم ان المقتول هو القاتل فكان يضرب به المثل : أكذب من أخضر . وأخرجه الطبري .
5 - مر في الجزء الثامن صفحة 123 ط 2 : أن الشهود على الوليد بن عقبة بشربه الخمر استجاروا بعائشة وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة فقال : أما تجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة . فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : تركت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذا النعل . ألحديث فراجع .
6 - أسلفنا في هذا الجزء صفحة 16 في مواقف عمار : ان عائشة لما بلغها ما صنع عثمان بعمار فغضبت وأخرجت شعرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وثوبا من ثيابه ونعلا من نعاله ثم قالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد ؟ فغضب عثمان غضبا شديد حتى ما درى مايقول . ألحديث .
وقال أبوالفدا : كانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه وكانت تخرج قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعره وتقول : هذا قميصه وشعره لم يبل وقد بلي دينه .
7 - وفي كتاب لاميرالمؤمنين عليه السلام كتبه لما قارب البصرة إلى طلحة والزبير و عائشة : وأنت يا عائشة فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمرا كان [ * ] عنك موضوعا ، ثم تزعمين انك تريدين الاصلاح بين المسلمين ، فخبريني ما للنساء وقود الجيوش والبروز للرجال ، والوقوع بين أهل القبلة وسفك الدماء المحرمة ؟ ثم أنك طلبت على زعمك دم عثمان وما أنت وذاك ؟ عثمان رجل من بني أمية وأنت من تيم ، ثم بالامس تقولين في ملا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر ، ثم تطلبين اليوم بدمه ؟ فاتقي الله وارجعي إلى بيتك ، واسبلى عليك سترك ، والسلام .
8 - أخرج الطبري وابن قتيبة : ان غلاما من جهينة أقبل على محمد بن طلحة( يوم الجمل ) وكان محمد رجلا عابدا فقال : أخبرني عن قتلة عثمان فقال : نعم دم عثمان ثلاثة أثلاث : ثلت على صاحبة الهودج يعني عائشة ، وثلث على صاحب الجمل الاحمر يعني طلحة ، وثلث على علي بن أبي طالب . وضحك الغلام وقال : ألا أراني على ضلال ولحق بعلي وقال : في ذلك شعرا .
سألت ابن طلحة عن هالك بجوف المدينة لم يقبر ؟
فقال : ثلاثة رهط هم * أماتوا ابن عفان واستعبر
فثلث على تلك في خدرها * وثلث على راكب الاحمر
وثلث على بن أبي طالب * ونحن بدوية قرقر
فقلت : صدقت على الاولين * وأخطأت في الثالث الازهر
9 - أخرج الطبري من طريقين : ان عائشة رضي الله عنها لما انتهت إلى سرف ( 1 )
راجعه في طريقها إلى مكة لقيها عبد بن أم كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أمه فقالت له : مهيم ؟ قال : قتلوا عثمان رضي الله عنه فمكثوا ثمانيا . قالت : ثم صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الامور إلى خير مجاز ، اجتمعوا على علي بن أبي طالب . فقالت : والله ليت إن هذه انطبقت على هذه إن تم الامر لصاحبك ردوني ردوني . فانصرفت إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوما ، والله لاطلبن بدمه . فقال لها ابن أم كلاب : ولم ؟ فوالله ان أول من أمال حرفه لانت ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلا فقد كفر ( 2 ) . قالت : إنهم استتابوه ثم قتلوه ، وقد
(هامش ) * ( 1 ) سرف بالفتح ثم الكسر : موضع على ستة أميال من مكة .
( 2 ) في لفظ ابن قتيبة : فجر . [ * ]
قلت وقالوا وقولي الاخير خير من قولي الاول . فقال لها ابن أم كلاب ( 1 )
منك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الامام * وقلت لنا : إنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السقف من فوقنا * ولم ينكسف شمسنا والقمر
وقد بايع الناس ذا تدرإ * يزيل الشبا ويقيم الصعر
ويلبس للحرب أثوابها * وما من وفى مثل من قد غدر
فانصرفت إلي مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر فسترت واجتمع اليها الناس فقالت : يا أيها الناس ! إن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما ووالله لاطلبن بدمه
10 - قال أبوعمر صاحب الاستيعاب : إن الاحنف بن قيس كان عاقلا حليما ذا دين وذكاء وفصاحة ودهاء ، لما قدمت عائشة البصرة أرسلت إلى الاحنف بن قيس فأبى أن يأتيها ثم أرسلت اليه فأتاها فقالت : ويحك يا أحنف ! بم تعتذر إلى الله من ترك جهاد قتله أميرالمؤمنين عثمان رضي الله عنه ؟ أمن قلة عدد ؟ أو أنك لاتطاع في العشيرة ؟
قال : يا أم المؤمنين ما كبرت السن ولا طال العهد وإن عهدي بك عام أول تقولين فيه وتنالين فيه . قالت : ويحك يا أحنف ! إنهم ماصوه موص الاناء ثم قتلوه . قال : يا أم المؤمنين إني آخذ بأمرك وأنت راضية ، وأدعه وأنت ساخطة .
11 - أخرج ابن عساكر من طريق أبي مسلم انه قال لاهل الشام وهم ينالون من عائشة في شأن عثمان ، يا أهل الشام أضرب لكم مثلكم ومثل امكم هذه : مثلها و مثلكم كمثل العين في الرأس توذي صاحبها ولا يستطيع أن يعاقبها إلا بالذي هو خير لها .
12 - قال ابن أبي الحديد : قال كل من صنف في السير والاخبار : إن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله صلى الله عليه وآله فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين اليها : هذا ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبل و عثمان قد أبلى سنته . قالوا : أول من سمى عثمان نعثلا عائشة ، وكانت تقول : اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا .
(هامش ) * ( 1 ) في لفظ ابن قتيبة : عذر والله ضعيف ، يا ام المؤمنين . ثم ذكر الابيات . [ *
13 - روى المدائني في كتاب الجمل قال : لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها وهي بشراف فلم تشك في أن طلحة هوصاحب الامر وقالت : بعدا لنعثل وسحقا ، ايه ذا الاصبع ايه أبا شبل ايه يا ابن عم لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له ، حثوا الابل ودعدعوها . قال : قد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ثم فسد أمره فدفعها إلى علي بن أبي طالب .
14 - قال أبومخنف لوط بن يحيى الازدي في كتابه : إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة أقبلت مسرعة وهي تقول : ايه ذاالاصبع لله أبوك ، أما انهم وجدوا طلحة لها كفوا ، فلما انتهت إلى شراف ( 1 ) استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثي فقالت له :
ما عندك ؟ قال : قتل عثمان . قالت : ثم ماذا ؟ قال : ثم حارت بهم الامور إلى خير محار ، بايعوا عليا . فقالت : لوددت أن السماء انطبقت على الارض إن تم هذا ، ويحك انظر ماذا تقول . قال : هو ما قلت لك يا أم المؤمنين ! فولوت . فقال لها : ما شأنك يا أم المؤمنين ؟ والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولاأحق ، ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته ، فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال : فما ردت عليه جوابا .
وقد روي من طرق مختلفة : ان عائشة لها بلغها قتل عثمان وهي بمكة قالت : أبعده الله ، ذلك بما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد .
15 - قال : وقد روى قيس بن أبي حازم : انه حج في العام الذي قتل فيه عثمان وكان مع عائشة لما بلغها قتله فتحمل إلى المدينة قال : فسمعها تقول في بعض الطريق ايه ذا الاصبع . وإذا ذكرت عثمان قالت : أبعده الله . حتى أتاها خبر بيعة علي فقالت : لوددت أن هذه وقعت على هذه . ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة فرددت معها ورأيتها في سيرها إلى مكة تخاطب نفسها كأنها تخاطب أحدا : قتلوا ابن عفان مظلوما . فقلت لها : يا أم المؤمنين ألم أسمعك آنفا تقولين أبعده الله ؟ وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا ، فقالت : لقد كان ذلك ولكني نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه .
16 - قال : وروي من طرق أخرى : أنها قالت لما بلغها قتله : أبعده الله قتله ذنبه ،
(هامش ) ( 1 ) راجع صفحة 236 من الجزء الثامن ، وص 80 من هذا الجزء . [ * ]
وأقاده الله بعمله ، يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه ،
إن احق الناس بهذا الامر ذو الاصبع . فلما جاء‌ت الاخبار ببيعة علي عليه السلام قالت :
تعسوا لا يردون الامر في تيم أبدا . كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتبا أن خذلي الناس عن بيعة علي ، وأظهري الطلب بدم عثمان . وحملا الكتب مع ابن اختها عبدالله بن الزبير ، فلماقرأت الكتب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان ، وكانت أم سلمة رضي الله عنها بمكة في ذلك العام فلما رأت صنع عائشة قابلتها بنقيض ذلك وأظهرت موالاة علي عليه السلام ونصرته على مقتضى العداوة المركوزة في طباع الضرتين .
17 - قال أبومحنف : جاء‌ت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها : يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت كبيرة أمهات المؤمنين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم لنا من بيتك ، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك . فقالت أم سلمة : لامر ما قلت هذه المقالة ؟ فقالت عائشة :
إن عبدالله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام ، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحه فاخرجي معنا لعل الله أن يصلح هذا الامر على أيدينا وبنا . قالت : أنا أم سلمة ، إنك كنت بالامس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول ، وما كان إسمه عندك إلا نعثلا ، وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ألحديث ( 1 )
18 - روى ابن عبد ربه عن العتبي قال : قال رجل من بني ليث : لقيت الزبير قادما فقلت : يا أبا عبدالله ما بالك ؟ قال : مطلوب مغلوب يغلبني إبني ويطلبني ذنبي ، قال : فقدمت المدينة فلقيت سعد بن أبي وقاص فقلت : أبا إسحاق ! من قتل عثمان ؟ قال : قتله سيف سلته عائشة ، وشحذه طلحة ، وسمه علي . قلت : فما حال الزبير ؟ قال : أشار بيده وصمت بلسانه .
وفي الامامة والسياسة : كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولى كبره ، فكتب إليه سعد : إنك سألتني من قتل عثمان ، وإني أخبرك إنه قتل بسيف سلته عائشة ، وصقله طلحة ، وسمه ابن أبي طالب ، و
(هامش ) * ( 1 ) فيه فوائد جمة لا تفوت الباحث وعليه به . [ * ]
سكت الزبير وأشار بيده ، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعنا عنه ، ولكن عثمان غير وتغير وأحسن وأساء ، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا ، وإن كنا أسأنا ؟ فنستغفر الله ، وأخبرك أن الزبير مغلوب بغلبة أهله وبطلبه بذنبه ، وطلحة لو يجد أن يشق بطنه من حب الامارة لشقه .
19 - وقال ابن عبد ربه : دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت : يا أباعبدالله ! لو رأيتني يوم الجمل قد انفذت النصل هودجي حتى وصل بعضها إلى جلدي . قال لها المغيرة : وددت والله إن بعضها كان قتلك . قالت : يرحمك الله ولم تقول هذا ؟ قال لعلها تكون كفارة في سعيك على عثمان . قالت : أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله إني أردت قتله ، ولكن علم الله إني أردت أن يقاتل فقوتلت ، وأردت أن يرمى فرميت ، وأردت أن يعصى فعصيت ، ولو علم مني أني أردت قتله لقتلت .
20 - وروى ابن عبدربه عن أبي سعيد الخدري قال : إن ناسا كانوا عند فسطاط عائشة وأنا معهم بمكة فمربنا عثمان فما بقي أحد من القوم إلا لعنه غيري فكان فيهم رجل من أهل الكوفة فكان عثمان على الكوفة أجرأ منه على غيره فقال : يا كوفي أتشتمني ؟ فلما قدم المدينة كان يتهدده قال : فقيل له : عليك بطلحة ، قال : فانطلق معه حتى دخل على عثمان فقال عثمان : والله لاجلدنه مائة سوط . قال طلحة : والله لا تجلده مائة إلا أن يكون زانيا . قال : والله لاحرمنه عطاء‌ه . قال : الله يرزقه .
21 - قال ابن الاثير والفيروزآبادي وابن منظور والزبيدي : النعثل الشيخ الاحمق ونعثل يهودي كان بالمدينة . قيل شبه به عثمان رضي الله عنه كما في التبصير ، ونعثل رجل من أهل مصر كان طويل اللحية ، قال أبوعبيد : كان يشبه عثمان ، وشاتموا عثمان يسمونه نعثلا ، وفي حديث عثمان انه كان يخطب ذات يوم فقام رجل فنال منه فوذأه ابن سلام فاتذأ فقال له رجل : لا يمنعنك مكان ابن سلام أن تسب نعثلا فإنه من شيعته ، وكان أعداه عثمان يسمونه نعثلا ، وفي حديث عائشة : اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا . تعني عثمان ، وكان هذا منها لما غاضبته وذهبت إلى مكة ، وفي حياة الحيوان : النعثل كجعفر : الذكر من الضباع وكان أعداء عثمان يسمونه نعثلا .
22 - روى البلاذري في الانساب قال : خرجت عائشة رضي الله تعالى عنه باكية
تقول : قتل عثمان رحمه الله . فقال لها عمار بن ياسر : أنت بالامس تحرضين عليه ثم أنت اليوم تبكينه .
راجع طبقات ابن سعد 5 : 25 ط ليدن ، انساب البلاذري 5 : 70 ، 75 ، 91 ،
الامامة والسياسة 1 : 43 ، 46 ، 57 ، تاريخ الطبري 5 : 140 ، 166 ، 172 ، 176 ،
العقد الفريد 2 : 267 ، 272 ، تاريخ ابن عساكر 7 : 319 ، الاستيعاب ترجمة الاحنف
صخر بن قيس ، تاريخ ابي الفداج 1 : 172 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 77 ، 506 ،
تذكرة السبط ص 38 ، 40 ، نهاية ابن الاثير 4 : 166 ، اسد الغابة 3 : 15 : الكامل لابن الاثير 3 : 87 ، القاموس 4 : 59 ، حياة الحيوان 2 : 359 ، السيرة الحلبية 3 : 314 ، لسان العرب 14 : 193 ، تاج العروس 8 : 141 .
قال الاميني : هذه الروايات تعطينا درسا ضافيا بنظرية عائشة في عثمان وإنها لم تكن ترى له جدارة تسنم ذلك العرش ، وبالغت في ذلك حتى ودت إزالته عن مستوى الوجود . فأحبت له أن يلقي في البحر وبرجله رحى تجره إلى أعماقه ، أو أنه يجعل في غرارة من غرائرها وتشد عليه الحبال فيقذف في عباب اليم فيرسب فيه من غير خروج ،أو أن يودي به حراب المتجمهرين عليه فتكسح عن الملا معرة أحدوثاته ، ولذلك كانت تثير الناس عليه بإخراج شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثوبه ونعله ، ولم تبرح تؤلب الملا الديني عليه وتحثهم على مقته وتخذلهم عن نصرته في حضرها سفرها ، وإنها لم تعدل عن تلكم النظرية حتى بعد ما أجهز على عثمان إلا لماعلمت من إنفلات الامر عن طلحة الذي كانت عائشة تتهالك دون تأميره وتضمر تقديمه منذ كانت ترهج النقع على عثمان ، وتهيج الامة على قتله ، فكانت تروم أن تعيد الامرة تيمية مرة أخرى ، و لعلها حجت لبث هاتيك الدعاية في طريقها وعندمجتمع الحجيج بمكة ، فكان يسمع منها قولها في طلحة : ايه ذاالاصبع ! ايه أباشبل ! ايه ياابن عم لكأني أنظر إلى اصبعه وهو يبايع له ، وقولها : ايه ذاالاصبع ! لله أبوك ، أماانهم وجدوا طلحة لها كفوا .
وقولها في عثمان : اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر وقولها لابن عباس : إياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية ، وقولها بمكة : بعدا لنعثل وسحقا ، وقولها لما بلغها قتله : أبعده الله ، ذلك ما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد . [ * ]
لكنها لما علمت أن خلافة الله الكبرى عادت علوية واستقرت في مقرها الجدير بها - ولم يكن لها مع أميرالمؤمنين عليه السلام هوى - قلبت عليها ظهر المجن ، فطفقت تقول :
لوددت ان السماء إنطبقت على الارض إن تم هذا ، وأظهرت الاسف على قتل عثمان ورجعت إلى مكة بعد ما خرجت منها ، ونهضت ثائرة تطلب بدم عثمان لعلها تجلب الامرة إلى طلحة من هذا الطريق ، وإلا فما هي من أولياء ذلك الدم ، وقد وضع عنها قود العساكر ومباشرة الحروب ، لانها امرأة خلقها الله لخدرها ، وقد نهيت كبقية نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة عن التبرج ، وقد أنذرها رسول الله صلى الله عليه وآله وحذرها عن خصوص واقعة الجمل ، غير أنها اعرضت عن ذلك كله لما ترجح في نظرها من لزوم تأييد أمر طلحة ، وتصاممت عن نبح كلاب الحوأب ، وقد ذكره لها الصادق الامين عند الانذار والتحذير ، ولم تزل يقودها الامل حتى قتل طلحة فألمت بها الخيبة ، وغلب أمر الله وهي كارهة .
3 - حديث عبدالرحمن بن عوف (أحد العشرة المبشرة) ، شيخ الشورى ، بدري .
1 - أخرج البلاذري عن سعد قال : لما توفي أبوذر بالزبدة تذاكر علي و عبدالرحمن بن عوف فعل عثمان فقال علي : هذا عملك . فقال عبدالرحمن : إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي ، انه قد خالف ما أعطاني .
2 - قال أبوالفدا : لما أحدث عثمان رضي الله عنه ما أحدث من توليته الامصار للاحداث من أقاربه روي انه قيل لعبدالرحمن بن عوف : هذا كله فعلك . فقال : ما كنت أظن هذابه ، لكن لله علي أن لا أكلمه ابدا ، ومات عبدالرحمن وهو مهاجر لعثمان رضي الله عنهما ، ودخل عليه عثمان عائدا في مرضه فتحول إلى الحائط ولم يكلمه .
3 - روى البلاذري من طريق عثمان بن الشريد قال : ذكرعثمان عند عبدالرحمن ابن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبدالرحمن : عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان يسقى منها نعم عبدالرحمن بن عوف فمنعه إياها فقال عبدالرحمن : اللهم اجعل ماء‌ها غورا . فما وجدت فيها قطرة .
4 - عن عبدالله بن ثعلبة قال : إن عبدالرحمن بن عوف كان حلف ألا يكلم عثمان أبدا . [ * ]
5 - عن سعد قال : إن عبدالرحمن أوصى أن لا يصلي عليه عثمان ، فصلى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص ، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين .
6 - قال ابن عبد ربه : لما أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الاحداث من أهل بيته على الجلة من أصحاب محمد قيل لعبد الرحمن : هذا عملك . قال : ما ظننت هذا . ثم مضى ودخل عليه وعاتبه وقال : إنما قدمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فخالفتهما وحابيت أهل بيتك وأو طأتهم رقاب المسلمين . فقال : إن عمر كان يقطع قرابته في الله و أنا أصل قرابتي في الله . قال عبدالرحمن : لله علي أن لا أكلمك أبدا . فلم يكلمه أبدا حتى مات وهو مهاجر لعثمان ، ودخل له عثمان عائدا له في مرضه فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه . راجع انساب البلاذري 5 : 57 ، العقد الفريد 2 : 258 ، 261 ، 272 ، تاريخ ابي الفداج 1 : 166
7 - أخرج الطبري من طريق المسور بن المخرمة قال : قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم فبلغ ذلك عبدالرحمن بن عوف فأرسل إلى المسور بن المخرمة وإلى عبدالرحمن بن الاسود بن عبد يغوث فأخذاها فقسمها عبدالرحمن في الناس وعثمان في الدار .
تاريخ الطبري 5 : 113 ، الكامل لابن الاثير 3 : 70 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 165 .
8 - قال أبوهلال العسكري في كتاب الاوائل : أستجيبت دعوة علي عليه السلام في عثمان وعبدالرحمن فما ماتا إلا متهاجرين متعاديين ، أرسل عبدالرحمن إلى عثمان يعاتبه ( إلى أن قال : لما بنى عثمان قصره طمار الزوراء وصنع طعاما كثيرا ودعا الناس اليه كان فيهم عبدالرحمن فلما نظر إلى البناء والطعام قال : يا ابن عفان ! لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك ، وإني أستعيذ بالله من بيعتك ، فغضب عثمان وقال : أخرجه عني يا غلام فأخرجوه وأمرالناس أن لا يجالسوه ، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض ، ومرض عبدالرحمن فعاده عثمان وكلمه فلم يكلمه حتى ماتشرح ابن أبي الحديد 1 : 65 ، 66 . [ * ] 0قول العسكري : أستجيبت دعوة علي . إشارة إلى ما ورد من قوله عليه اليوم الشورى لعبدالرحمن بن عوف : والله ما فعلتها إلا لانك رجوت منه مارجا صاحبكما من صاحبه دق الله بينكما عطر منشم ( 1 ) ومنشم امرأة عطارة من حمير ، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها ، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثر القتلى فيما بينهم ، فكان يقال : أشأم من عطر منشم فصار مثلا . وقول عبدالرحمن : لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك . ايعاز إلى قول مولانا أميرالمؤمنين يوم الشورى ايضا : أما إني أعلم أنهم سيولون عثمان ، وليحدثن البدع و الاحداث ، ولئن بقي لاذكرنك ، وإن قتل أو مات ليتداولونها بنو أمية بينهم ، وإن كنت حيا لتجدني حيث تكرهون (2)
قال الشيخ محمد عبده في شرح نهج البلاغة 1 : 35 : لما حدث في عهد عثمان ما حدث من قيام الاحداث من أقاربه على ولاية الامصار ، ووجد عليه كبار الصحابة روي إنه قيل لعبدالرحمن : هذا عمل يديك . فقال : ما كنت أظن هذا به ولكن لله علي أن لا أكلمه أبدا ، ثم مات عبدالرحمن وهو مهاجر لعثمان ، حتى قيل : أن عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول إلى الحائط لا يكلمه ، والله أعلم والحكم لله يفعل ما يشاء .
وقال ابن قتيبة في المعارف ص 239 : كان عثمان بن عفان مهاجرا لعبد الرحمن ابن عوف حتى ماتا .
قال الاميني ، لابد أن يسائل هؤلاء عن أشياء فيقال لهم : إن سيرة الشيخين التي بويع عثمان عليها هل كانت تطابق سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوتخالفها ؟ وعلى الاول فشرطها مستدرك ، ولا شرط للخلافة إلا مطابقة كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولانقمة على تاركها إلا بترك السنة لاالسيرة ، فذكرها إلى جانب السنة الشريفة كضم اللاحجة إلى الحجة ، أو كوضع الحجرإلى جنب الانسان ، وعلى الثاني فإن من
(هامش ) * ( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 1 : 63 .
( 2 ) شرح ابن ابى الحديد 1 : 64 . [ * ]
الواجب على كل مسلم مخالفتها بعد فرض إيمانه بالله وبكتابه ورسوله واليوم الآخر ، فكان من حق المقام أن ينكروا على عثمان مخالفة السنة فحسب . ولهذا لم يقبل مولانا أميرالمؤمنين لما ألقى إليه عبدالرحمن أمر البيعة على الشرط المذكور إلا مطابقة أمره للسنة والاجتهاد فيها ( 1(.
وليت شعري إنه لما شرط ابن عوف على عثمان ذلك هل كان يعلم بما قلناه من الموافقة أو المخالفة أولا ؟ وعلى فرض علمه يتوجه عليه ما سطرناه على كل من الفرضين ، وعلى تقدير عدم علمه وهو أبعد شئ ، يفرض فكيف شرط عليه ما لا يعلم حقيقته ، وكيف يناط أمر الدين وزعامته الكبرى بحقيقة مجهولة ؟ وما الفائدة في إشتراطه ؟ .
وللباقلاني في التمهيد ص 210 في بيان هذا الشرط وجه نجل عنه ساحة كل متعلم فاهم فضلا عن عالم مثله .
ثم نأتي إلى عثمان فنحاسبه على قبوله لاول وهلة ، هل كل يعلم شيئا مما قدمناه من النسبة بين السنة والسيرة أولا ؟ فهلا شرط الامر على تقدير الموافقة ؟ ورفضه على فرض المخافة ؟ وإن كان لا يعلم فكيف قبل شرطا لا يدري ما هو ؟ ثم هل كان يعلم يومئذ أنه يطيق على ذلك أولا ؟ أو كان يعلم أنه لا يطيقه ؟ وعلى الاخير فكيف قبل مالا يطيقه ؟ وعلى الثاني كيف أقدم على الخطر فيما لا يعلم انه يتسنى له أن ينوء به ؟ وعلى الاول فلما ذا خالف ما أشترط عليه وقبله ووجدت البيعة عليه ؟ وحصل القبول والرضا من الامة به ؟ ثم جاء يعتذر لما أخذه ابن عوف بمخالفته إياها بأنه لا يطيق ذلك فقال فيما أخرجه أحمد في مسنده 1 : 68 من طريق شقيق : وأما قوله : ولم أترك سنة عمر ؟ فإني لا أطيقها ولا هو . وذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 206
وكيفما أجيب عن هذه المسائل فعبرتنا الآن بنظرية عبدالرحمن بن عوف الاخيرة في الخليفة ، وهي من أوضح الحقايق لمن استشف ما ذكرناه من قوله له : إني أستعيذ بالله من بيعتك . وقوله لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام : إذا شئت فخذ سيفك وآخذ
(هامش ) * ( 1 ) مسند احمد 1 : 75 ، تاريخ الطبرى 5 : 40 ، تمهيد الباقلانى ص 209 ، تاريخ ابن كثير 7 : 146 . (*)
سيفى . إلخ . مستحلا قتاله ، وقوله : عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه . وقد بالغ في الانكار عليه ورأيه في سقوطه انه لم يره أهلا للصلاة عليه وأوصى بذلك عند وفاته فصلى عليه الزبير ، وهجره وحلف أن لا يكلمه أبدا حتى انه حول وجهه إلى الحائط لما جاء عائدا ، وإنه كان لا يرى لتصرفاته نفوذا ولذلك لما بلغه إعطاه عثمان إبل الصدقة لبعض بني الحكم أرسل إليها المسور بن المخرمة وعبدالرحمن بن الاسود فأخذها فقسمها عبدالرحمن في الناس وعثمان في الدار ، ولهذه كلها كان يراه عثمان منافقا و يقذفه بالنفاق كما ذكره ابن حجر في الصواعق ص 68 وأجاب عنه متسالما عليه بأنه كان متوحشا منه لانه كان يجيئه كثيرا . إقرأ واضحك . وذكره الحلبي في السيرة 2 : 87 فقال : أجاب عنه ابن حجر ولم يذكر الجواب لعلمه بأنه أضحوكة . ونسائل القوم بصورة أخرى مع قطع النظر عن جميع ما قلناه : إن ما أشترط على عثمان وعقد عليه أمره هل كان واجب الوفاء ؟ أو كان لعثمان منتدح عنه بتركه ؟ وعلى الاول فما وجه مخالفة الخليفة له ؟ ولماذا لم يقبله مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام وهو عيبة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعارف بأحكامه وسننه وبصلاح الامة منذ بدء أمرها إلى
منصرمه ، وهل يخلع الخليفة في صورة المخالفة ؟ فلما ذا كان عثمان لا يروقه التنازل عن أمره لما أرادت الصحابة خلعه للمخالفة ؟ أوأنه لايخلع ؟ فلما ذا تجمهروا عليه فخلعوه وقتلوه ؟ وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العدول كلهم في نظرالقوم ، وإن كان لايجب الوفاء به ؟ فلماذا لم يبايعو أميرالمؤمنين عليه السلام لما جاء بعدم الالتزام بما لا يجب الوفاء‌به ؟ وما معنى إعتذار عبدالرحمن بن عوف في تقديمه عثمان على أميرالمؤمنين عليه السلام بأنه قبل متابعة سيرة الشيخين ولم يقبلها علي عليه السلام ؟ ولماذا ألزموا عثمان به ؟ ولماذا التزم به عثمان ؟ ولماذا تمت البيعة عليه ؟ ولماذا تجمهروا عليه لما شاهدوا منه المخالفة ؟ . وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون [ * ]
4 - حديث طلحة بن عبيدالله
أحد العشرة المبشرة ، وأحد الستة أصحاب الشورى
1 - من كلام لمولانا أميرالمؤمنين في طلحة : والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لانه مظنته ، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه ، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلبس الامر ويقع الشك ، ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث : لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم - لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه أو ينابذ ناصريه . ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه والمعذرين فيه . ولئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا ويدع الناس معه ، فما فعل واحدة من الثلاث ، وجاء بأمر لم يعرف بابه ، ولم تسلم معاذيره . ( 1 )
قال إبن أبي الحديد في الشرح 2 : 506 : فإن قلت : يمكن أن يكون طلحة إعتقد إباحة دم عثمان أولا ثم تبدل ذلك الاعتقاد بعد قتله فاعتقد أن قتله حرام وأنه يجب أن يقتص من قاتليه . قلت : لو اعترف بذلك لم يقسم علي عليه السلام هذا التقسيم و إنما قسمه لبقائه على إعتقاد واحد ، وهذا التقسيم مع فرض بقائه على إعتقاد واحد صحيح لامطعن فيه ، وكذا كان حال طلحة فإنه لم ينقل عنه إنه قال : ندمت على ما فعلت بعثمان . فإن قلت : كيف قال أميرالمؤمنين : فما فعل واحدة من الثلاث ؟ وقد فعل واحدة منها لانه وازر قاتليه حيث كان محصورا . قلت : مراده : إنه إن كان عثمان ظالما وجب أن يوازر قاتليه بعد قتله يحامي عنهم ويمنعهم ممن يروم دماء‌هم ، ومعلوم أنه لم يفعل ذلك . وإنما وازرهم وعثمان حي وذلك غير داخل في التقسيم . اه‍ .
2 - أخرج الطبري من طريق حكيم بن جابر قال : قال علي لطلحة - وعثمان محصور - : أنشدك الله إلا رددت الناس عن عثمان قال : لاوالله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها .
(هامش ) * ( 1 ) نهج البلاغة 1 : 323 . [ * ]
تاريخ الطبري 5 : 139 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 168 فقال : فكان علي عليه السلام
يقول : لحاالله ابن الصعبة أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به مافعل .
3 - أخرج الطبري من طريق بشر بن سعيد قال : حدثني عبدالله بن عباس بن أبي ربيعة قال : دخلت على عثمان رضي الله عنه فتحدثت عنه ساعة فقال : يا ابن عباس تعال فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على باب عثمان فسمعنا كلاما ، منهم من يقول : ما تنتظرون به ؟ ومنهم من يقول : انظروا عسى أن يراجع ، فبينا أنا وهو واقفان إذ مر طلحة بن عبيدالله فوقف فقال : أين ابن عديس ؟ فقيل : هاهوذا . قال : فجاء ابن عديس فناجاه بشئ ثم رجع ابن عديس فقال لاصحابه : لا تتركوا أحدا يدخل على هذا الرجل ولا يخرج من عنده قال : فقال لي عثمان : هذا ما أمر به طلحة بن عبيدالله ثم قال عثمان : أللهم اكفني طلحة بن عبيدالله فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم ، والله إني لارجو أن يكون منها صفرا وأن يسفك دمه ، انه انتهك مني ما لا يحل له ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه فيقتل ، أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجم ، أو رجل قتل نفسا بغير نفس . ففيم أقتل ؟ قال : ثم رجع عثمان . قال ابن عباس : فأردت أن أخرج فمنعوني حتى مر بي محمد بن أبي بكر فقال : خلوه . فخلوني . تاريخ الطبري 5 : 122 ، الكامل ابن الاثير 3 : 73
4 - أخرج الطبري من طريق الحسن البصري : إن طلحة بن عبيد الله باع أرضا له من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه فقال طلحة : إن رجلا تتسق هذه عنه ( 1 ) وفي بيته لا يدري ما يطرقه من أمر الله عزوجل لغرير بالله سبحانه ، فبات ورسوله يختلف بها في سكك المدينه يقسمها حتى أصبح فأصبح وما عنده منها درهم . قال الحسن : وجاء هاهنا يطلب الدينار والدرهم . أوقال : الصفراء والبيضاء . تاريخ الطبري 5 : 139 ، تاريخ ابن عساكر 7 : 81 .
5 - حكى ابن أبي الحديد عن الطبري : ان عثمان كان له على طلحة خمسون الفا فخرج عثمان يوما إلى المسجد فقال له طلحة : قد تهيأ مالك فاقبضه فقال : هو لك
(هامش ) * ( 1 ) في شرح ابن ابى الحديد : عنده . [ * ]
يا أبامحمد معونة لك على مروء‌تك . قال : فكان عثمان يقول وهو محصور جزاء سنمار ( 1 (.
وقال ابن أبي الحديد : كان طلحة من أشد الناس تحريضا عليه ، وكان الزبير دونه في ذلك . روي ان عثمان قال : ويلي علي ابن الحضرمية - يعني طلحة - أعطيته كذا وكذابهار أذهبا وهو يروم دمي يحرض على نفسي ، أللهم لا تمتعه به ولقه عواقب بغيه .
قال : وروى الناس الذين صنفوا في واقعة الدار : ان طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعا بثوب قد استتربه عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام ، ورووا أيضا : انه لما أمتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الانصار فأصعدهم إلى سطحها وتسوروا منها على عثمان داره فقتلوه . شرح ابن أبي الحديد 2 : 404 .
6 - روى المدائني في كتاب مقتل عثمان : إن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام ، وإن عليا لم يبايع الناس إلا بعد قتل عثمان بخمسة أيام ، وأن حكيم بن حزام أحد بني أسد ابن عبدالعزى وجبير بن مطعم بن الحرث بن نوفل استنجدا بعلى على دفنه فأقعد طلحة لهم في الطريق ناسا بالحجارة فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلما صارهناك رجم سريره وهموابطرحه ، فأرسل علي إلى الناس يعزم عليهم ليكفواعنه ، فكفوا فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب .
وأخرج المدائني في الكتاب قال : دفن عثمان بين المغرب والعتمة ولم يشهد جنازته إلامروان بن الحكم وابنة عثمان وثلاثة من مواليه فرفعت ابنته صوتها تندبه وقد جعل طلحة ناسا هناك أكمنهم كمينا فأخذتهم الحجارة وصاحوا : نعثل نعثل ، فقالوا : الحائط الحائط . فدفن في حائط هناك .
7 - أخرج الواقدي قال : لما قتل عثمان تكلموا في دفنه فقال طلحة : يدفن بديرسلع . يعني مقابر اليهود . ورواه طبري في تاريخه 5 : 143 غير أن فيه مكان طلحة : رجل .
8 - أخرج الطبري بالاسناد قال : حصر عثمان وعلي بخيبر فلما قدم أرسل اليه
(هامش ) * ( 1 ) هذا الحديث اخرجه الطبرى في تاريخه 5 : 139 وليس فيه ما حكاه عنه ابن أبي الحديد ( فكان عثمان يقول وهو محصور : جزاء سنمار ) . [ * ]
عثمان يدعوه فانطلق فقلت : لانطلقن معه ولاسمعن مقالتهما ، فلما دخل عليه كلمه عثمان فحمدالله وأثني عليه ثم قال : أما بعد فإن لي عليك حقوقاحق الاسلام وحق الاخاء ،
وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آخى بين الصحابة آخى وبيني وبينك ، وبين حق القرابة والصهر وما جعلت لي في عنقك من العهد والميثاق ، فوالله لو لم يكن من هذا شئ ثم كنا إنما نحن في جاهلية لكان مبطا على بني عبد مناف أن يبتزهم أخو بني تيم ملكهم . فتكلم علي فحمدالله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد : فكل ما ذكرت من حقك علي على ما ذكرت ، أما قولك : لو كنا في جاهلية لكان مبطا على بني عبد مناف أن يبتزهم أخو بني تيم ملكهم ، فصدقت وسيأتيك الخبر . ثم خرج فدخل المسجد فرأى أسامة جالسا فدعاه فاعتمد على يده فخرج يمشي إلى طلحة وتبعته فدخلنا دار طلحة بن عبيدالله وهي رجاس من الناس فقام إليه فقال : يا طلحة ما هذا الامر الذي وقعت فيه ؟ فقال : يا أبا حسن ! بعد ما مس الحزام الطبيين ( 1 ) فانصرف علي ولم يحر إليه شيئا حتى أتى بيت المال فقال : افتحوا هذا الباب . فلم يقدر على المفاتيح فقال : اكسروه فكسر باب بيت المال فقال : أخرجوا المال . فجعل يعطي الناس فبلغ الذين في دار طلحة الذي صنع علي فجعلوا يتسللون إليه حتى ترك طلحة وحده ، وبلغ الخبر عثمان فسر بذلك ، ثم أقبل طلحه يمشي عائدا إلى دار عثمان فقلت : والله لانظرن ما يقول هذا فتتبعته فاستأذن على عثمان فلما دخل عليه قال : يا أميرالمؤمنين ! أستغفر الله وأتوب إليه أردت أمرا فحال الله بيني وبينه ، فقال عثمان : إنك والله ما جئت تائبا ولكنك جئت مغلوبا ، الله حسيبك يا طلحة . تاريخ الطبري 6 : 154 ، كامل ابن الاثير 3 : 70 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 165 ! . تاريخ ابن خلدون 2 : 397 .
قال الاميني : هذا لفظ تاريخ الطبري المطبوع وقد لعبت به أيدي الهوى بالتحريف وزادت فيه حديث الاخاء بين عثمان وعلي المتسالم على بطلانه بين فرق المسلمين ، كأن القوم آلوا على أنفسهم بأن لايدعو حديثا إلا شوهوه بالاختلاق ، وقد حكي ابن أبي الحديد هذا الحديث عن تاريخ الطبري في شرحه 2 : 506 ولا توجد فيه مسألة الاخاء وإليك لفظه :
(هامش ) * ( 1 ) أى : اشتد الامر وتفاقم . كتب عثمان إلى على عليه السلام : قد بلغ السيل الزبا وجاوز الحزام الطبيين . تاج العروس 1 : 222 . [ * ]
روى الطبري في التاريخ : أن عثمان لما حصر كان علي عليه السلام بخيبر في أمواله فلما قدم أرسل إليه يدعوه فلما دخل عليه قال له إن لي عليك حقوقا : حق الاسلام ، وحق النسب ، وحق مالي عليك من العهد والميثاق ، ووالله إن لو لم يكن من هذا كله شئ وكنا في جاهلية لكان عارا علي بني عبدمناف أن يبتزهم أخويتم ملكهم يعني طلحة ، فقال له عليه السلام : سيأتيك الخبر . إلى آخر الحديث باللفظ المذكور .
وقد أسلفنا في الجزء الثالث ص 104 - 116 حديث المواخاة بأوسع ما يسطر وفيه : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي واخى أميرالمؤمنين عليه السلام لا غيره .
9 - ذكر البلاذري في حديث : إن طلحة قال لعثمان : إنك أحدثت أحداثا لم يكن الناس يعهدونها ، فقال عثمان : ما أحدثت أحداثا ولكنكم أظناء تفسدون علي الناس وتؤلبوهم . الانساب 5 : 44
10 - حكى البلاذري عن أبي مخنف وغيره : حرس القوم عثمان ومنعوا من أن يدخل عليه ، وأشار عليه سعيد بن العاص بأن يحرم ويلبي ويخرج فيأتي مكة فلا يقدم عليه . فبلغهم قوله فقالوا : والله لئن خرج لافارقناه حتى يحكم الله بيننا وبينه ، واشتد عليه طلحة بن عبيدالله في الحصار ، ومنع من أن يدخل إليه الماء حتى غضب علي ابن أبي طالب من ذلك ، فأدخلت عليه روايا الماء . الانساب 5 : 71 .
11 - في رواية للبلاذري ص 90 : كان الزبير وطلحة قد استوليا على الامر ، و منع طلحة عثمان من أن يدخل عليه الماء العذب فأرسل علي إلى طلحة وهو في أرض له على ميل من المدينة : أن دع هذا الرجل فليشرب من مائة ومن بئره يعني بئر رومة ، و لا تقتلوه من العطش . فأبى فقال علي : لولا أني قد آليت يوم ذي خشب انه إن لم يعطني لا أرد عنه أحدا لادخلت عليه الماء .
وفي الامامة والسياسية 1 : 34 : أقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلا و نهارا وطلحة يحرض الفريقين جميعا على عثمان ، ثم إن طلحة قال لهم : إن عثمان لايبالي ما حضرتموه وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه .
12 - قال البلاذري : قالوا : مر مجمع بن جارية الانصاري بطلحة بن عبيد الله فقال : يا مجمع ما فعل صاحبك ؟ قال : أظنكم والله قاتليه . فقال طلحة : فإن قتلا فلا [ * ] ملك مقرب ولا نبي مرسل . الانساب 5 : 74 .
13 - وروى البلاذري في حديث : وسلم عثمان على جماعة فيهم طلحة فلم يردوا عليه فقال : يا طلحة من كنت أرى إنه أعيش إلى أن اسلم عليك فلا ترد علي السلام الانساب 5 : 76 .
كأن هذه القضية غير ما وقع في أيام الحصار الثاني مما ذكره الديار بكري في تاريخ الخميس 2 : 260 قال : أشرف عثمان عليهم ذات يوم وقال : السلام عليكم . فما سمع أحدا من الناس يرد عليه إلا أن يرد في نفسه . وسيوافيك حديث جبلة بن عمرو الانصاري ونهيه الناس عن رد السلام على عثمان إذا سلمهم .
14 - أخرج البلاذري من طريق يحيى بن سعيد قال : كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار ، فبعث عثمان عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب إلى علي بهذا البيت :
وإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي * وإلا فأدركني ولما أمزق ( 1 )
وقال أبومخنف : صلى علي بالناس يوم النحر وعثمان محصور فبعث إليه عثمان ببيت الممزق ، وكان رسوله به عبدالله بن الحارث ففرق علي الناس عن طلحة ، فلما رأى ذلك طلحة دخل على عثمان فاعتذر فقال له عثمان : يا ابن الحضرمية ! ألبت علي الناس ودعوتهم إلى قتلي حتى إذا فاتك ما تريد جئت معتذرا ، لاقبل الله ممن قبل عذرك . الانساب 5 : 77 .
15 - روى البلاذري باسناده من طريق ابن سيرين انه قال : لم يكن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد على عثمان من طلحة . الانساب 5 : 81 ، وذكره ابن عبد ربه في
العقد الفريد 2 : 269 .
16 - أخرج ابن سعد وابن عساكر قال : كان طلحة يقول يوم الجمل : إنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد شيئا أمثل من أن نبذل دماء‌نا فيه ، أللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى . طبقات ابن سعد ، تاريخ ابن عساكر 7 : 84 ، تذكرة السبط ص 44 .
17 - أخرج ابن عساكر قال : كان مروان بن الحكم في الجيش يوم الجمل
(هامش ) * ( 1 ) هذا البيت للممزق العبدى شاش بن لها بن الاسود . وبه سمى الممزق . [ * ]
فقال : لا أطلب بثاري بعداليوم ، فهو الذي رمى طلحة فقتله ، ثم قال لابان بن عثمان : قد كفيتك بعض قتلة أبيك ، وكان السهم قد وقع في عين ركبته ، فكانوا إذا أمسكوها انتفخت وإذا أرسلوها انبعثت فقال : دعوها فانها سهم أرسله الله . تاريخ ابن عساكر 7 : 84 .
قال أبوعمر في الاستيعاب : لا يختلف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة يومئذ وكان في حزبه ، روى عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال :
قال طلحة يوم الجمل :
ندمت ندامة الكسعي لما * شريت رضا بني جرم برغمي ( 1 )
أللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى .
" بيان " الكسع : حي من قيس عيلان ، وقيل : هم حي من اليمن رماة ، و منهم الكسعي الذي يضرب به المثل في الندامة وهو رجل رام رمى بعد ما أسدف الليل عيرا فأصابه وظن انه أخطأه فكسر قوسه وقيل : وقطع إصبعه ثم ندم من الغد حين نظرإلى العير مقتولا وسهمه فيه ، فصار مثلا لكل نادم على فعل يفعله . وإياه عنى الفرزدق بقوله :
ندمت ندامة الكسعي لما * غدت مني مطلقة نوار
وقال آخر :
ندمت ندامة الكسعي لما * رأت عيناه ما فعلت يداه
وقيل : كان اسم الكسعي محارب بن قيس .
وأخرج أبوعمر بن طريق ابن أبي سبرة قال : نظر مروان إلى طلحة يوم الجمل
فقال : لا أطلب بثاري بعد اليوم . فرماه بسهم فقتله .
وأخرج من طريق يحيى بن سعيد عن عمه انه قال : رمى مروان طلحة بسهم ثم التفت إلى أبان بن عثمان قال : قد كفينا بعض قتلة أبيك .
وأخرج من طريق قيس نقلا عن ابن أبي شيبة ان مروان قتل طلحة ، ومن طريق وكيع واحمد بن زهير باسنادهما عن قيس بن أبي حازم حديث : لا أطلب بثاري
(هامش ) * ( 1 ) هذا البيت معه ثلاثة ابيات اخر ذكرها ابن الاثير في اسد الغابة 3 : 104 ، وسبط ابن الجوزى في التذكرة ص 44 . [ * ] .
بعد اليوم . وزاد في " اسد الغابة " مامرمن قول مروان لابان .
وقال ابن حجر في الاصابة 2 : 230 : روى ابن عساكر من طرق ( 1 ) متعددة :
أن مروان بن الحكم هو الذي رماه فقتله ، منها : وأخرجه أبوالقاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة قال : لما كان يوم الجمل نظر مروان إلى طلحة فقال :
لا أطلب ثاري بعد اليوم فنزع له بسهم فقتله .
وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أن مروان بن الحكم
رأى طلحة في الخيل فقال : هذا أعان على عثمان فرماه بسهم في ركبته ، فما زال الدم يسيح حتى مات . وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 : و 370 .
أخرجه عبدالحميد بن صالح عن قيس ، وأخرجه الطبراني من طريق يحيى بن سليمان الجعفي عن وكيع بهذا السند قال : رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في عين ركبته ، فما زال الدم يسيح إلى أن مات .
وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 370 من طريق عكراش قال : كنا نقاتل عليا
مع طلحة ومعنا مروان قال : فانهزمنا فقال مروان : لا أدرك بثاري بعد اليوم من طلحة فرماه بسهم فقتله .
وقال محب الدين الطبري في الرياض 2 : 259 : المشهور أن مروان بن الحكم هو الذي قتله رماه بسهم وقال : لا أطلب بثاري بعد اليوم . وذلك أن طلحة زعموا انه كان ممن حاصر عثمان واشتد عليه .
وأخرج البلاذري في " الانساب " ص 135 في حديث عن روح بن زنباع : إنه قال : رمى مروان طلحة فاستقاد منه لعثمان .
يوجد حديث قتل مروان بن الحكم طلحة بن عبيدالله أخذا بثار عثمان في مروج الذهب 2 : 11 ، القعد الفريد 2 : 279 ، مستدرك الحاكم 3 : 370 ، الكامل لابن الاثير 3 ، 104 ، صفة الصفوة لابن الجوزي 1 : 132 ، أسدالغابة 3 : 61 ، دول الاسلام للذهبي
(هامش ) * ( 1 ) حذفتها يدالطبع الامينة على ودايع العلم حيا الله الامانة . لقد لعبت يدالشيخ عبدالقادر بن بدران بتاريخ ابن عساكر لما هذبه ورتبه على زعمه فأخرجه عما هو عليه ، وجعله مسيخا مشوما بادخال آرائه الساقطة فيه ، وأسقط منه أحاديث كثيرة متنا واسنادا مما لا يروقه . [ * ] .
1 ، 18 ، تاريخ ابن كثير 7 : 247 ، تذكرة السبط ص 44 ، مرآة الجنان لليافعي 1 : 97 ، تهذيب التهذيب 5 : 21 ، تاريخ ابن شحنة هامش الكامل 7 : 189 .
18 - أخرج ابن سعد بالاسناد عن شيخ من كلب قال : سمعت عبدالملك بن مروان يقول : لولا أن أميرالمؤمنين مروان أخبرني انه قتل طلحة ما تركت أحدا من ولد طلحة إلا قتلته بعثمان .
19 - أخرج الحميدي في النوادر من طريق سفيان بن عيينة عن عبدالملك بن مروان قال : دخل موسى بن طلحة على الوليد فقال له الوليد : ما دخلت علي قط إلا هممت بقتلك لولا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة . تهذيب التهذيب 5 : 22 .
20 - أخرج الطبري في حديث : فقام طلحة والزبير خطيبين ( يعني بالبصرة )فقالا : يا أهل البصرة توبة بحوبة ، إنما أردنا أن يستعتب أمير المؤمنين عثمان ولم نرد قتله فغلب سفهاء الناس الحلماء حتى قتلوه . فقال الناس طلحة : يا أبامحمد قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا . تاريخ الطبري 5 : 179 .
2 - ذكر المسعودي في حديث وقعة الجمل : ثم نادى علي رضي الله عنه طلحة حين رجع الزبير : يا أبامحمد ! ما الذى أخرجك ؟ قال : الطلب بدم عثمان . قال علي : قتل الله أولانا بدم عثمان ( 1 ) مروج الذهب 2 : 11 .
22 - لما نزل طلحة والزبير السبخة ( 2 ) أتاهما عبدالله بن الحكيم التميمي لكتب كانا كتباها إليه فقال لطلحة : يا أبامحمد ! أما هذه كتبك إلينا ؟ قال : بلي ، قال : فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان وقتله حتى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه ، فلعمري ما هذا رأيك ، لا تريد إلا هذه الدنيا ، مهلا إذا كان هذا رأيك فلم قبلت من علي ما عرض عليك من البيعة ؟ فبايعته طائعا راضيا ثم نكثت بيعتك ، ثم جئت لتدخلنا في فتنتك . ألحديث ( 3 )
23 ـ قال ابن قتيبة : ذكروا انه لما نزل طلحة والزبير وعائشة البصرة إصطف
(هامش ) * ( 1 ) لقد استجاب الله تعالى دعاء الامام عليه السلام فقتل طلحة في اسرع وقت .
( 2 ) السبخة بالتحريك موضع بالبصرة .
( 3 ) شرح ابن ابى الحديد 2 : 500 . [ * ] .
لها الناس في الطريق يقولون : يا أم المؤمنين ماالذي أخرجك من بيتك ؟ فلما أكثروا عليها تكلمت بلسان طلق وكانت من أبلغ الناس فحمدت الله أثنت عليه ثم قالت : أيها الناس والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحل دمه ( 1 ) ولقد قتل مظلوما ، غضبنا لكم من السوط والعصا ولا نغضب لعثمان من القتل ، وإن من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان فيقتلوا به ثم يرد هذا الامر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب . فمن قائل يقول : صدقت . وآخر يقول : كذبت . فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان . فقال لطلحة : هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال نعم . قال : فما ردك على ما كنت عليه ، وكنت أمس تكتب الينا تؤلبنا على قتل عثمان وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه ؟ وقد زعمتما ان عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله إذ كنتما أسن منه فأبيتما إلا أن تقد ماه لقرابته وسابقته فبايعتماه ، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما ؟ قال طلحة : دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس ، فعلمنا حين عرض علينا انه غير فاعل ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والانصار ، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل فبايعناه كارهين ، قال : فما بدالكما في عثمان ؟ قال : ذكرناما كان من طعننا عليه و
خذلاننا إياه ، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه . قال : ما تأمراني به ؟ قال : بايعنا على قتال علي ونقض بيعته ، قال : أرأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا اليه ما نصنع ؟ قالا : لا تبايعه . قال ما أنصفتما أتأمراني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما وتنهاني عن بيعة من لا بيعة له عليكما ؟ أما إننا قد بايعنا عليا ، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا . قال : ثم تفرق الناس فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف ، وفرقة مع طلحة والزبير . ثم جاء جارية بن قدامة فقال : يا أم المؤمنين لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون ، إنه كانت لك من الله حرمة و ستر ، فهتكت سترك ، وأبحت حرمتك ، انه من رأى قتالك ، فقد رأى قتلك ، فإن كنت ياأم المؤمنين أتيتينا طائعة ؟ فارجعي إلى منزلك ، وإن كنت أتيتينا مستكرهة ؟ فاستعتبي ( 2 )
(هامش ) * ( 1 ) أنى هذا المحال والتمحل من قوارصها التى مرت في ص 77 - 85 .
( 2 ) الامامة والسياسية 1 : 60 . [ * ]
24 - ذكر ابومخنف من طريق مسافر بن عفيف من خطبة ( 1 ) لمولانا أميرالمؤمنين قوله : اللهم إن طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به ورماني أللهم فلا تمهله ، اللهم إن الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر على عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت ( 2 )
25 - أخرج الطبري في تاريخه 5 : 183 من طريق علقمة بن وقاص الليثي قال :
لماخرج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم رأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهوضارب بلحيته على زوره ( 3 ) فقلت : يا أبا محمد ! أرى أحب المجالس اليك أخلاها وأنت ضارب بلحيتك على زورك ، إن كرهت شيئا فاجلس . قال : فقال لي : يا علقمة بن وقاص بينانحن يد واحدة على من سوانا إذا صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضا انه كان مني في عثمان شئ ليس توبتي إلا أن يسفك دمي في طلب دمه .
الوجه في هذه التوبة إن صحت وكان الموئود من النفوس المحترمة أن يسلم نفسه لاولياء القتيل أولامام الوقت فيقيدوا منه ، لا أن يلقح فتنة كبرى تراق فيها دماء بريئة من دم عثمان ، وتزهق أنفس لم تكن هنالك في حل ولامرتحل ، فيكون قد زاد ضغثا على ابالة ، وجاء بها حشفا وسوء كيلة .
5 - حديث الزبير بن العوام
أحد العشرة المبشرة ، وأحد أصحاب الشورى الست .
1 - أخرج الطبري في حديث وقعة الجمل : خرج علي على فرسه فدعا الزبير فتواقفا فقال علي للزبير : ما جاء‌بك ؟ قال : أنت ، ولا أراك لهذا الامر أهلا ولا أولى به منا . فقال علي : لست ( 4 ) له أهلا بعد عثمان رضي الله عنه ؟ قد كنا نعدك من بني عبدالمطلب حتى بلغ إبنك ابن السوء ففرق بيننا وبينك . وعظم عليه أشياء فذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرعليهما فقال لعلي : ما يقول ابن عمتك ؟ ليقاتلنك وهو لك ظالم ( 5 )
(هامش ) * ( 1 ) ذكرها ابن ابى الحديد في شرح النهج 1 : 101 .
( 2 ) يالها من دعوة مستجابة اصابت الرجلين من دون مهلة .
( 3 ) الزور : الصدر وقيل : وسط الصدر . وقيل : أعلى الصدر . وقيل : ملتقى أطراف عظام الصدر .
( 4 ) في الكامل لابن الاثير : ألست .
( 5 ) هذا الحديث اخرجه جمع من الحفاظ كما اسلفناه في الجزء الثالث ص 191 ط 2 . [ * ]
فانصرف عنه الزبير وقال : فاني لا أقاتلك ، فرجع إلى ابنه عبدالله ، فقال : ما لي في هذا الحرب بصيرة . فقال له ابنه : إنك قد خرجت على بصيرة ، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أن تحتها الموت فجبنت ، فأحفظه حتى أرعد وغضب وقال : ويحك إني قد حلفت له ألا أقاتله . فقال له إبنه : كفر عن يمينك بعتق غلامك ( سرجيس ) فأعتقه وقام في الصف معهم ، وكان علي قال الزبير : أطلب مني دم عثمان ؟ وأنت قتلته ، سلط الله على أشدنا عليه اليوم ما يكره ( 1 )
وقول علي عليه السلام للزبير : أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته . الخ . أخرجه أيضا الحافظ العاصمي في زين الفتى . وفي لفظ المسعودي : قال علي : ويحك يا زبير ما الذي أخرجك ؟ قال : دم عثمان . قال علي : قتل الله أولانا بدم عثمان .
قال الاميني : إنما حلف الزبير على ترك القتال لانه وجده بعد تذكير الامام عليه السلام له الحديث النبوي ، وبعد إتمام الحجة عليه بذلك محرما عليه في الدين ، وانه من الظلم الفاحش الذي استقل العقل بتحريمه ، فهل التكفير بعتق الغلام يبيح ذلك المحرم بالعقل والشريعة ؟ ويسوغ الخروج على الامام المفترض طاعته ؟ لا . لكن تسويل عبدالله هو الذي فرق بين الزبير وبين آل عبدالمطلب ، وأباح له كل محظور ، فقاتل إمام الوقت ظالما كما ورد في النص النبوي ، وصدق الخبر الخبر .
2 - ذكر المسعودي في حديث : ان مروان بن الحكم قال يوم الجمل : رجع الزبير ، يرجع طلحة ، ما أبالي رميت ها هنا أم هاهنا ، فرماه في أكحله فقتله . ) مروج الذهب 2 : 11)
3 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 2 : 404 : كان طلحة من أشد الناس تحريضا عليه ، وكان الزبير دونه في ذلك ، روواأن الزبير كان يقول : أقتلوه فقد بدل دينكم . فقالوا له : إن ابنك يحامي عنه بالباب . فقال : ما أكره أن يقتل عثمان ولوبدئ با بني ، إن عثمان لجيفة على الصراط غدا .
4 - أخرج البلاذري في الانساب 5 : 76 من طريق أبي مخنف قال : جاء الزبير إلى عثمان فقال له : إن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة يمنعون من ظلمك ، ؤ يأخذونك
(هامش ) ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 204 ، مروج الذهب 2 : 10 ، الكامل لابن ألاثير 3 : 102 . [ * ]
بالحق ، فأخرج فخاصم القوم إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فخرج معه فوثب الناس عليه بالسلاح فقال : يا زبير ! ما أرى أحدايأخذ بحق ، ولا يمنع من ظلم ، ودخل ومضى الزبير إلى منزله .
5 - قال البلاذري في الانساب 5 : 14 : وجدت في كتاب لعبدالله عن الصالح العجلي ذكروا : ان عثمان نازع الزبير فقال الزبير : إن شئت تقاذفنا ؟ فقال عثمان : بما ذا أيا لبعير يا أباعبدالله ؟ قال : لا والله ولكن بطبع خباب ، وريش المقعد ، وكان خباب يطبع السيوف ، وكان المقعد يريش النبل . وقال ابن المغيرة بن الاخنس متغنيا على قعود له :
حكيم وعمار الشجا ومحمد * وأشترو المكشوح جر والدواهيا
وقد كان فيها للزبير عجاجة * وصاحبه الادنى أشاب النواصيا ( 1 )
6 - حديث طلحة والزبير
1 - من كلام لمولانا أميرالمؤمنين في شأن الرجلين : والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوابيني وبينهم نصفا ، وإنهم ليطلبون حقاهم تركوه ، ودماهم سفكوه ، فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه ، وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم ، وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم ، وإن معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس علي ، وإنها للفئة الباغية فيها الحما والحمة ( 2 )
) نهج البلاغة 1 : 254 )
وفي لفظ أبي عمر في " الاستيعاب " في ترجمة طلحة بن عبيدالله : إني منيت بأربعة : أدهى الناس وأسخاهم طلحة ، وأشجع الناس الزبير ، وأطوع الناس في الناس عائشة ، وأسرع الناس إلى الفتنة يلعى بن منية ، والله ما أنكروا علي شيئا منكرا ، ولا استأثرت بمال ، ولا ملت بهوى ، وانهم ليطلبون حقا تركوه ، ودما سفكوه ، ولقد ولوه دوني ، وإن كنت شريكهم في الانكار لما أنكروه ، وما تبعة عثمان إلا عندهم ، وانهم لهم الفئة الباغية . إلى قوله عليه السلام : والله إن طلحة والزبير وعائشة ليعلمون أني علىالحق وأنهم مبطلون .
(هامش ) * ( 1 ) كتاب صفين لابن مزاحم ط مصر ص 60 ، 66 .
( 2 ) قال ابن ابى الحديد : كنى على عليه السلام عن الزوجة بالحمة . وهى : سم العقرب . والحما
يضرب مثلا لغير الطيب ولغير الصافى . [ * ]
2 - من كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة : أما بعد : فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه ، إن الناس طعنوا عليه فكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه ، وأقل عتابه ، وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف ، وأرفق حدائهما العنيف ، وكان من عائشة فيه فلتة غضب ، فأتيح له قوم فقتلوه ، وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين نهج البلاغة 2:2 ، الامامة والسياسة 1 : 58
قال ابن أبي الحديد في الشرح 3 : 290 : أما طلحة والزبير فكانا شديدين عليه ) على عثمان ) والوجيف : سير سريع وهذا مثل يقال للمستمرين في الطعن عليه حتى أن السير السريع أبطأ ما يسيران في أمره ، والحداء العنيف أرفق ما يحرضان به عليه .
3 - قال البلاذري : حدثني المدائني عن ابن الجعدبة قال : مر علي بدار بعض آل أبي سفيان فسمع بعض بناته تضرب بدف وتقول :
ظلامة عثمان عند الزبير * وأوتر منه لنا طلحه
هما سعراها بأجذالها * وكانا حقيقين بالفضحه
فقال علي : قاتلها الله ، ما أعلمها بموضع ثأرها الانساب 5 :4
أ خرج الطبري من طريق ابن عباس قال : قدمت المدينة من مكة بعد قتل عثمان رضي الله عنه بخمسة أيام فجئت عليا أدخل عليه فقيل لي : عنده المغيرة بن شعبة
فجلست بالباب ساعة فخرج المغيرة فسلم علي فقال : متي قدمت ؟ فقلت : ألساعة . فدخلت
على علي فسلمت عليه فقال لي : لقيت الزبير وطلحة ؟ قال : قلت : لقيتهما بالنواصف .
قال : من معهما ؟ قلت : أبوسعيد بن الحارث بن هشام في فئة من قريش . فقال علي : أما انهم لن يدعوا أن يخرجوا يقولون : نطلب بدم عثمان والله نعلم أنهم قتلة عثمان .
(تاريخ الطبري 5 : 160 )
5 - أخرج الطبري عن عمر بن شبه من طريق عتبة بن المغيرة بن الاخنس قال : لقى سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بذات عرق فقال : أين تذهبون ؟ و ثأركم على أعجاز الابل اقتلوهم ( 1 ) ثم ارجعوا إلى منازلكم لا تقتلوا أنفسكم . قالوا :
(هامش ) * ( 1 ) يعنى طلحة والزبير وأصحابهما . [ * ]
بل نسير فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا . فخلا سعيد بطلحة والزبير فقال : إن ظفرتما لمن تجعلان الامر ؟ أصدقاني . قالا : لاحدنا أينا اختاره الناس . قال : بل اجعلوه لولد عثمان فانكم خرجتم تطلبون بدمه . قالا : ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لابنائهم ؟ قال : أفلا أراني أسعى لاخرجها من بني عبد مناف ؟ فرجع ورجع عبدالله بن خالد بن اسيد فقال المغيرة بن شعبة : الرأي ما رأى سعيد بن كان هاهنا من ثقيف فليرجع فرجع . الحديث
(تاريخ الطبري 5 : 168)
6 - وفي كتاب كتبه ابن عباس إلى معاوية جوابا : وأما طلحة والزبير فانهما أجلبا عليه وضيقا خناقه ، ثم خرجا ينقضان البيعة ويطلبان الملك ، فقاتلناهما على النكث كما قاتلناك على البغي . كتاب نصربن مزاحم ص 472 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 289 .
7 - قدم على حابس بن سعد سيد طي بالشام ابن عمه فأخبره انه شهد قتل عثمان بالمدينة المنورة وسار مع علي إلى الكوفة وكان له لسان وهيبة فغدا به حابس إلى معاوية فقال : هذا ابن عمي قدم من الكوفة ، وكان مع علي وشهد قتل عثمان بالمدينة وهو ثقة فقال معاوية : حدثنا عن أمر عثمان . قال : نعم وليه محمد بن أبي بكر ، وعمار ابن ياسر ، وتجرد في أمره ثلاث نفر : عدي بن حاتم ، والاشتر النخعي ، وعمرو بن الحمق ، ودب ( 1 ) في أمره رجلان : طلحة والزبير ، وأبرأ الناس منه علي بن أبي طالب ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش حتى ضلت ( 2 ) النعل ، وسقط الرداء ، ووطئ الشيخ ولم يذكر عثمان ولم يذكروه . الخ .
) الامامة والسياسة 1 ص 74 ، كتاب صفين لابن مزاحم ص 72 ، شرح ابن أبي
الحديد 1 : 259)
8 - أخرج الحاكم في المستدرك 3 : 118 باسناده عن إسرائيل بن موسى انه قال : سمعت الحسن يقول : جاء طلحة والزبير إلى البصرة فقال لهم الناس : ما جاء‌بكم ؟
قالوا : نطلب دم عثمان . قال الحسن : أيا سبحان الله أفما كان للقوم عقول فيقولون :
والله ما قتل عثمان غيركم ؟
(هامش ) * ( 1 ) لفظ ابن مزاحم : وجد في أمره رجلان .
( 2 ) وفي لفظ : ضاعت النعل . [ * ]
9 - لما انتهت عائشة وطلحة والزبير إلي حفر أبي موسى ( 1 ) قريبا من البصرة أرسل عثمان بن حنيف وهو يومئذ عامل علي على البصرة إلى القوم أبالاسود الدؤلي فجاء حتى دخل على عائشة فسألها عن مسيرها فقالت : أطلب بدم عثمان . قال : إنه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحد ، قالت . صدقت ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة وجئت استنهض اهل البصرة لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيفوكم ؟ فقال لها : ما أنت من السوط والسيف ؟ إنما أنت حبيس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرك أن تقري في بيتك ، وتتلي كتاب ربك ، وليس علي النساء قتال ، ولا لهن الطلب بالدماء ، وان عليا لاولى بعثمان منك وأمس رحما فانهما إبنا عبد مناف . فقالت : لست بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه ، أفتظن يا اباالاسود ان أحدا يقدم على قتالي ؟ قال : أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد . ثم قام فأتى الزبير فقال : يا أباعبدالله عهد الناس بك و أنت يوم بويع أبوبكر آخذ بقائم سيفك تقول : لاأحد أولى بهذا الامر من إبن أبي طالب وأين هذا المقام من ذاك ؟ فذكر له دم عثمان ، قال : أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا . قال : فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول . فذهب إلى طلحة فوجده سادرا في غيه مصرا على الحرب والفتنة . الحديث .
الامامة والسياسة 1 ص 57 ، العقد الفريد 2 : 278 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 81
10 - خرج عثمان بن الحنيف إلى طلحة والزبير في أصحابه فناشدهم الله والاسلام واذكرهما بيعتهما عليا فقالا : نطلب بدم عثمان . فقال لهما : وما أنتما وذاك ؟ أين بنوه ؟ أين بنو عمه الذين هم أحق به منكم ؟ كلا والله ، ولكنكما حسدتماه حيث إجتمع الناس عليه ، وكنتما ترجوان هذا الامر وتعملان له ، وهل كان أحد أشد على عثمان قولا منكما ؟ فشتماه شتما قبيحا وذكرا أمه . ألحديث . شرح ابن أبي الحديد 2 : 500 .
11 - لما نزل طلحة والزبير وعائشة بأوطاس من أرض خيبر أقبل عليهم سعيد ابن العاصي على نجيب له فأشرف على الناس ومعه المغيرة بن شعبة فنزل وتوكأ على قوس له سوداء فأتى عائشة فقال لها : أين تريدين يا أم المؤمنين ؟ قالت : أريد البصرة .
(هامش ) * ( 1 ) حفر ابن موسى هى ركايا احفرها ابوموسى الاشعرى على جادة البصرة إلى مكة بينها و بين البصرة خمس ليال . [ * ]
قال : وما تصنعين بالبصرة ؟ قالت : أطلب بدم عثمان . قال : فهؤلاء قتلة عثمان معك ، ثم أقبل على مروان فقال له : أين تريد أيضا ؟ قال : البصرة . قال : وما تصنع بها ؟ قال : أطلب قتلة عثمان . قال : فهؤلاء قتلة عثمان معك ؟ إن هذين الرجلين قتلا عثمان : طلحة والزبير ، وهما يريدان الامر لانفسهما فلما غلبا عليه قالا : نغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة .
ثم قال المغيرة بن شعبة : أيها الناس إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم ؟ فارجعوا بها خيرا لكم ، وإن كنتم غضبتم لعثمان ؟ فرؤساؤكم قتلوا عثمان ، وإن كنتم نقمتم على علي شيئا ؟ فبينوا ما نقمتم عليه ، أنشدكم الله ، فتنتين في عام واحد ؟ فأبوا إلا أن يمضوا بالناس الامامة والسياسة 1 : 55
12 - لما نزل طلحة والزبير البصرة قال عثمان بن حنيف : نعذر إليهما برجلين فدعا عمران بن حصين صاحب رسول الله وأباالاسود الدؤلي فأرسلهما إلى الرجلين فذهبا إليهما فناديا : يا طلحة فأجابهما فتكلم أبوالاسود الدؤلي فقال : يا محمد ؟ انكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله ، وبايعتم عليا غير مؤامرين لنا في ييعته ، فلم نغضب لعثمان إذ قتل ، ولم نغضب لعلي إذ بويع ، ثم بدا لكم فأردتم خلع علي ونحن على الامر الاول ، فعليكم المخرج مما دخلتم فيه . ثم تكلم عمران فقال : يا طلحة إنكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا ، ثم بايعتم عليا وبايعنا من بايعتم ، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لماذا ؟ وإن كان خطأ ؟ فحظكم منه الاوفر ، ونصيبكم منه الاوفى ، فقال طلحة : يا هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الامر غيره وليس على هذا بايعناه ، وأيم الله ليسفكن دمه . فقال أبوالاسود : يا عمران أما هذا فقد صرح انه إنما غضب للملك . ثم أتيا الزبير فقالا : يا أباعبدالله ! إنا أتينا طلحة . قال الزبير : إن طلحة وإياي كروح في جسدين ، وإنه والله يا هذان قد كانت منا في عثمان فلتات إحتجنا فيها إلى المعاذير ، ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرناه نصرناه الحديث . " الامامة والسياسة 1 ص 56 " .
13 - من خطبة لعمار بن ياسر خطبها بالكوفة فقال : يا أهل الكوفة ! إن كان غاب عنكم أنباؤنا فقد انتهت اليكم أمورنا ، إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس ولا ينكرون ذلك ، وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجيهم فيه ، أحيا الله من أحيا ، [ * ] وأمات من أمات ، وإن طلحة والزبير كانا أول من طعن وآخر من أمر ، وكانا أول من بايع عليا ، فلما أخطأهما ما أملاه نكثا بيعتهما من غيرحدث . الحديث . " الامامة والسياسة 1 : 59 "
14 - روى البلاذري عن المدائني قال : ولى عبدالملك علقمة بن صفوان بن المحرث مكة فشتم طلحة والزبير على المنبر فلما نزل قال الابان بن عثمان : أرضيتك في المدهنين في أميرالمؤمنين عثمان ؟ قال : لا والله ، ولكن سؤتنى ، بحسبي بلية أن تكون شركا في دمه . " الانساب للبلاذري 5 : 120 " .
15 أخرج أبوالحسن علي بن محمد المدائني من طريق عبدالله بن جنادة خطبة لمولانا أميرالمؤمنين منها قوله : بايعني هذان الرجلان في أول من بايع ، تعلمون ذلك وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم ، ويلقيا بأسكم بينكم ، أللهم فخذهما بما عملا أخذة واحدة رابية ، ولا تنعش لهما صرعة ، ولا قتل لهما عثرة ، ولا تمهلهما فواقا ، فانهما يطلبان حقا تركاه ، ودما سفكاه ، أللهم إني أقتضيك وعدك فانك قلت : وقولك الحق لمن بغي عليه لينصرنه الله ، أللهم فانجزلى موعدك ، ولا تكلني إلي نفسي إنك على كل شئ قدير .
" شرح ابن أبي الحديد 1 : 102 " .
16 - من خطبة لمولانا أميرالمؤمنين ذكرها الكلبي كما في شرح ابن أبي الحديد 1 : 102 : فما بال طلحة والزبير ؟ وليسا من هذا الامر بسبيل ، لم يصبرا علي حولا ولا أشهرا حتى وثبا ومرقا ، ونازعاني أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين ، يرتضعان أما قد فطمت ، ويحييان بدعة قد أميتت ، أدم عثمان زعما ؟ والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم ، وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم ، وأنا راض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم . الحديث .
17 - من كلمة لمالك الاشتر : لعمري يا أمير المؤمنين ! ما أمر طلحة والزبير و عائشة علينا بمخيل ، ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه وفارقا على غير حدث أحدثت ولا جور صنعت ، زعما انهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما ، فإنهما أول من ألب عليه وأخرى الناس بدمه ، وأشهدالله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان [ * ] فإن سيوفنافي عواتقنا ، وقلوبنا في صدورنا ، ونحن اليوم كما كنا أمس . " شرح ابن أبي الحديد 1 : 103 " .
قال الاميني : إن الاخذ بمجامع هذه الاخبار البالغة خمسين حديثا يعطينا درسا ضافيا بأن الرجلين هما أساس النهضة في قصة عثمان ، وهما اللذان أسعرا عليه الفتنة ، وانهما لم يريان حرجا في إراقة دمه ، وقد استباحا عندئذ ما يحرم إرتكابه في المسلمين إلا أن يكون مهدور الدم بسبب من الاسباب الموجبة لذلك ، فلم يتركاه حتى أوديابه ، وكان لطلحة هنالك مواقف مشهودة ، فمنع عنه الماء الذي هو شرع سواء بين المسلمين ، وانه لم يرد على عثمان لما سلم عليه ومن الواجب رد السلام على كل مسلم ، وقد منع عن دفنه ثلاثا في مقابر المسلمين ، وقد أوجبت الشريعة الاسلامية المبادرة إلى دفن المسلم ، وقد أمر برمي الجنازة ورمي من يتولى تجهيزها بالحجارة والمسلم حرمته ميتا كحرمته حيا ، فلم يرض طلحة بالاخير إلا دفنه في مقبرة اليهود " حش كوكب " وهل لهذه الاعمال وجه بعد حفظ كرامة صحبتهما ؟ والقول بعدالة الصحابة كلهم ؟ و قبول ما ورد في الرجلين إنهما من العشرة المبشرة ؟ إلا أن يقال : إنهما كانا يريان القتيل خارجا عن حوزة المسلمين ، وإلا لردعتهما الصحبة والعدالة والبشارة عن ارتكاب
تلكم الاعمال في أي من ساقة المسلمين فضلا عن خليفتهم . ونحن في هذا المقام نقف موقف المتحايد ، ولسنا هاهنا إلا في صدد بيان آراء الصحابة الاولين في عثمان ، وما أفضناه من رأيهما كان معروفا عنهما في وقتهما ، ولم يزل كذلك في الاجيال المتأخرة عنهما حتى العصر الحاضر ، إن كانت الآراء تؤخذ من المصادر الوثيقة ، وكانت حرة غير مشوبه بحكم العاطفة ، نزهة عن الميول والشهوات وأما ما أظهراه من التوبة بعد أن نكثا البيعة الصحيحة المشروعة فقد قدمنا وجهها في ص 101 في طلحة ويشاركه في ذلك الزبير أيضا ، فقد قفيا الحوبة بالحوبة لا بالتوبة حسبا ( إن كانا يصدقان ) أنها تمحو السيئة ، بل الحوبة الاخيرة أعظم عندالله ، فقد
أراقابها من الصفين في واقعة الجمل دماء تعد بالآلاف بريئة من دم عثمان . وهتكا حرمة رسول الله بإخراج حشية من حشاياه من خدرها ، وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم نساء‌ه عن ذلك ، وأوقفاها في محتشد العساكر وجبهة القتال الدامي ، وقصدا قتل إمام الوقت
المفترض طاعته الواجب حفظه ، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، والله من روائهم محيط .
7 - حديث عبدالله بن مسعود
الصحابي البدري العظيم
مر في هذا الجزء ص 63 شطرا من أحاديثه المعربة عن رأيه السديد في عثمان وعما كان حاملا بين جنبيه من الموجدة عليه ، وإنه كان من الناقمين عليه يعيبه ويقدح فيه ، أفسد عليه العراق بذكر محدثاته ، وأخذه عثمان بذلك أخذا شديدا وحبسه وهجره ومنعه عطاء‌ه سنين وأمر به وأخرج من مسجد رسول الله إخراجا عنيقا ، وضرب به الارض فدق ضلعه وضربه أربعين سوطا .
وكان ابن مسعود على اعتقاده السئ في الرجل مغاضبا له حتى لفظ نفسه الاخير وأوصى أن لا يصلي عليه ، وفي الفتنة الكبرى ص 171 : روي ان ابن مسعود كان يستحل دم عثمان أيام كان في الكوفة ، وهو كان يخطب الناس فيقول : إن شر الامور محدثاتها ، وكل محدث بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ( 1 ) يعرض في ذلك بعثمان و عامله الوليد . ا ه‍ .
هذا رأي ذلك الصحابي العظيم في الرجل ، فبأي تمحل يتأتى للباحث تقديس عثمان بعد ما يستحل دمه أو يشدد النكير عليه ويراه صاحب محدثات وبدع مثل ابن مسعود أشبه الناس هديا ودلا وسمتا بمحمد نبي العظمة صلى الله عليه وآله وسلم ؟ .
8 - حديث عمار بن ياسر البدري العظيم الممدوح بالكتاب والسنة
1 من خطبة لعمار خط بهايوم صفين قال :
انهضوا معي عبادالله إلى قوم يزعمون انهم يطلبون بدم ظالم ، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان ، الآمرون بالاحسان ، فقال هؤلاء الذين لايبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو درس هذا الدين : لم قتلتموه ؟ فقلنا لاحداثه ، فقالوا : إنه لم يحدث
(هامش ) * ( 1 ) راجع ص 3 من هذا الجزء . [ * ]
شيئا ، وذلك لانه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونهاو يرعونها ، ولا يبالون لو انهدمت الجبال ، والله ما أظنهم يطلبون بدم ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها واستمرؤها وعلموا : أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها ، إن القوم لم يكن لهم سابقة في الاسلام يستحقون بها الطاعة والولاية ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قتل إمامنا مظلوما ليكونوا جبابرة وملوكا ، تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ولولاها ما تابعهم من الناس رجل . إلخ .
وفي لفظ نصر بن مزاحم في كتاب صفين امضوا ( معي ) عبادالله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم على عبادالله بغير ما في كتاب الله ، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان . إلخ . وله لفظ آخر يأتي بعيد هذا . وفي لفظ الطبري في تاريخه : أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان ويزعمون انه قتل مظلوما . إلخ .
راجع كتاب صفين لابن مزاحم ط مصر ص 361 ، 369 ، تاريخ الطبري 6 : 21 ،
الكامل لابن الاثير 3 : 123 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 504 ، تاريخ ابن كثير 7 :
266 ، جمهرة الخطب 1 : 181 .
2 - خطب معاوية يوم وفد إليه وفد ( 1 ) بعثه إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال :
أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة ، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا وهي ، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لانراها ، إن صاحبكم قتل خليفتنا ، وفرق جماعتنا ، وآوى ثأرنا وقتلنا ، وصاحبكم يزعم انه لم يقتله ، فنحن لا نرد ذلك عليه ، أرأيتم قتلة صاحبنا ؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة .
فقال له شبث بن ربعي : أيسرك يامعاوية انك أمكنت من عمار تقتله ؟ وفي لفظ ابن كثير : لو تمكنت من عمار أكنت قاتله بعثمان ؟ فقال معاوية : وما يمنعني من ذلك ؟ والله لو أمكنت ( 2 ) من ابن سمية ما قتلته بعثمان رضي الله عنه ، ولكن
(هامش ) * ( 1 ) كان فيه : عدى بن حاتم ، يزيد بن قيس ، شبث بن ربعى ، زياد بن حفصة .
( 2 ) في لفظ ابن مزاحم : لو امنكننى صاحبكم من ابن سمية . [ * ]
كنت قاتله بناتل مولى عثمان .
فقال شبث : وإله الارض وإله السماء ما عدلت معتدلا ، لا والذي لا إله إلا هو ، لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الاقوام ، وتضيق الارض الفضاء عليك برحبها . إلخ .
كتاب صفين لابن مزاحم ص 223 ، تاريخ الطبري 6 : 3 ، الكامل لابن الاثير 3 : 124 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 344 ، تاريخ ابن كثير 7 : 257 ، جمهرة الخطب 1 : 158 .
3 - أرسل أمير المؤمنين إبنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة فلما قدماها كان أول من أتاهما مسروق بن الاجدع فسلم عليهما وأقبل على عمار فقال : يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان رضي الله عنه ؟ قال : على شتم أعراضنا ، وضرب أبشارنا ( 1 ) . فقال : والله ما عوقبتم بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لكان خيرا للصابرين .
فخرج أبوموسى فلقي الحسن فضمه إليه وأقبل على عمار فقال : يا أبا اليقظان أعدوت ( 2 ) فيمن عدا على أميرالمؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار ؟ قال : لم أفعل ولم يسؤني ، فقطع عليهما الحسن فأقبل على أبى موسى فقال : ياأبا موسى ! لم تثبط الناس عنا ؟ فوالله ما أردنا إلا الاصلاح ومامثل اميرالمؤمنين يخاف على شئ ، فقال : صدقت بأبي أنت وأمي ، ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير ما الماشي ، والماشي خير من الراكب ، وقد جعلنا الله عزوجل إخوانا وحرم علينا أموالنا ودماء‌نا وقال : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم إن الله بكم رحيما . وقال عزوجل : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم . الآية فغضب عمار وساء‌ه وقام وقال : يا أيها الناس إنما قال رسول الله له خاصة : أنت فيها قاعدا خير منك قائما . وقام رجل من بني تميم فقال لعمار : أسكت أيها العبد أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا و
(هامش ) * ( 1 ) ابشار جمع البشرة : أعلى جلدة الوجه والجسد من الانسان .
( 2 ) شرح ابن ابى الحديد : غدوت فيما غدا . [ * ]
ثار زيد بن صوحان . ألحديث ( 1 )
تاريخ الطبري 5 : 187 ، شرح ابن أبي الحديد 3 : 285 ، الكامل لابن الاثير 3 : 97 .
4 - قال الباقلاني في التمهيد ص 220 : روي ان عمارا كان يقول : عثمان كافر .
وكان يقول بعد قتله : قتلنا عثمان يوم قتلناه كافرا . وهذا سرف عظيم من خرج إلى ما هو دونه استحق الادب من الامام . فلعل عثمان انتهره وأد به لكثرة قوله : قد خلعت عثمان وأنا بري منه ، فأوى الادب إلى فتق أمعائه ، ولو أدى الادب إلى تلف النفس لم يكن بذلك مأثوما ولا مستحقا للخلع ، فإما أن يكون ضربه باطلا وإما أن يكون صحيحا فيكون ردعا وتأديبا ونهيا عن الاغراق والسرف ، وذلك صواب من فعل عثمان ، وهفوة من عمار .
قال الاميني : هذه التمحلات تضاد ما صح وثبت عن النبي الاقدس في عمار ، ونحن لايسعنا تكذيب النبي الصادق الامين تحفظا على كرامة أي ابن أنثى فضلا عن أن يكون من أبناء الشجرة المنعوتة في القرآن .
5 - روى أبومخنف عن موسى بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال : أقبلنا مع الحسن وعمار بن ياسر من ذي قال حتى نزلنا القادسية فنزل الحسن وعمار ونزلنا معهما ، فاحتبى عمار بحمائل سيفه ، ثم جعل يسأل الناس عن أهل الكوفة وعن حالهم ، ثم سمعته يقول : ما تركت في نفسي حزة أهم إلي من أن لا نكون نبشنا عثمان من قبره ثم أحرقنا بالنار . " شرح ابن أبي الحديد 3 : 292 " .
6 - جاء في محاورة وقعت بين عمار بن ياسر وعمرو بن العاص فيما أخرجه نصر في كتابه : قال له عمرو : فما ترى في قتل عثمان ؟ قال : فتح لكم باب كل سوء . قال عمرو : فعلي قتله ، قال عمار : بل الله رب علي قتله وعلي معه . قال عمرو : أكنت فيمن قتله ؟ قال : كنت مع من قتله وأنا اليوم أقاتل معهم . قال عمرو : فلم قتلتموه ؟ قال عمار : أراد أن يغير ديننا فقتلناه ؟ فقال عمرو : ألا تسمعون ؟ قد اعترف بقتل عثمان . قال عمار : وقد
(هامش ) * ( 1 ) في هذا الحديث اشياء موضوعة حذف بعضها ابن الاثير في الكامل وزاد فيه أيضا ، وهو من مكاتبات السرى وكلها باطل فيها دجل . [ * ]
قالها فرعون قبلك لقومه : ألا تسمعون ؟ . الحديث . كتاب صفين لا بن مزاحم ص 384 ، شرح ابن ابي الحديد 2 : 273 .
7 - إن عمار بن ياسر نادى يوم صفين ( 1 ) : أين من يبغي رضوان ربه ولا يؤوب إلى مال ولا ولد ؟ قال : فأتته عصابة من الناس فقال : أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما ، والله إن كان إلا ظالما لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله . " كتاب صفين ص 369 " .
وفي الفتنة الكبرى ص 171 : فقد روي أن عمار بن ياسر كان يكفر عثمان و يستحل دمه ويسميه نعثل .
قال الاميني : هذا الصحابي البطل الذي عرفته في صفحة 20 - 28 من هذا الجزء
عمار بن ياسر المعني في عدة آيات كريمة من الذكر الحكيم ، ومصب الثناء البالغ المتكرر المستفيض من صاحب الرسالة ، من ذلك : أنه ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه ، وانه مع الحق والحق معه يدور معه أينما دار ، وانه ما عرض عليه أمر ان إلا أخذ بالارشد منهما ، وانه من نفر تشتاق اليهم الجنة ، وإنه جلدة بين عينيه صلى الله عليه وآله ، وإنه تقتله الفئة الباغية ، فمعتقد هذا الرجل العظيم وهو متلفع بهاتيك الفضائل كلها في الخليفة ما تراه يكرره من أنه كان ظالما لنفسه ، حاكما بغير ما أنزل الله ، مريدا تغيير دين الله تغييرا أباح لهم قتله ، وانه قتله الصالحون ، المنكرون للعدوان ، الآمرون بالاحسان ، إلى مالهذه من عقائد تركته جازما بما نطق به ، مصرا على ما ارتكبه ، معترفا بأنه كان مع المهجزين عليه ، متأسفا على ما فاته من نبش قبره وإحراقه بالنار ، فلم يبرح كذلك حتى أخذ يقاتل الطالبين بثاره مع قاتليه وخاذليه ، مذعنا بأن الثائرين له مبطلون يجب قتالهم فلم يفتأ على هذه المعتقد حتى قتلته الفئة الباغية . أصحاب معاوية ، وقاتله وسالبه وباغضه في النار نصا من النبي المختار صلى الله عليه وآله .
9 - حديث المقداد ابن الاسود الكندي فارس يوم بدر .
قال اليعقوبي في تاريخه 2 : 140 في بيعته عثمان واستخلافه : مال قوم مع علي
(هامش ) * ( 1 ) في شرح ابن ابى الحديد 2 : 269 : ناداه في صفين قبل مقتله بيوم . او يومين . [ * ]
ابن أبي طالب ، وتحاملوا في القول على عثمان ، فروى بعضهم قال : دخلت مسجد رسول الله فرأيت رجلا جاثيا على ركبتيه يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها وهو يقول : واعجبا لقريش ودفعهم هذاالامر على أهل بيت نبيهم ، وفيهم أول المؤمنين ، وابن عم رسول الله ، أعلم الناس وأفقههم في دين الله ، وأعظمهم عناء‌ا في الاسلام ، وأبصرهم بالطريق ، وأهداهم للصراط المستقيم ، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي الظاهر النقي ، وما أرادوا إصلاحا للامة ، ولا صوابا في المذهب ، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة ، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين .
فدنوت منه فقلت : من أنت يرحمك الله ومن هذا الرجل ؟ فقال : أنا المقداد بن عمرو وهذا الرجل علي بن ابي طالب ، قال فقلت : ألا تقوم بهذا الامر بهذا فاعينك عليه ؟ فقال : يا ابن أخي إن هذاالامرلا يجزي فيه الرجل ولاالرجلان ، ثم خرجت فلقيت أباذر فذكرت له ذلك ، فقال : صدق أخي المقداد ، ثم أتيت عبدالله بن مسعود فذكرت ذلك له ، فقال لقد أخبرنا فلم نأل .
وذكرابن عبدربه في العقد 2 : 260 في حديث بيعة عثمان : فقال عمار بن ياسر لعبدالرحمن: إن أردت أن لايختلف المسلمون ؟ فبايع عليا ، فقال المقدادبن الاسود : صدق عمارإن بايعت عليا قلنا : سمعنا وأطعنا . قال ابن ابي سرح : إن أردت أن لا تختلف قريش ؟ فبايع عثمان ، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا . فشتم عمار إبن أبي سرح وقال : متى كنت تنصح المسلمين ؟ فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار : ايها الناس إن الله أكرمنا بنبينا وأعزنا بدينه ، فأنى تصرفون هذا الامر عن بيت نبيكم ؟ فقال له رجل من بني مخزوم : لقد عدوت طورك يابن سمية ، وما أنت وتأمير قريش لانفسها ؟ فقال سعد بن أبي وقاص : أفزع قبل أن يفتتن الناس ، فلاتجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا . ودعا عليا فقال : عليك عهدالله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين من بعده ، قال : أعمل بمبلغ علمي وطاقتي ، ثم دعا عثمان فقال : عليك عهدالله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين من بعده . فقال : نعم . فبايعه فقال علي حبوته محاباة ليس ذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا ، أما والله ما وليت عثمان إلا ليرد الامراليك ، والله كل يوم هو في شأن . فقال عبدالرحمن : يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحدا ، فخرج علي و هو يقول : سيبلغ الكتاب أجله ، قال المقداد : أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون ، فقال : يا مقداد والله لقد اجتهدت للمسلمين . قال : لئن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين . ثم قال المقداد : مارأيت مثل ما اوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم ، ولا أقضى منهم بالعدل ، ولا أعرف بالحق ، أما والله لو أجد أعوانا .
قال له عبدالرحمن : يا مقداد اتق الله فاني أخشى عليك الفتنة . وأخرج الطبري نحوه في تاريخه 5 : 37 ، وذكره ابن الاثير في الكامل 3 : 29 ، 30 ، وابن أبي الحديد في شرح النهج 1 : 65 . وفي لفظ المسعودي في المروج 1 : 440 : فقام عمار في المسجد فقال : يا معشر قريش أما إذا صرفتم هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ههنامرة وههنامرة فما أنا بآمن أن ينزعه الله فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله ، وقام المقداد فقال : ما رأيت مثل ماأوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم . فقال له عبدالرحمن بن عوف : وما أنت وذاك يا مقدادبن عمرو ؟ فقال : إني والله لاحبهم بحب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وإن الحق معهم وفيهم يا عبدالرحمن أعجب من قريش - وأنت تطولهم على الناس أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده من أيديهم ، أما وأيم الله يا عبدالرحمن ! لوأجدعلى قريش أنصار لقاتلتهم كقتالى إياهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر . وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا ذكره في كتابنا أخبار الزمان في اخبار الشورى والدار . ومر في هذا الجزء ص 17 : أن المقداد أحد الجمع الذين كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان وخوفوه ربه وأعلموه انهم مواثبوه إن لم يقلع راجع حديث البلاذري المذكور
قال الاميني : لعلك تعرف المقداد ومبلغه من العظمة ، ومبوأه من الدين ، ومثواه من الفضيلة ، قال أبوعمر : كان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار هاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد كلها ، أول من حارب فارسا في الاسلام . كان فارسا يوم بدر ، ولم يثبت انه كان فيها على فرس غيره ، وهو عند القوم أحد السبعة الذين أظهروا الاسلام ، وأحد [ * ] النجباء الاربعة عشر وزراء رسول الله ورفقائه ( 1 ) سماه رسول الله صلى الله عليه وآله أو اباكما في حديث أخرجه أبوعمر في " الاستيعاب " .
وأنى يسع للباحث أن يستكنه ما لهذا الصحابي العظيم من الفضائل أو يدرك شأوه وبين يديه قول رسول الله صلى الله عليه وآله في الثناء عليه : إن الله أمرني بحب أربعة ، وأخبرني أنه يحبهم : علي . والمقداد . وأبوذر . وسلمان ( 2 )
وقوله صلى الله عليه وآله : إن الجنة تشتاق إلى أربعة : علي . وعمارو سلمان . والمقداد
أخرجه ابونعيم في حلية الاولياء 1 : 142 . فهذاالرجل الديني الذي يحبه الله ويأمر نبيه صلى الله عليه وآله بحبه كان ناقما على الخليفة واجدا على خلافته من أول يومه ، متلهفا على استخلافه تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها ، وكان يثبط الناس ويخذ لهم عنه ، ويرى إمراته إمرا من الامر وإدا ، يعتقدها ظلما على أهل بيت العصمة ، ويستنجد أعوانا يقاتل بهم مستخلفيه كقتاله إياهم يوم بدر ، هذا رأيه في عثمان من يوم الشورى قبل بوائقه ، فكيف بعد ما شاهد منه من هنات وهنات .
حديث حجر بن عدى الكوفي سلام الله عليه وعلى أصحابه
إن معاوية بن أبي سفيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 دعاه فحمدالله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد : فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ، وقد قال المتلمس ( 3 (
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلمها
وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم ، وقد أردت ايصاء‌ك بأشياء كثيرة فأنا
(هامش ) * ( 1 ) مستدرك الحاكم 3 : 348 ، 349 ، الاستيعاب 1 : 289 ، اسد الغابة 4 : 410 ، الاصابة 3 : 455 .
( 2 ) أخرجه الترمذى في جامعه ، وابوعمر بن الاستيعاب 1 : 290 ، وذكره ابن الاثير في اسد الغابة 4 ، 410 ، وابن حجر في الاصابة 3 : 455 .
( 3 ) هو جرير بن عبدالمسيح من بنى ضبيعة ، توجد ترجمته في ( الشعر والشعراء ) لابن قتيبة ص 52 ، وفي ( المؤتلف والمختلف ) ص 71 ، 202 ، 207 . [ * ]
تاركها إعتمادا على بصرك بما يرضيني ، ويسعد سلطاني ، ويصلح به رعيتي ، ولست تاركا ايصاء‌ك بخصلة : لا تتحم عن شتم علي وذمه ، والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب علي والاقصاء لهم وترك الاسماع منهم ، وباطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والادناء لهم والاستماع منهم . فقال المغيرة : قد جربت وجربت و عملت قبلك لغيرك فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع ، فستبلو فتحمد أوتذم ثم قال : بل نحمد إن شاء الله .
فأقام المغيرة بالكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا لا يدع ذم علي والوقوع فيه ، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم ، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتذكية لاصحابه ، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال : بل إياكم فذمم الله ولعن . ثم قام فقال : إن الله عزوجل يقول : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لاحق بالفضل ، وان من تركون وتطرون أولى بالذم . فيقول له المغيرة : يا حجر لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك ، يا حجر ويحك إتق السلطان ، إتق غضبه وسطوته ، فإن غضبة السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا ، ثم يكف عنه ويصفح ، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته : اللهم أرحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله فإنه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم وجمع كلمتنا وحقن دمائنا وقتل مظلوما ، اللهم فارحم أنصاره وأولياء‌ه ومحبيه والطالبين بدمه . ويدعو على قتلته فقام حجر بن
عدي فنعر نعرة بالمغيرة سمعها كل من كان في المسجد وخارجا منه وقال : إنك لا تدري بمن تولع من هرمك أيها الانسان مرلنا بأرزاقنا واعطياتنا فإنك قد حبستها عنا وليس ذلك لك ، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك ، وقد أصبحت بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين . قال : فقام معه كثر من ثلثي الناس يقولون : صدق والله حجر وبر ، مرلنا بأرزاقنا واعطياتنا ، فانا لا ننتفع بقولك هذا ، ولا يجدي علينا شيئا وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه . إلى أن هلك المغيرة سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان فأقبل حتى دخل القصر بالكوفة ثم صعد المنبر فخطب ثم ذكر عثمان وأصحابه فقر ظهم وذكر [ * ] قتلته ولعنهم ، فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة .
قال محمد بن سيرين : خطب زياد يوما في الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر بن عدي : الصلاة . فمضى في خطبته ثم قال : الصلاة فمضى في خطبته ، فلما خشى حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من الحصا وثار إلى الصلاة وثار الناس معه ، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس ، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه فكتب إليه معاوية : أن شده في الحديد ثم احمله إلى . فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه فقال : لا ، ولكن سمع وطاعة ، فشد في الحديد ثم حمل إلى معاوية . ساروا به وبأصحابه وهم :
1 - الارقم بن عبدالله الكندي من بني الارقم .
2 - شريك بن شداد الحضرمي .
3 - صيفي بن فسيل الشيبانى .
4 - قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي .
5 - كريم بن عفيف الخثعمي من بني عامر ثم من قحافة .
6 - عاصم بن عوف البجلي .
7 - ورقاء بن سمي البجلي .
8 - كدام بن حيان العنزي .
9 - عبدالرحمن بن حسان العنزي .
10 - محرز بن شهاب التميمي من بني منقر .
11 - عبدالله بن حوية السعدي من بني تميم .
وأتبعهم زياد برجلين وهما : عتبة بن الاخنس السعدي ، وسعيد بن نمران الهمداني ، فمضوا بهم حتى انتهوا إلى مرج عذراء ( بينها وبين دمشق اثنا عشر ميلا) فحبسوا بها فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية ، فقال لهم رسول معاوية : إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراء‌ة من علي واللعن له فإن فعلتم تركناكم ، وإن أبيتم قتلناكم ، وإن أميرالمؤمنين يزعم ان دماء‌كم قد حلت بشهادة أهل مصركم عليكم غير انه قد عفى عن ذلك ، فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم قالوا : أللهم إنا [ * ] لسنا فاعلي ذلك . فأمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم ، وقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية : يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان ؟ قالوا : هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق . فقال أصحاب معاوية : أميرالمؤمنين كان أعلم بكم . ثم قاموا إليهم فقالوا : تبرؤن من هذا الرجل قالوا : بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه . فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله
وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة وهم .
1 - حجر 2 - شريك 3 - صيفي 4 - قبيضة 5 - محرز 6 - كدام .
أخذنا من القصة ما يهمنا ذكره راجع الاغاني لابي الفرج 16 : 2 - 11 ،
تاريخ الطبري 6 : 141 - 160 ، تاريخ ابن عساكر 2 : 370 - 381 ، الكامل لابن الاثير 3 : 202 - 210 ، تاريخ ابن كثير 7 : 49 - 55 .
قال الاميني : هذه نظرية الصحابي العظيم حجر وأصحابه العظماء الصلحاء الاخيار في عثمان فكانوا يرونه أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق ، وكان حجر يراه من المجرمين فيما جابه به المغيرة بالكوفة ، وقد بلغ هو وزملائه الابرار من ذلك حد إستساغوا القتل دون ما يرونه ، وأبوا أن يتحولوا عن عقائدهم ، وبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ، فاستمرؤا جرع الموت في سبيلها زعافا ممقرا .
- 11 - حديث عبدالرحمن ابن حسان العنزي الكوفي
لما قتل حجر بن عدي سلام الله عليه وخمسة من أصحابه رضوان الله عليهم قال عبدالرحمن بن حسان وكريم بن عفيف الخثعمي ( وكانا من أصحاب حجر ) : ابعثوا بنا إلى أميرالمؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته . فبعثوا إلى معاوية فاخبروه فبعث : إئتوني بهما فالتفتا إلى حجر فقال له العنزي : لا تبعد يا حجر ولا يبعد مثواك فنعم أخو الاسلام كنت . وقال الخثعمي نحوذ لك . ثم مضى بهما فالتفت العنزي فقال متمثلا :
كفى بشفاة القبر بعد الهالك * وبالموت قطاعا لحبل القرائن [ * ]
فلما دخل عليه الخثعمي قال له : ألله ألله يا معاوية إنك مقتول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ، ومسؤول عم أردت بقتلنا وفيم سفكت دماء‌نا ، فقال : ما تقول في علي ؟ قال : أقول فيه قولك ، أتتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به ؟ وقام شمر بن عبدالله الخثعمي فاستوهبه ، فقال : هو لك غير أني حابسه شهرا فحبسه ثم أطلقه على أن لا يدخل الكوفة مادام له سلطان ، فنزل الموصل فكان ينتظر موت معاوية ليعود إلى الكوفة فمات قبل معاوية بشهر .
وأقبل على عبدالرحمن بن حسان فقال له : يا أخا ربيعة ما تقول في علي ؟ قال : أشهد أنه من الذاكرين الله كثيرا والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والعافين عن الناس . قال : فما تقول في عثمان ؟ قال : وأول من فتح أبواب الظلم ، وارتج أبواب الحق قال : قتلت نفسك . قال : بل إياك قتلت لا ربيعة بالوادي ( يعني انه ليس ثم أحد من قومه فيتكلم فيه ) فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه : إن هذا شر من بعثت به ، فعاقبه بالعقوبة التي هوأهلها ، واقتله شر قتلة . فلما قدم به على زياد بعث به إلى قيس الناطف فدفنه حيا .
الاغاني لابي الفرج 16 : 10 ، تاريخ الطبري 6 : 155 ، تاريخ ابن عساكر 2 : 379 ، الكامل لابن الاثير 3 : 209 .
قال الاميني : انظر إلى تصلب الرجل الديني في معتقده في حق الرجلين : على أمير المؤمنين ، وعثمان ، وكيف بلغ من ذلك حدا إستباح فيه أن يراق دمه دون أن يعدل عما عقد عليه ضميره ، وأخبتت إليه نفسه ، وكان يرى من واجبه الاشادة بما ذكر وان أريق عليه دمه الطاهر ، وأسبلت نفسه الزكية .
- 12 - حديث هاشم المرقال خرج يوم صفين ( من عسكر معاوية ) فتى شاب وهو يقول :
أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين عثمان
أنبأنا أقوامنا بما كان : * إن عليا قتل ابن عفان [ * ]
ثم شد فلا ينثني يضرب بسيفه ، ثم جعل يلعن علياويشتمه ويسهب في ذمه ،
فقال له هاشم بن عتبة : إن هذا الكلام بعده الخصام ، وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فانك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به ، قال : فإني أقاتلكم لان صاحبكم لا يصلي كما ذكرلي ، وإنكم لا تصلون ، واقاتلكم إن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله . فقال له هاشم : وما أنت وابن عفان ؟ إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب ، وأصحاب محمدهم أصحاب الدين ، وأولى بالنظر في أمور المسلمين ، وما أظن أن أمر هذه الامة ولا أمرهذا الدين عناك طرفة عين قط . قال الفتى : أجل أجل والله لا أكذب فان الكذب يضر ولا ينفع ويشين ولا يزين . فقال له هاشم : إن هذا الامر لا علم لك به فخله وأهل العلم به . قال : أظنك والله قد نصحتني . وقال له هاشم : وأما قولك : إن صاحبنا لا يصلي . فهو أول من صلى مع رسول الله ، وأفقهه في دين الله ، وأولاه برسول الله ، وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب ، لا ينامون الليل تهجدا ، فلا يغررك عن دينك الاشقياء المغرورون . قال الفتى : يا عبدالله إني لاظنك امرء‌ا صالحا ، وأظنني مخطئا آثما ، أخبرني هل تجدلي من توبة ؟ قال : نعم ، تب إلى الله يتب عليك فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويحب التوابين ويحب المتطهرين . الحديث ( 1 )
قال الاميني : هذا هاشم المرقال الصحابي المقدس ، وبطل الدين العظيم ، وهذا رأيه في عثمان وهو يبوح به في موقف قتال حصل من جراء قتله ، مبررا فيه عمل المجهزين عليه ، ويرى انه خالف حكم الكتاب وأحدث أحداثا أباحت لاصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قتله وان من قتله هم أهل الدين والقرآن .
- 13 - حديث جهجاه بن سعيد
الغفاري ممن بايع تحت الشجرة ( 2 )
ورد من طريق أبي حبيبة انه قال : خطب عثمان الناس فقام اليه جهجاه الغفاري :
(هامش ) * ( 1 ) كتاب صفين لابن مزاحم ط مصر ص 402 ، تاريخ الطبرى 6 : 23 ، شرح ابن ابى الحديد 2 : 278 ، الكامل لابن الاثير 3 : 135 .
( 2 ) الاستيعاب . اسدالغابة . الاصابة . [ * ]
فصاح : يا عثمان ألا إن هذه شارف قدجئنا بهاعليهاعباء‌ة وجامعة فأنزل فلندر عك العباء‌ة ولنطرحك في الجامع‍ ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان . فقال عثمان : قبحك الله وقبح ما جئت به . قال أبوحبيبة : ولم يكن ذلك منه إلا عن ملا عن الناس ، وقام إلى عثمان خيرته وشيعته من بني أمية فحملوه فأدخلوه الدار . وجاء من طريق عبدالرحمن بن حاطب قال : أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها وأبوبكر وعمر رضي الله عنهما فقال له جهجاه : قم يا نعثل فانزل عن هذاالمنبر . وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى ، فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الاكلة فرأيتها تدود ، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها فكانت مضببة ، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين حتى حصر فقتل .
وفي لفظ البلاذري : خطب عثمان في بعض أيامه فقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يا عثمان انزل ندرعك عباء‌ة ونحملك على شارف من الابل إلى جبل الدخان كماسيرت خيار الناس ، فقال له عثمان : قبحك الله وقبح ما جئت به . وكان جهجاه متغيظا على عثمان ، فلما كان يوم الدار ودخل عليه ومعه عصا كان النبي صلى الله عليه و سلم يتخصربها فكسرها على ركبته فوقعت فيها الاكلة .
راجع الانساب للبلاذري 5 : 47 ، تاريخ الطبري 5 : 114 ، الاستيعاب في نرجمة جهجاه ، الكامل لابن الاثير 3 : 70 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 165 ، الرياض النضرة 2 : 123 ، تاريخ ابن كثير 7 : 175 ، الاصابة 1 : 253 ، تاريخ الخميس 2 : 260 .
قال الاميني : الجهجاه من أهل بيعة الشجرة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه بنص الذكر الحكيم وهو يستبيح خلع عثمان ونفيه وتشهيره ملفوفا بعباء‌ة مكبلا بالحديد إلى جبل الدخان ، ولا يتحرج من هتكه وكسر مخصرته ، وإنما قال ما قاله وفعل ما فعل بمحضر من المهاجرين والانصار ، فلم يؤاخذه على ذلك أحد منهم ولا رد عليه راد ، فكأنه كان يخبر عن صميم أفئدتهم ، وأظهر ما أضمروه ، وجاء بما أحبوه حتى قضى ما كان مقتضيا . إن حدوث الجرح في ركبة جهجاه لولوج شئ من كسرات العصا فبها المتحول أكلة إن صح فمن ولائد الاتفاق وليس بكرامة للقتيل ، كما أن وقوع عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي والي عثمان على اليمن من مركبه وموته وقد جاء لنصر عثمان لم يكن نقمة ولا نكبة له . قال أبوعمر وغيره : جاء عبدالله المخزومي لينصره لما حصر فسقط عن راحلته بقرب مكة فمات ( 1 )
وقال البلاذري في الانساب 875 : أقبل عبدالله المخزومي وكان عامله على مخاليف الجند لينصره فلما انتهى إلى بطن نخلة سقط عن راحلته فانكسرت رجله فانصرف إلى أهله .
14 - حديث سهل بن حنيف أبي ثابت الانصاري ( بدري )
15 - رفاعة بن رافع بن مالك أبي معاذ الانصاري ( بدري )
16 - الحجاج بن غزية الانصارى
قال البلاذري في الانساب 5 : 78 : قال أبومخنف في روايته : إن زيد بن ثابت الانصاري قال : يا معشر الانصار إنكم نصرتم الله ونبيه فانصروا خليفته . فأجابه قوم منهم فقال سهل بن حنيف : يا زيد أشبعك عثمان بن عضدان المدينة - والعضيدة نخلة قصيرة ينال حملها - فقال زيد : لا تقتلوا الشيخ ودعوه حتى يموت فما أقرب أجله . فقال الحجاج بن غزية الانصاري أحد بني النجار : والله لولم يبق من عمره إلا بين الظهر والعصر لتقربنا إلى الله بدمه .
وجاء رفاعة بن مالك الانصاري ثم الزرقي بنار في حطب فأشعلها في أحد البابين فاحترق وسقط ، وفتح الناس الباب الآخر واقتحموا الدار .
وفي لفظ للبلاذري ص 90 : قال زيد للانصار : إنكم نصرتم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فكنتم أنصار الله فانصروا خليفته تكونوا أنصارا لله مرتين . فقال : الحجاج بن غزية :
والله إن تدري هذه البقرة الصيحاء ما تقول ، والله لو لم يبق من أجله إلا ما بين العصر إلى
الليل لتقربنا إلى الله بدمه .
وقال ابن حجر في الاصابة 1 : 313 : روى الحجاج بن غزية أصحاب السنن
(هامش ) * ( 1 ) الاستيعاب 1 : 351 ، اسدالغابة 3 : 155 ، الاصابة 2 : 305 . [ * ]
حديثا صرح بسماعه فيه من النبي صلى الله عليه وآله في الحج قال ابن المديني : هو الذي ضرب مروان يوم الدار حتى سقط ( 1 )
قال الاميني : نظرية هؤلاء الثلاثة ليست بأقل صراحة من نظريات إخوانهم المهاجرين والانصار في استباحة دم الخليفة وإزالته عن منصة الملك الاسلام الديني .
- 17 - حديث أبى أيوب الانصارى
من السابقين من جلة الصحابة البدريين
قال في خطبة له : إن أمير المؤمنين - أكرمه - الله قد استمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ ، إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها ، حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخير المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده ، يفقهكم في الدين ويدعوكم إلى جهاد المحلين ، فوالله لكأنكم صم لا تسمعون ، وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون ، عبادالله أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس ؟ وقد شمل العباد ، وشاع في الاسلام ، فذو حق محروم مشتوم عرضه ، ومضروب ظهره ، وملطوم وجهه ، وموطوء بطنه ، وملقى بالعراء ، فلما جاء‌كم أمير المؤمنين صدع بالحق ، ونشر العدل ، وعمل بالكتاب ، فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تتولوا مجرمين ، ولا تكونوا كالذين قالوا : سمعنا وهم لا يسمعون ، أشحذوا السيوف وجددوا آلة الحرب ، واستعدوا للجهاد ، فإذا دعيتم فأجيبوا ، وإذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصادقين .
الامامة والسياسة 1 : 112 في طبع وفي آخر ص 128 ، جمهرة الخطب 1 : 236
قال الاميني : هذا أبوأيوب الانصاري عظيم الصحابة الذي اختارالله داره منزلا لرسول الله صلى الله عليه وآله من بين الانصار ، وحسبه ذلك شرفا ، وهو من البدريين ، وشهد المغازي
كلها ، وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أخذ شيئا من كريمته الشريفة بقوله : لا يصيبك السوء يا أباأيوب وهذا يعم الاسواء الظاهرة من قتل بهوان وأسر وسجن في مذلة وأمراض مخزية من جذام وبرص غيرهما ، واختلال في العقل ، والاسواء المعنوية من تزحزح عن الايمان وتضعضع في العقيدة ، وانحياز عن الدين ، فهو رضوان الله عليه ملكوء
(هامش ) * ( 1 ) سيوافيك حديث ضربه مروان . [ * ]
عن هذه كلها بتلك الدعوة المجابة ، وهو مع فضله هذا يعد عهد عثمان عهد جور و عدوان ، ويعدد ما حدث هنالك من البوائق النازلة على صلحاء الامة كأبي ذر وعمار وابن مسعود وغيرهم مما مر تفصيله ، ولو لم يكن الاشهادة أبي أيوب لكفت حجة في كل مهمة ، فكيف وقد صافقه على ما يقول سروات المهاجرين والانصار
- 18 - حديث قيس بن سعد
ابن عبادة الانصاري ، سيد الخزرج " بدري "
1 - من خطبة له خطبها بمصر في أخذ البيعة لامير المؤمنين علي صلوات الله عليه
قال : ألحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل ، وكبت الظالمين ، أيها الناس إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا صلى الله عليه وسلم فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
تاريخ الطبري 5 : 228 ، الكامل لابن الاثير 3 : 115 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 23 .
2 - من كتاب لمعاوية إلى قيس بن سعد قبل وقعة صفين : أما بعد : فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان بن عفان رضي الله عنه في أثرة رأيتموها أو ضربة سوط ضربها ، أو شتيمة رجل ، أو في تسييره آخر ، أو في إستعماله الفتي ، فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يكن يحل لكم ، فقد ركبتم عظيما من الامر وجئتم شيئا إدا ، فتب إلى الله عزوجل يا قيس بن سعد فإنك كنت في المجلبين على عثمان بن عفان رضي الله عنه إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئا .
فأما صاحبك : فإنا استيقنا أنه الذي أغرى به الناس وحملهم على قتله حتى قتلوه وإنه لم يسلم من دمه عظم قومك ، فإن استطعت يا قيس ! أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل ، تابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت ، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز مادام لي سلطان ، وسلني غير هذا مما تحب فإنك لا تسألني شيئا إلا أو تيته ، واكتب إلي برأيك فيما كتبت به إليك . والسلام . [ * ]
فكتب إليه قيس :
أمابعد : فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان رضي الله عنه وذلك أمر لم أفارقه ولم أطف به . وذكرت صاحبي هو أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه ، وهذا لم أطلع عليه ، وذكرت عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فأول الناس كان فيه قياما عشيرتي . إلخ .
وفي لفظ : فلعمري إن أولى الناس في أمره عشيرتي . فلعمري إن أول الناس كان فيه قياما عشيرتي ولهم أسوة
تاريخ الطبري 5 : 227 ، كامل ابن الاثير 3 : 116 ، شرح ابن أبي الحديد 2 :23 ،
النجوم لزاهرة 1 : 99 ، جمهرة الرسائل 1 : 524 .
3 - تحاور قيس بن سعد والنعمان بن بشير بين الصفين بصفين فقال النعمان : يا قيس بن سعد أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه ؟ إنكم يا معشر الانصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار ، وقتلكم أنصاره يوم الجمل ، وإقحامكم على أهل الشام بصفين فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا ، كان هذا بهذا ، ولكنكم خذلتم حقا ، و نصرتم باطلا ، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس ، شعلتم الحرب ، ودعوتم إلى البراز ، فقدوالله وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعا إلى برازكم غير أنكاس عن حربكم . الكلام .
فضحك قيس وقال : والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام ، أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه ، وأنت والله الغاش لنفسه ، المبطل فيما نصح غيره . أما ذكر عثمان فإن كان الايجاز يكفيك ؟ فخذه . قتل عثمان من لست خيرا منه ، وخذله من هو خير منك ، وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث ، وأما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الانصار . وأما قولك : إنا لسنا كالناس فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله ، نلقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا ، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون . ولكن أنظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا أو يمانيا مستدرجا وانظر أين المهاجرين والانصار والتابعون باحسان ، الذين رضي الله [ * ] عنهم ورضوا عنه ؟ ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك ؟ ( 1 ) ولستما والله بدريين ولا عقبيين ( 2 ) ولا لكما سابقة في الاسلام ولاآية في القرآن .
كتاب صفين لابن مزاحم ص 511 ، الامامة والسياسة 1 : 94 ، وفي ط 83 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 298 ، جمهرة الخطب 1 : 190 .
4 - قدم المدينة قيس بن سعد فجاء‌ه حسان بن ثابت شامتا به وكان حسان عثمانيا فقال له : نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان ، فبقي عليك الاثم ولم يحسن لك الشكر . فقال له قيس : يا أعمى القلب والبصر ، والله لو لا أن ألقى بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك ، أخرج عني . تاريخ الطبري 5 : 321 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 25 .
قال الاميني : إن فتى الانصار وأمير الخزرج وابن أميرها قيس بن سعد الذي تقدمت فضائله وفواضله في الجزء الثاني ص 69 - 110 ط 2 تراه يتبجح في كتابه إلى معاوية بأن عشيرته الانصار كانوا أول الناس قياما في دم عثمان ، وفي خطبته ترى أن الحق المحيى مع مولانا أميرالمؤمنين ، وإن الباطل الذي أميت كان في العهد البائد بقتل عثمان ، وأن المقتولين في واقعة الدار هم الظالمون ، واعطف على هذه كلها محاورته مع النعمان بن بشير بصفين ، فالكل لهجة واحدة من رئي في الدين والدنيا واحد .
- 19 - حديث فروة بن عمرو ابن ودقة البياضي الانصاري ( بدري )
أخرج مالك في الموطأ حديثه في باب ( العمل في القراء‌ة ) وسكت عن اسمه ولم يسمه ، بل ذكره بلقبه " البياضي " وقال ابن وضاح ( 3 ) وابن مزين ( 4 ) : إنما سكت مالك عن اسمه ، لانه كان ممن أعان على قتل عثمان .
وعقبه أبوعمر في " الاستيعاب " فقال : هذا لا يعرف ولا وجه لما قالاه في ذلك و لم يكن لقائل هذا علم بما كان من الانصار يوم الدار .
(هامش ) * ( 1 ) يعنى به عمرو بن العاص .
( 2 ) يعنى ممن بايعوه صلى الله عليه وآله في العقبة .
( 3 ) ابوعبدالله محمد بن الحسين بن على بن الوضاح الانبارى المتوفى 345 .
( 4 ) كذا في الاستيعاب واسد الغابة وشرح الموطأ للزرقانى ، وفي الاصابة : ابن سيرين . [ *
الاستيعاب ترجمة فروة ، اسد الغابة 4 : 179 ، الاصابة 3 : 204 ، شرح الموطأ للزرقاني 1 : 152 .
قال الاميني : الذي يشهد ببطلان ما قالاه ان ما حسبوه جريمة من فروة إن كان مسقطا لعدالته ؟ فالاخراج عنه باطل سماه أولم يسمه ، وإن كان غير مسقط لها ؟ فهو مشمول لما عم الصحابة عند القوم من الفضل والعدالة ، وإن روايته حجة يؤخذبها ولا يضره إذن إلغاء الاسم ، ثم إن كانت هذه الجريمة مما يؤاخذ به صاحبه ؟ فهي عامة للانصار كلهم كما أو عز إليه أبوعمر بقوله : لم يكن لقائل هذا علم بها كان من الانصار يوم الدار . فيجب إسقاط رواياتهم أوالسكوت عن اسمائهم جمعاء . وبالجملة : إن هذا الانصاري البدري عد ممن أعان على قتل عثمان ، ولم يشذ في رأيه عن الانصار أو عن بقية الصحابة أجمع .
- 20 - حديث محمد بن عمرو ابن حزم أبي سليمان الانصاري
أحد المحامدة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمدا . قال أبوعمر في " الاستيعاب " في ترجمته : يقال : إنه كان أشد الناس على عثمان المحمدون : محمد بن أبي بكر . محمد بن أبي حذيفة . محمد بن عمرو بن حزم .
- 21 - حديث جابر بن عبدالله أبي عبدالله الانصاري الصحابي العظيم وقوم آخرين من الصحابة
لما فرغ الصحابة من أمر ابن الزبير كنس المسجد الحرام من الحجارة والدم وأتته ولاية مكة والمدينة ، وكان عبدالملك حين بعثه لقتال عبدالله بن الزبير عقد له على مكة ولكنه أحب تجديد ولايته إياها ، فشخص الحجاج إلى المدينة ، واستخلف على مكة عبدالرحمن بن نافع بن عبدالحارث الخزاعي ، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخف بهم وقال : إنهم قتلة أميرالمؤمنين عثمان ، وختم يد جابر بن عبدالله برصاص وأيدى قوم آخرين كما يفعل بالذمة ، منهم : أنس بن مالك [ * ] ختم عنقه ، وأرسل إلى سهل بن سعد فدعاه فقال : ما منعك أن تنصر أميرالمؤمنين عثمان ابن عفان ؟ قال : قد فعلت . قال : كذبت . ثم أمر به فختم في عنقه برصاص .
أنساب البلاذري 5 : 373 ، تاريخ الطبري 7 : 206 ، الكامل لابن الاثير 4 : 149
قال الاميني : تعطي هذه الرواية أن مؤاخذة الحجاج لبقية الصحابة وفيهم جابر صاحب الحلقة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤخذ منه العلم كمافي الاصابة 1 : 213
كانت لتدخلهم في واقعة عثمان بمباشرة أوتخذيل عنه أو بتقاعد عن نصرته ، نحن لا نقول بوثاقة الرجل فيها يرويه كما لا نقول بسداده فيما يرتأيه ، غير أن الحالة تشهد أن تلكم النسبة كانت مشهورة بين الملا فاحتج بها الحجاج على ما ارتكبه من إهانتهم ولم يظهر من القوم أي إنكار لما رموا به ردئا لعادية الطاغية ، لكنهم صبروا على البلاء وشدة المنازلة ثباتا منهم على ما ارتكبوه في واقعة الدار .
- 22 - حديث جبلة بن عمرو ( 1 )ابن ساعدة الساعدي الانصاري ( بدري)
أخرج الطبري من طريق عثمان بن الشريد قال : مر عثمان علي جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة فقال : يا نعثل ؟ والله لاقتلنك ولاحملنك على قلوص جرباء ولاخرجنك إلى حرة النار ، ثم جاء‌ه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه وأخرج من طريق عامر بن سعد قال : كان أول من اجرأ على عثمان بالمنطق السئ جبلة بن عمرو الساعدي ، مر به عثمان وهو جالس في ندي قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعة ، فلما مر عثمان سلم فرد القوم فقال جبلة : لم تردون على رجل فعل كذا وكذا ؟ قال : ثم أقبل على عثمان فقال : والله لاطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه . قال عثمان : أي بطانة ؟ فوالله إني لا أتخير الناس . فقال : مروان تخيرته ، ومعاوية تخيرته ، وعبدالله بن عامر بن كريز تخيرته ، وعبدالله بن سعد تخيرته ، منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول الله دمه ( 2 ) قال : فانصرف عثمان فما
(هامش ) * ( 1 ) قال البلاذرى في الانساب 5 : 47 : قال الكلبى : هو رخيلة بن ثعلبة البياضى ، بدرى .
( 2 ) هو عبدالله بن سعد راجع ما اسلفناه في ج 8 : 280 ط 2 . [ * ]
زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم .
تاريخ الطبري 5 : 114 ، الكامل لابن الاثير 3 : 70 ، تاريخ ابن كثير 7 : 176 ،
شرح ابن أبي الحديد 1 : 165 .
وأخرج البلاذري في الانساب 5 : 47 الحديث الاول باللفظ المذكور فقال : ثم أتاه وهو على المنبر فأنزله ، وكان أول من اجترأ على عثمان وتجهمه بالمنطق الغليظ وأتاه يوما بجامعة فقال : والله لاطرحنها في عنقك ، أو لتتركن بطانتك هذه ، أطعمت الحارث بن الحكم السوق وفعلت وفعلت ، وكان عثمان ولى الحارث السوق فكان يشتري الجلب بحكمه ويبيعه بسومه ، ويجبي مقاعد المتسوقين ، ويصنع صنيعا منكرا ، فكلم في إخراج السوق من يده فلم يفعل ، وقيل لجبلة في أمر عثمان وسئل الكف عنه فقال : والله لا ألقى الله غدا فأقول : إنا أطعنا سادتنا وكبراء‌نا فأضلونا السبيل .
وأخرج ابن شبه في أخبار المدينة من طريق عبدالرحمن بن الازهر : انهم لما أرادوا دفن عثمان فانتهوا إلى البقيع من دفنه جبلة بن عمرو فانطلقوا إلى حش كوكب فدفنوه فيه ( 1 )
قال الاميني : إنك جد عليم بما في هذاالمبجل البدري الذي أثنى عليه أبوعمر في " الاستيعاب " بقوله : كان فاضلا من فقهاء الصحابة . وهو أحد الصحابة العدول الذين يحتج بما رووه أورأوه من شدة على عثمان وثباة عليها ، حتى انه يعد المحايدة يومئذ من الضلال الذي يأمر به السادة والكبراء الضالون ، ويهدد عثمان و يرعد ويبرق وينهى عن رد السلام عليه الذي هو تحية المسلمين ، ومن الواجب شرعا ردها ، وينزله عن منبر الخطابة إنزالا عنيفا بين الملا ، ثم لم يزل يستخف به ويهينه ولا تأخذه فيه هوادة حتى منعه عن الدفن في البقيع ، فذفن في حش كوكب مفابر اليهود وكل هذه لا تلتئم مع حسن ظنه به فضلا عن حسن عقيدته .
نعم : إن جبلة فعل هذه الافاعيل بين ظهراني الملا الديني الصحابة العدول وهم بين متجمهر معه ، ومخذل عن الخليفة المقتول ، ومتثبط عنه ، وراض بما دارت على الخليفة من دائرة سوء ، ما خلا شذاذ من الامويين الذين وصفهم جبلة في بيانه ،
(هامش ) * ( 1 ) الاصابة 1 : 223 . [ * ]
وقدمنا نحن تفصيل ما نزل في القرآن فيهم في الجزء الثامن ( 1 ) ولم تقم الجامعة الدينية لهم ولآرائهم وزنا .
- 23 - حديث محمد بن مسلمة
أبي عبدالرحمن الانصاري ( بدري )
أخرج الطبري من طريق محمد بن مسلمة قال : خرجت في نفر من قومي إلى المصريين وكان رؤساء هم أربعة : عبدالرحمن بن عديس البلوي ، وسودان بن حمران المرادي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وابن النباع ( 2 ) قال : فدخلت عليهم وهم في خباء لهم أربعتهم ورأيت الناس لهم تبعا ، قال : فعظمت حق عثمان ، وما في رقابهم من البيعة ، وخوفتهم بالفتنة ، وأعلمتهم أن في قتله اختلافا وأمرا عظيما ، فلا تكونوا أول من فتحه وانه ينزع عن هذه الخصال التي نقمتم منها عليه وأنا ضامن لذلك . قال القوم : فإن لم ينزع قال : قلت فأمركم إليكم . قال : فانصرف القوم وهم راضون فرجعت إلى عثمان فقلت : اخلني . فأخلاني فقلت : الله الله يا عثمان في نفسك ، إن هؤلاء القوم إنما قدموا يريدون دمك وأنت ترى خذلان أصحابك لك ، لا ، بل هم يقوون عدوك عليك ، قال : فأعطاني الرضا وجزاني خيرا قال : ثم خرجت من عنده فأقمت ماشاء‌الله أن اقيم ، قال : وقد تكلم عثمان برجوع المصريين وذكرأنهم جاء‌وا لامر فبلغهم غيره فانصرفوا . فأردت أن آتيه فاعنفه ثم سكت فإذا قائل يقول : قدقدم المصريون وهم بالسويداء ( 3 ) قال : قلت : أحق ما تقول ؟ قال : نعم ، قال : فأرسل إلى عثمان ، قال : وإذا الخبر قد جاء‌ه و قد نزل القوم من ساعتهم ذا خشب ( 4 ) فقال : يا أبا عبدالرحمن هؤلاء القوم قدرجعوا فما الرأي فيهم ؟ قال قلت : والله ما أدري إلا إني أظن أنهم لم يرجعوا لخير قال : فارجع إليهم فارددهم قال : قلت : لا والله ما أنا بفاعل ، قال : ولم ؟ قال : لاني ضمنت لهم امورا تنزع عنها ، فلم تنزع عن حرف منها قال : فقال : الله المستعان قال : وخرجت
(هامش ) * ( 1 ) راجع صفحة 247 - 249 ، 275 ، 218 ط 2 .
( 2 ) كذا في تاريخ الطبرى وفيما حكى عنه والصحيح : ابن البياع وهو عروة بن شييم الليثى
( 3 ) السويداء : موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام .
( 4 ) واد على مسيرة ليلة من المدينة . [ * ]
وقدم القوم وحلوا بالاسواف وحصروا عثمان وجاء‌ني عبدالرحمن ابن عديس ومعه سودان بن حمران وصاحباه فقالوا : يا أبا عبدالرحمن ألم تعلم أنك كلمتنا ورددتنا وزعمت ان صاحبنا نازع عما نكره ؟ فقلت : بلى ، فإذا هم يخرجون إلى صحيفة صغيرة وإذا قصبة من رصاص فإذاهم يقولون : وجدنا جملا من إبل الصدقة عليه غلام عثمان فأخذنا متاعه ففتشناه فوجدنا فيه هذا الكتاب . الحديث يأتي بتمامه . تاريخ الطبري 5 : 118 ، الكامل لابن الاثير 3 : 70 .
قال الاميني : إنك تجد محمد بن مسلمة هاهنا لايشك في أن ما نقمه القوم على الخليفة موبقات يستحل بهاهتك الحرمات ممن ارتكبها ، لكنه كره المناجزة وحاول الاصلاح حذار الفتنة المستتبعة لطامات وهنابث ، وسعى سعيه في رد القوم بضمانه عسى أن ينزع الخليفة عما فرط في جنب الله ، وأن يكون ذلك توبة نصوحا ، فلعل الفورة تهدأ ، ولهيب الثورة يخبأ ، لكنه لما شاهد الفشل في مسعاه ، وأخفق ظنه بعثمان ، و رأى منه حنث الال ، وعدم النزوع عن أحداثه ، تركه والقوم ، فارتكبوا منه ما ارتكبوا ولم يجبه حينما استنصره ، ولم يقم لطلبته وزنا ، ولم ير له حرمة يدافع بها عنه ، و لذلك خاشنه في القول ، فكان ما كان مقضيا .
- 24 - حديث ابن عباس
حبر الامة ابن عم النبي الاعظم صلى الله عليه وآله
1 - أخرج أبوعمرفي " الاستيعاب " في ترجمة مولانا أميرالمؤمنين علي صلوات الله علي‍ من طريق طارق قال : جاء ناس إلى ابن عباس فقالوا : جئناك نسألك فقال : سلوا عما شئتم فقالوا : أي رجل كان أبوبكر ؟ فقال : كان خيرا كله . أو قال : كالخير كله على حدة كانت فيه . قالوا : فأي رجل كان عمر ؟ قال : كان كالطائر الحذر الذي يظن أن له في كل طريق شركا . قالوا : فأي رجل كان عثمان ؟ قال : رجل ألهته نومته عن يقظته . قال : فأي رجل كان علي ؟ قال : كان قد ملئ جوفه حكما وعلما وبأسا و نجدة مع قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يظن أن لا يمد يده إلى شئ إلا ناله ، فما مد يده إلى شئ فناله . [ * ]
2 - من كتاب لمعاوية إلى ابن عباس : لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا وأن يكون رأيا صوابا ، فإنك من الساعين عليه ، والخاذلين له ، و السافكين دمه ، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ولا بيدك أمان ( 1 )
فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه : وأما قولك " إني من الساعين على عثمان والخاذلين له ، والسافكين له ، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني " فاقسم بالله لانت المتربص بقتله ، والمحب لهلاكه ، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره ، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت به حتى بعثت إليه معذرا باجرة أنت تعلم انهم لن يتركوه حتى يقتل ، فقتل كما كنت أردت ثم علمت عند ذلك أن الناس لن يعدلوا بينناو بينك فطفقت تنعي عثمان وتلزمنا دمه ، وتقول قتل مظلوما ، فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين ، ثم لم تزل مصوبا و مصعدا وجاثما ورابضا تستغوي الجهال وتنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين .
قال الاميني : إن حبر الامة وإن لم يكن له أي تدخل في واقعة الدار ، وكان أمير الحاج في سنته تلك ، لكنك تراه لا يشذ عن الصحابة في الرأي حول الخليفة ، ولا يقيم له وزنا ، ولا يرى له مكانة ، ومن أجل ذلك أعطى المقام حقه في جواب السائل عن الخلفاء ، غير انه لم يصف عثمان إلا بما ينبأ عن عدم كفائته برقدته الطويلة الغاشية على يقظته ، وسباته العميق الساتر لانتباهته ، ومن جراء ذلك الاعتقاد تجده لم يهتم بشئ من أمره لماجاء‌ه نافع بن طريف بكتاب (2 ) من الخليفة يستنجد الحجيج و يستغيث بهم ، على حين انه محصور ، فقرأه نافع على الناس بينما كان ابن عباس يخطب فلما نجزت قراء‌ته أتم خطبته من حيث أفضت اليه ، ولم يلو إلى أمر عثمان وحصاره ، ولم ينبس في أمره ببنت شفة ، وكان في وسعه أن يستثيرهم لنصرته ، وهل ذلك كله لسوء رأي منه في الخليفة ؟ أو لعدم الاهتمام في أمره أو لحسن ظنه بالثائرين عليه إخترما شئت ، ولعلك تختار تحقق الجميع لدى ابن عباس ، وكأن عائشة شعرت منه
(هامش ) * ( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 4 : 58 . قال : كتبه اليه عند صلح الحسن عليه السلام يدعوه إلى بيعته
( 2 ) يأتى تفصيله في هذا الجزء عند ذكر كتب عثمان ان شاء‌الله . [ * ]
ذلك فقالت يوم مر بها ابن عباس في منزل من منازل الحج : يا ابن عباس إن الله قد اتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية . ( 1 ) ومن جراء رأيه الذايع الشايع كان يحذر معاوية ويخاف بطشه ، ولما قال له أمير المؤمنين عليه السلام : إذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها . قال : إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان ، أو يحبسني لقرابتي منك ، ولكن اكتب معي إلى معاوية فمنه وعده . الحديث ( 2)وفي أثر ذلك الرأى كان يسكت عن لعن قتلة عثمان ولما كتب اليه معاوية : أن اخرج إلى المسجد والعن قتله عثمان . أجاب بقوله : لعثمان ولد وخاصة وقرابة هم أحق بلعنهم مني ، فإن شاء‌وا أن يلعنوا ، وإن شاء‌وا أن يمسكوا فليمسكوا (3
- 25 - حديث عمرو بن العاصى
الذي عرفناكه في ج 2 ص 120 - 176
1 ـ أخرج الطبري من طريق أبي عون مولى المسور قال : كان عمرو بن العاصي على مصر عاملا لعثمان فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة ، استعمل عبدالله بن سعد على الخراج ، ثم جمعهما لعبدالله بن سعد ، فلما قدم عمرو بن العاصي المدينة جعل يطعن على عثمان ، فأرسل اليه يوما عثمان خاليا به فقال : يا ابن النابغة ما أسرع ما قمل به جربان جبتك ؟ إنما عهدك بالعمل عاما أول ، أتطعن علي ، ويأتيني بوجه ، وتذهب عني بآخر ؟ والله لولا أكلة ما فعلت ذلك . فقال عمرو : إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل ، فاتق الله يا أميرالمؤمنين في رعيتك ، فقال عثمان : والله لو استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك ، فقال عمرو : قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راض فقال عثمان : وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لا ستقمت ولكني لنت عليك فاجترأت علي ، أماوالله لانا أعز منك نفرا في الجاهلية وقبل أن ألي هذا السلطان
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في هذا الجزء من حديث عائشة .
( 2 ) تاريخ ابن كثير 7 : 228 ، الكامل لابن الاثير 3 : 83 .
( 3 ) الامامة والسياسة قتيبة 1 : 148 . [ * ]
، فقال عمرو : دع عنك هذا فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وهدانا به ، قد رأيت العاصي بن وائل ورأيت أباك عفان فوالله للعاصي كان أشرف من أبيك ( 1 ) فانكسر عثمان وقال : ما لنا ولذكر الجاهلية ، وخرج عمرو ودخل مروان فقال : يا أمير المؤمنين وقد بلغت مبلغا يذكر عمرو بن العاصي أباك ، فقال عثمان : دع هذا عنك ، من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه . قال فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه
على عثمان ، ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان ، ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان ، فلما كان حصر عثمان الاول خرج من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها : السبع ، فنزل في قصر له يقال له : العجلان وهو يقول : العجب ما يأتينا عن ابن عفان قال : فبينا هو جالس في قصره ذلك ومعه إبناه محمد ، وعبدالله ، وسلامة بن روح الجذامي إذا مر بهم راكب فناده عمرو : من أين قدم الرجل ؟ فقال : من المدينة ، قال : ما فعل الرجل ؟ يعني عثمان . قال : تركته محصورا شديد الحصار قال عمرو : أنا أبوعبدالله قد يضرط العير والمكواة في النار فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مر به راكب آخر فناداه عمرو : ما فعل الرجل ؟ يعني عثمان . قال : قتل . قال : أنا أبوعبدالله إذا حككت قرحة نكأتها ، إن كنت لاحرض عليه حتي إني لاحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل . فقال له سلامة بن روح : يا معشر قريش إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه ، فما حملكم على ذلك ؟ فقال : أردنا أن نخرج الحق من حافرة الباطل ، وأن يكون الناس في الحق شرعا سواء ، وكانت عند عمرو أخت عثمان لامه كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها حين عزله ( 2 )
2 - لما ركب علي وركب معه ثلاثون رجلا من المهاجرين والانصار إلى أهل مصر في أول مجيئهم المدينة ناقمين على عثمان ، وردهم عنه فانصرفوا راجعين ورجع
( هامش ) * ( 1 ) ليت شعرى ما مكانة من الشرف ان كان يفضل عليه العاصى الساقط المشرف بقوله تعالى : " ان شانئك هو الابتر " كما مر تفصيله في الجزء الثانى ص 120 ط 2
( 2 ) تاريخ الطبرى 5 : 108 ، 203 ، الانساب للبلاذرى 5 : 74 ، الامامة والسياسة 1 : 42 ، الاستيعاب ترجمة عبدالله بن سعد بن أبى سرح ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 63 ، وأوعز اليه ابن كثير في تاريخه 7 : 170 بصورة مصغرة جريا على عادته فيما لا يروقه . [ * ]
علي عليه السلام إلى عثمان وأخبره انهم قد رجعوا ، حتى إذا كان الغد جاء مروان عثمان فقال
له : تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا ، وإن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا ، فإن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه . فأبى عثمان أن يخرج ، فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر فحمدالله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد : إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم ( 1 ) فناداه عمرو بن العاصي من ناحية المسجد : إتق الله يا عثمان فإنك قد ركبت نهابير ( 2 ) وركبناها معك فتب إلى الله نتب ، فناداه عثمان : وإنك هناك يا ابن النابغة ؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل ، فنودي من ناحية أخرى : تب إلى الله وأظهر التوبة يكف الناس عنك . فرفع عثمان يديه مدا واستقبل القبلة فقال : أللهم إني أول تائب تاب إليك . ورجع إلى منزله ، وخرج عمرو بن العاصي حتى نزل منزله بفلسطين فكان يقول : والله إن كنت لالقى الراعي فأحرضه عليه .
وفي لفظ البلاذري : يا ابن النابغة وإنك ممن تؤلب علي الطغام ؟ وفي لفظ : قال عمرو : يا عثمان إنك قد ركبت بهذه الامة نهاية من الامر وزغت فزاغوا فاعتدل أو اعتزل . وفي لفظ : ركبت بهذه الامة نهابير من الامور فركبوها منك ، وملت بهم فمالوا بك ، اعدل أو اعتزل .
تاريخ الطبري 5 : 110 ، 114 ، أنساب البلاذري 5 : 74 ، الاستيعاب ترجمة عثمان ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 113 ، الكامل لابن الاثير 3 : 68 ، الفائق للزمخشري 2 : 296 ، نهاية ابن الاثير 4 : 196 ، تاريخ ابن كثير 7 : 175 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 396 ، لسان العرب 7 : 98 ، تاج العروس 3 : 592 .
3 - قال اين قتيبة : ذكروا ان رجلا من همدان يقال له " برد " قدم على معاوية فسمع عمرا يقع في علي فقال له : يا عمرو إن أشياخنا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
من كنت مولاه فعلي مولاه . فحق ذلك أم باطل ؟ فقال عمرو : حق وأنا أزيدك انه ليس
(هامش * ( 1 ) ما عذر الخليفة في هذا الكذب الفاحش على منبر النبي الاعظم وهو بين يدى قبره الشريف لعله يعتذر بأن مروان حثه عليه ولم يكن له منتدح من قبول أمره ، والملك عقيم .
( 2 ) النهابير والنهابر : المهالك : الواحدة : نهبرة ونهبور . [ * ]
أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب علي . ففزع الفتى فقال عمرو : إنه أفسدها بأمره في عثمان فقال برد : هل أمر أو قتل ؟ قال : لا ، ولكنه آوى ومنع ، قال : فهل بايعه الناس عليها ؟ قال : نعم . قال : فما أخرجك من بيعته ؟ قال : إتهامي إياه في عثمان .
قال له : وأنت أيضا قد أتهمت . قال : صدقت فيها ، خرجت إلى فلسطين . فرجع الفتى إلى قومه فقال : إنا أتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم ، علي على الحق فاتبعوه .
" الامامة والسياسة 1 ص 93 " .
4 - أخرج الطبري في تاريخه 5 : 234 من طريق الواقدي قال : لما بلغ عمرا قتل عثمان رضي الله عنه قال : أنا أبوعبدالله قتلته وأنا بوادي السباع ، من يلي هذا الامر من بعده ؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيبا ، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق ، وهو أكره من يليه إلي .
5 - أسلفنا في حديث طويل في الجزء الثاني ص 133 - 136 ط 2 من قول الامام الحسن السبط الزكي لعمرو بن العاصي : وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ، ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت : أنا أبوعبدالله إذا نكأت " أي قشرت " قرحة أدميتها ، ثم حبست نفسك إلى معاوية وبعت دينك بدنياه ، فلسنا نلومك على بغض ، ولا نعاتبك على ود ، وبالله ما نصرت عثمان حيا ، ولا غضبت له مقتولا .
قال أبوعمر في " الاستيعاب " في ترجمة عبدالله بن سعيد بن أبي سرح : كان عمرو ابن العاصي يطعن على عثمان ويؤلب عليه ويسعى في إفساد أمره ، فلما بلغه قتل عثمان وكان معتزلا بفلسطين قال : إني إذا نكأت قرحة أدميتها أو نحو هذا .
وقال في ترجمة محمد بن أبي حذيفة : كان عمرو بن العاص مذ عزله عثمان عن مصر يعمل حيلة في التأليب والطعن على عثمان .
وفي الاصابة 3 : 381 : إن عثمان لما عزل عمرو بن العاص عن مصر قدم المدينة فجعل يطعن على عثمان ، فبلغ عثمان فزجره ، فخرج إلى أرض له بفلسطين فأقام بها .
قال الاميني : لعل مما يستغني عن الافاضة فيه مناوء‌ة ابن العاصي لعثمان ورأيه في سقوطه ، وتبجحه بالتأليب عليه ، ومسرته على قتله ، وقوله بملافمه : أنا أبوعبدالله قتلته [ * ]
وأنا بوادي السباع . وقوله : إني إذا نكأت قرحة أدميتها . وهل الاحن بينهما استفحلت فتأثرت بها نفسية ابن العاصى حتى انه اجتهد فأخطأ . أو انه أصاب الحق ، فكان اجتهاده عن مقدمات صحيحة مقطوعة عن الضغائن الثائرة ، معتضدة بآراء الصحابة ، و أياما كان فهو عند القوم من أعاظم الصحابة العدول يرى في الخليفة هذا الرأي .
- 26 - حديث عامر بن واثلة
أبي الطفيل الشيخ الكبير الصحابي
قدم أبوالطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية فأخبر معاوية بقدومه فأرسل إليه فأتاه وهو شيخ كبير فلما دخل عليه قال له معاوية : أنت أبوالطفيل عامر ابن واثلة ؟ قال : نعم . قال معاوية : أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، ولكن ممن شهده فلم ينصره . قال : ولم ؟ قال : لم ينصره المهاجرون والانصار ، فقال معاوية أما والله إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجبا وفرضا لازما ، فإذ ضيعتموه فقد فعل والله بكم ما أنتم أهله وأصاركم إلى ما رأيتم . فقال أبوالطفيل : فما منعك يا أميرالمؤمنين إذ تربصت به ريب المنون أن لا تنصره ومعك أهل الشام قال معاوية : أو ما ترى طلبي لدمه نصرة له فضحك أبوالطفيل وقال بلى : ولكني وإياك ( 1 ) كما قال عبيد بن الابرص :
لاعرفنك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي
فدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحكم فلما جلسوا نظر إليهم معاوية ثم قال : أتعرفرن هذا الشيخ ؟ قالوا : لا . فقال معاوية : هذا خليل علي بن أبي طالب ، وفارس صفين وشاعر أهل العراق ، هذا أبوالطفيل . قال سعيد بن العاص : قد عرفناه يا أمير المؤمنين فما يمنعك منه ؟ وشتمه القوم فزجرهم معاوية قال : فرب يوم ارتفع عن الاسباب قد ضقتم به ذرعا ثم قال : أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل ؟ قال : ما أنكرهم من سوء ولاأعرفهم بخير وأنشد شعرا :
فإن تكن العداوة وقد أكنت * فشر عدواة المرء السباب
فقال معاوية : يا أبا الطفيل ما أبقى لك الدهر من حب علي ؟ قال : حب أم
(هامش ) * ( 1 ) كذا والصحيح كمافى مروج الذهب . ولكنك واياه . [ * ]
موسى وأشكو إلى الله التقصير . فضحك معاوية وقال : ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سألوا عني ما قالوا هذا . فقال مروان : أجل والله لا نقول الباطل .
الامامة والسياسة 1 : 158 ، مروج الذهب 2 : 62 ، تاريخ ابن عساكر 7 : 201 ،
الاستيعاب في الكنى ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 133 .
قال الاميني : أترى هذا الشيخ الكبير الصالح كيف يعترف بخذلانه عثمان و يحكي مصافقته على ذلك عن المهاجرين والانصار الصحابة العدول ، غير متندم على ما فرط هنالك ، ولو كان يتحرج هو ومن نقل عنهم موافقتهم له لردعتهم الصحبة والعدالة عما ارتكبوه من القتل والخذلان ، ولو كان لحقه وإياهم شئ من الندم لباح به وباحوا ، لكنهم اعتقدوا وأمرا فمضوا على ضوئه ، وإنهم كانوا على بصيرة من أمرهم ، وما اعتراهم الندم إلى آخر نفس لفظوه .
- 17 - حديث سعد بن ابى وقاص
أحد العشرة المبشرة ، وأحد الستة أصحاب الشورى
1 - روى ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 ص 43 قال : كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولى كبره فكتب إليه سعد :
إنك سألتني من قتل عثمان وأني اخبرك انه قتل بسيف سلته عائشة ، وصقله طلحة ، وسمه ابن أبي طالب ، وسكت الزبير وأشاربيده ، وأمسكنا نحن ولوشئنا دفعناه عنه ، ولكن عثمان غير وتغير وأحسن وأساء ، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا ، وإن كنا أسأنا فنستغر الله . الحديث مر بتمامه ص 83 .
2 - عن أبي حبيبة قال : نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان دخل عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب فقال له مروان : الآن تندم ؟ أنت أشعرته . فأسمع سعدا يقول : استغفر الله لم أكن أظن الناس يجترؤن هذه الجرأة ولا يطلبون دمه ، وقد دخلت عليه الآن فتكلم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك فنزع عن كل ما كره منه وأعطى التوبة . وقال : لا أتمادى في الهلكة ان ما تمادى في الجور كان أبعد من الطريق فأنا أتوب وأنزع . فقال مروان : إن كنت تريد أن تذب عنه فعليك بابن أبي طالب فإنه متستر وهولا يجبه . فخرج سعد حتى أتى عليا وهو بين القبر والمنبر فقال : يا أباالحسن قم فداك أبي وأمي جئتك والله بخير ما جاء به أحد قط إلى أحد ، تصل رحم ابن عمك ، وتأخذ بالفضل عليه ، وتحقن دمه ، ويرجع الامر على مانحب . قد أعطى خليفتك من نفسه الرضى فقال علي : تقبل الله منه يا أباإسحاق
والله ما زلت أذب عنه حتى اني لاستحيي ، ولكن مروان ومعاوية وعبدالله بن عامر
وسعيد بن العاص هم صنعوا به ماترى ، فإذا نصحته وأمرته أن تنحيهم استغشني حتى جاء ما ترى . قال : فبينا هم كذلك جاء محمد بن أبي بكر فسار عليا فأخذ علي بيدي ونهض علي وهو يقول : وأي خير توبته هذه ؟ فوالله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة : ان عثمان قد قتل . فلم نزل والله في شر إلى يومنا هذا . تاريخ الطبري 5 : 121 .
قال الاميني : يترأى للقارئ من هذه الجمل أن سعدا خذل الخليفة على حين أنه مكثور لا يراد به إلا القتل وهو على علم منه أنه مقتول لا محالة لما كان يرى انه غير ومتغير ، وغير عازب عن سعد حينئذ حكم الشريعة بوجوب كلاء‌ة النفس المحترمة للمتمكن منها وهو يقول : وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه . حتى أنه بعد هدوء الثورة غير جازم بأنه ارتكب حوبا في خذلانه فيقول : إن كنا أحسنا فقد أحسنا ، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله ، وعلى تقدير كونه إساء‌ة يراها من اللمم الممحو بالاستغفار ، ولعل الشق الاخير من كلمته مجاملة مع عمرو بن العاصي لئلا يلحقه الطلب بدم عثمان ولذلك ألقى المسؤولية على أناس آخرين من علية الامة ذكرهم في كتابه ، وعليه فصميم رأيه هو ما ارتكبه ساعة القتل من الخذلان .
- 27 - حديث مالك الاشتر
ابن الحارث المترجم له فيما مر ص 38 - 40
ذكر البلاذري في الانساب 5 : 46 : إن عثمان كتب إلى الاشتر وأصحابه مع عبدالرحمن بن أبي بكر ، والمسور بن مخرمة يدعوهم إلى الطاعة ويعلمهم انهم أول من سن الفرقة ، ويأمرهم بتقوى الله ومراجعة الحق ، والكتاب إليه بالذي يحبون
فكتب إليه الاشتر :
من مالك الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه ، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره . أما بعد : فقد قرأنا كتابك فانه نفسك وعمالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين نسمح له بطاعتنا ، وزعمت أنا قد ظلمنا أنفسنا ، وذلك ظنك الذي أرداك ، فأراك الجور عدلا ، والباطل حقا ، وأما محبتنا فإن تنزع تتوب وتستغفر الله من تجنيك على خيارنا ، وتسييرك صلحاء‌نا ، وإخراجك إيانا من ديارنا ، وتوليتك الاحداث علينا ، وأن تولي مصرنا عبدالله بن قيس أبا موسي الاشعري وحذيفة فقد رضيناهما ، واحبس عنا وليدك وسعيدك ومن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله والسلام .
وخرج بكتابهم يزيد بن قيس الارحبي ، ومسروق بن الاجدع الهمداني ، وعبد الله بن أبي سبرة الجعفي ، وعلقمة بن قيس أبوشبل النخعي ، وخارجة بن الصلت البرجمي في آخرين . فلما قرأ عثمان الكتاب قال : أللهم إني تائب وكتب إلى أبي موسى وحذيفة : أنتما لاهل الكوفة رضى ولنا ثقة ، فتوليا أمرهم وقوما به بالحق غفر الله ولكما . فتولى أبوموسى وحذيفة الامر ، وسكن أبوموسى الناس وقال عتبة بن الوغل :
تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب * وأمر علينا الاشعري لياليا
فقال عثمان : نعم وشهورا إن بقيت .
قال الاميني : نظرية مالك الذي عرفته صحيفة 38 في عثمان صريحة واضحة لا تحتاج إلى تحليل وتعليل ، وإنما أعطى من نفسه الرضا في كتابه بشرط النزوع و التوبة ، لكنه لما لم يجد للشرط وفاء ابل وجد منه إصرارا على ما نقمه هو والصحابة كلهم تنشط للمخالفة ، وأجلب عليه خيلا ورجلا ، ولم يزل مشتدا في ذلك حتى بلغ ما أراد . وسنوقفك على حقيقة أمر الخليفة من توبته بعد توبته في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى . [ * ]
- 28 - حديث عبدالله بن عكيم
أخرج ابن سعد والبلاذري باسنادهما عن عبدالله بن بعكيم الجهني " الصحابي "
قال : لا أعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان . فقيل له ياأبا معيد وأعنت على دمه ؟ قال : إني أعد ذكر مساويه إعانة على دمه .
طبقات إبن سعد 3 : 56 ، الانساب للبلاذري 5 : 101 .
قال الاميني : هذا الحديث صريح في أن الرجل كان يعتقد في عثمان مساوي
ومثالب ، وقد اطمأن بثبوتها له ، فتحدث بها في الاندية والمحاشد إعانة على دمه ، فكان ذلك من موجبات قتله ، ولم يزل معترفا به بعد أن أسيلت نفسه وأريق دمه .
- 29 - حديث محمد بن أبي حذيفة
كان أبوالقاسم محمد بن أبي حذيفة العبشمي من أشد الناس تأليبا على عثمان ، و ذكرالبلاذري في الانساب قال : كان محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة ، ومحمد بن أبي حذيفة ، خرجا إلى مصر عام مخرج عبدالله بن سعد بن أبي سرح إليها ، فأظهر محمد بن أبي حذيفة عيب عثمان والطعن عليه وقال : إستعمل عثمان رجلا أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح ونزل القرآن بكفره حين قال : سأنزل مثل ماأنزل الله ( 1 )
وكانت غزاة ذات الصورى في المحرم سنة أربع وثلاثين وعليها عبد بن سعد ، فصلى بالناس فكبر ابن أبي حذيفة تكبيرة أفزعه بها فقال : لولا إنك أحمق لقربت بين خطوك ، ولم يزل يبلغه عنه وعن ابن أبي بكر ما يكره ، وجعل ابن أبي حذيفة يقول : يا أهل مصر إنا خلفنا الغزو وراء‌نا . يعني غزو عثمان .
إن محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبدالله بن سعد بن أبي سرح ، ووافقا بمصر محمد بن طلحة بن عبيدالله وهومع عبدالله بن سعد ، وإن ابن أبي حذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة الليلة التي قدم
(هامش ) * ( 1 ) يعنى بذلك عبدالله بن سعد بن ابى سرح وهو صاحب يوم الفتح وفيه نزلت الآية كما مر في ص 281 من ج 8 ط 2 . [ * ]
فيها فقاتته الصلاة فجهر بالقراء‌ة فسمع ابن أبي سرح قراء‌ته فسأل عنه ، فقيل : رجل أبيض وضئ الوجه . فأمر إذا صلى أن يؤتي به فلما رآه قال : ماجاء بك إلى بلدي قال : جئت غازيا ، قال : ومن معك ؟ قال : محمد بن أبي بكر . فقال : والله ما جئتما إلا لتفسدا الناس ، وأمر بهما فسجنا ، فأرسلا إلى محمد بن طلحة يسألانه أن يكلمه فيهما لئلا يمنعهما من الغزو ، فأطلقهما ابن أبي سرح وغزا ابن أبي سرح افريقية فأعد لهما سفينة مفردة لئلا يفسد عليه الناس ، فمرض ابن أبي بكر فتخلف وتخلف معه ابن أبي حذيفة ، ثم إنهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلا وقد أوغرا صدور الناس على عثمان فلما وافى ابن أبي سرح مصر وافاه كتاب عثمان بالمصير إليه ، فشخص إلى المدينة وخلف على مصر رجلا كان هواه مع ابن أبي بكر وابن أبي حذيفة ، فكان ممن شايعهم وشجعهم على المسير إلى عثمان .
قالوا : وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبحمل عليه كسوة فأمر فوضع في المسجد وقال : يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني و يرشوني عليه ؟ فازداد أهل مصر عيبا لعثمان وطعنا عليه ، واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأسوه عليهم ، فلما بلغ عثمان ذلك دعا بعمار بن ياسر فاعتذر إليه مما فعل به واستغفر الله منه وسأله أن لا يحقده عليه ، وقال : بحسبك من سلامتي لك ثقتي بك ، وسأله الشخوص إلى مصر ليأتيه بصحة خبر ابن أبي حذيفة ، وحق ما بلغه عنه من باطله ، وأمره أن يقوم بعذره ، ويضمن عنه العتبى لمن قدم عليه ، فلما ورد عمار مصر ( 1 ) حرض الناس على عثمان ودهاهم إلى خلعه ، وأشعلها عليه ، وقوى رأي ابن أبي حذيفة وابن أبي بكر وشجعهما على المسير إلى المدينة ، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يعلمه ما كان من عمار ، ويستأذنه في عقوبته ، فكتب إليه : بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح فأحسن جهاز عمار وأحمله إلي ، فتحرك اهل مصر وقالوا : سيرعمار ، ودب فيهم ابن أبي حذيفة ودعاهم إلى المسير فأجابوه ( 2 )
وذكر أبوعمر الكندي في امراء مصر : ان عبدالله بن سعد أمير مصر كان توجه
(هامش ) * ( 1 ) سنوفقك على ان بعث عمار إلى مصر قط لا يصح .
( 2 ) أنساب البلاذرى 5 : 49 - 51 ، تاريخ ابن كثير 7 : 157 . [ * ]
إلى عثمان لما قام الناس عليه ، فطلب أمراء الامصار فتوجه إليه في رجب سنة 35
واستناب عقبة بن عامر فوثب محمد بن أبي حذيفة على عقبة وكان يوم ذاك بمصر فأخرجه من مصر وغلب عليها ، وذلك في شوال منها ، ودعا إلى خلع عثمان ، واسعر البلاد ، وحرض على عثمان ( 1 )وأخرج من طريق الليث عن عبدالكريم الحضرمي كما في الاصابة 3 : 373
إن ابن أبي حذيفة كان يكتب الكتب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الطعن على عثمان كان يأخذ الرواحل فيحصرهاثم يأخذ الرجال الذين يريد أن يبعث بذلك معهم فيجعلهم على ظهور بيت في الحر ، فيستقبلون بوجوههم الشمس ليلوحهم تلويح المسافر ، ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة ، ثم يرسل رسلا يخبروا بقدومهم فيأمر بتلقيهم ، فإذا لقوا الناس قالوا لهم : ليس عندنا خبر ، الخبر في الكتب ، فيتلقاهم ابن أبي حذيفة و معه الناس فيقول لهم الرسل : عليكم بالمسجد فيقرأ عليهم الكتب من أمهات المؤمنين : إنا نشكوا إليكم يا أهل الاسلام كذاو كذا من الطعن على عثمان ، فيضج أهل المسجد بالبكاء والدعاء ، فلما خرج المصريون ووجهوا نحو المدينة على عثمان شيعهم محمد بن أبي حذيفة إلى عجرود ثم رجع .
قال الاميني : أترى هذا الصحابي العظيم كيف يجد ويجتهد في إطفاء هذه النائرة ولا يخاف فيما يعتقدانه في الله لومة لائم ، غير مكترث لما بهته به العثمانيون من إختلاق الكتب على أمهات المؤمنين ، وتسويد الوجوه بمواجهة الشمس ، ولم يزل على دؤبه و اجتهاده حتى قضي الامر ، وأزيحت المثلات ، وما نبزوه به من الافتعال والتزوير هو حرفة كل عاجز ، ولعله دبر في الازمنة الاخيرة كما دبرت أمثاله في كل من الثائرين على عثمان سترا على الحقائق الراهنة .
وهل من المستبعد أن تكتب في التأليب على عثمان صاحبة قول : اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا إنه قد كفر . وقائلة : وددت والله إنك " يامروان " وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وانكما في البحر . وقائلة : بعدا لنعثل و
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 109 ، الاستيعاب 1 : 233 ، الكامل لابن الاثير 3 : 67 ، الاصابة 3 : 373 . [ * ]
سحقا . وقائلة : أبعده الله ، ذلك لما قدمت يداه وماالله بظلام للعبيد . وقائلة : يا ابن عباس إن الله قد أتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية .
وهي كانت في الرعيل الاول من الثائرين على عثمان بشتى الحيل والطرق الثائرة :
هب انهم بهتوا القوم بتلكم الافائك لكن هل يسعهم إنكار تألبهم على الخليفة يومئذ ؟ وقد التزموا بعدالتهم ، والصحاح والمسانيد مشحونة بالاحتجاج بهم والاخراج عنهم ، نعم غاية ما يمكنهم من التقول الحكم بالخطأ في الاجتهاد شأن كل متقابلين في حكم شرعي ، وليس تحكمهم هذا بأرجح من رأي من يرى أنهم أصابوا في الاجتهاد وإجماع الصحابة يومئذ كان معاضد الهم ، وهم يقولون : إن أمة محمد لا تجتمع على خطأ
- 30 - حديث عمرو بن زرارة
النخعي أدرك عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال البلاذري وغيره : إن أول من دعا إلى خلع عثمان والبيعة لعلي عمرو بن زرارة ابن قيس النخعي ، وكميل بن زياد بن نهيك النخعي ، فقام عمرو بن زرارة فقال : أيها الناس إن عثمان قد ترك الحق وهو يعرفه ، وقد أغرى بصلحائكم يولي عليهم شراركم فبلغ الوليد فكتب إلى عثمان بما كان من ابن زرارة ، فكتب إليه عثمان : إن ابن زرارة أعرابي جلف فسيره إلى الشام . وشيعه إلى الاشتر والاسود بن يزيد بن قيس وعلقمة بن قيس بن يزيد وهو عم الاسود والاسود أكبر منه فقال قيس بن قهدان يومئذ :
أقسم بالله رب البيت مجتهدا * أرجو الثواب به سر او إعلانا
لاخلعن أباوهب وصاحبه * كهف الضلالة عثمان بن عفانا
وقال ابن الاثير : هو ممن سيره عثمان من أهل الكوفة إلى دمشق .
راجع الانساب للبلاذري 5 : 30 ، اسد الغابة 4 : 104 ، الاصابة 1 : 548 ، ج 2 : 536 .
قال الاميني : ليس على نظرية هذا الصحابي ستر يماط عنها ، ولا انه كان يلهج بغير المكشوف حتى يسدل عليه شئ من التمويه ، فانك لا تجد رأيه إلا في عدد آراء الصحابة جمعاء يومئذ . [ * ]
- 31 - حديث صعصعة بن صوحان سيد قومه عبدالقيس
أخرج ابن عساكر في تاريخه 6 : 424 من طريق حميد ب‍ هلال العدوي قال :
قام صعصعة إلى عثمان بن عفان وهو على المنبر فقال : يا أمير المؤمنين ملت فمالت أمتك ،
اعتدل يا أميرالمؤمنين تعتدل أمتك .
قال : وتكلم صعصعة يوما فأكثر فقال عثمان : يا أيها الناس إن هذا البجباج ، النفاج ما يدري من الله ولا أين الله . فقال : أما قولك : ما أدري من الله . فإن الله ربنا و رب آبائنا الاولين ، وأما قولك : لا أدري أين الله . فإن الله لبالمرصاد ، ثم قرأ : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير ( 1 ) . فقال عثمان : ما نزلت هذه الآية إلا في وفي أصحابنا أخرجنا من مكة بغير حق .
وذكره الزمخشري في الفائق 1 : 35 فقال : البجباج : الذي يهبر الكلام وليس لكلامه جهة ، وروي : الفجفاج . وهو الصياح المكثار . وقيل : المأفون المختال . و النفاج : الشديد الصلف .
وأو عز إليه ابن منظور في لسان العرب 3 : 32 ، وقال : البجباج من البجبجة التي تفعل عند مناغاة الصبي ، وبجباج فجفاج كثير الكلام ، والبجباج : الاحمق ، والنفاج : المتكبر .
وكذا ذكره ابن الاثير في النهاية 1 : 72 ، والزبيدي في تاج العروس 2 : 6 .
قال الاميني : هذا صعصعة الذي أسلفنا صفحة 43 من هذا الجزء ذكر عظمته و فضله وبطولته وثقته في الدين والدنيا يرى أن الخليفة مال عن الحق فمالت أمته ولو اعتدل اعتدلت ، وفي تلاوته الآية الكريمة في محاورته ايذان بالحرب ، وإنه ومن شاكله مظلومون من ناحية عثمان منصورون بالله تعالى ، فهو بذلك مستبيح لمنابذته ومناجزته ، لقد لهج صعصعة بهذه على رؤس الاشهاد والخليفة على المنبر يخطب ، فلم يسمع إنكارا أو دفاعا من أفاضل الصحابة العدول .
(هامش ) * ( 1 ) سورة الحج الاية : 39 . [ * ]
- 32 - حديث حكيم بن جبلة
العبدي الشهيد يوم الجمل
كان هذاالرجل العظيم صالحا دينا مطاعا في قومه كما وصفه أبوعمر ، وأثنى عليه المسعودي بالسيادة والزهد والنسك . كان أحد زعماء الثائرين على عثمان من أهل البصرة كما يأتي . وقال المسعودي : إن الناس لما نقموا على عثمان ما نقموا سار فيمن سار إلى المدينة حكيم بن جبلة . وقال الذهبي : كان ممن ألب على عثمان رضي الله عنه . وجاء في مقال خفاف الطائي في الحديث عن عثمان : حصره المكشوح ، وحكم فيه حكيم ، ووليه محمد وعمار ، وتجرد في أمره ثلاثة نفر : عدي بن حاتم . والاشتر النخعي . وعمرو بن الحمق . وجد في أمره رجلان : طلحة والزبير . الحديث .
وقال أبوعمر : كان ممن يعيب عثمان من أجل عبدالله بن عامر وغيره من عماله .
قال أبوعبيد : قطعت رجل حكيم يوم الجمل فأخذها ثم زحف إلى الذي قطعها . فلم يزل يضربه بها حتى قتله وقال :
يا نفس لن تراعي * دعاك خير داعي
إن قطعت كراعي * إن معي ذراعي ( 1 )
فالباحث يجد لهذا البطل الصالح الدين الزاهد الناسك قدما أي قدم في التأليب على الخليفة ، وله خطواته الواسعة في إستحلال دمه والتجمهر عليه ، وهو مع ذلك كله بعد صالح يذكر ويشكر ويثنى عليه ، ما اسودت صحيفة تاريخه بمناجزته الخليفة والوقيعة فيه ومقته والنقمة عليه ، ولم يتضعضع بها أركان صلاحه ، وما اختل بها نظام نسكه ، ولا شوهت سمعته الدينية ، ولا دنست ساحة قدسه ، وهذه كلها لا تلتئم مع كون الخليفة إمام عدل .
(هامش ) * ( 1 ) راجع كتاب صفين لابن مزاحم ص 82 ، مروج الذهب 2 : 7 ، الاستيعاب 1 : 121 ، دول الاسلام للذهبي 1 : 18 ، ابن أبي الحديد 1 : 259 . [ * ]
- 23 - حديث هشام ابن الوليد المخزومي أخي خالد
مر في ص 15 من هذا الجزء قول الرجل لعثمان لما ضرب عمارا حتى غشي عليه : يا عثمان أما علي فاتقيته وبني أبيه ، وأما نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف ، أما والله لئن مات لاقتلن به رجلا من بني أمية عظيم السرة . فقال عثمان : وانك لهاهنا يا ابن القسرية ؟ قال : فانهما قسريتان ، وكانت أمه وجدته قسريتين من بجيلة ، فشتمه عثمان وأمر به فأخرج . ولهشام أبيات في عثمان ذكرها المرزباني في معجم الشعراء كما قاله ابن حجر
في الاصابة 3 : 606 وذكر منها قوله :
لساني طويل فاحترس من شدائه * عليك وسيفي من لساني أطول
لعل الباحث لا يعزب عنه رأي هذا الصحابي العادل في الخليفة ، ولا يجده شاذا عن بقية الصحابة في إصفاقهم على مقته بعد مايراه كيف يجابه الرجل بفظاظة و خشونة ، ويقابله بالقول القارص ، ويهدده بالهجاء والقتل ، غير راع له أي حرمة وكرامة ، لا يحسب تلكم القوارص زورا من القول ، وفندا من الكلام ، بل يرى الخليفة أهلا لكل ذلك ، فهل يجتمع هذا مع كون الرجل إمام عدل عند المخزومي
- 34 - حديث معاوية ابن أبي سفيان الاموي
1 - من كتاب لامير المؤمنين إلى معاوية : فسبحان الله ما أشد لزومك للاهواء المبتدعة والحيرة المتبعة ، مع تضييع الحقائق واطراح الوثائق التي هي لله طلبة ، وعلى عباده حجة ، فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتله فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك ، وخذلته حيث كان النصر له ( 1 )
2 - ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية : فوالله ما قتل ابن عمك غيرك .
(هامش ) * ( 1 ) نهج البلاغة 2 : 62 . [ * ]
راجع ما مر من حديث امير المؤمنين .
3 - ومن كتاب له عليه السلام إلى الرجل : قد أسهبت في ذكر عثمان ، ولعمري ما قتله غيرك ، ولا خذله سواك ، ولقد تربصت به الدوائر ، وتمنيت له الاماني ، طمعا فيما ظهر منك . ودل عليه فعلك . شرح ابن ابي الحديد 3 : 411 .
4 - من كتاب لابن عباس إلى معاوية : أما ما ذكرت من سرعتنا اليك بالمساء‌ة إلى أنصار ابن عفان ، وكراهتنا لسلطان بني أمية ، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره ، حتى صرت إلى ما صرت إليه ، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان : الوليد بن عقبة .
كتاب نصر 472 ، الامامة والسياسة 1 : 96 ، شرح ابن ابي الحديد 2 : 289 .
5 - من كتاب لابن عباس إلى معاوية : وأما قولك : إني من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه ، وماجرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ، فاقسم بالله لانت المتربص بقتله ، والمحب لهلاكه ، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره ، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث ويستصرخ ، فما حفلت به حتى بعثت اليه معذرا باجرة أنت تعلم أنهم لن يتركوه حتى يقتل ، فقتل كما كنت أردت ، ثم علمت عند ذلك أن الناس لن يعدلوا بيننا وبينك فطفقت تنعي عثمان وتلزمنا دمه وتقول : قتل مظلوما . فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين . مر تمام الكتاب في صفحة 134 .
6 - روى البلاذري في الانساب قال : لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمده بعث يزيد بن أسد القسري جد خالد بن عبدالله بن يزيد أمير العراق وقال له : إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ولا تقل : الشاهد يرى ما لا يرى الغائب . فإنني أنا الشاهد وأنت الغائب ، قال : فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان ، فاستقدمه حينئذ معاوية فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان ارسل معه ، وإنما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعوا إلى نفسه .
راجع شرح ابن ابى الحديد 4 : 57 . 7 -
من خطبة لشبث بن ربعي يخاطب معاوية : انه والله لا يخفى علينا ما تغزو و ما تطلب ، إنك لم تجد شيئا تستغوي به الناس ، وتستميل به أهواء‌هم ، وتستخلص به طاعتهم ، إلا قولك : " قتل إمامكم مظلوما ، فنحن نطلب بدمه " فاستجاب له سفهاء طغام ، [ * ]
وقد علمنا قد أبطأت عنه بالنصر ، وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب . الخ
كتاب صفين لابن مز ص 210 ، تاريخ الطبري 5 : 243 ، الكامل لابن الاثير 3 : 123 ، شرح ابن ابي الحديد 1 : 342 .
8 - من كتاب لابي أيوب الانصاري جوابا لمعاوية : فما نحن وقتلة عثمان إن الذي تربص بعثمان وثبط اهل الشام عن نصرته لانت ، وإن الذين قتلوه غير الانصار .
الامامة والسياسة 1 : 93 وفي ط 81 ، شرح ابن أبي الحديد 26 281 .
9 - من كتاب لمحمد بن سلمة الانصاري جوابا لمعاوية : ولئن كنت نصرت عثمان ميتا لقد خذلته حيا ، ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والانصار أولى بالصواب .
الامامة والسياسة 1 : 87 ، شرح ابن ابي الحديد 1 : 260 .
10 - في محاورة بين معاوية وأبي الطفيل الكناني : قال معاوية : أكنت فيمن حضر قتل عثمان ؟ قال : لا ، ولكني فيمن حضر فلم ينصره ، قال : فما منعك من ذلك وقد كانت نصرته عليك واجبة قال : منعني ما منعك إذ تربصت به ريب المنون وأنت بالشام ، قال : أو ما ترى طلبي بدمه نصرة له قال : بلى ولكنك وإياه كماقال الجعدي :
لالقينك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادا
راجع ما مر في هذا الجزء ص 139
11 - لما أتى معاوية نعي عثمان وبيعة الناس عليا عليه السلام ضاق صدرا بما أتاه و تظاهر بالندم على خذلانه عثمان وقال كما في كتاب صفين ص 88 :
أتاني أمر فيه للنفس غمة * وفيه بكاء للعيون طويل
وفيه فناء شامل وخزاية * وفيه اجتداع للانوف أصيل
مصاب أمير المؤمنين وهذه * تكاد لها صم الجبال تزول
فلله عينا من رأى مثل هالك * أصيب بلاذنب وذاك جليل
تداعت عليه بالمدينة عصبة * فريقان منها قاتل وخذول
دعاهم فصموا عنه عند جوابه * وذاكم على ما في النفوس دليل
ندمت على ما كان من تبعي الهوى * وقصري ( 1 ) فيه حسرة وعويل
(هامش ) * ( 1 ) قصرى : أى حسبى يقال : قصرك : أى حسبك وكفايتك . كما يقال : قصارك وقصاراك . [ * ]
قال الاميني : إن زبدة مخض هذه الكلمات المعتضدة بعضها ببعض ان ابن هند لم يشذ عن الصحابة في أمر عثمان ، وإنما يفترق عنهم بأن أولئك كانوا مهاجمين عليه أو خاذلين له ، وأما معاوية فقد اختص بالخذلان والتخذيل اللذين كان يروقه نتاجهما حتى وقع ما كان يحبه ويتحراه ، وحتى حسب صفاء الجو ما كان يضمره من التشبث بثارات عثمان ، والظاهر بعد الاخذ بمجامع هذه النقول عن أعاظم الصحابة وبعد تصوير الحادثة نفسها من شتى المصادر : أن لخذلان معاوية أتم مدخلية في انتهاء أمر الخليفة إلى ما انتهي إليه ، والخاذل غير بعيد عن المجهز ، ومن هنا وهنا يقول له الامام عليه السلام : فوالله ما قتل ابن عمك غيرك . ويقول : ولعمري ما قتله غيرك ، ولاخذله سواك ، إلى كلمات آخرين لاتخفى عليهم نوايا الرجل ، فلو كان مستعجلا بكتائبه إلى دخول المدينة ، غير متربص قتل ابن عمه لحاموه ونصروه ، وكان مبلغ أمره عندئذ إما إلى الفوزبهم ، أو تراخي الامر إلى أن يبلغه بقية الانصار من بلاد أخرى ، فيكون النصر بهم جميعا ، لكن معاوية ما كان يريد ذلك وإنما كان مستبطى أجل الرجل ، طامعا في تقلده الخلافة من بعده ، فتركه والقوم فهو أظلم الظالمين إن كان قتل مظلوما كما قاله حبر الامة ، أو أنه من الصحابة العدول كما يحسبه القوم وهذا رأيه في الخليفة المقتول .
- 35 - حديث عثمان نفسه
دخل المغيرة بن شعبة على عثمان رضي الله عنه وهو محصور فقال : يا أمير المؤمنين
إن هؤلاء قد اجتمعوا عليك فإن أحببت فألحق بمكة ؟ وإن أحببت أن نخرق لك بابا من الدار فتلحق بالشام ؟ ففيها معاوية وأنصارك من أهل الشام ، وإن أبيت فاخرج ونخرج وتحاكم القوم إلى الله فقال عثمان : أما ما ذكرت من الخروج إلى مكة فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يلحد بمكة رجل من قريش عليه نصف عذاب هذه الامة من الانس والجن . فلن أكون ذلك الرجل إن شاء الله . الحديث .
وفي لفظ احمد:يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا إياه . [ *
وفي لفظ الخطيب : يلحد بمكة رجل من قريش عليه نصف عذاب الامة فلن أكونه .
وفي لفظ الحلبي : إن ابن الزبير لما قال لعثمان رضي الله عنه وهو محاصر : إن عندي نجائب أعددتها لك فهل لك أن تنجو إلى مكة ؟ فانهم لا يستحلونك بها ، قال له عثمان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يلحد رجل في الحرم من قريش أو بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا .
راجع مسند الحرم 1 : 67 ، رجال إسناده كلهم ثقات ، الامامة والسياسة لابن قتيبة ص 35 ، تاريخ الخطيب 14 ، 272 ، الرياض النضرة 2 : 129 ، تاريخ ابن كثير 7 : 210 ،
مجمع الزوائد 7 : 230 قال : ورواه احمد ورجاله ثقات وله طرق ، الصواعق ص 66 ،
تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 109 ، السيرة الحلبية 1 : 188 ، تاريخ الخميس 2 : 263 ،
إزالة الخفا 2 : 243 .
(الانسان على نفسه بصيرة )
تعطينا هذه الرواية أن ثقة عثمان بانطباق ما ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرجل الملحد بمكة على نفسه من جراء ما علم أنه مرتكبه من الاعمال أشد وأكثر من ثقته يايمانه بما رووه له من البشارة بالجنة في العشرة المبشرة إلى فضايل أخرى صنعتها له أيدي الولاء والمحبة ، على أن هذه كلها نصوص فيه ، وأما ما خشي إنطباقه عليه فهو وارد في رجل مجهول إستقرب الخليفة أن يكونه هو ، فامتنع عن الانفلات إلى مكة وآثر عليه بقاء‌ه في الحصار حتي اودي به ، ولم يكن يعلم أنه يقتل بمكة لو خرج اليها ، وعلى فرض قتله بها فمن ذا الذي أخبره انه يكون هو ذلك الرجل كيف يخاف عثمان أن يكون هو ذلك الرجل وقد اشترى الجنة من النبي صلى الله عليه وآله مرتين بيع الحق : حيث حفر بير رومة ، وحيث جهزجيش العسرة ( 1 )كيف يخاف عثمان وقد عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يقتل ويبعث يوم القيامة
(هامش ) * ( 1 ) اخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 107 وصححه غير ممعن نظره في اسناده وعقبه الذهبى بتضعيف عيسى بن المسيب من رجال اسناده وقال : ضعفه ابوداود وغيره . [ *
أميرا على كل مخذول ، يغبطه أهل المشرق والمغرب ، ويشفع في عدد ربيعة ومضر( 1)
كيف يخاف عثمان وقدسمع وصية رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمته به بقوله : عليكم
بالامير وأصحابه . وأشارالى عثمان كيف يخاف وقد أخبر صلى الله عليه واله وسلم عن شأنه في الجنة لماسئل : أفي الجنة برق ؟ فقال : نعم والذي نفسي بيده إن عثمان ليتحول من منزل إلى منزل فتبرق له الجنة ؟ ( 2 )
كيف يخاف عثمان وقد قال صلى الله عليه واله وسلم بمشهد منه ومسمع : ليس من نبي إلاوله
رفيق من أمته معه في الجنة وإن عثمان رفيقي ومعي في الجنة ( 3)
كيف يخاف عثمان وقد قال له صلى الله عليه واله وسلم معتنقا إياه : أنت وليي في الدنيا والآخرة . أو قال : هذا جليسي في الدنيا ووليي في الآخرة ؟ ( 4 )
كيف يخاف عثمان بعد ماجاء عن جابران النبي صلى الله عليه واله وسلم ما صعد المنبر فنزل حتى قال : عثمان في الجنة ( 5 )
نعم : للباحث أن يجيب بأن هذه كلها أباطيل وأكاذيب لا يصح شئ منها فماذنب عثمان ؟ وكيف لايخاف والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ؟ .
قريض ايؤ كد ما سبق
ذكر البلاذري في الانساب 5 : 105 للاعور الشني بشر بن منقذ يكنى أبا منقذ أحد بني شن بن أقصى كان مع أميرالمؤمنين يوم الجمل ، ترجمه المرزباني في معجم الشعراء ص 39 قوله :
بكت عين من يبكي ابن عفان بعد ما * نفى ورق الفرقان كل مكان
ثوى تاركا للحق متبع الهوى * وأورث حربا حشها بطعان
برئت إلى الرحمان من دين نعثل * ودين ابن صخر أيها الرجلان
(هامش ) * ( 1 ) سيوافيك الحديث باسناده ومتنه كملا .
( 2 ) راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا ص 313 ط 2 .
( 3 ) سيأتيك الحديث باسناده وانه باطل .
( 4 ) سنوقفك في هذا الجزء على انه باطل لايصح .
( 5 ) من اكاذيب جاء بها محب الطبرى في رياضه 2 : 104 . [ * ]
ويقال : ابن الغريرة النهشلي ، ويقال : الحباب بن يزيد المجاشعي ( 1 ) :
وقال علي بن الغدير المضرس الغنوي ، ويقال : إهاب بن همام بن صعصعة المجاشعي ،
لعمر أبيك فلا تكذبي * لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد فتن الناس في دينهم * وخلى ابن عفان شرا طويلا
أعاذل كل امرئ هالك * فسيري إلى الله سيرا جميلا
راجع الانساب 5 : 104 ، تاريخ الطبري 5 : 152 ، الاستيعاب : 2 : 480 ، تفسير ابن كثير 1 : 143 .
وأخرج نصربن مزاحم في كتاب صفين ص 435 من رجزهمام بن الاغفل يوم صفين قوله :
قد قرت العين من الفساق * ومن رؤس الكفر والنفاق
إذ ظهرت كتائب العراق * نحن قتلنا صاحب المراق
وقائد البغاة والشقاق * عثمان يوم الدار والاحراق ( 2 )
لما لففنا ساقهم بساق * بالطعن والضرب مع العناق
وقال محمد بن أبي سبرة بن أبي زهير القرشي كما في كتاب صفين ص 436 .
نحن قتلنا نعثلا بالسيره * إذ صد عن أعلامنا المنيره
يحكم بالجور على العشيره * نحن قتلنا قبله المغيره ( 2 )
نالته أرماح لنا موتوره * إنا اناس ثابتو البصيره
وقال الفضل بن العباس مجيبا الوليد بن عقبة بن أبي معيط عن أبيات له :
أتطلب ثأرا لست منه ولاله * وأين ابن ذكوان الصفوري من عمرو
كما اتصلت بنت الحمار بأمها * وتنسى أباها إذ تسامي أولي الفخر
ألا إن خير الناس بعد محمد * وصي النبي المصطفى عند ذي الذكر
وأول من صلى وصنو نبيه * وأول من أردى الغواة لدى بدر
(هامش ) * ( 1 ) في تاريخ ابن عساكر 3 . 258 : الحتات بن يزيد .
( 2 ) اشارة إلى احراق باب دار عثمان كمامر حديثه ويأتى
( 3 ) هوالمغيرة بن الاخنس المقتول يوم الدار مع عثمان كما يأتى حديثه . [ * ]
فلو رأت الانصار ظلم ابن عمكم * لكانوا له من ظلمه حاضري النصر
كفى ذاك عيبا أن يشيروا بقتله * وأن يسلموه للا حابيش من مصر
" تاريخ الطبري 5 : 151 "
نادى عمرو بن العاص يوم صفين بأعلى صوته :
يا أيها الجند الصليب الايمان * قوموا قياما واستعينوا الرحمن
إني أتاني خبر ذو ألوان ( 1 ) * : إن عليا قتل ابن عفان
ردا علينا شيخنا كما كان
فرد عليه أهل العراق وقالوا :
أبت سيوف مذحج وهمدان * بأن ترد نعثلا كما كان
خلقا جديدا مثل خلق الرحمن * ذلك شأن قد مضى وذا شان
ثم نادى عمرو بن العاص ثانية برفع صوته :
ردوا علينا شيخنا ثم بجل * أو لاتكونوا حرزا من الاسل ( 2 )
فرد عليه أهل العراق :
كيف نرد نعثلا وقد قحل * نحن ضربنا رأسه حتى انجفل ( 3 )
وأبدل الله به خير بدل * أعلم بالدين وأزكى بالعمل ( 4 )
شد الاشتر مالك بن الحارث يوم صفين على محمد بن روضة وهو يقول :
لايبعدالله سوى عثمانا * وأنزل الله بكم هوانا
ولا يسلي عنكم الاحزانا * مخالف قد خالف الرحمانا
نصرتموه عابدا شيطانا ( 5 )
(هامش ) * ( 1 ) في كتاب نصر : فأشجان .
( 2 ) في كتاب صفيين : جزرا من الاسل . الجزر : قطع اللحم تأكله السباع . الاسل : الرماح
( 3 ) قحل : يبس فهو قاحل . انجفل : انقلب وسقط .
( 4 ) كتاب صفين ص 256 ، 257 ، 454 ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 482 ، لسان العرب
14 : 70 ، تاج العروس 8 : 77 .
( 5 ) كتاب صفين ص 199 ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 330 . حذف منها الشطرين الاخيرين . [ * ]
- 36 - حديث المهاجرين والانصار
1 - من كتاب كتبه مولانا أمير المؤمنين إلى معاوية : زعمت أنك إنما أفسد
عليك بيعتي خفري بعثمان ، ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا
وأصدرت كما أصدروا ، وما كان الله ليجمعهم على ضلال ، ولا ليضربهم بالعمى ، وما أمرت
فلزمتني خطيئة الامر ، ولا قتلت فأخاف على نفسي قصاص القاتل ( 1 )
2 - روى البلاذري عن المدائني عن عبدالله بن فائد إنه قال : نظر ثابت بن عبدالله بن الزبير إلى أهل الشام فقال : إني لابغضهم . فقال سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان : تبغضهم لانهم قتلوا أباك . قال : صدقت ، قتل أبي علوج الشام وجفاته وقتل جدك المهاجرون والانصار . أنساب البلاذري 5 : 195 ، 372 .
3 - قال ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 : 92 : ذكروا أن أبا هريرة وأباالدرداء قدما على معاوية من حمص وهو بصفين فوعظاه وقالا : يا معاوية علام تقاتل عليا وهو أحق بهذا الامر منك في الفضل والسابقة ، لانه رجل من المهاجرين الاولين السابقين بالاحسان ، وأنت طليق وأبوك من الاحزاب ، أما والله ما نقول لك أن تكون العراق أحب إلينا من الشام ولكن البقاء أحب إلينا من الفناء ، والصلاح أحب إلينا من الفساد فقال : لست أزعم إني أولى بهذا الامر من علي ولكني أقاتله حتى يدفع إلي قتلة عثمان فقالا : إذا دفعهم إليك ماذا يكون قال : أكون رجلا من المسلمين : فأتيا عليا
فإن دفع اليكما قتلة عثمان جعلتها شورى . فقدما على عسكر علي فأتاهما الاشتر فقال يا هذان انه لم ينزلكما الشام حب معاوية ، وقد زعمتما انه يطلب قتلة عثمان فعمن أخذتما ذلك ؟ فقبلتماه ، أعمن قتله فصدقتموهم على الذنب كما صدقتموهم على القتل أم عمن نصره فلا شهادة لمن جر إلى نفسه ، أم عمن إعتزل ؟ إذ علموا ذنب عثمان وقد علموا ما الحكم في قتله ، أو عن معاوية ؟ وقد زعم أن عليا قتله ، إتقيا الله فإنا شهدنا وغبتما ، ونحن الحكام على من غاب . فانصرفا ذلك اليوم .
( هامش ) * ( 1 ) الامامة والسياسة 1 : 87 ، العقد الفريد 2 : 284 ، الكامل للمبرد 1 : 157 ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 252 . [ * ]
فلما أصبحا أتيا عليا فقالا له : إن لك فضلا لايدفع ، وقد سرت مسير فتى إلى سفيه من السفهاء ، ومعاوية يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان فإن فعلت ثم قاتلك كنا معك قال علي : أتعرفانهم قالا . نعم . قال : فخذاهم فأتيا محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر والاشتر فقالا : أنتم من قتلة عثمان وقد أمرنا بأخذكم . فخرج إليهما أكثر من عشرة آلاف رجل فقالوا : نحن قتلنا عثمان . فقالا : نرى أمرا شديدا أليس عليا الرجل .
فانصرف أبوهريرة وأبوالدرداء إلى منزلهما بحمص فلما قدما حمص لقيهما عبدالرحمن ابن عثمان وسأل عن مسيرهما فقصا عليه القصة فقال : العجب منكما إنكما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما والله لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما ، أتأتيان عليا و تطلبان إليه قتلة عثمان ؟ وقد علمتما أن المهاجرين والانصار لوحرموا دم عثمان نصروه ، وبايعوا عليا على قتلته ، فهل فعلوا وأعجب من ذلك رغبتكما عما صنعوا ، و قولكما لعلي : إجعلها شورى واخلعها من عنقك ، وإنكما لتعلمان أن من رضي بعلي خير ممن كرهه ، وإن من بايعه خير ممن لم يبايعه ، ثم صرتما رسولي رجل من الطلقاء لا تحل له الخلافة . ففشى قوله وقولهما فهم معاوية بقتله ، ثم راقب فيه عشيرته .
وفي لفظ ابن مزاحم في كتاب صفين ص 213 ، خرج أبوامامة الباهلي وأبو الدرداء فدخلا على معاوية وكانا معه فقالا : يا معاوية ! علام تقاتل هذا الرجل فوالله لهو أقدم منك سلما ، وأحق بهذا الامر منك ، وأقرب من النبي صلى الله عليه واله وسلم ، فعلام تقاتله
فقال : أقاتله على دم عثمان ، وانه آوى قتلته فقولوا له : فليقدنا من قتلته فأنا أول من بايعه من أهل الشام ، فانطلقوا إلى علي فأخبروه بقول معاوية فقال : هم الذين ترون فخرج عشرون ألفا أو أكثر مسربلين في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقالوا : كلنا قتله فإن شاء‌وا فليروموا ذلك منا
4 - مر في صفحة 139 من حديث أبي الطفيل قول معاوية له : أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين قال : لا ، ولكن ممن شهده فلم ينصره ، قال : ولم ؟ قال : لم ينصره المهاجرون والانصار . الحديث فراجع .
5 - قال شعبة : ما رأيت رجلا أوقع في رجال أهل المدينة من القاضي أبي إسحاق سعد " بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف المدني الزهري المتوفى سنة 125 " ماكنت [ * ] أرفع له رجلا منهم إلا كذبه فقلت له في ذلك فقال : إن أهل المدينة قتلوا عثمان .
تاريخ ابن عساكر 6 .
6 - ذكر ابن عساكر في تاريخه 7 : 319 قال : كان أبومسلم الخولاني التابعي في المدينة فسمع مكفوفا يقول : أللهم العن عثمان وما ولد . فقال : يا مكفوف ! ألعثمان تقول هذا يا أهل المدينة كنتم بين قاتل وخاذل فكلا جزى الله شرا ، يا أهل المدينة لانتم شر من ثمود ، إن ثمود قتلوا ناقة الله وأنتم قتلتم خليفة الله ، وخليفة الله أكرم عليه من ناقته .
قال الاميني : غايتنا الوحيدة في نقل هذا الحديث ايقاف الباحث على موقف الصحابة من أهل المدينة وانهم كانوا بين قاتل وخاذل ، وأما رأي أبي مسلم الخولاني فيهم فتعرف جوابه من قول الاشتر قبيل هذا .
7 - قال الواقدي في إسناده : لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله ، وما الناس فيه من عماله ويكثرون عليه ويسأل بعضهم أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد ، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع عن عثمان ولاينكر ما يقال فيه إلا زيد ابن ثابت ، وأبوأسيد الساعدي ، وكعب بن مالك ، وحسان بن ثابت الانصاري ، فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان ويعظه ؟ فأتاه فقال له إن الناس ورائي قد كلموني في أمرك ، ووالله ما أدري ما أقول لك ، ما اعرفك شيئا تجهله ، ولا أدلك على أمر لاتعرفه ، وإنك لتعلم ما نعلم ، وما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه ، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت ورأيت مثل ما سمعنا ورأينا ، وما ابن أبي قحافة وابن الخطاب بأولى بالحق منك ، ولانت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحما ، ولقد نلت من صهره ما لم ينالا ، فالله الله في نفسك ، فإنك لا تبصر من عمى ، ولا تعلم من جهل ،
فقال له عثمان : والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عتبت عليك إن وصلت رحما ( 1 ) وسددت خلة ، وآويت ضائعا ، ووليت من كان عمر يوليه ، نشدتك الله ألم
(هامش ) * ( 1 ) انظر إلى الرجل يحسب كلمته هذه تبرر اعماله الشاذة عن الكتاب والسنة وتجعل اعطياته لابناء امية من الغنائم والصدقات صلة للرحم ، ودفعه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى رجال الفتن والثورات المدلهمة سدا للخلة ، ورد الحكم وابناؤه مطرودى النبى الاعظم إلى المدينة ايواء للضايع ، دع هو وحسبانه ، لكن العجب كل العجب انه يروم افحام مثل اميرالمؤمنين عليه السلام بهذه الخزعبلات . [ * ]
يول عمر المغيرة بن شعبة ؟ وليس هناك . قال : نعم . قال : فلم تلومني إن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته ؟ قال علي : سأخبرك أن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فانما يطأ على صماخه ، إن بلغه عنه حرف جلبه ، ثم بلغ به أقصى الغاية ، وأنت لا تفعل ، ضعفت ورفقت على أقربائك ، قال عثمان : هم أقر باؤك ايضا . فقال علي :
لعمري إن رحمهم مني لقريبة ولكن الفضل في غيرهم . قال : أو لم يول عمر معاوية
فقال علي : إن معاوية كان أشد خوفا وطاعة لعمر من يرفاء وهو الآن يبتز الامور دونك وأنت تعلمها ويقول للناس : هذا أمر عثمان . ويبلغك فلا تغير على معاوية .
راجع الانساب للبلاذري 5 : 60 ، تاريخ الطبري 5 : 97 ، الكامل لابن الاثير 3 : 63 ، تاريخ ابي الفداج 1 : 168 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 391 .
8 - أخرج ابن سعد في طبقاته 3 : 47 ط ليدن عن مجاهد قال : أشرف عثمان على الذين حاصروه فقال : يا قوم لا تقتلوني فاني وال وأخ مسلم - إلى أن قال - : فلما أتوه قال : أللهم احصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، قال مجاهد : فقتل الله منهم من قتل في الفتنة ، وبعث يزيد إلى المدينة عشرين ألفا فأباحوا المدينة ثلاثا يصنعون ماشاء‌وا لمداهنتهم .
وقال حسان بن ثابت فيمن تخلف عن عثمان وخذله عن الانصار وغيرهم وأعانه على قتله من أبيات له :
خذلته الانصار إذ حضر المو - ت وكانت ولاته الانصار
من عذيري من الزبير ومن طلحة إذ جاء أمر له مقدار ( 1 )
فتولى محمد بن أبي بكر * عيانا وخلفه عمار
وعلي في بيته يسأل النا - س ابتداء وعنده الاخبار
باسطا للذي يريد يديه * وعليه سكينة ووقار ( 2 )
وقال حميد بن ثور أبوالمثنى الهلالي في قتل عثمان كما في تاريخ ابن عساكر 4 : 458 .
(هامش ) * ( 1 ) في العقد الفريد :
من عذيرى من الزبير ومن طلحة هاجا أمرا له اعصار
( 2 ) مروج الذهب 1 : 442 ، العقد الفريد 2 : 267 . [ * ]
إن الخلافة لما أظعنت ظعنت * من أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا
صارت إلى أهلها منهم ووارثها * لمارأى الله في عثمان ما انتهكوا
السافكي دمه ظلما ومعصية * أي دم لاهدوا من غيهم سفكوا
والهاتكي ستر ذي حق ومحرمة * فأي شر على أشياعهم هتكوا
والخيل عابسة نضج الدماء بها * تنعى ابن أروى على أبطالها الشكك
من كل أبيض هندي وسابغة * تغشى البنان لها من نسجها حبك
قد نال جلهم حصر بمحصرة * ونال فتاكهم فتك بما فتكوا
قرت بذاك عيون واشتفين به * وقد تقر بعين الثائر الدرك
37 ـ كتاب أهل المدينة إلى الصحابة في الثغور
أخرج الطبري من طريق عبدالرحمن بن يسار انه قال : لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما بالآفاق منهم وكانوا قد تفرقوا في الثغور :
إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزوجل تطلبون دين محمد صلى الله عليه وسلم فإن دين محمد قد أفسده من خلفكم وترك ، فهلموا فأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي لفظ ابن الاثير : فإن دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه . وفي لفظ ابن أبي الحديد : قد أفسده خليفتكم فاخلعوه ، فاختلفت عليه القلوب . فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه ( 1 )
وأخرج من طريق محمد بن مسلمة قال : لما كانت سنة 34 كتب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله ويسأل بعضهم بعضا : أن أقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد ، وكثر الناس على عثمان ، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد ، وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون ليس فيهم أحد بنهى ولا يذب إلانفير : زيد بن ثابت ، وأبوأسيد الساعدي ، وكعب بن مالك ، وحسان بن ثابت ، فاجتمع الماجرون وغيرهم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان ويعظه فأتاه فقال له : إن الناس ورائي . إلى آخر مامر في ص 74 .
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 115 ، الكامل لابن الاثير 5 : 70 ،
شرح ابن ابى الحديد 1 : 165 . [ * ]
- 38 - كتاب المهاجرين إلى مصر
بسم الله الرحمن الرحيم
من المهاجرين الاولين وبقية الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين .
أما بعد : أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها ، فإن كتاب الله قد بدل ، وسنة رسول الله قد غيرت ، وأحكام الخليفتين قد بدلت ، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان إلا أقبل إلينا وأخذ الحق لنا وأعطاناه ، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم وفارقكم عليه الخلفاء ، غلبنا على حقنا ، واستولى على فيئنا ، حيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة وهي اليوم ملك عضوض من غلب على شئ أكله ( 1 )
- 39 - كتاب اهل المدينة إلى عثمان
أخرج الطبري في تاريخه 5 : 116 من طريق عبدالله بن الزبير عن أبيه قال :
كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له بالله لايمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه ، أو يعطيهم ما يلزمه من الله ، فلما خاف القتل شاور نصحاء‌ه و أهل بيته . إلى آخر مايأتي .
(هامش ) * ( 1 ) الامامة والسياسة 1 : 32 . [ * ]
الاجماع والخليفه
تعلمنا هذه الاحاديث المتضافرة الواردة عن آحاد الصحابة من المهاجرين و الانصار أو عامة الفريقين ، أو عن جامعة الصحابة البالغة مائتين حديثا انه لم يشذ عن النقمة على عثمان منهم أحد ما خلا أربعة وهم : زيد بن ثابت ، وحسان بن ثابت ، و كعب بن مالك ، وأسيد الساعدي . فمن مجهز عليه إلى محبذ لعمله ، إلى محرض على قتله ، إلى ناشر لاحداثه ، إلى مؤلب عليه يسعى في إفساد أمره ، إلى متجاسر عليه بالوقيعة فيه ، إلى مناقد في فعاله يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ، إلى خاذل له بترك نصرته لا يرى هنالك في الناقمين الثائرين عليه منكرا ينهي عنه ، أوفي جانب الخليفة حقا يتحيز إليه ، وهم كمامر في ص 157 عن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام : ما كان الله ليجمعهم على ضلال ، ولاليضربهم بالعمى . فكان ذلك إجماعا منهم أثبت من إجماعهم على نصب الخليفة في الصدر الاول ، فإن كانت فيه حجة فهي في المقامين إن لم تكن في المقام الثاني أولى بالاتباع .
ومن أمعن النظر فيمامر ويأتي من النصوص الواردة عن
1 ـ مولانا أميرالمؤمنين و
2 - عائشة أم المؤمنين . و
3 - عبدالرحمن بن عوف . أحد العشرة المبشرة ورجالات الشورى . و
4 - طلحة بن عبدالله . أحد العشرة المبشرة . و
5 - الزبير بن العوام . أحد العشرة المبشرة . و
6 - عبدالله بن مسعود صاحب سر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم . " بدري " و
7 - عمار جلدة مابين عيني النبي ، النازل فيه القرآن " بدري " و
8 - المقداد بن أبي الاسود ، الممدوح بلسان النبي الطاهر . " بدري " و
9 - حجر بن عدي الكوفي الصالح الناسك . و
10 - هاشم المرقال الذي كان من الفضلاء الخيار كما في " الاستيعاب " . و
11 - جهجاه بن سعيد الغفاري ، من رجالات بيعة الشجرة . و
12 - سهل بن حنيف الانصاري " بدري " . و
13 - رفاعة بن رافع الانصاري " بدري " و
14 - حجاج بن غزية الانصاري . و
15 - أبي أيوب الانصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم " بدري " . و
16 - قيس بن سعد الانصاري ، أمير الخزرج الصالح " بدري " . و
17 - فروة بن عمرو البياضي الانصاري " بدري " . و
18 - محمد بن عمرو بن حزم الانصاري " بدري " . و
19 - جابر بن عبدالله الانصاري . و
20 - جبلة بن عمرو الساعدي الانصاري " بدري " . و
21 - محمد بن مسلمة الانصاري " بدري " . و
22 - عبدالله بن عباس حبرالامة . و
23 - عمرو بن العاصي . و
24 - عامر بن واثلة أبي الطفيل الكناني الليثى . و
25 - سعد بن أبي وقاص . أحد العشرة المبشرة . و
26 - مالك بن الحارث الاشتر . وهل موجود كمالك ؟ قاله أميرالمؤمنين . و
27 - عبدالله بن عكيم . و
28 - محمد بن أبي حذيفة العبشمي . و
29 - عمرو بن زرارة بن قيس النخعي . و
30 - صعصعة بن صوحان ، سيد عبدالقيس . و
31 - حكيم بن جبلة العبدي الشهيد يوم الجمل . و
32 - هشام بن الوليد المخزومي . و
33 - معاوية بن أبي سفيان . و
34 - زيد بن صوحان ، من الخيار الابرار كما في الحديث . و
35 - عمرو بن الحمق الخزاعي المشرف بدعاء النبي صلى الله عليه واله وسلم . و
36 - عدي بن حاتم الطائي الصحابي العظيم . و
37 - عروة بن السعد الصحابي . و
38 - عبدالرحمن بن حسان العنزي الكوفي . و
39 - محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة . الممدوح بلسان مولانا أمير المؤمنين . و
40 - كميل بن زياد النخعي . و
41 - عائذ بن حملة الطهوي التميمي . و
42 - جندب بن الزهير الازدي . و
43 - الارقم بن عبدالله الكندي . و
44 - شريك بن شداد الخضرمي . و
45 - قبيصة بن ضبيعة العبسي . و
46 - كريم بن عفيف الخثعمي العامري . و
47 - عاصم بن عوف البجلي . و
48 - ورقاء بن سمي البجلي . و
49 - كدام بن حيان العنزي . و
50 - صيفي بن فسيل الشيباني . و
51 - محزر بن شهاب التميمي المنقري .
52 - عبدالله بن حوية السعدي التميمي .
53 - عتبة بن الاخنس السعدي . و
54 - سعيد بن نمران الهمداني . و
55 - ثابت بن قيس النخعي . و
56 - أصعر بن قيس الحارثي . و
57 - يزيد بن المكفكف النخعي . و
58 - الحارث بن عبدالله الاعور الهمداني . و
59 - الفضل بن العباس الهاشمي . و
60 - عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي . و
61 - زياد بن النضر الحارثي . و
62 - عبدالله الاصم العامري . و
63 - عمرو بن الاهتم نزيل الكوفة . و
64 - ذريح بن عباد العبدي . و
65 - بشربن شريح القيسي . و
66 - سودان بن حمران السكوني . و
67 - عبدالرحمن بن عديس أبي محمد البلوي . و
68 - عروة بن شييم ابن البياع الكناني الليثي . و
69 - كنانة بن بشر السكوني التجيبي . و
70 - الغافقي بن حرب العكي . و
71 - كعب بن عبده ، الزاهد الناسك . و
72 - مثنى بن مخربة العبدي . و
73 - عامر بن بكير بن عبد ياليل الليثي الكناني " بدري " . و
74 - عبيدبن رفا عة بن رافع الزرقي . و
75 - عبدالرحمن بن عبدالله الجمحي . و
76 - مسلم بن كريب القابضي الهمداني . و
77 - عمرو بن عبيد الحارثي الهمداني . و
78 - عمرو بن حزم الانصاري . و
79 - عمير بن ضابئ التميمي البرجمي . و
80 - أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي .
إلى نظرائهم ممن مر حديثه أو يأتي في هذا الجزء يزداد بصيرة في إنعقاد هذا الاجماع الذي لا محيد عن مؤداه ، ولا منتدح عن الجري معه ، ولا محيص عن أخذه حجة قاطعة ، وكيف لا ؟ وفيهم عمد الصحابة ودعائمها ، وعظماء الملة وأعضادها ، وذوو الرأي والتقوى والصلاح من البدريين وغيرهم ، وفيهم : أم المؤمنين وغير واحد من العشرة المبشرة ، ورجال الشورى ، فاذا لم يحتج بإجماع مثله لا يحتج بأي اجماع قط ، و لو جاء‌ت عن أحد من هؤلاء كلمة واحدة في حق أي إنسان مدحا أو ذما لاتخذوه حجة دامغه ، فكيف بهم وقد اجتمعوا على كلمة واحدة .
وبهذه كلها تظهر قيمة الكلم التافهة التي جاء بها القوم لاغراء الدهماء بالجهل أمثال ما في تاريخ ابن كثير 8 : 12 من قوله : قال أيوب والدار قطني : من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والانصار . وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح . اه‍ .
إقرأ واضحك أو إبك . فمن قدم عثمان على أي موحد أسلم وجهه لله وهو مؤمن بعد هذا الاجماع والمتسالم عليه فضلا عن مولى المؤمنين علي صلوات الله عليه فقد أزرى بالمهاجرين والانصار ، والصحابة الاولين والتابعين لهم بإحسان . لقد جاء‌ك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين
- 40 - قصة الحصار الاول
الاجتماع على عثمان من أهل الامصار : المدينة . الكوفة . البصرة . مصر
أخرج البلاذري وغيره بالاسناد : إلتقى أهل الامصارالثلاثة : الكوفة والبصرة ومصر في المسجد الحرام قبل مقتل عثمان بعام ، وكان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة ، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخربة العبدي ، ورئيس أهل مصر كنانة بن بشر بن عتاب ابن عوف السكوني ثم التجيبي ، فتذاكروا سيرة عثمان وتبديله وتركه الوفاء بما أعطى من نفسه وعاهد الله عليه ، وقالوا : لا يسعنا الرضى بهذا ، فاجتمع رأيهم على أن يرجع كل واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصره فيكون رسول من شهد مكة من أهل الخلاف على عثمان إلى من كان على مثل رأيهم من أهل بلده ، وأن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره فيستمعوه ، فإن أعتب ، وإلا رأوا رأيهم فيه ففعلوا ذلك . فلما حضر الوقت خرج الاشتر مع أهل الكوفة إلى المدينة في مائتين ، وقال ابن قتيبة : أقبل الاشتر من الكوفة في ألف رجل في أربع رفاق ، وكان أمراؤهم هو وزيد بن صوحان العبدي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبدالله بن الاصم العامري ، و علي الجميع عمرو بن الاهتم . وخرج حكيم بن جبلة العبدي في مائة من أهل البصرة ولحق به بعد ذلك خمسون فكان في مائة وخمسين وفيهم : ذريح بن عباد العبدي ، وبشر بن شريح القيسي ، وابن المحرش - ابن المحترش - وقال ابن خلدون : وكلهم في مثل عدد أهل مصر في أربع رايات . وجاء أهل مصر وهم أربع مائة ، ويقال : خمس مائة ، ويقال : سبع مائة ، ويقال : ست مائة ، ويقال : ألف ، وفي شرح ابن أبي الحديد : كانوا ألفين . وكان فيهم : محمد بن أبي بكر ، وسودان بن حمران السكوني ، وميسرة - ويقال قتيرة - السكوني ، وعمرو ابن الحمق الخزاعي وكان من رؤسهم وعليهم أمراء أربعة :
1 - عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي . على ربع
2 - عبدالرحمن بن عديس أبومحمد البلوي . على ربع
3 - عروة بن شييم بن البياع الكناني الليثي . " "
4 - كنانة بن بشر السكوني التجيبي . " "
وعليهم جميعا : الغافقي بن حرب العكي ، وكان يصلي بالناس في أيام الحصار ،
قال الطبري : كان جماع أمرهم جميعا إلى عمرو بن بديل الخزاعي ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلى عبدالرحمن بن عديس التجيبي فلما أتوا المدينة أتوا دار عثمان ، ووثب معهم رجال من أهل المدينة من المهاجرين والانصار منهم : عمار بن ياسر العبسي وكان بدريا ، ورفاعة بن رافع الانصاري وكان بدريا ، والحجاج بن غزية وكانت له صحبة ، وعامر بن بكير وكان بدريا أحد بني كنانة .
وفي كتاب لنائلة امرأة عثمان إلى معاوية في رواية ابن عبد ربه : وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى علي ومحمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر وطلحة والزبير فأمروهم بقتله ، وكان معهم من القبائل خزاعة ، وسعد بن بكر ، وهذيل ، وطوائف من جهينة و مزينة وأنباط يثرب ، وهؤلاء كانوا أشد الناس عليه .
وفي حديث سعيد بن المسيب في الانساب والعقد الفريد وغيرهما : وقد كانت من عثمان قبل هنات إلى عبدالله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر : فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لابي ذر ما فيها ، وحنقت بنو مخزوم لحال عمار بن ياسر .
وفي لفظ المسعودي : وفي الناس بنو زهرة لاجل عبدالله بن مسعود ، لانه كان من أحلافها ، وهذيل لانه كان منها ، وبنو مخزوم وأحلافها لعمار ، وغفار وأحلافها لاجل أبي ذر ، وتيم بن مرة مع محمد بن أبي بكر ، وغير هؤلاء ممن لا يحمل ذكره كتابنا . فحصروا عثمان الحصار الاول
(هامش ) * ( 1 ) راجع طبقات ابن سعد ط ليدن 3 : 49 ، الانساب للبلاذرى 5 : 6 2 ، 59 ، الامامة و السياسة 1 : 34 ، المعارف لابن قتيبة ص 84 ، تاريخ الطبرى 5 : 116 ، مروج الذهب 1 : 441 ، العقد الفريد 2 : 262 ، 269 ، ألرياض النضرة 2 : 123 ، 124 ، الكامل لابن الاثير 3 : 66 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 393 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 102 ، تاريخ ابن كثير 7 : 170 ، 174 ، حياة الحيوان للدميرى 1 : 53 ، الاصابة 2 : 411 ،
الصواعق ص 69 ، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 106 ، تاريخ الخميس 2 : 259 .
كتاب المصريين إلى عثمان
أخرج الطبري في تاريخه 5 ص 116 من طريق عبدالله بن الزبير عن أبيه قال :
كتب أهل مصر بالسقيا ( 1 ) أو بذي خشب ( 2 ) إلى عثمان بكتاب فجاء به رجل منهم ، حتى دخل به عليه فلم يرد عليه شيئا فأمر به فأخرج من الدار ، وكان فيما كتبوا اليه :
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد : فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فاالله الله ثم الله الله ، فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة ، ولا تلبس ( 3 ) نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا ، واعلم أناوالله لله نغضب وفي الله نرضي ، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصر أو ضلالة مجلحة مبلجة ، فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك . والسلام .
عهد الخليفة على نفسه
أن يعمل بالكتاب والسنة وذلك في سنة 35 ه‍
أخرج البلاذري من رواية أبي مخنف في الانساب 5 : 62 : ان المصريين وردوا المدينة فأحاطواو غيرهم بدار عثمان في المرة الاولى " إلى أن قال " : وأتى المغيرة بن شعبة فقال له : دعني آت القوم فأنظر ما يريدون ، فمضى نحوهم فلما دنا منهم صاحوا به : يا أعور وراء‌ك ، يا فاجر وراء‌ك ، يافاسق وراء‌ك . فرجع ، ودعا عثمان عمرو بن العاص فقال له : ائت القوم فادعهم إلى كتاب الله والعتبى مما ساء‌هم . فلما دنا منهم سلم فقالوا
(هامش ) * ( 1 ) من أسافل أودية تهامة .
( 2 ) واد على مسيرة ليلة من المدينة كما مر .
( 3 ) كذا ولعله : لا تنس نصيبك ، أخذا من القرآن الكريم . [ * ]
لا سلم الله عليك ، ارجع يا عدوالله راجع ياابن النابغة فلست عندنا بأمين ولامأمون فقال له ابن عمر وغيره : ليس لهم إلا علي بن أبي طالب فلما أتاه قال : يا أبا الحسن ائت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه . قال : نعم إن أعطيتني عهدالله وميثاقه على إنك تفي لهم بكل ما أضمنه عنك ، قال : نعم . فأخذ علي عليه عهد الله وميثاقه على أوكد ما يكون وأغلظ وخرج إلى القوم فقالوا : وراء‌ك ، قال : لا ، بل أمامي ، تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم ، فعرض عليهم ما بذل عثمان ، فقالوا : أتضمن ذلك عنه قال : نعم ، قالوا : رضينا . وأقبل وجوههم وأشرافهم مع علي حتى دخلوا على عثمان و عاتبوه فأعتبهم من كل شئ فقالوا : اكتب بهذا كتابا فكتب .
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب من عبدالله عثمان أميرالمؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين ان لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ، يعطى المحروم ، ويؤمن الخائف ، ويرد المنفي ، ولا تجمر ( 1 ) البعوث ، ويوفر الفئ ، وعلي بن أبي طالب ضمين المؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء في هذا الكتاب .
شهد الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيدالله وسعد بن مالك بن أبي وقاص ، و عبدالله بن عمرو ، وزيد بن ثابت ، وسهل بن خنيف ، وأبوأيوب خالد بن زيد .
وكتب في ذي العقدة سنة خمس وثلاثين . فأخذ كل قوم كتابا فانصرفوا .
وقال علي بن أبي طالب لعثمان : أخرج فتكلم كلاما يسمعه الناس ويحملونه عنك وأشهد الله ما في قلبك ، فان البلاد قد تمخضت عليك ، ولا تأمن أن يأتي ركب آخر من الكوفة أو من البصرة أو من مصر فتقول : يا علي اركب إليهم . فإن لم أفعل قلت : قطع رحمي ، واستخف بحقي ، فخرج عثمان فخطب الناس فأقر بما فعل واستغفر الله منه ، وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من زل فلينب . فأنا أول من اتعظ ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليردوني برأيهم ، فوالله لو ردني إلى الحق عبد لا تبعته وما عن الله مذهب إلا اليه ، فسر الناس بخطبته واجتمعوا إلى بابه مبتهجين بما كان منه
(هامش ) * ( 1 ) تجمر الجيش : تحبس في ارض العدو ولم يقفل . [ * ]
فخرج إليهم مروان فزبرهم وقال : شاهت وجوهكم ما اجتماعكم أميرالمؤمنين مشغول عنكم ، فان احتاج إلى أحد منكم فسيدعوه فانصرفوا ، وبلغ عليا الخبر فأتى عثمان و هومغضب فقال : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بافساد دينك ، وخديعتك عن عقلك وإني لاراه سيوردك ثم لايصدرك ، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك وقالت له امرأته نائلة بنت الفرافضة : قد سمعت قول علي بن أبي طالب في مروان وقد أخبرك انه غير عائد إليك ، وقد أطعت مروان ولا قدر له عندالناس ولا هيبة ، فبعث إلى علي فلم يأته .
وأخرج ابن سعد من طريق أبي عون قال : سمعت عبدالرحمن بن الاسود بن عبد يغوث ذكر مروان فقال : قبحه الله خرج عثمان على الناس فأعطاهم الرضى وبكى على المنبر حتى استهلت دموعه ، فلم يزل مروان يفتله في الذروة والغارب ( 1 ) حتى لفته عن رأيه ، قال : وجئت إلي علي فأجده بين القبر والمنبر ومعه عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولون : صنع مروان بالناس ؟ قلت : نعم ( 2 )
صورة أخرى من توبة الخليفة
أخرج الطبري من طريق على بن عمر بن أبيه قال : إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له : تكلم كلاما يسمعه الناس منك ، ويشهدون عليه ويشهدالله على ما في قلبك من النزوع والانابة ، فان البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفة فتقول : يا علي إركب إليهم . ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمع عذرا يقدم ركب آخرون من البصرة فتقول : يا علي إركب إليهم . فإن لم أفعل أيتني قد قعطت رحمك واستخففت بحقك . قال : فخرج عثمان وخطب الخطبة التي نزع فيها و أعطى الناس من نفسه التوبة فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال :
أما بعد : أيها الناس فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله ، وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه ، ولكني منتني نفسي وكذبتني ، وضل عني رشدي ، ولقد سمعت رسول
(هامش ) * ( 1 ) لم يزل يفتل في الذروة والغارب . مثل في المخادعة . اى يدور من وراء خديعته .
( 2 ) واخرج الطبرى حديث ابن عون هذا وتبعه ابن الاثير وسيوافيك لفظه ، واوعز اليه
الدميرى في حياة الحيوان 1 : 53 . [ * ]
الله صلى الله عليه وسلم يقول : من زل فليتب ( 1 ) ومن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة ، إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق ، فأنا أول من اتعظ ، أستغفر الله عما فعلت ، و أتوب إليه ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم ، فوالله لئن ردني إلى الحق عبد لاستنن بسنة العبد ، ولاذلن ذل العبد ، ولاكونن كالمرقوق إن ملك مصر ، وإن عتق شكر ، وما عن الله مذهب إلى إليه ، فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنوا إلي ، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي قال : فرق الناس له يومئذ وبكى من بكى منهم وقام إليه سعيد بن يزيد فقال : يا أمير المؤمنين ليس بواصل لك من ليس معك ، الله الله في نفسك ، فاتمم على ما قلت
فلما نزل عثمان وجدفي منزله مروان وسعيدا ( 2 ) ونفرا من بني أمية ولم يكونوا شهدوا الخطبة فلما جلس قال مروان : يا أميرالمؤمنين ! أتكلم أم أصمت فقالت نائلة ابنه الفرافصة امرأة عثمان الكلبية : لابل اصمت فانهم والله قاتلوه ومؤتموه ، انه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها . فأقبل عليها مروان فقال : ما أنت وذاك فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ . فقالت له : مهلا يا مروان عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه ، وأن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه ، أما والله لولا أنه عمه و وانه يناله غمه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه . قال : فأعرض عنها مروان ثم قال : يا أميرالمؤمنين أتكلم أم أصمت ؟ قال : بل تكلم . فقال مروان : بأبي أنت وأمي والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنع منيع فكنت أول من رضي بها وأعان عليها لكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين ، وخلف السيل الزبى ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل ، والله لاقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها ، وإنك إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة وقد اجتمع اليك على الباب مثل
الجبال من الناس . فقال عثمان : فاخرج إليهم فكلمهم فإني أستحي أن أكلمهم ، قال : فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا فقال : ما شأنكم قد اجتمعتم ؟ كأنكم قد جئتم لنهب ، شاهت الوجوه ، كل إنسان آخذ باذن صاحبه إلا من أريد ( 3 ) جئتم
(هامش ) * ( 1 ) كذا في تاريخ الطبرى والصحيح ما مر في رواية البلاذرى : من زل فلينب .
( 2 ) هو سعيد بن العاص .
( 3 ) كذا في تاريخ الطبرى وفي الكامل : شاهت الوجوه إلى من اريد . [ * ]
تريدون أن تنزعوا ملكنا من إيدينا أخرجواعنا ، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسر كم ولا تحمدوا غب رأيكم ، ارجعوا إلى منازلكم ، فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا ، قال : فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتا عليا فأخبره الخبر فجاء علي عليه السلام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحر فك ( 1 ) عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به والله ما مروان بذي رأي في دينه ، ولا نفسه ، وأيم الله اني لاراه سيوردك ثم لا يصدرك ، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك ، وغلبت على أمرك فلما خرج علي دخلت عليه نائلة ابنة الفرافضة امرأته فقالت : أتكلم أو أسكت فقال : تكلمي . فقالت : قد سمعت قول علي لك وانه ليس يعاودك ؟ وقد أطعت مروان يقودك حيت شاء قال : فما أصنع ؟ قالت : تتقي الله وحده لا شريك له وتتبع سنة صاحبيك من قبلك ، فإنك متى أطعت مروان قتلك ، ومروان ليس له عندالناس قدر ولا هيبة ولا محبة ، وإنما تركك الناس لمكان مروان ، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة منك وهو لا يعصى . قال : فأرسل عثمان إلى علي فأبي أن يأتيه ، وقال : قد أعلمته : أني لست بعائد . فبلغ مروان مقالة نائلة فيه فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه فقال : أتكلم أو أسكت ؟ فقال : تكلم . فقال : إن بنت الفرافصة . فقال عثمان : لا تذكرنها بحرف فأسوء لك وجهك فهي والله أنصح لي منك . فكف مروان ( 2 ) صورة اخرى من التوبة
من طريق أبي عون قال : سمعت عبدالرحمن بن الاسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم قال : قبح الله مروان ، خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلة من الدموع وهويقول : أللهم إني أتوب اليك ، أللهم إني أتوب اليك ، أللهم إني أتوب اليك ، والله لئن ردني الحق إلى
(هامش ) * ( 1 ) في لفظ البلاذرى : الا بافساد دينك ، وخديعتك عن عقلك . وفى لفظ ابن كثير : الا بتحويلك عن دينك وعقلك ، وان مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به .
( 2 ) الانساب للبلاذرى 5 : 64 ، 65 ، تاريخ الطبرى 5 : 11 ، الكامل لابن الاثير 3 :68 ، تاريخ ابن كثير 7 : 172 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 163 ، 164 ، تاريخ ابن خلدون 2 :
396 ، 397 . [ * ]
أن أكون عبدا قنا لارضين به ، إذا دخلت منزلي فادخلوا علي ، فوالله لا أحتجب منكم ولاعطينكم ولازيدنكم على الرضا ، ولانحين مروان وذويه
قال : فلما دخل أمر بالباب ففتح ودخل بيته ودخل عليه مروان فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتى فتله عن رأيه وأزاله عما كان يريد ، فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ماخرج استحياء من الناس ، وخرج مروان إلى الناس فقال : شاهت الوجوه إلا من أريد ارجعوا إلى منازلكم ، فإن يكن لاميرالمؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه وإلاقر في بيته . قال عبدالرحمن : فجئت إلى علي فأجده بين القبر والمنبر وأجد عنده عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولان : صنع مروان بالناس وصنع ، قال : فأقبل علي علي فقال : أحضرت خطبة عثمان قلت : نعم . قال : أفحضرت مقالة مروان للناس قلت نعم . قال علي : عياذالله يا للمسلمين ، إني إن قعدت في بيتي قال لي : تركتني وقرابتي وحقي ، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث شاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال عبدالرحمن بن الاسود : فلم يزل حتى جاء رسول عثمان إئتني فقال علي بصوت
مرتفع عال مغضب : قل له : ما أنا بداخل عليك ولا عائد . قال : فانصرف الرسول فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين جائيا فسألت ناتلا غلامه من أين جاء أميرالمؤمنين ؟ فقال : كان عند علي ، فقال عبدالرحمن بن الاسود : فغدوت فجلست مع علي عليه السلام فقال لي : جاء‌ني عثمان بارحة فجعل يقول : إني غير عائد وإني فاعل ، قال : فقلت له . بعد ما تكلمت به على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطيت من نفسك ، ثم دخلت بيتك ، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم قال : فرجع وهو يقول : قطعت رحمي وخذلني و جرأت الناس علي فقلت : والله إني لاذب الناس عنك ، ولكني كلما جئتك بهنة أظنها لك رضى جاء بأخرى فسمعت قول مروان علي واستدخلت مروان . قال : ثم انصرف إلى بيته فلم أزل أرى عليا منكبا عنه لا يفعل ما كان يفعل ( 1 ) عهد آخر بعد حنث الاول
أخرج الطبري من طريق عبدالله بن الزبير عن أبيه قال : كتب أهل المدينة إلى
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 112 ، الكامل لابن الاثير 3 : 96 . [ * ]
عثمان يدعونه إلى التوبة ، ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله ، فلما خاف القتل شاور نصحاء‌ه وأهل بيته فقال لهم : قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج ؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداده فقال : إن القوم لن يقبلوا التعليل وهي محملي عهدا وقد كان مني في قدمتهم الاولى ما كان ، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به . فقال مروان بن الحكم : يا أميرالمؤمين مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب ، فاعطهم ما سألوك ، وطاولهم ما طاولوك ، فانما هم بغوا عليك فلا عهد لهم ، فأرسل إلى علي فدعاه فلما جاء‌ه قال : يا أبا حسن إنه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان مني ما قد علمت ، ولست آمنهم على قتلي ، فأرددهم عني ، فإن لهم الله عزوجل أن أعتبهم من كل ما يكرهون ، وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي ، فقال له علي : الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك ، وإني لارى قوما لا يرضون إلا بالرضا وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الاولى عهدا من الله لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك ، ثم لم تف لهم بشئ من ذلك فلا تغرني هذه المرة من شئ ، فاني معطيهم عليك الحق . قال : نعم فاعطهم فوالله لافين لهم . فخرج علي إلى الناس فقال : أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد اعطيتموه إن عثمان قد زعم انه منصفكم من نفسه ومن غيره ، وراجع عن جميع ما تكرهون ، فاقبلوا منه ووكدوا عليه . قال الناس : قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا والله لا نرضى بقول دون فعل . فقال لهم علي : ذلك لكم . ثم دخل عليه فأخبره الخبر ، فقال عثمان : اضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي في مهلة ، فانى لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد ، قال له علي : ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك ، قال : نعم ، ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام . قال علي : نعم . فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجله فيه ثلاثا على أن يرد كل مظلمة ، ويعزل كل عامل كرهوه ، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذالله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والانصار ، فكف المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه ، فعجل يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح ، وقد كان اتخذ جندا عظيما من رقيق الخمس ، فلما مضت الايام الثلاثة وهو على حاله لم يغير شيئا مما كرهوه ، ولم يعزل عاملا ، ثار به الناس ، وخرج عمرو بن حزم الانصاري حتى أتى المصريين وهم بذي خشب فأخبرهم الخبر وسار معهم حتى قدموا المدينة فأرسلوا إلى عثمان : ألم نفارقك على انك زعمت انك تائب من أحداثك ، وراجع عما كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهدالله وميثاقه ؟ قال : بلى ، أنا على ذلك . قال : فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك ؟ الحديث . ( 1)
سياسة ضئيلة
لما تكلم علي مع المصريين ورجعهم إلى بلادهم ورجع هو إلى المدينة دخل على عثمان وأخبره انهم قد رجعوا فمكث عثمان ذلك اليوم حتى إذا كان الغد جاء‌ه مروان فقال له : تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا ، وان ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا فإن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لاتستطيع دفعه . فأبي عثمان أن يخرج . فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر فحمدالله وأثني عليه ثم قال : أما بعد : إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم فناداه الناس من كل ناحية : اتق الله ياعثمان ! وتب إلى الله . وكان أولهم عمرو ابن العاصي . قال : إتق الله يا عثمان فانك قد ركبت نهابير وركبناها معك فتب إلى الله
نتب . إلى آخر ما مر في هذا الجزء صفحة 137 .
قصة الحصار الثانى ( 2 )
أخرج البلاذري من طريق أبي مخنف قال : لما شخص المصريون بعد الكتاب
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 116 ، الكامل لابن الاثير 3 : 71 ، 72 ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 166 .
( 2 ) مصادرها : الانساب 5 : 26 - 69 ، 95 ، الامامة والسياسة 1 : 33 - 37 ، المعارف لابن قتيبة ص 84 ، العقد الفريد 2 : 263 ، تاريخ الطبرى 5 : 119 ، 120 ، الرياض النضرة 2 : 123 ، 125 ، الكامل لابن الاثير 3 : 7 ، 71 ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 165 ، 166 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 397 ، تاريخ ابن كثير 7 : 173 ، 174 ، 186 ، 189 ، حياة الحيوان للدميرى 1 : 53 ، الصواعق ص 69 ، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 106 ، 107 ، السيرة الحلبية 2 : 84 ، 86 ، 87 ، تاريخ الخميس 2 : 259 ، وللفظ للبلاذرى والطبرى . [ * ]
الذي كتبه عثمان فصاروا بأيلة ( 1 )أو بمنزل قبلها رأوا راكبا خلفهم يريد مصر فقالوا له :
من أنت ؟ فقال : رسول أميرالمؤمنين إلى عبدالله بن سعد ، وأنا غلام أميرالمؤمنين . وكان
أسود فقال بعضهم لبعض : لو أنزلناه وفتشناه ألا يكون صاحبه قد كتب فينا بشئ ، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئا ، فقال بعضهم لبعض : خلوا سبيله فقال كنانة بن بشر : أما والله دون أن أنظر في إداوته فلا . فقالوا : سبحان الله أيكون كتاب في ماء ؟ فقال : إن للناس حيلا . ثم حل الاداوة فإذا فيها قارورة مختومة ، أو قال : مضمومة ، في جوف القارورة كتاب في أنبوب من رصاص فأخرجه فقرى فإذا فيه : أما بعد : فإذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه ، واقطع يدي ابن عديس و كنانة ، وعروة ، ثم دعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا ، ثم أوثقهم على جذوع نخل .
فيقال : إن مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان ، فلما عرفوا ما في الكتاب ، قالوا : عثمان محل ، ثم رجعوا عودهم على بدئهم حتى دخلوا المدينة فلقوا عليا بالكتاب وكان خاتمه من رصاص ، فدخل به علي على عثمان فحلف بالله ما هو كتابه ولا يعرفه وقال : أما الخط فخط كاتبي ، وأما الخاتم فعلى خاتمي ، قال علي فمن تتهم ؟ قال : أتهمك وأتهم كاتبي . فخرج علي مغضبا وهويقول : بل هو أمرك . قال أبومخنف : وكان خاتم عثمان بدء عند حمران بن أبان ثم أخذه مروان حين شخص حمران إلى البصرة فكان معه :
وفي لفظ جهيم الفهري قال : أنا حاضر أمر عثمان فذكر كلاما في أمر عمار .
فانصرف القوم راضين ثم وجدوا كتابا إلى عامله على مصر أن يضرب أعناق رؤساء المصريين ، فرجعوا ودفعوا الكتاب إلى علي فأتاه به فحلف له أنه لم يكتبه ولم يعلم به فقال له علي : فمن تتهم فيه ؟ فقال : أتهم كاتبي وأتهمك يا علي لانك مطاع عند القوم ولم تردهم عني .
وجاء المصريون إلى دار عثمان فأحدقوا بها وقالوا لعثمان وقد أشرف عليهم : يا عثمان أهذا كتابك فجحد وحلف فقالوا : هذا شر ، يكتب عنك بما لا تعلمه ، مامثلك
(هامش ) * ( 1 ) أيله بالفتح : مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلى الشام . وقيل : هى آخر الحجاز وأول الشام . [ * ]
يلي أمور المسلمين ، فاختلع من الخلافة . فقال : ما كنت لانزع قميصا قمصنيه الله ، أوقال : سربلنيه الله . وقالت بنو أمية : يا علي أفسدت علينا أمرنا ودسست وألبت ، فقال : يا سفهاء إنكم لتعلمون انه لا ناقة لي في هذا ولا جمل ، وإني رددت أهل مصر عن عثمان ثم أصلحت أمره مرة بعد أخرى . فما حيلتي وانصرف وهو يقول : أللهم إني برئ مما يقولون ومن دمه إن حدث به حدث قال : وكتب عثمان حين حصروه كتابا قرأه ابن الزبير على الناس يقول فيه :
والله ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا علمت بقصته وأنتم معتبون من كل ما ساء‌كم ، فأمروا على مصركم من أحببتم ، وهذه مفاتيح بيت مالكم فادفعوا إلى من شئتم فقالوا : قد انهمناك بالكتاب فاعتزلنا
وأخرج ابن سعد من طريق جابر بن عبدالله الانصاري قال : إن عثمان وجه إلى المصريين لما أقبلوا يريدونه محمد بن مسلمة في خمسين من الانصار أنا فيهم فأعطاهم الرضى وانصرفوا فلما كانوا ببعض الطريق رأوا جملا عليه ميسم الصدقة فأخذوه فإذا غلام لعثمان ففتشوه فإذا معه قصبة من رصاص في جوف إداوة فيها كتاب إلى عامل مصر : أن افعل بفلان كذا ، وبفلان كذا ، فرجع القوم إلى المدينة فأرسل إليهم عثمان محمد بن مسلمة فلم يرجعوا وحصروه .
صورة أخرى
عن سعيد بن المسيب قال : إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لان عثمان كان يحب قومه ، فولي الناس اثنتى عشرة سنة ، وكان كثيرا ما يولي بني أمية ممن لم يكن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة ، وكان يجيئ من أمرائه ما يكره أصحاب محمد ، فكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم ، فلما كان في الحجج الآخرة استأثر ببني عمه فولاهم وولى عبدالله بن سعد بن أبي سرح مصر ، فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه ، وقد كانت من عثمان قبل هنات إلى عبدالله ابن مسعود وأبي ذر عمار بن ياسر ، فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار و أحلافها من غضب لابي ذر ما فيها ، وحنقت بنو مخزوم لحال عمار بن ياسر ، فلما جاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح ، كتب إليه كتاب يتهدده فيه ، فأبى أن ينزع عما نهاه عثمان عنه وضرب بعض من شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتى قتله ، فخرج من أهل مصر سبع مائة رجل إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى أصحاب محمد ، فقام طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام شديد ، وأرسلت إليه عائشة رضي الله عنها تسأله أن ينصفهم من عامله ، ودخل عليه علي بن أبي طالب وكان متكلم القوم فقال له : إنما يسألك القوم رجلا مكان رجل ، وقد ادعوا قبله دما فاعزله واقض بينهم ، فإن وجب عليه حق فانصفهم منه . فقال لهم : اختاروا
رجلا أوليه عليكم مكانه . فأشار الناس عليهم بمحمد بن أبي بكرالصديق فقالوا :
استعمل علينا محمد بن أبي بكر . فكتب عهده وولاه ووجه معهم عدة من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح ، فشخص محمد بن أبي بكر وشخصوا جميعا فلما كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير وهو يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب ، فقال له أصحاب محمد بن أبي بكر : ما قصتك ؟ وماشأنك ؟ كأنك هارب أو طالب . فقال لهم مرة : أنا غلام أمير المؤمنين ، وقال أخرى : أنا غلام مروان ، وجهني إلى عامل مصر برسالة ، قالوا : فمعك كتاب ؟ قال : لا . ففتشوه ، فلم يجدوا معه شيئا وكانت معه إداوة قد يبست فيها شئ يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الاداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح فجمع محمد من كان معه المهاجرين والانصار وغيرهم ثم الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه : إذا أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتاب محمد وقر على عملك حتى يأتيك رأيي ، واحبس من يجئ إلى متظلما منك إن شاء‌الله ، فلما قرأوا الكتاب فزعوا وغضبوا ورجعوا إلى المدينة وختم محمد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفر ممن كان معه ، ودفعه إلى رجل منهم وقدموا المدينة ، فجمعوا عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم و أخبروهم بقصة الغلام وأقرأوهم الكتاب ، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان ، وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي ذر حنقا وغيظا ، وقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما في الكتاب . وحاصر الناس عثمان وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم ، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيدالله ، وكانت عائشة تقرصه كثيرا ، ودخل علي وطلحة والزبير وسعد وعمار في نفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم بدري على عثمان ومع علي الكتاب والغلام والبعير فقال له علي : هذا الغلام غلامك ؟ قال : نعم ، قال : والبعير وبعيرك ؟ قال : نعم . قال : وأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : لا ، وحلف بالله : ما كتبت هذ الكتاب ولا أمرت به ولا علمت شأنه فقال له علي : أفالخاتم خاتمك ؟ قال : نعم . قال : فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به ؟ فحلف بالله : ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا جهت هذا الغلام إلى مصر قط . وعرفوا أن الخط خط مروان فسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى ، وكان مروان عنده في الدار ، فخرج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من عنده غضابا وعلموا أنه لا يحلف بباطل إلا أن قوما قالوا : لن يبرأ عثمان في قلوبنا إلا أن يدفع الينا مروان حتى نبحثه عن الامر ونعرف حال الكتاب ، وكيف يؤمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله بغير حق ؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه ، وإن يكن مروان كتبه عن لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان ، فلزموا بيوتهم فأبى عثمان أن يخرج مروان .
فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال : أفيكم علي ؟ فقالوا : لا . قال : أفيكم سعد ؟ فقالوا : لا . فسكت ، ثم قال ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء ؟ فبلغ ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوء‌ة ماء فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصلت .
لفظ الواقدى
من طريق محمد بن مسلمة وقد أسلفنا صدره في ص 132 ، 133 ، وإليك بقيته :
فوجدنا فيه هذا الكتاب فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد : فإذا قدم عليك عبدالرحمن بن عديس فاجلده مائة ، واحلق رأسه ولحيته ، واطل حبسه حتى أتيك أمري ، وعمرو بن الحمق ، فافعل به مثل ذلك ، وسودان بن حمران مثل ذلك ، وعروة بن البياع الليثي مثل ذلك . قال : فقلت : وما يدريكم ان عثمان كتب بهذا ؟ قالوا : فيقتات مروان على عثمان بهذا فهذا شر ، فيخرج نفسه من هذا الامر . ثم قالوا : انطلق معنا إليه فقد كلمنا عليا ووعدنا أن يكلمه إذا صلى الظهر وجئنا سعد بن أبي وقاص فقال : لا أدخل في أمركم ، وجئنا سعيد بن زيد بن عمرو فقال مثل هذا ، فقال محمد : فأين وعدكم علي ؟ قالوا : وعدنا إذا صلى الظهر أن يدخل عليه . قال محمد : فصليت مع علي ، قال : ثم دخلت أنا وعلي عليه فقلنا : إن هؤلاء المصريين بالباب فأذن لهم ، قال : ومروان جالس فقال مروان : دعني جلعت فداك أكلمهم . فقال عثمان : فض الله فاك اخرج عني ، وماكلامك في هذا الامر فخرج مروان وأقبل علي عليه قال وقد أنهى المصريون إليه مثل الذي انهوا إلي فجعل علي يخبره ما وجدوا في كتابهم ، فجعل يقسم بالله ما كتب ولا علم ولا شور فيه
فقال محمد بن مسلمة : والله انه لصادق ، ولكن هذا عمل مروان ، فقال علي : فادخلهم عليك فليسمعوا عذرك . قال : ثم أقبل عثمان على علي فقال : إن لي قرابة ورحما والله لو كنت في هذه الحلقة لحللتها عنك ، فأخرج إليهم فكلمهم فانهم يسمعون منك . قال علي : والله ما أنا بفاعل ولكن أدخلهم حتى تعتذر اليهم . قال : فادخلوا .
قال محمد بن مسلمة : فدخلوا يومئذ فما سلموا عليه بالخلافة فعرفت انه الشر بعينه قالوا : سلام عليكم ، فقلنا : وعليكم السلام قال : فتكلم القوم وقد قدموا في كلامهم ابن عديس ، فذكر ما صنع ابن سعد بمصر وذكر تحاملا منه على المسلمين وأهل الذمة وذكر استئثارا منه في غنائم المسلمين ، فإذا قيل له في ذلك قال : هذا كتاب أميرالمؤمنين إلي ، ثم ذكروا أشياء مما أحدث بالمدينة وما خالف به صاحبيه قال : فرحلنا من مصر ونحن لا نريد إلا دمك أو تنزع ، فردنا علي ومحمد بن مسلمة و ضمن لنا محمد النزوع عن كل ما تكلمنا منه ، ثم أقبلوا على محمد بن مسلمة قالوا : هل قلت ذاك لنا ؟ قال محمد : فقلت : نعم ، ثم رجعنا إلى بلادنا نستظهر بالله عزوجل عليك ويكون حجة لنا بعد حجة ، حتى إذا كنا بالبويب ( 1 ) أخذنا غلامك فأخذنا كتابك وخاتمك إلى عبدالله بن سعد تأمره فيه بجلد ظهورنا ، والمثل بنا في أشعارنا ، وطول الحبس لنا ، وهذا كتابك ، قال : فحمدالله عثمان أثنى عليه ثم قال : والله ما كتبت ولا أمرت ولا شورت ولا علمت قال : فقلت وعلي جميعا : قد صدق . قال : فاستراح إليها عثمان فقال المصريون : فمن كتبه ؟ قال : لا أدري . قال : أفيجترأ عليك فيبعث غلامك وجمل من صدقات المسلمين ، وينقش على خاتمك ، ويكتب إلى عاملك بهذه الامور العظام وأنت لا تعلم
(هامش ) * ( 1 ) البويب : مدخل اهل الحجاز بمصر . [ * ]
قال : نعم ، قالوا : فليس مثلك يلي ، اخلع نفسك من هذا الامر كما خلعك الله منه قال : لا أنزع قميصا ألبسنيه الله عزوجل . قال : وكثرت الاصوات واللغط فما كنت أظن أنهم يخرجون حتى يواثبوه قال : وقام علي فخرج فلما قام علي قمت وقال المصريون : اخرجوا فخرجوا ، ورجعت إلى منزلي ورجع علي إلى منزله فما برحوا محاصرته حتى قتلوه .
وأخرج الطبري من طريق عبدالرحمن بن يسار : أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبوالاعور السلمي ( 1 ) وهو الذي كان يدعو عليه أميرالمؤمنين عليه السلام في قنوته مع اناس كما مر حديثه في ج 2 : 32 1 ط 2 ، وذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 165 .
وأخرج من طريق عثمان بن محمد الاخنسي قال : كان حصر عثمان قبل قدوم أهل مصر فقدم أهل مصر يوم الجمعة وقتلوه في الجمعة الاخرى . تاريخ الطبري 5 : 132 .
الخليفة تواب عواد
أخرج الطبري من طريق سفيان بن أبي العوجاء قال : قدم المصريون القدمة الاولى فكلم عثمان محمد بن مسلمة فخرج في خمسين راكبا من الانصار فأتوهم بذي خشب فردهم ورجع القوم حتى إذا كانوا بالبويب وجدوا غلاما لعثمان معه كتاب إلى عبدالله بن سعد فكروا وانتهوا إلى المدينة وقد تخلف بها من الناس الاشتر و حكيم بن جبلة فأتوا بالكتاب فأنكر عثمان أن يكون كتبه وقال : هذا مفتعل . قالوا : فالكتاب كتاب كاتبك ؟ قال : أجل ، ولكنه كتبه بغير أمري قالوا : فإن الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك قال : أجل ، ولكنه خرج بغير إذني . قالوا : فالجمل جملك قال : أجل ، ولكنه أخذ بغير علمي . قالوا : ما أنت إلا صادق أو كاذب ، فإن كنت
كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها ، وإن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك ، لانه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل الامر دونه لضعفه وغفلته ، وقالوا له : إنك ضربت رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحق عند ما يستنكرون
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 115 : [ * ]
من أعمالك ، فأقد من نفسك من ضربته وأنت له ظالم ، فقال : الامام يخطئ ويصيب فلا أقيد من نفسي لاني لو أقدت كل من أصبته بخطأ أتى على نفسي قالوا : إنك قد أحدثت أحداثا عظاما فاستحققت بها الخلع ، فإذا كلمت فيها أعطيت التوبة ثم عدت إليها و إلى مثلها ثم قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق ولا منا فيك محمد بن مسلمة ، وضمن لنا ما حدث من أمر ، فأخفرته فتبرأ منك وقال : لا أدخل في أمره ، فرجعنا أول مرة لنقطع حجتك ونبلغ أقصى الاعذار إليك نستظهر بالله عزوجل عليك فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب وزعمت انه كتب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخط كاتبك عليه وخاتمك فقدوقعت عليك بذلك التهمة القبيحة ، مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم ، والاثرة في القسم ، والعقوبة للامر بالتبسط من الناس ، والاظهار للتوبة ثم الرجوع إلى الخطيئة
ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نجعلك ونستبدل بك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يحدث مثل ما جربنا منك ، ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا ، فإن ذلك أسلم لنا منك ، فقال عثمان : فرغتم من جميع ما تريدون قالوا : نعم ، قال : ألحمد لله وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، أما بعد : فإنكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء أما قولكم : تخلع نفسك . فلا أنزع قميصا قمصنيه الله عزوجل وأكرمني به وخصني به على غيري ولكني أتوب وأنزع ولا أعود لشئ عابه المسلمون ، فإني والله الفقير إلى الله الخائف منه .
قالوا : إن هذا لو كان أول حدث أحدثته ثم تبت منه ولم نقم عليه لكان علينا أن نقبل منك ، وأن ننصرف عنك ولكنه : قد كان منك من الاحداث قبل هذا ما قد علمت ولقد انصرفنا عنك في المرة الاولى وما نخشى أن تكتب فينا ولامن اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك ، وكيف نقبل توبتك وقد بلونا منك انك لاتعطى من نفسك التوبة من ذنب إلا عدت اليه ، فلسنا منصرفين حتى نعزلك ونستبدل بك ، فإن حال من معك من قومك وذوي رحمك وأهل الانقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم حتى نخلص إليك فنقتلك ، أو تلحق أرواحنا بالله .
فقال عثمان : أما أن أتبرأ من الامارة فان تصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من أمر الله عزوجل وخلافته وأما قولكم : تقاتلون من قاتل دوني . فإني لا آمر أحدا بقتالكم ( 1 ) فمن قاتل دوني فانما قتل بغير أمري ، ولعمري لو كنت أريد قتالكم لقد كنت كتبت إلى الاجناد ( 2 ) فقادوا الجنود وبعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق ، فالله الله في أنفسكم فابقوا عليها إن لم تبقوا علي : فإنكم مجتلبون بهذا الامر إن قتلتموني دما . قال : ثم انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب وأرسل إلى محمد بن مسلمة فكلمه أن يردهم فقال : والله لا أكذب الله في سنة مرتين . تاريخ الطبري 5 : 120 ، 121 .
نظرة في أحاديث الحصارين
الأول : ما يقع عليه النظر من هذه الاحاديث المجهزين على عثمان هم المهاجرون والانصار من الصحابة ولم يشذ عنهم إلا أربعة أسلفنا ذكر في صفحة 195 وهم الذين أصفقوا مع أهل مصر والكوفة والبصرة على مقت الخليفة وقتله بعد أن أعيتهم الحيل وأعوزهم السعي في استتابته ، وإكفائه من الاحداث ، ونزوعه عما هو عليه من الجرائم وإن في المقبلين من تلكم البلاد من عظماء الصحابة ، ومن رجال الفضيلة والفقه والتقى من التابعين جماعات لا يستهان بعدتهم ، ولا يغمز في دينهم ، وهم رؤساء هاتيك الجماهير والمؤلبين لهم على عثمان ، (فمن الكوفيين (:
1 ـ زيد الخير ، له إدراك أثنى عليه النبي الاعظم ، وانه من الخيار الابرار .
2 ـ مالك بن الحارث الاشتر ، له إدراك ، أو قفناك على عظمته وفضله وموقفه من الايمان ، ومبلغه من الثقة والصلاح .
3 ـ كعب بن عبدة النهدي ، وقد سمعت عن البلاذري انه كان ناسكا .
(هامش ) * ( 1 ) لم يكن معه هناك غير بنى أبيه حتى يامر أحدا بالقتال وهم ليسوا هناك وقد تحصنوا يوم قتله بكندوج ام حبيبة كما يأتيك حديثه .
( 2 ) كان يتأهب للقتال ، ويستعد بالسلاح ، ويكتب إلى الاجناد ، ويجلب إلى المدينة الجنود
المجندة من الشام ، وغيرها ، غير انه كان يغفل الناس بكلماته هذه وسنوافيك كتبه . [ * ]
4 ـ زياد بن النضر الحارثي ، له إدراك .
5 ـ عمر وبن الاهتم ، صحابي خطيب بليغ شريف في قومه ، ترجمه ابن عبد البرفي " الاستيعاب " ، وابن الاثير في " اسد الغابة " وابن حجر في " الاصابة " .
) وفي المصريين)
6 ـ عمرو بن الحمق الخزاعي ، صحب النبي وحفظ عنه أحاديث ، وحظي بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم له كمامر تفصيله ص 45 .
7 ـ عمرو بن بديل الخزاعي ، صحابي عادل مترجم في معاجم الصحابة .
8 ـ عبدالله بن بديل الخزاعي : قال أبوعمر : كان سيد خزاعة وخزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهد حنينا والطائف وتبوك ، وكان له قدر وجلالة ، وكان من وجوه الصحابة راجع الاستيعاب ، وأسد الغابة ، والاصابة .
9 ـ عبدالرحمن بن عديس أبومحمد البلوي ، صحب النبي وسمع منه ، وكان ممن بايع تحت الشجرة من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه .
10 ـ محمد بن أبي بكر ، وحسبك فيه ما في الاستيعاب والاصابة من أن عليا " أميرالمؤمنين " كان يثني عليه ويفضله وكانت له عبادة واجتهاد ، وكان من أفضل أهل زمانه .
(ورئيس البصريين)
11 ـ حكيم بن جبلة العبدي ، قال أبوعمر في " الاستيعاب " : أدرك النبي صلى الله عليه وآله
وكان رجلا صالحا له دين مطاعا في قومه . وقال المسعودي في المروج 2 : 7 : كان من سادات عبدالقيس وزهادها ونساكها . وأثنى عليه مولانا أميرالمومنين بقوله كما في الكامل 3 : 96 :
دعا حكيم دعوة سميعه * نال بها المنزلة الرفيعه
يالهف ما نفسي على ربيعه * ربيعة السامعة المطيعه
قد سبقتني فيهم الوقيعة
وإن ما جرى في غضون تلكم المعامع ، وتضاعيف ذلك الحوار من أخذ ورد وهتاف وقول ، كلها تنم عن صلاح القوم وتقواهم ، وإنهم لم يغضبوا إلا لله ، ولا دعوا إلا إلى أمره ، ولا نهضوا إلا لاقامة الامت والعوج ، وتقويم دين الله وتنزيهه عن المعرات والاحداث ، ولم يجلبهم إلى ذلك الموقف مطمع في إمارة ، أو نزع إلى حكم أو هوى في مال ، ولذلك كان يرضيهم كلما يبديه الخليفة من النزول على رغباتهم ، والنزوع عن أحداثه ، والانابة إلى الله مما نقموا به عليه ، غير انه كان يثيرهم في الآونة بعد الاخرى ما كانوا يشاهدونه من المقام على الهنات ، ونقض العهد مرة بعد مرة حتى إذا اطمأنوا إلى أن الرجل غير منكفئ عما كان يقترفه ، ولامطمئن عما كان يفعله ، فاطمأنوا إلى بقاء التكليف عليهم بالوثوب ، فوقفوا لازالة ما رأوه منكرا ذلك الموقف الشديد حتى قضى من الامر ما كان مقدورا ولو كان للقوم غاية غيرما وصفناه لما أثنى مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام على المصريين منهم بقوله من كتاب كتبه إلى أهل مصر : إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه ، وذهب بحقه ، إلى آخر ما مر في صفحة 74 ، ولما كانوا مذكورين في المعاجم والكتب بالثناء الجميل عليهم بعد تلكم المواقف المشهودة ، ولو صدر عن أي أحد أقل مما صدر من اولئك الثائرين على عثمان في حق فرد من أفراد المسلمين فضلا عن الخليفة لعد جناية لا تغفر ، وذنبا لا يبرر ، وسقط صاحبه إلى هوة الضعة ، ولا تبقى له بعد حرمة ولاكرامة ، وغير أن . . .
الثاني : من مواقع النظر في الاحاديث المذكورة : ان الخليفة كانت عنده جرائم يستنكرها المسلمون وينكرونها عليه وهو يعترف بها فيتوب عنها ، ثم يروغ عن التوبة فيعود إليها ، ولا أدري انه في أي الحالين أصدق ؟ أحين اعترف بالاحداث فتاب ؟ أم حين عبث به مروان فرقى المنبر وقال : إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم
الثالث : أنه أعطى العهود والمواثيق المؤكدة على النزوع عما كان يرتكبه مما ينقمونه عليه وسجل ذلك في صكوك يبثها في البلاد بأيدي الناهضين عليه ، إذ كان على علم بأن البلاد قد تمخضت علبه كما مر في كلام لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ، ثم لم يلبث حتى نكثها بعد ما ضمن له بالعمل على ذلك الضمان مثل مولانا أميرالمؤمنين ومحمد ابن مسلمة ذلك الصحابي العظيم ، وقد شهدت ذلك الضمان أمة كبيرة من الصحابة ، فكأنه ما كان يرى للعهد لزوما ، ولا للضمان حرمة ، ولا للضامنين مكانة ، ولا لنكث العهد معرة ، ولعله كان يجد مبررا لتلكم الفجايع أو الفصايح ، وعلى أي فالمسلمون " ويقدمهم الصحابة العدول " لم يرقهم ذلك المبرر ولا اعترفوا به ، فمضوا إلى ما فعلوه قدما غير متحوبين ولا متأثمين .
الرابع : إن التزامه في كتاب عهده في الحصار الاول بالعمل بالكتاب والسنة وهو في حيز النزوع عما كان يرتكبه قبل ذلك ، وقد أعتب بذلك المتجمهرين عليه المنكرين على أحداثه المنحازة عنهما ، يرشدنا إلى انه كان في أعماله قبل ذلك الالتزام محيد عن الكتاب والسنة ، وحسب أي إنسان من الضعة أن تكون أعماله منتئية عنهما الخامس : إن الطريد بن الطريد ، أو قل عن لسان النبي الامين ( 1 ) : الوزغ ابن الوزع ، اللعين ابن اللعين ، مروان بن الحكم كان يؤثر في نفسيات الخليفة حتى يحوله " كما قال مولانا أميرالمؤمنين ( 2 ) " عن دينه وعقله ، ويجعله مثل الظعينة يقاد حيث يسار به فلم يزل به حتى أربكه عند منتقض العهود ومنتكث المواثيق ، فأورده مورد الهكة ، وعجيب من الخليفة أن يتأثر بتسويلات الرجل وهو يعلم محله من الدين وموقفه من الايمان ، ومبوأه من الصدق والامانة ، وهويعلم أنه هو وزبانيته هم الذين جروا عليه الويلات وأركبوه النهابير ، وأنهم سيوردونه ثم لا يصدرونه ، يعلم ذلك كله وهو بين الناب والمخلب وفي منصرم الحياة ، ومع ذلك كله لا يزال مقيماعلى هاتيك الوساوس المروانية ، فيا للعجب .
وأعجب من ذلك انه مع هذا التأثر يتخذ نصح الناصحين له كمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام وكثير من الصحابة العدول باعتاب الناس ورفض تمويهات مروان الموبقة له ظهريا فلا يعير لهم بعد تمام الحجة وقطع سبل المعاذير أذنا واعية ، وهو يعلم أنهم لا يعدون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويدعونه إلى ما فيه نجاته ونجاح الامة .
(لفت نظر ) * وقع في عد أيام حصارعثمان خلاف بين المورخين فقال الواقدي :
حاصروه تسعة وأربعين يوما . وقال الزبير : حاصروه شهرين وعشرين يوما . وفي رواية :
( هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في الجزء الثامن ص 260 ط 2 .
( 2 ) راجع ما مضى في هذا الجزء صفحة 174 . [ * ]
انهم حصروه أربعين ليلة . وقال ابن كثير : استمر الحصر أكثر من شهر وقيل : بضعا و أربعين . وقال الشعبي : كانت مدته اثنتين وعشرين ليلة . وفي رواية للطبري : كان الحصر . أربعين ليلة والنزول سبعين . وفي بعض الروايات : حصروه عشرين يوما بعد قضية جهجاه المذكورة ص 124 إلى أقوال أخرى ، ولعل كل منها ناظر إلى ناحية من مدة أيام الحصارين أو مدة أحدهما ، ومن مدة نزول المتجمرين حول داره ، و من أيام ضاق عليه الخناق ، ومنع من ادخال الماء عليه ، وحيل بينه وبين اختلاف الناس إليه ، ومن حصار الثائرين عليه من الامصار ، ومن إصفاق أهل المدينة معهم على الحصار . إلى تأويلات أخرى يتأتى بها الجمع بين تلكم الاقوال .
كتب عثمان ايام الحصار ( 1 )
أخرج الطبري في تاريخه من طريق ابن الكلبي قال : إنما رد اهل مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه أنه أدركهم غلام لعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم وأن يصلب بعضهم فلما أتوا عثمان قالوا : هذا غلامك ؟ قال : غلامي إنطلق بغير علمي ، قالوا : جملك ؟ قال : أخذه من الدار بغير أمري . قالوا : خاتمك ؟ قال : نقش عليه فقال عبدالرحمن بن عديس التجيبي حين أقبل أهل مصر . أقبلن من بلبيس والصعيد ( 2 ) خوصا كأمثال القسي عود
مستحقبات حلق الحديد * يطلبن حق الله في الوليد
وعند عثمان وفي سعيد * يارب فارجعنا بما نريد
فلما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام :
(هامش ) * ( 1 ) الامامة والسياسة 2 : 32 - 33 ، الانساب 5 : 71 ، 72 ، تاريخ الطبرى 5 : 105 ، 115 ، 116 ، 119 ، تاريخ اليعقوبى 2 : 152 ، الكامل لابن الاثير 5 . 67 ، 71 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 165 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 394 ، الفتنة الكبرى ص 226 .
( 2 ) بلبيس : بكسر الباء‌ين وسكون اللام مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة على طريق الشام . الصعيد : بلاد واسعة كثيرة بمصر يقال : انها تسعمائة وسبع خمسون قرية . [ * ]
بسم الله الرحمن الرحيم
أمابعد : فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة ، فابعث إلى من قبلك من مقاتلة اهل الشام على كل صعب وذلول .
فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد علم اجتماعهم ، فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن اسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويعظم حقه عليهم ، ويذكر الخلفاء وما أمر الله عزوجل به من طاعتهم ومناصحتهم ووعدهم أن يجندهم جند أو بطانة دون الناس ، وذكرهم بلاء‌ه عندهم وصنيعه إليهم ، فإن كان عندكم غياث فالعجل العجل فإن القوم معاجلي .
فلما قرئ كتابه عليهم قام يزيد بن اسد بن كرز البجلي ثم القسري فحمدالله و أثنى عليه ، ثم ذكر عثمان فعظم حقه ، وحضهم على نصره ، وأمرهم بالمسير إليه ، فتابعه ناس كثيرو وساروا معه حتى إذا كان بوادي القرى ( 1 ) بلغهم قتل عثمان رضي الله عنه فرجعوا .
وأخرج البلاذي من طريق الشعبي قال : كتب عثمان إلى معاوية : أن أمدني ، فأمده بأربعة آلاف مع يزيد بن اسد بن كريز البجلي ، فلتقاه الناس بمقتل عثمان فرجع من الطريق وقال : لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها محتلما إلا قتلته ، لان الخاذل والقاتل سواء .
كتابه إلى أهل الشام
قال ابن قتيبة : وكتب إلى أهل الشام عامة وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة :
أما بعد : فإني في قوم طال فيهم مقامي ، واستعجلوا القدر في ، وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف من الابل الدحيل ، وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني ، وبين أن اقيدهم ممن قتلت ، ومن كان على السلطان يخطئ ويصيب ، فياغوثاه يا غوثاه ، ولا أمير عليكم دوني ، فالعجل العجل يا معاوية وأدرك ثم أدرك وما أراك تدرك .
(هامش ) * ( 1 ) وادى القرى : واد بين المدينة والشام من اعمال المدينة . [ * ]
كتابه إلى اهل البصرة
وكتب إلى عبدالله بن عامر : أن أندب إلى أهل البصرة نسخة كتابه إلى أهل الشام فجمع عبدالله بن عامر الناس فقرأ كتابه عليهم ، فقامت خطباء من أهل البصرة يحضونه على نصر عثمان والمسير إليه فيهم : مجاشع بن مسعود السلمي ، وكان أول من تكلم وهو يومئذ سيد قيس بالبصرة ، وقام أيضا قيس بن الهيثم السلمي ، فخطب وحض الناس على نصر عثمان ، فسارع الناس إلى ذلك ، فاستعمل عليهم عبدالله بن عامر مجاشع بن مسعود فسار بهم حتى إذا نزل الناس الربذة ونزلت مقدمته عند صرار ناحية من المدينة أتاهم قتل عثمان .
وقال البلاذري : وكتب عثمان إلى عبدالله بن عامربن كريز ومعاوية بن أبي سفيان يعلمهما أن أهل البغي والعدوان من أهل العراق ومصر والمدينة قد أحاطوا بداره فليس يرضيهم بزعمهم شئ دون قتله أو يخلع السربال الذي سربله الله إياه ، ويأمرهما بإغاثته برجال ذوي نجدة وبأس ورأي ، لعل الله أن يدفع بهم عنه بأس يكيده و يريده ، وكان رسوله إلى ابن عامر جبير بن مطعم ، وإلى معاوية المسور بن مخرمة الزهري ، فأما ابن عامر فوجه إليه مجاشع بن مسعود السلمي في خمس مائة أعطاهم خمس مائة خمس مائة درهم ، وكان فيمن ندب مع مجاشع زفر بن الحارث على مائة رجل ، وأما معاوية فبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري في ألف فارس ، فقدم حبيب أمامه يزيد بن أسد البجلي جد خالد بن عبدالله بن يزيد القسري من بجيلة ، وبلغ أهل مصر ومن معهم ممن حاصر عثمان ما كتب به إلى ابن عامر ومعاوية فزادهم ذلك شدة عليه وجدا في حصاره وحرصا على معاجلته بالقتل . كتابه إلى اهل الامصار
أخرج الطبري وغيره وقالوا : كتب عثمان إلى أهل الامصار يستمدهم :
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد : فإن الله عزوجل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ، فبلغ عن الله ما أمره به ثم مضى وقد قضى الذي عليه وخلف فينا كتابه فيه حلاله وحرامه ، وبيان الامور التي قدر فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا ، فكان الخليفة أبوبكر رضي الله عنه وعمر رضى الله عنه ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملا من الامة ، ثم أجمع أهل الشورى عن ملا منهم ومن الناس على غير طالب مني ولا محبة ، فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون ، تابعا غير مستتبع ، متبعا غير مبتدع ، مقتديا غير متكلف ، فلما انتهت الامور ، وانتكث الشر بأهله ، بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب ، فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر ، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون وأشياء عن ملا من أهل المدينة لا يصلح غيرها ، فصبرت لهم نفسي و كففتها عنهم منذ سنين ، وأنا أرى وأسمع ، فأزدادوا على الله عزوجل جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرض الهجرة ، وثابت إليهم الاعراب ، فهم كالاحزاب أيام الاحزاب أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون ، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق . فأتى الكتاب أهل الامصار فخرجوا على الصعبة والذلول ، فبعث معاوية حبيب ابن مسلمة الفهري ، وبعث عبدالله بن سعد معاوية بن خديج السكوني ، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو . الحديث .
كتابه إلى اهل مكة
ومن حضر الموسم سنة 35
ذكر ابن قتيبة قال : كثب عثمان كتابا بعثه مع نافع طريف إلى أهل مكة و من حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكة وابن عباس يخطب وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم فقام نافع ففتح الكتاب فقرأه فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالله عثمان أميرالمؤمنين إلى من حضر الحج من المسلمين . أما بعد : فاني كتبت اليكم كتابي هذا وأنا محصور أشرب من بئر القصور ، ولا آكل من الطعام ما يكفيني ، خيفة أن تنفد ذخيرتي فأموت جوعا أنا ومن معي ، لا أدعى إلى توبة أقبلها ، ولاتسمع مني حجة أقولها ، فأنشدالله رجلا من المسلمين بلغه كتابي إلا قدم علي فأخذ الحق في ومنعني من الظلم والباطل .
قال : ثم ابن عباس فأتم خطبته ولم يعرض لشئ به شأنه .
قال الاميني : هذا ما يمكننا أن نؤمن به من كتاب عثمان إلى الحضور في الموسم وهناك كتاب مفصل إلى الحاج ينسب إليه يتضمن آيا من الحكم والموعظة الحسنة يطفح عن جوانبه الورع الشديد في دين الله ، والاخذ بالكتاب والسنة ، والاحتذاء بسيرة الشيخين ، يبعد جدا عن نفسيات عثمان وعما عرفته الامة من تاريخ حياته ، والكتاب أخرجه الطبري في تاريخه 5 : 140 - 143 وراق الدكتور طه حسين ما وجد فيه من المعاني الراقية والجمل الرائقة ، والفصول القيمة فذكره في ملحق كتابه " الفتنة الكبرى " ص 227 - 231 ذاهلا عن أن الكتاب لم يرو إلا من طريق ابن أبي سبرة القرشي العامري المدني الوضاع الكذاب السابق ذكره في سلسلة الوضاعين في الجزء الخامس ،
قال الواقدي : كان كثير الحديث وليس بحجة ، وقال صالح بن أحمد عن أبيه : كان يضع الحديث . قال عبدالله بن أحمد عن أبيه : ليس بشئ كان يضع الحديث ويكذب ، وعن ابن معين ليس حديثه بشئ ، ضعيف الحديث ، وقال ابن المديني : كان ضعيفا في الحديث ، وقال مرة : كان منكر الحديث . وقال الجوزجاني : يضعف حديثه وقال البخاري : ضعيف . وقال مرة : منكر الحديث . وقال النسائي : متروك الحديث .
وقال ابن عدي : عامة ما يرويه غير محفوظ وهو في جملة من يضع الحديث . وقال ابن حبان : كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات لايجوز الاحتجاج به . وقال الحاكم أبو عبدالله : يروي الموضوعات عن الاثبات ( 1 )
نظرة في الكتب المذكورة
لقد تضمنت هذه الكتب أشياء هي كافية في إثارة عواطف المؤمنين على من كتبها ولو لم يكن له سابقة سوء غيرها . منها : قوله عن المهاجرين والانصار وليس في المدينة غيرهم : ان أهل المدينة قد كفروا ، واخلفوا الطاعة ، ونكثوا البيعة . وقوله : فهم كالاحزاب أيام الاحزاب أو من غزانا بأحد . وهو يريد أصحاب محمد صلى الله عليه وآله , المشهود لهم جمعاء بالعدالة عند قاطبة أهل السنة ، ولقد صعدو او صوبوا في إثبات ذلك بما لايزيد عليه عندهم ، ولايزالون يحتجون بأقوالهم
(هامش ) * ( 1 ) راجع تاريخ الخطيب 14 : 367 - 372 ، تهذيب التهذيب 12 : 27 . [ *
وما يؤثر عنهم من قول أو عمل في أحكام الدين ، كما يحتجون بما يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السنة ، ثقة بايمانهم ، وطمأنينة بعدالتهم ، ويرون انهم لا ينبسون ببنت شفة ولا يخطون في أمر الدين خطوة إلا بأثر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسموع أن منقول : أو مشاهدة عمل منه صلى الله عليه وآله وسلم يطابق ما يرتأونه أو يعملون به ، فهل على مؤمن هذا شأنه قذف أثقل عليه من هذا أو تشويه أمس بكرامته من ذلك ولعمر الحق ان من يغض عن مثله فلا يستثيره خلو عن العاطفة الدينية ، خلو عن الحماس الاسلامي ،
خلو عن الشهامة المبدئية ، خلو عن الغيرة على الحق ، خلو وخلو . ولذلك اشتدت الصحابة عليه بعد وقوفهم على هذا وأمثاله ثم إنه ليس لاحد طاعة مفترضة على أعناق المسلمين بعد الله ورسوله إلا إمام حق يعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمتجمهرون على عثمان وهم الصحابة أجمع كانوا يرون انه تخطاهما ، وان ما كان ينوء به من فعل أو قول قد عديا الحق منهما ، فأي طاعة واجبة والحال هذه وحسبان القوم كما ذكرناه حتى يؤاخذوا على الخلف والبيعة إنما لزمت إن كان صاحبها باقيا على ما بويع عليه ، والقوم إنما بايعوه على متابعة الكتاب والسنة والمضي على سيرة الشيخين ، وبطبع الحال انها تنتكث عند نكوص صاحبها عن الشروط ، وهو الذي نقمه المسلمون على خليفتهم ، فلا موجب لمؤاخذتهم أو منابذتهم ، وهاهنا رأى المسلمون أن الرجل زاد ضغثا على أبالة ، فهو على أحداثه الممقوتة طفق يستثير الجنود عليهم ، ويعرضهم على القتل والنهب ، فتداركوا الامر فأوردوه حياض المنية قبل أن يجلب إليهم البلية ، وتلافوا الامر قبل أن يمسهم الشر ، وما بالهم لا تستثيرهم تلكم القذائف ؟ وهم يرون أنهم هم الذين آووا ونصروا ولم يألوا جهدا في جهاد الكفار حتى ضرب الدين بجرانه ، فمن العجيب والحالة هذه أن يشبهوا بالاحزاب والكفرة يوم أحد .
(ومنها ) * تلونه في باب التوبة التي تظاهر بها على صهوة المنبر بملا من الصحابة ، وسجل ذلك بكتاب شهد عليه عدة من أعيان الامة وفي مقدمهم سيدنا أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، وكتب ذلك إلى الامصار النائية كما تقدم في صفحة 171 و هو في كل ذلك يعترف بالخطيئة ويلتزم بالاقلاع عنها ، لكنه سرعان ما نكث التوبة وأبطل المواثيق المؤكدة بكتبه هذه ، إذ حسب أن من يكتب إليهم سينفرون اليه مقانب وكتائب وهم أولياء‌ه ومواليه ، فنفى عنه المآثم التي شهد عليها أهل المدينة بل وأهل الامصار من خيرة الامة ، وهو يريد أن يقلب عليهم ظهر المجن ، فيؤاخذ وينتقم وكأنه نسي ذلك كله حتى قال : في كتابه إلى أهل مكة : لا أدعى إلى توبة أقبلها ، ولاتسمع مني حجة أقولها :
يقول له المحامي عن المدنيين : أو لم تدع أيها الخليفة إلى التوبة فتبت على الاعواد وعلى رؤس الاشهاد مرة بعد أخرى ؟ لكنهم وجدوك لاتقر على قرار ، ولا تستمر على مبدء ، وشاهدوك تتلون تلون الحرباء ( 1 ) فجزموا بأن التوبة لاتردعك عن الاحداث ، وان النزوع لا يزعك عن الخطايا ، وجئت تماطل القوم بذلك كله حتى يوافيك جيوشك فتهلك الحرث والنسل ، وتمكن من أهل دار الهجرة مثل يزيد بن كرز الذي يقول : لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها محتلما إلا قتلته . الخ ، عرف القوم أيها الخليفة نواياك السيئة فيهم ، وعرفوا إنحرافك عن الطريقة المثلى بابعاد مروان إياك عنها كما قال مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ، وهو يخاطبك : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك وإن مثلك مثل الظعينة يقاد حيث يسار به ( 2 ) فنهضوا للدفع عنهم وعن بيضة الاسلام من قبل أن يقعوا بين الناب والمخلب ، فوقع ما وقع وكان أمر الله قدرا مقدورا .
ولناهاهنا مناقشة أخرى في حساب الخليفة فنقول له : ما بالك تكر رأيها الخليفة قولك عن الخلافة : إنها رداء الله الذي كساني . أو انها قميص سربلنيه الله . أو ما يماثل ذلك تطفح به كتبك أو يطفو على خطبتك ، ويلوكها فمك بين كلمك ، كأنك قد حفظتها كلمة ناجعة لدينك ودنياك ، واتخذتها وردا لك كأنك تحاذر في تركها النسيان غير أنه عزب عنك محاسبة من تخاطبهم بها إياك ، فما جواب قومك إن قالوا لك متى سربلك الله بهذا القميص وقد مات من سربلك ، وانقلب عليك بعد قبل موته
(هامش ) * ( 1 ) الحرباء : ضرب من الزحافات تتلون في الشمس ألوانا مختلفة ، يضرب بها المثل في المنقلب
( 2 ) راجع ما مر في صفحة 174 ، 175 من هذا الجزء . [ * ]
وعددته لذلك منافقا ، وأوصى أن لا تصلى عليه أنت ، وكان يقول لعلي أميرالمؤمنين خذ سيفك وآخذ سيفي انه قد خالف ما أعطاني ، وكان يحث الناس عليك ويقول : عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه ، وحلف أن لا يكلمك أبدا ، وقد دخلت عليه عائدا في مرضه فتحول إلى الحائط ولم يكلمك ( 1 ) وهاجرك إلى آخر نفس لفظه . وتبعه على خلافك
الباقون من أهل الشورى .
وكلنا نحسب أن نصب الخليفة لايجب على الله سبحانه إن كنا مقتفين أثر الشيخين وإنما هو مفوض إلى الامة تختار عليها من شاء‌ت ، وإن حدنا في ذلك من قول الله تعالى : وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ( 2 ) وما كان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ( 3 ) وعن نصوص النبي الاعظم وقد مر شطر منها في غضون أجزاء كتابنا هذا فهل ترى أيها الخليفة انه كان يجب على الله سبحانه أن يمضي خيرة الامة أكان في رأي الجليل إعواز في تقييض الامام بنفسه حتى ينتظر في ذلك مشتبك آراء الامة أو مرتبك أهوائهم فيمضي ما ارتأوه ؟ وبهذه المناسبة تنسب ذلك السربال إليه ، لا أضنك أيها الخليفة يسعك أن تقرر ما استفهمناه ، غير أن آخر دعواك بعد العجز عن الجواب : لا أنزع قميصا ألبسنيه الله وعلى كل لقد أوقفنا موقف الحيرة في أمر هذا السريال ومن حاكه والنول الذي حيك عليه ، فقد وجدنا أول الخلفاء تسربله بانتخاب غير دستوري بانتخاب جر الويلات على الامة حتى اليوم ، بانتخاب سود صحيفة التاريخ وشوه سمعة السلف ، وقد تقمصه إبن أبي قحافة وهو يعلم أن في الامة من محله من الخلافة محل القطب من الرحى ، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير ، كما قاله مولانا أميرالمؤمنين ثم مضى الاول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده ، فيا عجبا يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته ( 4 ) فتقمصه الثاني بالنص ممن قبله وهو يعلم أن في الامة من هو
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في هذا الجزء من حديث عبدالرحمن بن عوف ص 86 - 91 .
( 2 ) سورة القصص : 67 .
( 3 ) سورة الاحزاب : 36 .
( 4 ) راجع ما أسلفناه في الجزء السابع ص 81 ط 2 . [ * ]
أولى منه كما قال مولانا أميرالمؤمنين ( 1 ) وسربلك إياه أيها الخليفة عبدالرحمن بن عوف وفي لسانه قوله لعلي : بايع وإلا ضربت عنقك ، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره ، فخرج علي مغضبا فلحقه أصحاب الشورى قائلين : بايع وإلا جاهدناك ( 2 ) . فأي من هذه السرابيل منسوج بيد الحق حتى يصح عزوه إليه سبحانه ؟ ولهذا البحث ذيول ضافية حولها أبحاث مترامية الاطراف ، حول خلافة الخلفاء من بني أمية وغيرهم يشبه بعضها بعضا ، ولعلك في غنى عن التبسط في ذلك والاسترسال حول توثبهم على عرش الامامة . نعم : الخلافة التي يصح فيها أن يقال : انها سربال من الله سبحانه ، هي التي قيض صاحبها المولى جلت قدرته ، وبلغ عنه نبيه الامين صلى الله عليه وآله وسلم ، هي التي به النبي الاعظم به أول يومه فقال : إن الامر إلى الله يضعه حيث يشاء ( 3 ) فهي إمرة إلهية لاتتم إلا بالنص وليس لصاحبها أن ينزعها ، هي التي قرنت بولاية الله ورسوله في قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ( 4 ) وهي التي أكمل الله بها الدين وأتم بها النعمة ( 5 ) وشتان بينها وبين رجال الانتخاب وإن كان دستوريا وأما ما ارتآه المتجمهرون وعبثت به الميول والشهوات ، فهى سلطة عادية يفوز بها المتغلبون ، وبيد الامة حلها وعقدها ، والغاية منها عند من يحذو حذو الخليفة في جملة من الصولات كلائة الثغور ، واقتصاص القاتل ، وقطع المتلصص ، إلى آخر ما مر تفصيله في الجزء السابع صفحة 131 - 151 ط 2 وليس في عهدة المتسلق على عرشه تبليغ الاحكام ، وترويض النفوس ، وتهذيب الاخلاق ، وتعليم الملكات الفاضلة ، وتربية الملا في عالم النشو والارتقاء ، فإن تلكم الغايات في تلكم السلطات تحصل بمن هو خلو عن ذلك كله كما شوهد فيمن فازبها عن غير نص إلهي .
(هامش ) * ( 1 ) يأتى حديثه بلفظه .
( 2 ) الانساب للبلاذرى 5 : 22 .
( 3 ) مر حديثه في الجزء السابع ص 134 ط 2 .
( 4 ) راجع ما مضى في الجزء الثانى ص 47 ، والجرء الثالث ص 155 - 167 ط 2 .
( 5 ) راجع الجزء الاول من كتابنا هذا ص 230 - 239 ط 2 . [ * ]
يوم الدار والقتال فيها أخرج ابن سعد في طبقاته 5 : 25 ط ليدن من طريق أبي حفصة مولى مروان قال : خرج مروان بن الحكم يومئذ يرتجز ويقول : من يبارز ؟ فبرز إليه عروة بن شييم
بن البياع الليثي فضربه على قفاه بالسيف فخر لوجهه فقام إليه عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي بسكين معه ليقطع راسه فقامت إليه امه التي أرضعته وهي فاطمة الثقفية وهي جدة إبراهيم بن العربي صاحب اليمامة فقالت : إن كنت تريد قتله ؟ فقد قتله ، فما تصنع بلحمه أن تبضعه ؟ فاستحى عبيد بن رفاعة منها فتركه
وروى عن عياش بن عباس قال : حدثني من حضر ابن البياع يومئذ يبارز مروان بن الحكم : فكأني أنظر إلى قبائه قد أدخل طرفيه في منطقته وتحت القباء الدرع ، فضرب مروان على فقاه ضربة فقطع علابي رقبته ووقع لوجهه فأرادوا أن يذففوا عليه فقيل : تبضعون اللحم ؟ فترك .
وأخرج البلاذري من طريق خالد بن حرب قال : لجأ بنو أمية يوم قتل عثمان إلى أم حبيبة ( 1) فجعلت آل العاص وآل أبي العاص وآل أسيد في كندوج ( 2 ) وجعلت سائرهم في مكان آخر ، ونظر معاوية يوما إلى عمرو بن سعيد يختال في مشيته فقال : بأبي وأمي أم حبيبة ، ما كان أعلمها بهذا الحي حين جعلتك في كندوج .قال : ومشى الناس إلى عثمان وتسلقوا عليه من دار بني حزم الانصاري ، فقاتل دونه ثلاثة من قريش : عبدالله بن وهب بن زمعة بن الاسود ( 3 ) . عبدالله بن عوف ابن السباق ( 4 ) . وعبدالله ( 5 ) بن عبدالرحمن بن العوام ، وكان عبدالله بن عبدالرحمن
(هامش ) * ( 1 ) زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله .
( 2 ) كندوج : شبه المخزن في البيت .
( 3 ) قال ابن الاثير في اسد الغابة 3 : 273 ، قتل يوم الجمل أو يوم الدار وقال ابن حجر
في الاصابة 2 : 381 : قتل يوم الدار .
( 4 ) هو عبدالله بن أبي مرة " أبى ميسرة " العبدرى قتل مع عثمان كما في الاستيعاب 2 : 3 ، و الاصابة 2 : 367 .
( 5 ) ذكر أبوعمر في الاستيعاب وابن الاثير في اسد الغابة في ترجمة عبدالرحمن ، وابن حجر في الاصابة 2 : 415 : انه ممن قتل يوم الدار . [ * ]
ابن العوام يقول : يا عبادالله بيننا وبينكم كتاب الله . فشد عليه عبدالرحمن بن عبدالله الجمحي وهو يقول :
لاضربن اليوم بالقرضاب * بقية الكفار والاحزاب
ضرب امرئ ليس بذي ارتياب * أأنت تدعونا إلى الكتاب
نبذته في سائر الاحقاب
فقتله ، وشد جماعة من الناس على عبدالله بن وهب بن زمعة ، وعبدالله بن عوف ابن السباق ، فقتلوهما في جانب الدار.جاء مالك الاشتر حتى انتهى إلى عثمان فلم ير عنده أحدا فرجع فقال له مسلم بن كريب القابضي من همدان : أيا أشتر دعوتنا إلى قتل رجل فأجبناك حتى إذا نظرت اليه نكصت عنه على عقبيك . فقال له الاشتر : لله أبوك أما تراه ليس له مانع ولاعنه وازع فلما ذهب لينصرف قال ناتل مولى عثمان : واثكلاه هذا والله الاشتر الذي سعر البلاد كلها على أميرالمؤمنين ، قتلني الله إن لم أقتله . فشد في أثره فصاح به عمرو بن عبيد الحارثي من همدان : وراء‌ك الرجل يا أشتر فالتفت الاشتر إلى ناتل فضربه بالسيف فأطار يده اليسرى ونادى الاشتر : يا عمرو بن عبيد إليك الرجل فاتبع عمرو ناتلا فقتله . وقال مروان في يوم الدار :
وما قلت يوم الدار للقوم : حاجزوا * رويدا ولا اختاروا الحياة على القتل
ولكنني قد قلت للقوم : قاتلوا * بأسيافكم لا يوصلن إلى الكهل
وفي رواية أبي مخنف : تهيأ مروان وعدة معه للقتال فنهاهم عثمان فلم يقبلوا منه وحملوا على من دخل الدار فأخرجوهم . ورمي عثمان بالحجارة من دار بني حزم بن زيد الانصاري ونادوا : لسنا نرميك ، ألله يرميك ، فقال : لو رماني الله لم يخطأني ، و شد المغيرة بن الاخنس بالسيف وهو يقول :
قد علمت جارية عطبول * لها وشاح ولها جديل
أني لمن حاربت ذو تنكيل
فشد عليه رفاعة بن رافع وهو يقول :
قد علمت خود صحوب للذيل * ترخي قرونا مثل أذناب الخيل
أن لقرني في الوغى مني الويل
فضربه على رأسه بالسيف فقتله . ويقال : بل قتله رجل من عرض الناس ، وخرج مروان بن الحكم وهو يقول :
قد علمت ذات القرون الميل * والكف والانامل الطفول
أني أروع أول الرعيل
ثم ضرب عن يمينه وشماله فحمل عليه الحجاج بن غزية وهو يقول :
قد علمت بيضاء حسناء الطلل * واضحة الليتين قعساء الكفل
أني غداة الروع مقدام بطل .
فضربه على عنقه بالسيف فلم يقطع سيفه وخر مروان لوجهه وجاء‌ت فاطمة بنت شريك الانصارية من بلي - وهي ام ابراهيم بن عربي الكناني الذي كان عبدالملك ابن مروان ولاه اليمامة وهي التي كانت ربت مروان - فقامت على رأسه ثم أمرت به فحمل ، وادخل بيتا فيه كنه ( 1 ) وشد عامر بن بكير الكناني وهو بدري على سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن امية فضربه بالسيف على رأسه ، وقامت نائلة بنت الفرافصة على رأسه ثم احتملته فأدخلته بيتا وأغلقت بابه ( 2 )
وفي رواية الطبري من طريق أبي حفصة مولى مروان : لما حصر عثمان رضي الله عنه شمرت معه بنو أمية ، ودخل معه مروان الدار فكنت معه في الدار ، فأنا والله أنشبت القتال بين الناس رميت من فوق الدار رجلا من سلم فقتلته وهو نيار الاسلمى فنشب القتال ، ثم نزلت فاقتتل الناس على الباب ، فأرسلوا إلى عثمان أن أمكنا من قاتله قال : والله ما أعرف له قاتلا فباتوا ينحرفون علينا ليلة الجمعة بمثل النيران ، فلما أصبحوا غدوافأول من طلع علينا كنانة بن عتاب في يده شعلة من نار على ظهر سطوحنا قد فتح له من دار آل حزم ، ثم دخلت الشعل على اثره تنضح بالنفط فقاتلناهم ساعة على الخشب وقد اضطرم الخشب ، فأسمع عثمان يقول لاصحابه : ما بعد الحريق شئ قد احترق الخشب واحترقت الابواب ومن كانت لي عليه طاعة فليمسك داره ، ثم قال لمروان :
(هامش ) * ( 1 ) كنة بالضم : جناح يخرج من الحائط . والسقيفة تشرع فوق باب الدار : وقيل : هو مخدع أورف يشرع في البيت .
( 2 ) الانساب 5 : 78 - 81 . [ * ]
اجلس فلا تخرج . فعصاه مروان فقال : والله لاتقتل ولا يخلص إليك وأنا أسمع الصوت ثم خرج إلى الناس فقلت : ما لمولاي مترك . فخرجت معه أذب عنه ونحن قليل فأسمع مروان يقول :
قد علمت ذات القرون الميل * والكف والانامل الطفول
أني أروع أول الرعيل * بفاره مثل قطا الشليل
وقال أبوبكر بن الحارث : كأني أنظر إلى عبدالرحمن بن عديس البلوي وهو مسند ظهره إلى مسجد نبي الله صلى الله عليه وسلم وعثمان محصور فخرج مروان فقال : من يبارز
فقال عبدالرحمن بن عديس لفلان بن عروة ( 1 ) : قم إلى هذا الرجل . فقام إليه غلام شاب طوال فأخذ رفيف الدرع فغرزه في منطقته فأعور له عن ساقه فأهوى له مروان وضربه ابن عروة على عنقه ، فكأني أنظر إليه حين استدار وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ليدفف عليه إلى آخر ما مر عن ابن سعد
ومن طريق حسين بن عيسى عن أبيه قال : لما مضت أيام التشريق أطافوا بدار عثمان رضي الله عنه ، وأبى إلا الاقامة على أمره ، وأرسل إلى حشمه وخاصته فجمعهم فقام رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له : نيار بن عياض وكان شيخا كبيرا فنادى : يا عثمان فأشرف عليه من أعلى داره فناشده الله وذكره الله لما اعتزلهم ، فبينا هو يراجعه الكلام إذا رماه رجل من أصحاب عثمان فقتله بسهم ، وزعموا أن الذي رماه كثير بن الصلت الكندي ، فقالوا لعثمان عند ذلك : إدفع الينا قاتل نيار بن عياض فلنقتله به . فقال :
لم أكن لاقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي ، فلما رأوا ذلك ثاروا إلى بابه فاحرقوه ، وخرج عليهم مروان بن الحكم من دار عثمان في عصابة ، وخرج سعيد بن العاص في عصابة ، وخرج المغيرة بن الاخنس الثقفي في عصابة ، قاقتتلوا قتالا شديدا ، وكان الذي حداهم على القتال انه بلغهم ان مددا من أهل البصرة قد نزلوا صرارا وهي من المدينة على ليلة ، وأن أهل الشام قد توجهوا مقبلين فقاتلوهم قتالا شديدا على باب الدار فحمل المغيرة بن الاخنس الثقفي على القوم وهو يقول مرتجزا :
(هامش ) * ( 1 ) لعل الصحيح : عروة بن شييم البياع الليثى كما جاء في رواية الطبرى في تاريخه 5 ، 133 ومر في ص 198 من رواية ابن سعد في طبقاته . [ * ]
قد علمت جارية عطبول * لها وشاح ولها حجول
أني بنصل السيف خنشليل
فحمل عليه عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وهو يقول :
إن تك بالسيف كما تقول * فاثبت لقرن ماجد يصول
بمشرفي حده مصقول
فضربه عبدالله فقتله ، وحمل رفاعة بن رافع الانصاري ثم الزرقي على مروان ابن الحكم فضربه فصرعه فنزع عنه وهو يرى انه قد قتله ، وجرح عبدالله بن الزبير جراحات وانهزم القوم حتى لجأوا إلى القصر فاعتصموا ببابه فاقتلوا عليه قتالا شديدا فقتل في المعركة على الباب زياد بن نعيم الفهري ( 1 ) في ناس من أصحاب عثمان فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو بن حزم الانصاري باب داره وهو إلى جنب دار عثمان بن عفان ثم نادى الناس ، فأقبلوا عليهم من داره فقاتلوهم في جوف الدار حتى انهزموا وخلي لهم عن باب الدار فخرجوا هرابا في طريق المدينة ، وبقي عثمان في أناس من اهل بيته وأصحابه فقتلوا معه وقتل عثمان رضي الله عنه ( 2 ) وفر خالد بن عقبة بن أبي معيط أخو الوليد يوم الدار ، وإليه أشار عبدالرحمن ابن سيحان ( 3 ) بقوله :
يلومونني إن جلت في الدار حاسرا * وقد مر منها خالد وهو دارع ( 4 )
فإن كان نادى دعوة فسمعتها * فشلت يدي واستك مني المسامع
فقال خالد :
لعمري لقد أبصرتهم فتركتهم * بعينك إذ ممشاك في الدار واسع ( 5 )
وقال أبوعمر : قتل المغيرة بن الاخنس يوم الدار مع عثمان رحمه الله وله يوم
(هامش ) * ( 1 ) عده من قتلى يوم الدار ابوعمر في الاستيعاب وابن حجر في الاصابة .
( 2 ) تاريخ الطبرى 5 : 122 - 125 ، الكامل لابن الاثير 3 : 73 ، 74 .
( 3 ) كذا في الانساب وفى الاستيعاب والاصابة : أزهر بن سحبان .
( 4 ) في الانساب للبلاذرى : يلوموننى في الدار إن غبت عنهم * وقد فر عنهم خالد وهو دارع
( 5 ) الانساب 5 : 117 ، الاستيعاب 1 : 155 ، الاصابة 1 : 103 ، 410 . [ * ]
الدار أخبار كثيرة ، ومنها : انه قال لعثمان حين أحرقوا بابه : والله لا قال الناس عنا إنا خذلناك وخرج بسيفه وهو يقول :
لما تهدمت الابواب واحترقت * يممت منهن بابا غير محترق
حقا أقول لعبدالله آمره * إن لم تقاتل لدى عثمان فانطلق
والله لا أتركه ما دام بي رمق * حتي يزايل بين الراس والعنق
هو الامام فلست اليوم خاذله * إن الفرار علي اليوم كالسرق
وحمل على الناس فضربه رجل على ساقه فقطعها ثم قتله . فقال رجل من بني زهرة لطلحة بن عبيدالله : قتل المغيرة بن الاخنس فقال : قتل سيد حلفاء قريش . راجع " الاستيعاب " ترجمة المغيرة . وقال ابن كثير في تاريخه 7 : 188 : ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان زياد ابن نعيم الفهري ، والمغيرة بن الاخنس بن شريق ، ونيار بن عبدالله الاسلمي ، في أناس وقت المعركة .
قال الاميني : لقد حدتني إلى سرد هذه الاحاديث الدلالة بها منضمة إلى ما سبقها من الاخبار على أنه لم يكن مع عثمان من يدافع عنه غير الامويين ومواليهم وحثالة ممن كان ينسج على نولهم تجاه هياج المهاجرين والانصار فقتل من اولئك من قتل ، وضم إليه كندوج ام حبيبة آخرين ، وتفرق شذاذ منهم هاربين في أزقة المدينة ، فلم يبق إلا الرجل نفسه وأهله حتى انتهت إليه نوبة القتل من دون أي مدافع عنه ، فتحفظ على هذا فإنه سوف ينفعك فيما يأتي من البحث عن سلسلة الموضوعات .
(لفت نظر ) عد نيار بن عبدالله بن أصحاب عثمان كما فعله ابن كثير غلط فاحش دعاه إليه حبه إكثار عدد المدافعين عن الخليفة المقتولين دونه ، وقد عرفت ( لفت نظر ) عد نيار بن عبدالله من أصحاب عثمان كما فعله ابن كثير غلط فاحش دعاه إليه حبه إكثار عدد المدافعين عن الخليفة المقتولين دونه ، وقد عرفت ان كان شيخا كبيرا حضر ذلك الموقف للنصيحة والموعظة الحسنة لعثمان فقتله مولى مروان بسهم ، فشب به القتال ، وطولب عثمان بقاتله ليقتص منه وامتنع عن دفعه فهاج بذلك غضب الانصار عليه . [ * ]
حديث مقتل عثمان إنا لله وإنا إليه راجعون
أخرج الطبري في تاريخه وغيره من طريق يوسف بن عبدالله بن سلام قال : أشرف عثمان على الناس وهو محصور وقد أحاطوا بالدار من كل ناحية فقال : أنشدكم بالله عزوجل هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يخير لكم وأن يجمعكم على خيركم فما ظنكم بالله أتقولونه لم يستجب لهم وهنتم على الله سبحانه وأنتم يومئذ أهل حقه من خلقه ، وجميع اموركم لم تتفرق أم تقولون : هان على الله دينه فلم يبال من ولاه والدين يومئذ يعبد به الله ولم يتفرق اهله فتوكلوا ، أو تخذلوا وتعاقبوا ، أم تقولون : لم يكن أخذ عن مشورة وإنما كابرتم مكابرة ، فوكل الله الامة إذا عصته ، لم تشاوروا في الامام ، ولم يجتهدوا في موضع كراهته ، أم تقولون : لم يدر الله ما عاقبة أمري ؟ فكنت في بعض أمري محسنا ولاهل الدين رضى فما أحدثت بعد في أمري ما يسخط الله وتسخطون مما لم يعلم الله سبحانه يوم اختارني وسربلني سربال كرامته ، وأنشدكم بالله هل تعلمون لي من سابقة خير و سلف خير قدمه الله لي ، وأشهدنيه من حقه وجهاد عدوه حق على كل من جاء من بعدي أن يعرفوا لي فضلها ، فمهلا لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة : رجل زنى بعد إحصانه أو كفر بعد إسلامه ، أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها ، فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لم يرفعه الله عنكم إلى يوم القيامة ولا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني لم تصلوا من بعدي جميعا أبدا ، ولم تقتسموا بعدي فئ جميعا أبدا ، ولن يرفع الله عنكم الاختلاف أبدا .
قالوا له : أما ما ذكرت من استخارة الله عزوجل الناس بعد عمر رضي الله عنه فيمن يولون عليهم ثم ولوك بعد استخارة الله ، فإن كل ما صنع الله الخيرة ، ولكن الله سبحانه جعل أمرك بلية إبتلى بها عباده وأما ما ذكرت من قدمك وسبقك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانك قد كنت ذا قدم وسلف وكنت أهلا للولاية ولكن بدلت بعد ذلك وأحدثت ما قد علمت . وأما ما ذكرت مما يصيبنا إن نحن قتلناك من البلاء فإنه لا ينبغي ترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما قابلا
وأما قولك : إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة ، فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت : قتل من سعى في الارض فسادا ، وقتل من بغى ثم قاتل على بغيه ، و قتل من حال دون شئ من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه ، وقد بغيت ، ومنعت للحق وحلت دونه وكابرت عليه ، تأبى أن تقيد من نفسك من ظلمت عمدا ، وتمسكت بالامارة علينا ، وقد جرت في حكمك وقسمك ، فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه وان الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون بغير أمرك فإنما يقاتلون لتمسكك بالامارة فلو أنك خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال دونك .
قال البلاذري وغيره : لمابلغ أهل مصر ومن معهم ممن حاصر عثمان ما كتب به إلى ابن عامر ومعاوية فزادهم ذلك شدة عليه وجدا في حصاره وحرصا على معاجلته بالقتل وكان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار ، وأمرهم بمنع من يدخل عليه والخروج من عنده ، وأن يدخل اليه الماء ، وأتت ام حبيبة بنت أبي سفيان بادواة وقد اشتد عليه الحصار فمنعوها من الدخول فقالت : إنه كان المتولي لوصايانا وأمر أيتامنا وأنا أريد مناظرته في ذلك ، فأذنوا لها فأعطته الادواة وقال جبير بن مطعم : حصر عثمان حتى كان لايشرب إلا من فقير في داره فدخلت على علي فقلت : أرضيت بهذا أن يحصر ابن عمتك حتى والله مايشرب إلامن فقير في
داره ؟ فقال : سبحان الله أو قد بلغوا به هذه الحال ؟ قلت : نعم ، فعمد إلى روايا ماء فأدخلها إليه فسقاه ولما وقعت الواقعة ، وقام القتال ، وقتل في المعركة زياد بن نعيم الفهري في ناس من أصحاب عثمان ، فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو بن حزم الانصاري باب داره وهو إلي جنب دار عثمان بن عفان ثم نادى الناس فأقبلوا عليهم من داره فقاتلوهم في جوف الدار حتى انهزموا وخلي لهم عن باب الدار فخرجوا هرابا في طرق المدينة و بقي عثمان في أناس من أهل بيته وأصحابه فقتلوا معه وقتل عثمان رضي الله عنه
أخرج ابن سعد والطبري من طريق عبدالرحمن بن محمد قال : إن محمد بن أبي بكر تسور على عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه كنانة بن بشر بن عتاب ، وسودان ابن حمران ، وعمرو بن الحمق ، فوجدوا عثمان عندامرأته نائلة وهو يقرأ في المصحف سورة البقرة فتقد مهم محمد بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال : قد أخزاك الله يا نعثل فقال عثمان : لست بنعثل ، ولكن عبدالله وأميرالمؤمنين . فقال محمد : ما أغنى عنك معاوية وفلان و فلان . فقال عثمان : يا ابن أخي دع عنك لحيتي ، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه فقال محمد : ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك . فقال عثمان : أستنصر الله عليك و أستعين به ثم طعن جبينه بمشقص ( 1 ) في يده .
وفي لفظ البلاذري : تناول عثمان المصحف ووضعه في حجره وقال : عبادالله لكم ما فيه ، والعتبى مما تكرهون ، أللهم اشهد ، فقال محمد بن أبي بكر : الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ، ثم رفع جماعة قداح كانت في يده فوجأ بها في خششائه ( 2 ) حتى وقعت في أوداجه فحزت ولم تقطع ، فقال : عبادالله ! لا تقتلوني فتندموا و تختلفوا .
وفي لفظ ابن كثير : جاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلا فأخذ بلحيته فعال بها حتى سمعت وقع أضراسه فقال : ما أغنى عنك معاوية ، وما أغنى عنك ابن عامر ، و ما أغنت عنك كتبك .
وفي لفظ ابن عساكر : قال محمد بن أبي بكر : على أي دين أنت يا نعثل ؟ قال : على دين الاسلام ، ولست بنعثل ولكني أميرالمؤمنين . قال : غيرت كتاب الله . فقال : كتاب الله بيني وبينكم . فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال : إنا لايقبل منا يوم القيامة أن نقول : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراء‌نا فأضلونا السبيل ، وشحطه بيده من البيت إلى باب الدار وهو يقول : يا ابن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي .
قال ابن سعد والطبري : ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذن عثمان فمضت حتى دخلت في حلقه ثم علاه السيف حتى قتله .
(هامش ) * ( 1 ) المشقص : نصل السهم اذا كان طويلا غير عريض .
( 2 ) الخششاء : العظم الدقيق العارى من الشعر الناتئ خلف الاذن . [ * ]
وفي رواية ابن أبي عون : ضرب كنانة بن بشر التجيبي جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبه ، قال الوليد بن عقبة او غيره :
علاه بالعمود أخو تجيب * فأوهى الرأس منه والجبينا ( 1 )
وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله ، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات ، وقال : أما ثلاث منهن فإني طعنتهن لله ، وأما ست فإني طعنت إياهن لما كان في صدري عليه .
وأقبل عمير بن ضابئ عليه فكسر ضلعا من أضلاعه ، وفي الاصابة : لما قتل عثمان وثب عمير بن ضابئ عليه فكسر ضلعين من أضلاعه . وقال المسعودي : وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابئ البرجمي وخضخص بسيفه بطنه . وسيوافيك حديث آخر عنه لدة هذا .
وفي لفظ الطبري وابن عبد ربه وابن كثير : ضربوه على رأسه ثلاث ضربات ، و طعنوه في صدره ثلاث طعنات ، وضربوه على مقدم العين فوق الانف ضربة أسرعت في العظم وقد أثخنوه وبه حياة وهم يريدون قطع رأسه فألقت نائلة وابنة شبيبة بن ربيعة زوجتاه بنفسهما عليه ، فقال ابن عديس : اتركوه . فتركوه ووطئتا وطئا شديدا .
وفي لفظ ابن كثير : في رواية : إن الغافقي بن حرب تقدم اليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه
بحديدة في فيه .
وذكر البلاذري من طريق الحسن عن وثاب وكان مع عثمان يوم الدار وأصابته طعنتان كأنهما كيتان قال : بعثني عثمان فدعوت الاشتر له فقال : يا أشتر ما يريد الناس مني قال : يخيرونك أن تخلع لهم أمرهم ، أو تقص من نفسك وإلا فهم قاتلوك . قال : أما الخلع فما كنت لاخلع سربلنيه الله ، وأما القصاص فوالله علمت ان صاحبي كانا يعاقبان ، وما يقوم بدني للقصاص ، وأما قتلي فوالله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا ولا تقاتلون عدوا جميعا أبدا وقال وثاب : أصابتني جراحة فأنا أنزف مرة وأقوم مرة ، فقال لي عثمان : هل
(هامش ) * ( 1 ) من المستغرب جدا ان أباعمر ابن عبدالبر ذكر هذا البيت في " الاستيعاب " في ترجمة مولانا أميرالمؤمنين بعد ذكر قتله وقال : قال شاعرهم :
علاه بالعمود اخو تجوب * فأوحي الراس منه والجبينا . [ * ]
عندك وضوء قلت : نعم فتوضأ ثم أخذ المصحف فتحرم به من الفسقة فبينا هو كذلك إذ جاء رويجل كأنه ذئب فاطلع ثم رجع ، فقلنا لقد ردهم أمر ونهاهم ، فدخل محمد بن أبي بكر حتى جثى على ركبتيه ، وكان عثمان حسن اللحية ، فجعل يهزها حتى سمع نقيض أضراسه ثم قال : ما أغنى عنك معاوية ، ما أغنى عنك ابن عامر ، فقال : يا ابن أخي مهلا فوالله ما كان أبوك ليجلس مني هذا المجلس ، قال : فأشعره وتعاونوا عليه فقتلوه .
وأخرج من طريق ابن سيرين قال : جاء ابن بديل إلى عثمان - وكان بينهما شحناء - ومعه السيف وهو يقول : لاقتلنه ، فقالت له جارية عثمان : لانت أهون على الله من ذلك ، فدخل على عثمان فضربه ضربة لا أدري ما أخذت منه .
راجع طبقات ابن سعد ط ليدن 3 : 51 ، انساب البلاذرى 5 : 72 ، 82 ، 83 , 2 ، 97 ، 98 الامامة والسياسة 1 : 39 ، تاريخ الطبرى 5 : 125 ، 131 ، 132 ، العقد الفريد 2 : 270 ، مروج الذهب 1 ، 442 ، الاستيعاب 2 : 477 ، 478 ، تاريخ ابن عساكر 4 : 372 ، الكامل لابن الاثير 3 : 72 ، 75 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 166 ، 168 ،
تاريخ ابن خلدون 2 : 401 ، تاريخ ابى الفدا ج 1 : 170 ، تاريخ ابن كثير 7 ، 184 ، 185 ، 187 ، 188 ، حياة الحيوان للدميرى 1 : 54 ، مجمع الزوائد 7 : 232 ، تاريخ الخميس 2 : 263 ، السيرة الحلبية 2 ، 85 ، الاصابة 2 : 215 ، ازالة الخفاء 2 :239 - 242 .
تجهيز الخليفة ودفنه
أخرج الطبري من طريق أبي بشير العابدي قال : نبذ عثمان رضي الله عنه ثلاثة أيام لا يدفن ، ثم أن حكيم بن حزام القرشي ثم أحد بني أسد بن عبدالعزى ، وجبير ابن مطعم كلما عليا في دفنه وطلبا إليه أن يأذن لاهله في ذلك ، ففعل وأذن لهم علي ، فلما سمع بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة ، وخرج به ناس يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يقال له : حش كوكب ( 1 ) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلما خرج به على الناس رجموا سريره وهموا بطرحه ، فبلغ ذلك عليا ، فأرسل إليهم يعزم
(هامش ) * ( 1 ) قال ابوعمر في " الاستيعاب " وياقوت في " المعجم " والمحب الطبرى في " الرياض " : كوكب رجل من الانصار ، والحش : البستان . [ * ]
عليهم ليكفن عنه ، ففعلوا فانطلق به حتى دفن رضي الله عنه في حش كوكب ، فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع ، فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل ذلك بمقابر المسلمين .
ومن طريق أبي كرب وكان عاملا على بيت مال عثمان قال : دفن عثمان رضي الله عنه بين المغرب والعتمة ولم يشهد جنازته إلا مروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة فناحت ابنته ورفعت صوتها تندبه ، وأخذ الناس الحجارة وقالوا : نعثل نعثل ، وكادت ترجم ، فقالوا : الحائط الحائط ، فدفن في حائط خارجا
ومن طريق عبدالله بن ساعدة قال : لبث عثمان بعد ما قاتل ليلتين لا يستطيعون دفنه ثم حمله أربعة : حكيم بن حزام ، وجبير بن مطعم ، ونيار بن مكرم ، وأبوجهم ابن حذيفة . فلما وضع ليصلى عليه جاء نفر من الصحابة يمنعونهم الصلاة عليه فيهم : أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي ، وأبوحية المازني في عدة ومنعوهم أن يدفن بالبقيع فقال أبوجهم : ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته ، فقالوا : لا والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبدا ، فدفنوه في حش كوكب ، فلما ملكت بنو أمية أدخلوا ذلك الحش في البقيع ، فهو اليوم مقبرة بني أمية .
ومن طريق عبدالله بن موسى المخزومي قال : لما قتل عثمان رضي الله عنه أرادوا حز رأسه فوقعت عليه نائلة وأم البنين فمنعهم وصحن وضربن الوجوه وخرقن ثيابهن ، فقال ابن عديس : اتركوه ، فأخرج عثمان ولم يغسل إلى البقيع ، وأرادوا أن يصلوا عليه في موضع الجنائز فأيت الانصار ، وأقبل عمير بن ضابئ وعثمان موضوع على باب فنزا عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال : سجنت ضابئا حتى مات في السجن .
وأخرج ابن سعد والطبري من طريق مالك بن أبي عامر قال : كنت أحد حملة عثمان رضي الله عنه حين قتل ، حملناه على باب وان رأسه لتقرع الباب لاسراعنا به ، وإن بنا من الخوف لامرا عظيما حتى واريناه في قبره في حش كوكب .
وأخرج البلاذري من رواية أبي مخنف : ان عثمان رضي الله عنه قتل يوم الجمعة فترك في داره قتيلا ، فجاء جبيربن مطعم ، وعبدالرحمن بن أبي بكر ، ومسور بن مخرمة الزهري ، وأبوالجهم بن حذيفة العدوي ليصلوا عليه ويجنوه ، فجاء رجال من الانصار فقالوا : لاندعكم تصلون عليه ، فقال أبوالجهم : ألا تدعونا نصلي عليه ؟ فقد صلت عليه الملائكة ، فقال الحجاج بن غزية : إن كنت كاذب فأدخلك الله مدخله ، قال : نعم حشرني الله معه ، قال ابن غزية : إن الله حاشرك معه ومع الشيطان ، والله إن ترك إلحاقك ، به لخطأ وعجز . فسكت أبوالجهم ، ثم إن القوم اغفلوا أمر عثمان وشغلوا عنه ، فعاد هؤلاء النفر فصلوا عليه ودفنوه ، وأمهم جبير بن مطعم وحملت أم البنين بنت عيينة بن حصن امرأة عثمان لهم السراج ، وحمل على باب صغير من جريد قد خرجت عنه رجلاه وأخرج حديث منع الصلاة عليه أبوعمر في " الاستيعاب " من طريق هشام بن عروة عن أبيه وقال : إنه لقيهم قوم من الانصار فقاتلوهم حتى طرحوه ، ثم توطأ عمير بن ضابئ بن الحارث بن ارطاة التميمي ثم البرجمي بطنه ، وجعل يقول : ما رأيت كافرا ألين بطنا منه ، وكان أشد الناس على عثمان ، فكان يقول يومئذ : أرني ضابئا ، أحي لي ضابئا ليرى ما عليه عثمان من الحال . وقال ابن قتيبة في الشعر والشعراء ص 128 : جاء عمير بن ضابئ حتى رفسه برجله .
قال البلاذري : ودفن عثمان في حش كوكب وهو نخل لرجل قديم يقال له : كوكب ، ثم أقبل الناس حين دفن إلى علي فبايعوه وأرادوا دفن عثمان بالبقيع فمنعهم من ذلك قوم فيهم أسلم بن بجرة الساعدي ، ويقال : جبلة بن عمرو الساعدي ، وقال ابن دأب : صلى عليه مسور بن مخرمة .
وقال المدائني عن الوقاضي عن الزهري : امتنعوا من دفن عثمان فوقفت أم حبيبة بباب المسجد ثم قالت : لتخلن بيننا وبين دفن هذا الرجل أولا كشفن ستر رسول الله فخلوا بينهم وبين دفنه .
وأخرج من طريق أبي الزناد قال : خرجت نائلة امرأة عثمان ليلة دفن ومعها سراج وقد شقت جيبها وهي تصيح : واعثماناه ، وأمير المؤمنيناه ، فقال لها جبير بن مطعم : اطفئي السراج فقد ترين من الباب ، فأطفأت السراج وانتهوا إلى البقيع ، فصلى عليه جبير وخلفه حكيم بن حزام ، وأبوجهم ، ونيار بن مكرم ، ونائلة وأم البنين امرأتاه ونزل في حفرته نيارو أبوجهم وجبير ، وكان حكيم والامر أتان يدلونه على الرجال حتى قبر وبنى عليه وغموا قبره وتفرقوا . وفي لفظ أبي عمر : فلما دفنوه غيبوا قبره ، وذكره
السمهودي في وفاء الوفاء 2 : 99 من طريق ابن شبة عن الزهري .
وأخرج ابن الجوزي والمحب الطبري والهيثمي من طريق عبدالله بن فروخ قال : شهدت عثمان بن عفان دفن في ثيابه بدمائه ولم يغسل . وقال المحب : خرجه البخاري والبغوي في معجمه . وذكر ابن الاثير في " الكامل " وابن أبي الحديد في الشرح انه لم يغسل وكفن في ثيابه
وأخرج أبوعمر في " الاستيعاب " من طريق مالك قال : لما قتل عثمان رضي الله عنه ألقي على المزبلة ثلاثة أيام فلما كان من الليل أتاه اثنا عشر رجلا ( 1 ) فيهم حويطب ابن عبدالعزى ، وحكيم بن حزام ، وعبدالله بن الزبير فاحتملوه فلما صاروا به إلى المقبرة ليدفنوه ناداهم قوم من بني مازن : والله لئن دفنتموه ههنا لنخبرن الناس غدا . فاحتملوه وكان على باب وان رأسه على الباب ليقول : طق طق ، حتى صاروا به إلى حش كوكب فاحتفروا له وكانت عائشة بنت عثمان رضي الله عنهما معها مصباح في جرة ، فلما أخرجوه ليدفنوه صاحب فقال لها ابن الزبير : والله لئن لم تسكتي لاضربن الذي في عيناك . فسكتت فدفن .
وذكره المحب الطبري في " الرياض " نقلا عن القلعي ، وذكر عن الخجندي انه أقام في حش كوكب ثلاثا مطروحا لا يصلى عليه .
وذكر الصفدي في تمام المتون ص 79 عن مالك ان عثمان ألقي على المزبلة ثلاثة أيام .
وقال اليعقوبي : أقام ثلاثا لم يدفن وحضر دفنه حكيم ، وجبير ، وحويطب ، و عمرو بن عثمان ابنه ، ودفن ليلا في موضع يعرف بحش كوكب ، وصلى عليه هؤلاء الاربعة وقيل : لم يصل عليه ، وقيل : أحد الاربعة صلى عليه ، فدفن بغير صلاة .
وقال ابن قتيبة : ذكروا أن عبدالرحمن بن الازهر قال : لم أكن دخلت في شئ من أمر عثمان لا عليه ولاله ، فاني مجالس بفناء داري ليلا بعد ما قتل عثمان بليلة إذ
(هامش ) * ( 1 ) احاديث الباب مطلقة على ان الذين تولوا اجنانه كانوا اربعة . وقال المحب الطبرى وقد قيل : ان الذين تولوا تجهيزه كانوا خمسة اوستة . اربعة رجال وامراتان نائلة وام البنين . [ * ]
جاء‌ني المنذر بن الزبير فقال إن أخي يدعوك فقمت إليه فقال لي : إنا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك قلت : والله ما دخلت في شئ من شأنه وما أريد ذلك ، فانصرفت عنه ثم إتبعته ، فإذا هو في نفرفيهم جبير بن مطعم ، وأبوالجهم ، والمسور ، وعبدالرحمن بن أبي بكر ، وعبدالله بن الزبير فاحتملوه على باب وان رأسه ليقول : طق طق ، فوضعوه في موضع الجنائز فقام إليهم رجال من الانصار فقالوا لهم : لا والله لا تصلون عليه ، فقال أبوالجهم : ألا تدعون نصلي عليه فقد صلى الله تعالى عليه وملائكته . فقال له رجل منهم : إن كنت كاذبا فأدخلك الله مدخله ، فقال له : حشرني الله معه فقال له : إن الله حاشرك مع الشياطين ، والله إن تركناكم به لعجز منا . فقال القوم لابي الجهم : اسكت عنهم وكف فسكت ، فاحتملوه ثم انطلقوا مسرعين كأني اسمع وقع رأسه على اللوح حتى وضعوه في أدنى البقيع فأتاهم جبلة بن عمرو الساعدي من الانصار فقال : لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله ولا نترككم تصلون عليه ، فقال أبوالجهم : انطلقوا بنا إن
لم نصل عليه فقد صلى الله عليه ، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق حتى إذا أتوا به جسر ( 1 ) كوكب حفروا له حفرة ثم قاموا يصلون عليه وأمهم جبير بن مطعم ، ثم دلوه في حفرته فلما رأته ابنته صاحت فقال ابن الزبير : والله لئن لم تسكتي لاضربن الذي في عينيك فدفنوه ، ولم يلحدوه بلبن وحثوا عليه التراب حثوا .
وقال ياقوت الحموي : لما قتل عثمان ألقي في حش كوكب ثم دفن في جنبه
وذكرابن كثير بعض ما أسلفناه نقلا عن البلاذري فقال : ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار وهما : صبيح ونجيح رضي الله عنهما فدفنا إلى جانبه بحش كوكب ، وقيل : إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما ، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط ( 2 ) فأكلتهما الكلاب ، وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان ، ورفع الجدار بينه وبين البقيع وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله .
وذكر الحلبي في السيرة عن ابن ماجشون عن مالك : ان عثمان بعد قتله ألقي
(هامش ) * ( 1 ) كذا في النسخة ، والصحيح : حش .
( 2 ) البلاط من الارض : وجهها ، او منتهى الصلب منها . وفي لفظ الحلبى كما يأتى : التلال
ولعله الصحيح . [ * ]
على المزبلة ثلاثة أيام ، وقيل ، أغلق عليه بابه بعد قتله ثلاثة أيام ، لا يستطيع أحد أن يدفنه ( إلى آخر ما مر من حديث مالك ) ولما دفنوه عفواقبره خوفا عليه أن ينبش ، وأما غلاماه اللذان قتلا معه فجروهما برجليها وألقوهما على التلال فأكلتهما الكلاب .
وذكر ابن أبي الحديد وابن الاثير والدميري انه أقام ثلاثة أيام لم يدفن ولم يصل عليه ، وقيل لم يغسل ولم يكفن ، وقيل : صلى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا .
وذكر السمهودي في وفاء الوفا عن عثمان بن محمد الاخنسي عن أم حكيمة
قالت : كنت مع الاربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان : جبير ، حكيم ، أبوجهم ، نيار الاسلمي وحملوه على باب اسمع قرع رأسه على الباب كأنه دباة ويقول : دب دب حتى جاؤا به حش كوكب فدفن به ثم هدم عليه الجدار وصلي عليه هناك .
طبقات ابن سعد 3 : 55 : انساب البلاذرى 83 ، 86 ، 99 ، الامامة والسياسة 1 : 40 ، تاريخ الطبرى 5 : 143 ، 144 ، تاريخ اليعقوبى 2 : 153 ، الاستيعاب 2 : 478 ، 479
صفة الصفوة 1 : 117 ، الكامل لابن الاثير 3 : 76 ، الرياض النضرة 2 : 131 ، 132 ، معجم البلدان 3 : 281 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 168 ، تاريخ ابن كثير 7 : 190 ، 191 ، حياة الحيوان للدميرى 1 : 54 ، وفاء الوفا للمسهودى 2 : 99 ، السيرة الحلبية 2 : 85 ، تاريخ الخميس 2 : 265 .
وقال الشاعر المفلق أحمد شوقي بك في دول العرب ص 49 .
من لقتيل بالسفا ( 1 ) مكفن * مرت به ثلاثة لم يدفن
تعرضه نوادبا أرامله * ويشفق النعش ويأبى حامله
قد حيل بين الارض وابن آدما * ونوزعت دار البقاء قادما
قال الاميني : إن هاهنا صحيفة غامضة أقف تجاهها موقف السادر لا تطاوعني النفس على الركون إلي أي من شقي الاحتمال الذين يخالجان في الصدر ، وذلك ان ما ارتكب من الخليفة في التضييق عليه وقتله بتلكم الصور المشددة ، ثم ما نيل منه بعد القتل من المنع عن تجهيزه وتغسيله ودفنه والصلاة عليه والوقيعة فيه بالسباب المقذع وتحقيره برمي جنازته بالحجارة وكسر بعض اضلاعه ، يستدعي إما فسق الصحابة أجمع
(هامش ) * ( 1 ) السفا : الغبار . [ * ]
فانهم كانوا بين مباشر لهاتيك الاحوال ، وبين خاذل للمودى به ، وبين مؤلب عليه ، إلى مثبط عنه ، إلي راض بما فعلوا ، إلى محبذ لتلكم الاهوال ، وكان يرن في مسامعهم قوله تعالى : لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . وقوله تعالى : من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا . وقوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما وما جاء في ذلك من السنة أكثر ، وما يؤثر عن نبي العظمة صلى الله عليه وآله من وجوب دفن موتى المؤمنين وتغسيلهم وتكفينهم والصلاة عليهم ، وان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا ، فالقوم إن كانوا متعمدين في مخالفة هذه النصوص فهم فساق إن لم نقل إنهم مراق عن الدين بخروجهم على الامام المفترص طاعته .
أو أن هذه الاحوال تستدعي انحراف الخليفة عن الطريقة المثلى ؟ وان القوم اعتقدوا بخروجه عن مصاديق تلكم الاوامر والمناهي المؤكدة التى تطابق عليها الكتاب والسنة . وليس من السهل الهين البخوع إلى أي من طرفى الترديد أما الصحابة فكلهم عدول عند القوم يركن إليهم ويحتج بأقوالهم وأفعالهم ويوثق بايمانهم ، وقد كهربتهم صحبة الرسول صلى الله عليه وآله فأخرج درن نفوسهم ، وكان في المعمعة منهم بقايا العشرة المبشرة كطلحة والزبير ، ولطلحة خاصة فظاظات حول ذلك الجلاد ، إلي اناس آخرين من ذوي المآثر نظراء عمار بن ياسر ، ومالك الاشتر ، وعبدالله بن بديل ، وكان بين ظهرانيهم إمام المسلمين أميرالمؤمنين علي عليه السلام وهو المرموق يومئذ للخلافة ، وقد انثنت إليه الخناصر ، والامة أطوع له من الظل لذيه . أفتراه والحالة هذه سكت عن تلكم الفظايع وهو مطل عليها من كثب وهو أعلم الناس بنواميس الشريعة ، وأهداهم إلى طريقها المهيع ، وهو يعلم أن من المحظور إرتكابها ؟ لا هاالله .
أو أنه عليه السلام أخذ الحياد في ذلك المأزق الحرج وهو مستبيح للحياد أو لما يعملون به أنا لا أدري وليس من المستطاع القول بأن معظم الصحابة ما كانوا عالمين بتلكم الوقايع ، أو انهم ما كانوا يحسبون ان الامر يبلغ ذلك المبلغ ، أو أنهم كانوا غير راضين بهاتيك الاحدوثة ، فإن الواقعة ما كانت مباغتة ولا غيلة حتى يعزب عن أحد علمها ، فإن الحوار استدام أكثرمن شهرين ، وطيلة هذه المدة لم يكن للمتجمهرين طلبة من الخليفة إلا الاقلاع عن أحداثه ، أو التنازل عن عرش الخلافة ، وكانوا يهددونه بالقتل إن لم يخضع لاحدى الطلبتين ، وكانت نعرات القوم في ذلك تتموج بها الفضاء ، وعقيرة عثمان في التوبة تارة وعدم التنازل أخرى وتخويفهم بمغبات القتل ثالثة تتسرب في فجوات الجو ، فلو كان معظم الصحابة منحازين عن ذلك الرأي لكان في وسعهم تفريق الجمع بالقهر أو الموعظة ، لكن بالرغم عما يزعم عليهم لم يؤثر عن أحد منهم ما يثبت ذلك أو يقربه ، وما أسلفناه من الاحاديث الجمة النامة عن معتقدات الصحابة في الخليفة وفي التوثب عليه تفند هذه المزعمة الفارغة ، إن لم نقل انها تثبت ما يعلمه الكل من الاجماع على مقت الخليفة والتصافق على ما نقموا عليه والرضا بما نيل منه ، حتى أن أحد الم يروعن انه ساء‌ه نداء قاتله حين طاف بالمدينة ثلاثا قائلا : أنا قاتل نعثل ( 1 )
وأما ثاني الاحتمالين فمن المستعصب أن يبلغ سوء الظن بالخليفة هذا المدى ، وإن كانت الصحابة جزموا بذلك ، والشاهد يرى ما لا يراه الغايب ، وقد أوقفناك على قول السيدة عائشة : اقتلوا نعثلا قتله الله وقد كفر .
وقولها لمروان : وددت والله انه في غرارة من غرائري هذه واني طوقت حمله حتى ألقيه في البحروقولها لابن عباس : إياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية .
وقول عبدالرحمن بن عوف للامام أميرالمؤمنين عليه السلام : إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي ، انه قد خالف ما أعطاني وقوله : عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه .
وقوله له : لله علي أن لا اكلمك أبدا .
وقول طلحة لمجمع بن جارية لما قال له : أظنكم والله قاتليه : ( فإن قتل فلا ملك مقرب ولانبي مرسل ) وقد مر ان طلحة كان أشد الناس على عثمان في قتله يوم الدار ، وقتل دون دمه وقول الزبير : اقتلوه فقد بدل دينكم .
(هامش ) * ( 1 ) الاستيعاب 2 : 478 . [ * ]
وقوله : إن عثمان لجيفة على الصراط غدا .
وقول عمار يوم صفين : امضوا معي عبادالله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه الحاكم على عبادالله بغير ما في كتاب الله .
وقوله : ما تركت في نفسي حزة أهم إلي من أن لا نكون نبشنا عثمان من قبره ثم أحرقناه بالنار
وقوله : أراد أن يغير ديننا فقتلناه .
وقوله : والله إن كان إلا ظالما لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله .
وقوله : إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالاحسان .
وقول حجر بن عدي وأصحابه : هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق .
وقول عبدالرحمن العنزي : هو أول من فتح أبواب الظلم ، وارتج أبواب الحق .
وقول هاشم المرقال : إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب ، وأصحاب محمد هم أصحاب الدين ، وأولى بالنظر في امور المسلمين وقول عمرو بن العاص : أنا أبوعبدالله إذا حككت قرحة نكأتها ، إن كنت لاحرض عليه حتى إني لاحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل وقوله له : ركبت بهذه الامة نهابير من الامور فركبوها منك ، وملت بهم فمالوا بك ، اعدل أو اعتزل . وقوله : أنا عبدالله قتلته وأنا بوادي السباع .
وقول سعد بن أبي وقاص : إنه قتل بسيف سلته عائشة ، وصقله طلحة ، وسمه ابن أبي طالب ، وسكت الزبير وأشار بيده ، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه . إلخ .
وقول جهجاه الغفاري : قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر ، ندرعك عباء‌ة ، ولنطرحك في الجامعة ، ولنحملك على شارف من الابل ثم نطرحك في جبل الدخان .
وقول مالك الاشتر : إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه ، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره .
وقول عمرو بن زرارة : إن عثمان قد ترك الحق وهو يعرفه . الخ .
وقول الحجاج بن غزية الانصاري : والله لو لم يبق من عمره إلا بين الظهر والعصر لتقربنا إلى الله بدمه .
وقول قيس بن سعد الانصاري : أول الناس كان فيه " قتل عثمان " قياما عشيرتي ولهم أسوة .
وقول جبلة بن عمرو الانصاري : يانعثل ! والله لاقتلنك ولاحملنك على قلوص جرباء ولاخرجنك إلى حرة النار .
وقوله وقد سئل الكف عن عثمان : والله لا ألقى الله غدا فأقول : إنا أطعنا سادتنا وكبراء‌نا فأضلونا السبيل .
وقول محمد بن أبي بكر له : على أي دين أنت يا نعثل غيرت كتاب الله . وقوله له : الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين .
وقول الصحابة مجيبين لقوله : لا تقتلوني فانه لا يحل إلا قتل ثلاثة : إنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت ، قتل من سعى في الارض فسادا ، وقتل من بغى ثم قاتل على بغيه ، وقتل من حال دون شئ من الحق ومنعه ثم قاتل دون وكابر عليه ، وقد بغيت ، ومنعت الحق ، وحلت دونه وكابرت عليه . الخ .
وقول عبدالله بن أبي سفيان بن الحارث من أبيات مرت ج 8 : 288 .
وشبهته كسرى وقد كان مثله * شبيها بكسرى هديه وضرائبه
إلى كلمات آخرين محكمات وأخر متشابهات ، يشبه بعضها بعضا .
إن في هذا المأزق الحرج لابد لنا من ركوب إحدى الصعبتين ، والحكم هي الفطرة السليمة مهما دار الامر بين تخطئة إنسان واحد محتف بالاحداث ، وبين تضليل آلاف مؤلفة فيهم الائمة والعلماء والحكماء والصالحون وقد ورد في فضلهم ما ورد كما نرتأيه نحن ، أو أن كلهم عدول يحتج بأقوالهم وأفعالهم كما يحبسه أهل السنة ، وإن كان في البين إجتهاد كما يحسبونه في أمثال المقام فهو في الطرفين ، والتحكم بإصابة إنسان واحد وخطأ تلك الامة الكبيرة في اجتهادها ، تهور بحت ، وتحمل لايصار إليه ، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ، إن الله يحب المقسطين .
سلسلة الموضوعات
في قصة الدار وتبرير الخليفة والنظر فيها
1 - قال الطبري في تاريخه 5 : 98 : فيما كتب به إلي السري عن شعيب عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال : كان عبدالله بن سبا يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم ، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام ، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام ، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول : لعجب ممن يزعم ان عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عزوجل : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد . فمحمد أحق بالرجوع من عيسى : قال : فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ، ثم قال لهم بعد ذلك : إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد . ثم قال : محمد خاتم الانبياء وعلي خاتم الاوصياء . ثم قال بعد ذلك : من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الامة ثم قال لهم بعد ذلك : إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الامر فحركوه وابدأوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس ، وادعوهم إلى هذا الامر ، فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الامصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم ، وأظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعلوا يكتبون إلى الامصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يضعون فيقرأ أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم ، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الارض ازاعة ، وهم يريدون غير ما يظهرون ، ويسرون غير ما يبدون ، فيقول أهل
كل مصر : إنا لفي عافية مما ابتلى به هؤلاء إلا أهل المدينة فانهم جاء‌هم ذلك عن جميع الامصار فقالوا : إنا لفي عافية مما فيه الناس ، وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان قالوا : فأتوا عثمان فقالوا : يا أميرالمؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا ؟ قال : لا والله ما جاء‌ني إلا السلامة . قالوا : فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم ، قال : فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي ، قالوا : نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الامصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم ، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة ، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة ، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر ، وأرسل عبدالله ابن عمر إلى الشام ، وفرق رجالا سواهم فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا : أيها الناس ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم ، وقالوا جميعا : الامر أمر المسلمين إلا أن أمرائهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم ، واستبطأ الناس عمارا حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب من عبدالله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم ان عمارا قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه منهم : عبدالله بن السوداء ، وخالد بن ملجم ، وسودان بن حمران ، وكنانة بن بشر .
قال الاميني : لو كان إبن سبا بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن ، وشق عصا المسلمين وقد علم به وبعيثه أمراء الامة وساستها في البلاد ، وانتهى أمره إلى خليفة الوقت ، فلماذا لم يقع عليه الطلب ولم يبلغه القبض عليه ، والاخذ بتلكم الجنايات الخطرة ، والتأديب بالضرب والاهانة ، والزج إلى أعماق السجون ولا آل أمره إلى الاعدام المريح للامة من شره وفساده ، كما وقع ذلك كله على الصلحاء الابرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وهتاف القرآن الكريم يرن في مسامع الملا الديني : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم " المائدة : 33 " .
فهلا إجتاح الخليفة جرثومة تلكم القلاقل بقتله وهل كان تجهمه وغلظته قصرا على الابرار من أمة محمد صلى الله عليه وآله ؟ ففعل بهم ما فعل مما أسلفنا بعضه في هذا الجزء والجزء الثامن
هب ابن سبا هو الذي أمال الامصار على مناوء الخليفة فهل كان هو مختلقا تلكم الانباء من دون انطباقها على شئ من أعمال عثمان وولاته فنهضت الامة وفيهم وجوه المهاجرين والانصار على لا شئ أو أن ما كان يقوله قد انطبق على ما كانوا يأتون به من الجرائم والمآثم ، فكانت نهضة الامة لا كتساحها نهضة دينية يخضع لها كل مسلم ، وإن كان ابن اليهودية خلط نفسه بالناهضين لاي غاية راقته ، وما أكثر الاخلاط في الحركات الصحيحة من غير أن يمس كونهم مع الهايجين بشئ من كرامتهم ولو كان ما أنهاه إليهم ابن سبأ عزوا مختلقا فهلا لما قدمت وفودا الامصار المدينة - قال لهم المدنيون : إن الرجل برئ من هذه القذائف والهنات وهو بين ظهرانيهم يرون ما يفعل ، ويسمعون ما يقول لكنهم بدلا عن ذلك أصفقوا مع القادمين ، بل صاروا هم القدوة والاسوة في تلك النهضة ، وكانوا قبل مقدمهم ناقمين عليه ونحن والدكتور طه حسين نصافق عند رأيه هاهنا حيث قال في كتابه " الفتنة الكبرى ص 134 : وأكبر الظن أن عبدالله بن سبأ هذا - إن كان كل ما يروى عنه صحيحا - إنما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف فهو قد استغل الفتنة ولم يثرها ، وأكبر الظن كذلك أن خصوم الشيعة أيام الامويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبدالله بن سبأ هذا ، ليشككوا في بعض ما نسب من الاحداث إلى عثمان وولاته من ناحية ، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية أخرى ، فيردوا بعض امور الشيعة إلى يهودي أسلم كيدا للمسلمين ، وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان فلنقف من هذا كله موقف التحفظ والتحرج والاحتياط ، ولنكبر المسلمين في صدر الاسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديا وكانت أمه سوداء ، وكان هو يهوديا ثم أسلم لا رغبا ولا رهبا ولكن مكرا وكيدا وخداعا ، ثم أتيح له من النجح ما كان يبتغي ، فحرض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه ، وفرقهم بعد ذلك أو قبل ذلك اشيعا وأحزابا هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل ، ولا تثبت للنقد ، ولا ينبغي أن تقام عليها امور التاريخ ، وإنما الشئ الواضع الذي ليس فيه شك هو أن ظروف الحياة الاسلامية في
ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى إختلاف الرأي افتراق الاهواء ونشأة المذاهب السياسية المتباينة ، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنة النبي وسيرة صاحبيه كانوا يرون امورا تطرأ ينكرونها ولا يعرفونها ، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية ، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الامور الجديدة بنفوس جديدة ، فيها الطمع ، وفيها الطموح ، وفيها الاثرة ، وفيها الامل البعيد ، وفيها الهم الذي لا يعرف حدا يقف عنده ، وفيها من أجل هذا كله التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها و على كل شئ من حولها . وهذه الامور الجديدة نفسها كانت خليفة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه ، فهذه أقطار واسعة من الارض تفتح عليهم ، وهذه أموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الاقطار ، فأي غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الاقطار المفتوحة والانتفاع بهذه الاموال المجموعة ؟ وهذه بلاد أخرى لم تفتح وكل شئ يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها ، فما لهم لا يستبقون إلى الفتح وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلاب الدنيا ، ومن الاجر والمثوبة إن كانوا من طلاب الآخرة ثم مالهم جميعا لا يختلفون في سياسة هذا الملك الضخم وهذا الثراء العريض وأي غرابة في أن يندفع الطامعون الطامحون من شباب قريش هذه الابواب التي فتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد والسلطان والثراء وأي غرابة في أن يهم بمنافستهم في ذلك شباب الانصار وشباب الاحياء الاخرى من العرب وفي أن يمتلئ قلوبهم موجدة وحفيظة وغيظا إذا رأوا الخليفة يحول بينهم وبين هذه المنافسة ، ويؤثر قريشا بعظائم الامور ، ويؤثر بني امية بأعظم هذه العظائم من الامور خطرا وأجلها شأنا
والشئ الذي ليس فيه شك هو أن عثمان قد ولى الوليد وسعيدا على الكوفة بعد أن عزل سعدا ، وولى عبدالله بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى . وجمع الشام كلها لمعاوية وبسط سلطانه عليها إلى أبعد حد ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في إدارتها قريش وغيرها من أحياء العرب ، وولى عبدالله بن أبي سرح مصر بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص ، وكل هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان ، منهم أخوه لامه ، ومنهم أخوه في الرضاعة ، ومنهم خاله ، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الادنى إلى أمية بن عبد شمس .
كل هذه حقائق لا سبيل إلى انكارها ، ومانعلم أن ابن سبأ قد أغرى عثمان بتولية من ولى وعزل من عزل ، وقد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك والقياصرة والولاة والامراء ايثار ذوي قرابتهم بشؤون الحكم ، وليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان بدعا من الناس ، فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر الناس ويعرفون في جميع العصور . إنتهى حرفيا .
على أن ما تضمنته هذه الرواية من بعث عمار إلى مصر وغيره إلى بقية البلاد مما لا يكاد أن يذعن به ، أو أن يكون له مقيل من الصحة ، ولم يذكر في غير هذه الرواية الموضوعة المكذوبة على ألسنة رواتها المتراوحين بين زندقة وكذب وجهالة ، فإن ما يعطيه النظر في مجموع ماروي حول مشكلة عثمان ان عمارا ومحمد بن مسلمة لم يفارقا المدينة طيلة أيامها ومنذ مبادئها إلى غايتها المفضية إلى مقتل عثمان ، وعمار هو الذي كان في مقدم الثائرين عليه من أول يومه الناقمين على أعماله ، وقد أراد نفيه إلي الربذة منفى أبي ذر بعد وفاته فيه رضوان الله عليهما فمنعته المهاجرون والانصار كما مر حديثه ، وكم وقع عليه في تضاعيف تلكم الاحوال تعذيب وضرب وتعنيف ، وكان عثمان يعلم بكراهة عمار إياه منذ يومه الاول ، فمتى كان يستنصح عمارا حتى يبعثه إلى البلاد فيحكي عمار له أخبارها ، أو يستميله ابن سبأ وأصحابه وهذا مما لا يعزب علمه عن أي باحث كما تنبه له الدكتور طه حسين في " الفتنة الكبرى " ص 128 حيث قال : أكاد أقطع بأن عمارا لم يرسل إلى مصر ولم يشارك هذين الفتيين ( 1 ) فيما كانا بسبيله من التحريض وإنما هي قصة إخترعها العاذرون لعثمان فيما كان بينه وبين عمار قبل ذلك أو بعده مما سنراه بعد حين . ا ه‍ .
2 ـ قال الطبري ص 99 : كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعطية قالوا : كتب عثمان إلى أهل الامصار :
أما بعد : فاني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم ، وقد سلطت الامة منذ وليت على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يرفع علي شئ ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته ، وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم ، وقد رفع إلى أهل المدينة أن أقواما يشتمون ، وآخرون يضربون ، فيا من ضرب سرا وشتم سرا ، من ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقه حيث كان مني أو من عمالي أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين .
(هامش ) * ( 1 ) يعنى بهما : محمد بن ابى بكر ومحمد بن أبي حذيفه . [ * ]
فلما قرئ في الامصار أبكي الناس ودعوا لعثمان وقالوا : إن الامة لتمخض بشر ، وبعث إلى عمال الامصار فقدموا عليه عبدالله بن عامر ، ومعاوية ، وعبدالله ابن سعد ، وادخل معهم في المشورة سعيدا وعمرا فقال : ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الاذاعة إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي ، فقالواله : ألم تبعث ؟ ألم نرجع إليك الخبر عن القوم ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشئ ؟ لا والله ما صدقوا ولابروا ولانعلم لهذاالامر أصلا ، ولا كنت لتأخذ به أحدا فيقيمك على شئ ، وما هي إلا إذاعة لا يحل الاخذ بها ولا الانتهاء إليها . قال : فأشيروا علي . فقال سعيد بن العاص : هذا أمر مصنوع يصنع في السر فليقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم ، قال : فما دواء ذلك ؟ قال : طلب هؤلاء القوم ثم
قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم . وقال عبدالله بن سعد : خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فانه خير من أن تدعهم . قال معاوية : قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما . قال : فما الرأي ؟ قال : حسن الادب . قال : فما ترى يا عمرو ؟ قال : أرى أنك قد لنت لهم ، وتراخيت عنهم ، و زدتهم على ما كان يصنع عمر ، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين ، إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شرا ، وللين لمن يخلف الناس بالنصح ، وقد فرشتهما جميعا اللين ، وقام عثمان فحمدالله وأثنى عليه وقال : كل ما أشرتم به علي قد سمعت ، ولكل أمر باب يؤتى منه ، إن هذا الامر الذي يخاف على هذه الامة كائن ، وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاناة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره التي لايستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها ، فإن سده شئ فرفق فذاك والله ليفتحن وليست لاحد علي حجة حق ، وقد علم الله أني لم آل الناس وخيرا ولا نفسي ، ووالله إن رحى الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم ، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها . فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبدالله بن سعد إلى المدينة ، ورجع ابن عامر وسعيد معه . ولما استقل عثمان رجز الحادي
قد علمت ضوامر المطي * وضمرات عوج القسي
إن الامير بعده علي * وفي الزبير خلف رضي
وطلحة الحامي لها ولي فقال كعب وهو يسير خلف عثمان : الامير بعده صاحب البغلة ، وأشار إلى معاوية
3 ـ وأخرج ص 101 بالاسناد الشعيبي المذكور
كان معاوية قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج : يا أميرالمؤمنين إنطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به ، فإن أهل الشام على الامر لم يزالوا
فقال : أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ وإن كان فيه قطع خيط عنقي . قال : فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك . قال : أنا أقتر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الارزاق بجند مساكنهم وأضيق على أهل دار
الهجرة والنصرة ؟ قال : والله يا أميرالمؤمنين لتغتالن ولتغزين . قال : حسبي الله ونعم الوكيل . وقال معاوية : يا ايسار الجزور ، وأين ايسار الجزور . الحديث بطوله .
4 ـ وأخرج ص 103 بالاسناد الشعيبى
لما كان في شوال سنة 35 خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء المقل يقول : ستمائة . والمكثر يقول : ألف . على الرفاق عبدالرحمن بن عديس البلوي . و كنانة بن بشر الليثي . وسودان بن حمران السكوني . وقتيرة بن فلان السكوني . وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي . ولم يجترؤا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب ، وإنما خرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء . وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق ، وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبدي ، والاشتر النخعي ، وزياد بن النضرة الحارثي ، وعبدالله بن الاصم ، أحد بني عامر بن صعصعة ، وعددهم كعدد أهل مصر وعليهم جميعا عمرو بن الاصم ، وخرج أهل البصرة في أربع رفاق وعلى الرفاق حكيم ابن جبلة العبدي ، وذريح بن عباد العبدي ، وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي ، وابن المحرش ابن عبد عمرو الحنفي ، وعددهم كعدد أهل مصر ، وأميرهم جميعا حرقوص ابن زهير السعدي ، سوى من تلاحق بهم من الناس ، فأما أهل مصر فانهم كانوا يشتهون عليا ، وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة ، وأما أهل الكوفة كانوا
يشتهون الزبير ، فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتى لا يشك كل فرقة إلا ان الفلج معها ، وأمرها سيتم دون الاخريين ، فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب ، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الاعوص ( 1 ) وجاء‌هم ناس من أهل مصر وتركوا عامتهم بذي المروة ، ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبدالله بن الاصم وقالا : لا تعجلوا ولاتعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد ، فإنه بلغنا انهم قد عسكروا لنا فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد وان أمرنا هذا لباطل ، وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعن إليكم بالخبر ، قالوا : إذهبا . فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعليا وطلحة والزبير ( 2 ) وقالا : إنما نأتم هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا ، ما جئنا إلا لذلك واستأذنا للناس بالدخول ، فكلهم أبى ونهى وقال : بيض ما يفرخن . فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا ، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة ، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير وقال كل فريق منهم : إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم ثم كررنا حتى نبغتهم . فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت ( 3 ) عليه حلة أفواف معتم بشقيقة حمراء يمانية متقلد السيف ليس عليه قميص ، وقد سرح الحسن إلى عثمان
فمين إجتمع إليه ، فالحسن جالس عند عثمان وعلي عند أحجار الزيت فسلم عليه المصريون وعرضوا له فصاح بهم وأطردهم وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان ومحمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صحبكم الله ( 4 ) قالوا : نعم . فانصرفوا من عنده على ذلك . وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي وقد أرسل إبنيه إلى عثمان فسلم البصريون عليه وعرضوا له فصاح بهم و أطردهم وقال : لقد علم المؤمنون ان جيش ذي المروة في ذي خشب والاعوص ملعونون
(هامش ) * ( 1 ) الاعوص : موضع على اميال من المدينة يسيرة .
( 2 ) لاتنس هاهنا ما اسلفنا لك في هذا الجزء من حديث ام المؤمنين وعلى أميرالمؤمنين و
طلحة والزبير .
( 3 ) احجار الزيت : موضع بالمدينة داخلها قريب من الزوراء .
( 4 ) راجع ما مضى من حديث على اميرالمؤمنين تعرف جلية الحال . [ * ]
على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ( 1 ) وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى وقد سرح إبنه عبدالله إلى عثمان فسلموا عليه وعرضوا له فصاح بهم وأطردهم وقال : لقد علم المسلمون ان جيش ذي المروة وذي خشب والاعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ( 2 ) فخرج القوم وأروهم انهم يرجعون فانفشوا عن ذي خشب والاعوص حتى انتهوا إلى عساكرهم وهي ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة ثم يكروا راجعين فافترق أهل المدينة لخروجهم ، فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم فبغتوهم ، فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة ، فنزلوا في مواضع عساكرهم ، وأحاطوا بعثمان وقالوا : من كف يده فهو آمن . وصلى عثمان بالناس أياما ولزم بيوتهم ولهم يمنعوا أحدا من كلام ، فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي فقال : ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ قالوا : أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا ، وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك وأتاهم الزبير فقال الكوفيون والبصريون : فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا . كأنما كانوا على ميعاد فقال لهم علي : كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا ، هذا والله أمر أبرم بالمدينة قالوا
فضعوه علي ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا وهو في ذلك يصلي بهم وهم يصلون خلفه ويغشي من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب ، وكانوا لا يمنعون أحدا من الكلام وكانوا زمرا بالمدينة يمنعون الناس من الاجتماع . إلخ .
قال الاميني : تعطي هذه الرواية ان الذي رد الكتائب المقبلة من مصر والبصرة والكوفة هو زعماء جيش أحجار الزيت : أميرالمؤمنين علي وطلحة والزبير يوم صاحوا بهم وطردوهم ورووا رواية اللعن عن النبي صلى الله عليه وآله وفيهم البدريون وغيرهم من أصحاب محمد العدول ، فما تمكنت الكتائب من دخول المدينة وقد أسلفنا إصفاق المؤرخين على أنهم دخلوها وحاصروا الدار مع المدنيين أربعين يوما أو أكثر أو أقل حتى توسل عثمان بعلي أميرالمؤمنين عليه السلام ، فكان هو الوسيط بينه وبين القوم ، وجرى هنالك مامر تفصيله من توبة عثمان على صهوة المنبر ، ومن كتاب عهده إلي البلاد على ذلك ، فانكفأت
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر من حديث طلحة وصولته وجولته في تلك الثورة تعلم صدق الخبر .
( 2 ) راجع ما اسلفنا من حديث الزبير حتى يتبين لك الرشد من الغى . [ * ]
عنه الجماهير الثائرة بعد ضمان علي عليه السلام ومحمد بن مسلمة بما عهد عثمان على نفسه ،
لكنهم ارتجعوا إليه بعد ما وقفوا على نكوصه وكتابه المتضمن بقتل من شخص إليه من مصر فوقع الحصار الثاني المفضي إلى الاجهاز عليه ، وأنت إذا عطفت النظرة إلى ما سبق من أخبار الحصارين وأعمال طلحة والزبير فيهما وقبلهما وبعدهما نظرة ممعنة لا تكاد أن تستصح دفاعهما عنه في هذ الموقف ، وكان طلحة أشد الناس عليه ، حتى منع من ايصال الماء إليه ، ومن دفنه في مقابر المسلمين ، لكن رواة السوء المتسلسة في هذه الاحاديث راقهم إخفاء مناوئة القوم لعثمان فاختلقوا له هذه وأمثالها .
5 ـ وأخرج ص 126 بالاسناد الشعيبي .
آخر خطبة خطبها عثمان رضي الله عنه في جماعة : إن الله عزوجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها ، ان الدنيا تفنى والآخرة تبقى ، فلا تبطرنكم الفانية ، ولا تشغلنكم عن الباقية ، فآثروا ما بقي على ما يفنى ، فإن الدنيا منقطعة ، وإن المصير إلى الله ، اتقوا الله عزوجل فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده ، واحذروا من الله الغير ، وألزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا . قالوا : لما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته ، وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع عليهم بسلطان الله قال : أخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب وليجامعكم هؤلاء
الذين حبسوا عني ، وأرسل إلى طلحة والزبير وعلي وعدة أن ادنوا فاجتمعوا فأشرف عليهم ، فقال : ياأيها الناس اجلسوا فجلسوا جميعا المحارب الطارئ ، والمسالم المقيم فقال : يا أهل المدينة إني استودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي ، إني والله لا أدخل على أحد يومي هذا حتي يقضي الله في قضاه ، ولادعن هؤلاء وراء بابي غير معطيهم شيئا يتخذونه عليكم دخلا في دين الله أو دنيا حتى يكون الله عزوجل الصانع في ذلك ما أحب ، وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن ومحمد وابن الزبير وأشباها لهم فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم ، وثاب إليهم ناس كثير ولزم عثمان الدار
6 ـ وروى ص 126 بالاسناد الشعيبي .
قالوا : كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين فلما مضت من الاربعين ثماني عشرة قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم من الآفاق حبيب من الشام ، ومعاوية من مصر ، والقعقاع من الكوفة ، ومجاشع من البصرة ، فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شئ حتى الماء ، وقد كان يدخل علي بالشئ مما يريد ، وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علة ، فعثروا في داره بالحجارة ليرموا فيقولوا : قوتلنا وذلك ليلا فناداهم : ألا تتقون الله ؟ ألا تعلمون أن في الدار غيري ؟ قالوا : لا والله ما رميناك قال : فمن رمانا ؟ قالوا : الله . قال : كذبتم إن الله عزوجل لورمانا لم يخطئنا وأنتم تخطؤننا ، وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه فسرح إبنا لعمرو إلى علي بأنهم قد منعونا الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئا من الماء فافعلوا وإلى طلحة والزبير وإلى عائشة رضي الله عنها وأزواج النبى صلى الله عليه وسلم فكان أو لهم إنجادا له علي وام حبيبة ، جاء علي في الغلس فقال : يا أيها الناس ان الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين ، لا تقطعوا عن هدا الرجل المادة فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي ، وما تعرض لكم هذا الرجل ، فبم تستحلون حصره وقتله ؟ قالوا : لا والله ولا نعمة عين ، لا نتركه يأكل ولا يشرب ، فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني . فرجع وجاء‌ت أم حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملة على إداوة فقيل : أم المؤمنين أم حبيبة ، فضربوا وجه بغلتها فقالت : إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل . قالوا : كاذبة وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت بأم حبيبة فتلقاها الناس وقد مالت رحالتها فتعلقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل فذهبوا بها إلى بيتها ، وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة ، واستتبعت أخاها فأبى فقالت : أم والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لافعلن . وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر فقال : يا محمد تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها وتدعوك ذؤبان العرب إلى مالا يحل فتتبعهم ؟ فقال : ما أنت وذاك يا ابن التميميه فقال : يا ابن الخثعمية إن هذا الامرإن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف . وانصرف وهو يقول
عجب لما يخوض الناس فيه * يرومون الخلافة أن تزولا
ولو زالت لزال الخير عنهم * ولاقوا بعدها ذلا ذليلا
وكانوا كاليهود أو النصارى * سواء كلهم ضلوا السبيلا
ولحق بالكوفة وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظا على أهل مصر ، وجاء‌ها مروان بن الحكم فقال : يا أم المؤمنين لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل . فقالت : أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة ، ثم لا أجد من يمنعني ، لا والله ولا اعيرو لا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء ، وبلغ طلحة والزبير مالقي علي و أم حبيبة فلزموا بيوتهم ، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الفضلات عليهم الرقباء ، فأشرف عثمان على الناس فقال : يا عبدالله بن عباس فدعى له فقال : إذهب فأنت على الموسم . وكان ممن لزم الباب فقال : والله يا أميرالمؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج ، فأقسم عليه لينطلقن فنطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة ، ورمى عثمان إلى الزبير بوصيته فانصرف بها ، وفي الزبير اختلاف أأدرك مقتله أو خرج قبله ؟ وقال عثمان : يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح . الآية . أللهم حل بين الاحزاب وبين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل .
قال الاميني : هذه الرواية مفتعلة من شيعة عثمان المصطفين في إسنادها تجاه ما ثبت عن عائشة وطلحة والزبير وغيرهم من جهودهم المتواصلة في التضييق على الرجل ، وإسعار نار الحرب والاجهاز عليه بما أسلفناه في هذا الجزء لكن أكدى الظن ، وأخفق الامل ان هاتيك الروايات أخرجها الاثبات من حملة التاريخ ، وأصفق عليها المؤرخون وهذه تفرد بها هؤلاء الوضاعون ، ومن ذاالذي يعير سمعا لها بعد الاخبات إلى التاريخ الصحيح ؟ وملاء اذنه هتاف عائشة : اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر . إلى كلمات أخرى لها مر مجملها في هذا الجزء ص 215 وفصلنا ها في ص 77 - 86 . وإن تهالك طلحة دون التشديد عليه وقتله بكل ما تسنى له مما لا يجهله ملم بالحديث والتاريخ ، وكان يوم الدار مقنعا بثوب يرميها بالسهام ، وهو الذي منع منه الماء ، وهو الذي حمل الناس إلى سطح دار ابن حزام فتسوروا منها دار عثمان ، وهو الذي منعه من أن يدفن في مقابر المسلمين ، وهو الذي أقعد لمجهزيه في الطريق ناسا يرمونهم بالحجارة ، وهو الذي قتله مروان ثم قال : لابان بن عثمان : قد كفيتك بعض قتلة أبيك ، وهو الذي قال فيه وفي صاحبه مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام : كان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف ، وأرفق حدائهما العنيف ولو كان طلحة كما زعمه الوضاعون فما معنى هتاف عثمان : أللهم اكفني طلحة ابن عبيدالله فانه حمل علي هؤلاء وألبهم . وقوله : ويلي على ابن الحضرمية - يعني طلحة - اعطيته كذا وكذا بهار اذهبا وهو يروم دمي يحرض على نفسي ، أللهم لا تمتعه به ولقه عواقب بغيه . وإلى الآن يرن في الاسماع قول الزبير يومئذ : اقتلوه فقد بدل دينكم . وقوله : ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدئ بابني ، إن عثمان لجيفة على صراط غدا . وقوله لعثمان : إن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة يمنعون من ظلمك ، ويأخذونك بالحق . إلخ .
وإلى الآن في صفحات التاريخ قول سعد بن أبي وقاص : قتله سيف سلته عائشة وشحذه طلحة ، وسمه علي ، قيل : فما حال الزبير ؟ قال : أشار بيده وصمت بلسانه . إلى كلمات آخرين مرت في هذا الجزء . ولو كان ابن عباس كما اختلق عليه هؤلاء فلماذا لم يكترث بكتاب عثمان و استغاثته به لما ألقي على الحجيج وهو أميرهم وهو على منصة الخطابة ، فمضى في خطبته من حيث انقطعت ، ولم يتعرض لذلك بشئ ، ولا اعتد بخطابه حتى جرى المقدور المحتم ؟ ولماذا كان يحاذر بطش معاوية به على مقتل عثمان لما أراد أميرالمؤمنين عليه السلام أن يرسله إلى الشام راجع مصادر هذه كلها فيما مر من صفحات هذا الجزء .
7 ـ وأخرج ص 128 بالاسناد الشعيبي .
قالوا : فلما بويع الناس السابقة فقدم بالسلامة فأخبرهم من الموسم انهم يريدون جميعا المصريين وأشياعهم ، وانهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجهم ، فلما أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الامصار أعلقهم الشيطان وقالوا : لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل ، فيشتغل بذلك الناس عنا ، ولم يبق خصلة يرجون بها النجاة إلا قتله ، فراموا الباب فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان ابن الحكم وسعيد بن العاص ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم واجتلدوا فناداهم عثمان : الله الله أنتم في حل من نصرتي . فأبوا ففتح الباب وخرج ومعه الترس والسيف لينهنههم فلما رأوه أدبر البصريون وركبهم هؤلاء ونهنههم فتراجعوا وعظم على الفريقين وأقسم على الصحابة ليدخلن ، فأبوا أن ينصرفوا فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين ، وقد كان المغيرة بن الاخنس بن شريق فيمن حج ثم تعجل في نفر حجوا معه ، فأدرك عثمان قبل أن يقتل وشهد المناوشة ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل ، وقال : ما عذرنا عندالله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت
فاتخذ عثمان تلك الايام القرآن نحبا يصلي وعنده المصحف فإذا أعيا جلس فقرأ فيه ، وكانوا يرون القراء‌ة في المصحف من العبادة ، وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب ، فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول جاؤا بنار فأحرقوا الباب والسقيفة ، فتأجج الباب والسقيفة حتى إذا احترق الخشب خرت السقيفة على الباب ، فثار على أهل الدار وعثمان يصلي حتى منعوهم الدخول ، وكان أول من برز لهم المغيرة بن الاخنس وهو يرتجز :
قد علمت جارية عطبول * ذات وشاح ولها جديل
أني بنصل السيف خنشليل * لامنعن منكم خليلي
بصارم ليس بذي فلول
وخرج الحسن بن علي وهو يقول :
لا دينهم ديني ولا أنا منهم * حتى أسير إلى طمار شمام
وخرج محمد بن طلحة وهو يقول :
أنا ابن من حامى عليه باحد * ورد أحزابا على رغم معد
وخرج سعيد بن العاص وهو يقول :
صبرنا غداة الدار والموت واقب * بأسيافنا دون ابن أروى نضارب
وكنا غداة الروع في الدار نصرة * نشافههم بالضرب والموت ثاقب
فكان آخر من خرج عبدالله بن الزبير أمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصية بما أراد وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم فخرج عبدالله بن الزبير آخرهم فما زال يدعي بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه
8 ـ وأخرج ص 129 بالاسناد الشعيبي .
قالوا : وأحرقوا الباب وعثمان في الصلاة وقد افتتح " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " وكان سريع القراء‌ة فما كرثه ما سمع وما يخطئ وما يتتعتع حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه ، ثم عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ : الذين قال لهم الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . وارتجز المغيرة بن الاخنس وهو دون الدار في أصحابه :
قد علمت ذات القرون الميل * والحلي والانامل الطفول
لتصدقن بيعتي خليلي * بصارم ذي رونق مصقول
لا أستقيل إن أقلت قيلي
وأقبل أبوهريرة والناس محجمون عن الدار إلا أولئك العصبة فدسروا فاستقبلوا فقام معهم وقال : أنا أسوتكم . وقال : هذا يوم طاب امضرب - يعني انه من القتال و طاب وهذه لغة حمير - ونادى : يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ، وبادر مروان يومئذ ونادى : رجل رجل . فبرز له رجل من بني ليث يدعى النباع ( 1) فاختلفا ضربتين فضربه مروان أسفل رجليه وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه فانكب مروان واستلقى فاجتر هذا أصحابه ، واجتر الآخر أصحابة ، فقال المصريون : أما والله لا أن تكونوا حجة علينا في الامة لقد قتلناكم بعد تحذير فقال المغيرة : من بارز ؟ فبرز له رجل فاجتلدوا وه‍ ويقول :
أضربهم باليابس * ضرب غلام بائس * من الحياة آيس
فأجابه صاحبه . . وقال الناس : قتل المغيرة بن الاخنس فقال الذي قتله : إنا لله فقال له عبدالرحمن بن عديس : مالك ؟ قال : إني أتيت فيما يرى النائم فقيل لي : بشر قاتل المغيرة بن الاخنس بالنار . فابتليت به ، وقتل قباث الكناني نيار بن عبدالله الاسلمي ، واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملؤها ، ولا يشعر الذين بالباب ، واقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم وندبوا رجلا لقتله ، فانتدب له رجل فدخل عليه البيت
(هامش ) * ( 1 ) كذا والصحيح : البياع ، وهو عروة بن شييم الليثى كما مر . [ * ]
فقال : اخلعها وندعك . فقال : ويحك والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولاإسلام ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولست خالعا قميصا كسانيه الله عزوجل وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء . فخرج وقالوا : ما صنعت ؟ فقال : علقنا والله ، والله ما ينجينا من الناس إلا قتله وما يحل لنا قتله ، فادخلوا عليه رجلا من بني ليث فقال : ممن الرجل ؟ فقال : ليثي . فقال : لست بصاحبي قال : وكيف ؟ فقال : ألست الذي دعا لك النبي صلى الله عليه وسلم في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا ؟ قال : بلى . قال : فلن تضيع . فرجع وفارق القوم ، فأدخلوا عليه رجلا من قريش فقال : يا عثمان إني قاتلك . قال : كلا يافلان لا تقتلني . قال : وكيف ؟ قال : إن رسول الله استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارف دما حراما ، فاستغفر ورجع وفارق أصحابه ، فأقبل عبدالله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله ، وقال : يا قوم لا تسلوا سيف الله عليكم فوالله إن سللتموه ولا تغمدوه ، ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة فإن قتلتموه لا يقيم إلا بالسيف ، ويلكم إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله والله لئن قتلتموه لتتركنها ، فقالوا : يا ابن اليهودية وما أنت وهذا ؟ فرجع عنهم . قالوا : وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي أبكر فقال له عثمان : ويلك أعلى الله تغضب ؟ هل لي إليك جرم إلا حقه أخذته منك فنكل ورجع . قالوا : فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا إنكساره ثار قتيرة وسودان بن حمران السكونيان والغافقي فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف فاستقر بين يديه وسالت عليه الدماء ، وجاء سودان بن حمران ليضربه فانكبت عليه نائلة إبنة الفرافصة واتقت السيف بيدها فتعمدها ونفح أصابعها فأطن أصابع يدها وولت فغمز أوراكها ، وقال : إنها لكبيرة العجيزة وضرب عثمان فقتله ، ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه ، وقد كان عثمان أعتق من كف منهم فلما رأوا سودان قد ضربه أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله ، ووثب
قتيرة على الغلام فقتله ، وانتهبوا ما في البيت وأخرجوا من فيه ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله ، ودار القوم فأخذو ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء ، وأخذ رجل ملاء‌ة نائلة والرجل يدعى كلثوم ابن تجيب فتنحت نائلة فقال : ويح أمك من عجيزة ما أنمك ، وبصر به غلام لعثمان فقتله وقتل وتنادى القوم أبصر رجل من صاحبه ، وتنادوا في الدار : أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه ، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم وليس فيه إلا غرارتان ( 1 ) فقالوا : النجاء فإن القوم إنما يحاولون الدنيا ، فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه ، وماج الناس فيه ، فالتانئ يسترجع ويبكي ، والطارئ يفرح ، وندم القوم وكان الزبير قد خرج من المدينة فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله ، فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، رحم الله عثمان وانتصر له . وقيل : إن القوم نادمون . فقال : دبروا دبروا ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون . الآية . وأتى الخبر طلحة فقال : رحم الله عثمان وانتصر له وللاسلام وقيل له : إن القوم نادمون . فقال : نبالهم وقرأ : فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون . وأتى علي فقيل : قتل عثمان : فقال رحم الله عثمان وخلف علينا بخير . وقيل : ندم القوم . فقرأ : كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر . الآية . وطلب سعد فإذا هو في حائطه وقد قال : لا أشهد قتله فلما جاء‌ه قتله قال : فررنا إلى المدينة فدنينا وقرأ : الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، أللهم أندمهم ثم خذهم .
9 ـ وأخرج ص 131 بالاسناد الشعيبي .
قال المغيرة بن شعبة لعلي : إن هذا الرجل مقتول وإنه إن قتل وأنت بالمدينة إتخذوا فيك فاخرج فكن بمكان كذا وكذا ، فانك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس . فأبى وحصر عثمان إثنتي وعشرين يوما ثم أحرقوا الباب وفي الدار أناس كثير فيهم عبدالله بن الزبير ومروان فقالوا : إئذن لنا . فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى عهدا فأنا صابر عليه ، وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه ، فأحرج على رجل يستقتل ويقاتل ، وخرج الناس كلهم ودعا بالمصحف يقرأ منه والحسن عنده فقال : إن أباك الآن لفي أمر عظيم ، فأقسمت عليك لما خرجت وأمر عثمان أباكرب رجلا من همدان وآخر من الانصار أن يقوما على باب بيت المال
(هامش ) * ( 1 ) ذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 189 وحرفه وبدله بقوله : فأخذوا بيت المال وكان فيه شئ كثير جدا . [ * ]
وليس فيه إلا غرارتان من ورق ، فلما اطفئت النار بعد ما ناوشهم ابن الزبير ومروان وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان ، فلما دخل على عثمان هربا ، ودخل محمد ابن أبي بكر على عثمان فأخذ بلحيته فقال : أرسل لحيتي فلم يكن أبوك ليتناولها ، فأرسلها ودخلوا عليه فمنهم من يجئه بنعل سيفه وآخر يلكزه وجاء‌ه رجل بمشاقص معه فوجأه في ترقوته ، فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله ، وكان كبيرا وغشي عليه ودخل آخرون ، فلما رأوه مغشيا عليه جروا برجله ، فصاحت نائلة وبناته ، وجاء التجيبي مخترطا سيفه ليضعه في بطنه فوقته نائلة فقطع يدها ، واتكأ بالسيف عليه في صدره ، وقتل عثمان رضي الله عنه قبل غروب الشمس ونادى مناد : ما يحل دمه ويحرج ماله ؟ فانتهبوا كل شئ ، ثم تبادروا بيت المال فألقى الرجلان المفاتيح ونجوا وقالوا : الهرب الهرب ، هذا ما طلب القوم .
10 ـ وأخرج ص 135 بالاسناد الشعيبي .
لما حدثت الاحداث بالمدينة خرج منها رجال إلى الامصار مجاهدين وليدنوا من العرب فمنهم من أتى البصرة ، ومنهم من أتى الكوفة ، ومنهم من أتى الشام . فهجموا جميعا من أبناء المهاجرين بالامصار على مثل ما حدث في أبناء المدينة ، إلا ما كان من أبناء الشام فرجعوا جميعا إلى المدينة إلا من كان بالشام فأخبروا عثمان بخبرهم فقام عثمان في الناس خطيبا فقال :
يا أهل المدينة أنتم أصل الاسلام وإنما يفسد الناس بفسادكم ، ويصلحون بصلاحكم ، والله والله والله لا يبلغني عن أحد منكم حدث أحدثه إلاسيرته ، ألا فلا أعرفن أحدا عرض دون اولئك بكلام ولا طلب ، فإن من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم احد منهم بما عليه ولا له . وجعل عثمان لا يأخذ أحدا منهم على شر أو شهر سلاح عصا فما فوقها إلاسيره . فضج آبائهم من ذلك حتى بلغه انهم يقولون : ما أحدث التسيير ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سير الحكم بن أبي العاص فقال : إن الحكم كان مكيا فسيره رسول الله صلى الله عليه وسلم منها الي الطائف ، ثم رده إلى بلده فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيره بذنبه ورسول الله صلى الله عليه وسلم رده بعفوه ، وقد سيره الخليفة من بعده وعمر رضي الله عنه من بعدالخليفة ، وأيم الله لآخذن العفو من أخلاقكم ، ولابذلنه لكم من خلقي ، وقد دنت أمور ولا احب أن تحل بنا وبكم وأنا على وجل وحذر فاحذروا واعتبروا .
قال الاميني : هذه سلسلة بلاء وحلقة أكاذيب جاء بها أبوجعفر الطبري في تاريخه باسناد واحد أبطلناه وزيفناه وأوقفناك عليه وعلى ترجمة رجاله في الجزء الثامن ص 84 ، 140 ، 141 ، 333 ، أضف إليها ماذكره المحب الطبري مما أسلفنا صدره في هذا الجزء صفحة 179 من طريق سعيد بن المسيب مما اتفق الرواة والحفاظ والمؤرخون على نقله وجاء بعض بزيادة مفتعلة وتبعه المحب الطبري وإليك نصها :
ثم بلغ عليا انهم يريدون قتل عثمان فقال : إنما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا ، وقال للحسن والحسين : اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلاتدعا أحدا يصل إليه ، وبعث الزبير ابنه ، وبعث طلحة إبنه ، وبعث عدة من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبناء هم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان ، فلما رأى الناس ذلك رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بدمائة وأصاب مروان سهم وهو في الدار وكذلك محمد بن طلحة ، وشج قنبر مولى علي ، ثم إن بعض من حصر عثمان خشى أن يغضب بنو هاشم لاجل الحسن والحسين فتنتشر الفتنة ، فأخذ بيد رجلين فقال : لهما : إن جاء بنو هاشم فرأوا الدم على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما تريدون ، ولكن اذهبوا بنا نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد ، فتسوروا من دار رجل من الانصار حتى دخلوا على عثمان ، ومايعلم أحد ممن كان معه ، لان كل من كان معه كان فوق البيت ولم يكن معه إلا امرأته فقتلوه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا ، وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها من الجلبة ، فصعدت إلى الناس فقالت : إن أميرالمؤمنين قتل . فدخل عليه الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحا فانكبوا عليه يبكون ، ودخل الناس فوجدوا عثمان مقتولا فبلغ عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا وقال علي لابنيه : كيف قتل أميرالمؤمنين وأنتما على الباب ؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين ، وشتم محمد بن طلحة . ولعن عبدالله بن الزبير ، وخرج علي وهو غضبان فلقيه طلحة فقال : مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين وكان يرى انه أعان على قتل عثمان . فقال : عليك كذا وكذا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدري لم تقم عليه بينة ولا حجة . فقال طلحة : لو دفع مروان لم يقتل . فقال علي : لو أخرج إليكم مروان لقتل قبل أن تثبت عليه حكومة . وخرج علي فأتى منزله وجاء الناس كلهم إلى علي ليبايعوه ، فقال لهم : ليس هذا اليكم إنما هو إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو الخليفة ، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا قال : ما نرى أحق لها منك ، فلما رأى علي ذلك جاء‌المسجد فصعد المنبر وكان أول من صعد اليه وبايعه طلحة والزبير وسعد وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وطلب مروان فهرب وطلب نفرا من ولد مروان بني أبي معيط فهربوا (1)
وفي لفظ المسعودي في مروج الذهب 1 : 441 : لما بلغ عليا أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين ومواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته ، وأمرهم أن يمنعوه منهم ، وبعث الزبير ابنه عبدالله ، وبعث طلحة ابنه محمدا وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بمن ذكرنا فصدوهم عن الدار ، فرمي من وصفنا بالسهام واشتبك القوم وجرح الحسن وشج قنبر وجرح محمد بن طلحة ، فخشى القوم أن يتعصب بنو هاشم و بنو أمية فتركوا القوم في القتال على الباب ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الانصار فتسوروا عليها وكان ممن وصل اليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران وعندعثمان زوجته ، وأهله ومواليه مشاغيل بالقتال ، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته فقال : يا محمد والله لورآك أبوك لساء‌ه مكانك . فتراخت يده وخرج عنه إلى الدار ، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه ، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه فصعدت امرأته فصرخت وقالت : قد قتل أميرالمؤمنين فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية فوجدوه وقد فاضت نفسه رضي الله عنه فبكوا فبلغ ذلك عليا وطلحة والزبير وسعدا وغيرهم من المهاجرين والانصار فاسترجع القوم ودخل علي الدار وهو كالواله الحزين فقال لابنيه : كيف قتل أميرالمؤمنين وأنتما على الباب ؟ ولطم الحسن وضرب الحسين وشتم محمد بن طلحة
(هامش ) * ( 1 ) الرياض النضرة 2 : 125 تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 108 ، نقلا عن ابن عساكر ، تاريخ الخميس 2 : 261 ، 262 ، نقلا عن الرياض . [ * ]
ولعن عبدالله بن الزبير فقال له طلحة : لا تضرب يا أباالحسن ! ولا تشتم ولا تلعن ، ولو
دفع مروان ما قتل ، وهرب مروان وغيره من بني أمية وطلبوا ليقتلوا فلم يوجدوا ، وقال علي لزوجته نائلة بنت الفرافصة : من قتله ؟ وأنت كنت معه . فقالت : دخل إليه رجلان وقصت خبر محمد بن أبي بكر ، فلم ينكر ماقالت ، وقال : والله لقد دخلت وأنا اريد قتله فلما خاطبني بما قال خرجت ولاأعلم بتخلف الرجلين عني ، ولله ما كان لي في قتله سبب ، ولقد قتل وأنا لا أعلم بقتله .
وروى ابن الجوزي في التبصرة ( 1 ) من طريق ابن عمر قال : جاء علي إلى عثمان رضي الله عنهما يوم الدار وقد اغلق الباب ومعه الحسن بن علي وعليه سلاحه فقال للحسن : ادخل إلي أميرالمؤمنين فاقرأه السلام وقل له : إنما جئت لنصرتك فمرني بأمرك . فدخل الحسن ثم خرج فقال لابيه : إن أميرالمؤمنين يقرئك السلام ويقول لك : لا حاجة لي بقتال وإهراق الدماء قال : فنزع علي عمامة سوداء ورمي بها بين يدي الباب وجعل ينادي : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وان الله لا يهدي كيد الخائنين .
وعن شداد بن أوس نزيل الشام والمتوفى بها عهد معاوية انه قال : لما اشتد الحصار بعثمان رضي الله عنه يوم الدار رأيت عليا خارجا من منزله معتما بعمامة رسول الله متقلدا سيفه وأمامة إبنه الحسن والحسين وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم في نفر من المهاجرين والانصار فحملوا على الناس وفرقوهم ثم دخلوا على عثمان فقال علي : السلام عليك يا أميرالمؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلحق هذا الامر حتى ضرب بالمقبل المدبر ، وإني والله لاأرى القوم إلا قاتلوك فمرنا فلنقاتل . فقال عثمان : انشد الله رجلا رأى لله عزوجل عليه حقا وأقر أن لي عليه حقا أن يهريق في سببي مل‌ء محجمة من دم أو يهريق دمه في . فأعاد علي رضي الله عنه القول فأجاب عثمان بمثل ما أجاب ، فرأيت عليا خارجا من الباب وهو يقول : أللهم إنك تعلم أنا قد بذلنا المجهود ثم دخل المسجد وحضرت الصلاة فقالوا له : يا أبااالحسن تقدم فصل بالناس ، فقال : لا أصلي بكم والامام محصور ولكن أصلي وحدي ، فصلى وحده وانصرف إلى منزله
(هامش ) * ( 1 ) راجع تلخيصه قرة العيون المبصرة 1 : 180 . [ * ]
فلحقه إبنه وقال : والله ياأبت قد اقتحموا عليه الدار قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ،
هم والله قاتلوه ، قالوا : أين هو يا أباالحسن ؟ قال : في الجنة والله زلفى ، قالوا : وأين هم يا أباالحسن ؟ قال : في النار والله . ثلاثا .
الرياض النضرة 2 : 127 ، تاريخ الخميس 2 : 262 .
ومن طريق محمد بن طلحة عن كناسة ( 1 ) مولي صفية : شهدت مقتل عثمان فاخرج من الدار أمامي أربعة من شباب قريش مضرجين بالدم محمولين كانوا يدرؤن عن عثمان وهم : الحسن بن علي وعبدالله بن الزبير ومحمد بن حاطب ومروان فقلت له : هل تدري محمد بن أبي بكر بشئ من دونه ؟ قال : معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان : يا ابن أخي لست بصاحبي وكلمه بكلام فخرج ( 2 )
في الاسناد كنانة ذكره الازدي في الضعفاء ، وقال : لايقوم إسناد حديثه وقال الترمذي : ليس إسناده بذاك . وقال أيضا : ليس إسناده بمعروف ( 3 )
وروى البخاري في تاريخه 4 قسم 1 ص 237 من طريق كنانة مولى صفية قال : كنت أقود بصفية لترد عن عثمان فلقيها الاشتر فضرب وجه بغلتها حتى قالت : ردوني ولا يفضحني هذا الكلب . وكنت فيمن حمل الحسن جريحا ، ورأيت قال عثمان من أهل مصر يقال له : جبلة .
وقال سعيد المقبري عن ابي هريرة : كنت محصورا مع عثمان في الدار فرمي رجل منا ، فقلت : يا أميرالمؤمنين الآن طاب الضراب قتلوا رجلا منا . قال : عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت بسيفك ، فانما تراد نفسي ، وسأقي المؤمنين بنفسى اليوم ، قال أبوهريرة : فرميت بسيفي فلا أدري أين هو حتى الساعة ( 4 )
لم أقف علي رجال إسناد هذه الاسطورة غير سعيد المقبري ، وهو سعيد بن أبي سعيد أبوسعد المدني ، والمقبري نسبة إلى المقبرة بالمدينة كان مجاورا لها . قال يعقوب ابن شيبة والواقدي وابن حبان : إنه تغير وكبرو اختلط قبل موته بأربع سنين . راجع
(هامش ) * ( 1 ) كذا في بعض النسخ والصحيح : كنانة .
( 2 ) الاستيعاب 2 ، 478 ، تهذيب التهذيب 7 : 141 ، تاريخ الخميس 2 : 264 .
( 3 ) تهذيب التهذيب 8 : 450 .
( 4 ) الاستيعاب 2 : 478 ، تهذيب التهذيب 7 : 142 ، تاريخ الخميس 2 : 263 . [ * ]
تهذيب التهذيب 4 : 38 ، ومتن الرواية أقوى شاهد على اختلاط الرجل ، فإن أول من رمى يوم الدار هو رجل من أصحاب عثمان رمى نيار بن عياض الاسلمي وكان شيخا كبيرا فقتله الرجل كما مر في ص 201 ومضى في ص 200 : إن أبا حفصة مولى مروان هو الذى أنشب القتال ورمى نيار الاسلمي ، ولعلك تعرف أبا هريرة ومبلغه من الصدق والامانة على ودايع العلم والدين ، وإن كنت في جهل من هذا فراجع كتاب أبي هريرة لسيدنا الحجة شرف الدين العاملي حياه الله وبياه ، ولعل تقاعد أبي هريرة عن نصرة الامام أمير المؤمنين علي على السلام في حروبه الدامية كان لانه لم يك يدري اين سيفه .
وعن أشعب بن حنين مولى عثمان : انه كان مع عثمان في الدار فلما حصر جر مماليكه السيوف فقال لهم عثمان : من أغمد سيفه فهو حر . فلما وقعت في أذني كنت والله أول من أغمد سيفه ، فاعتقت .
قال الذهبي:هذا الخبر باطل لانه يقتضي أن لاشعب صحبة وليس كذلك لسان الميزان 4 : 129
صورة مفصلة
عن أبي امامه الباهلي رضي الله عنه قال : كنا مع عثمان رضي الله عنه وهو محصور في الدار فقال : وبم يقتلونني ؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل دم امرئ
مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلام ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفسا بغير حق فيقتل بها ، فو الله ما أحببت لديني بدلا منذ هداني الله تعالى ، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا قتلت نفسا بغير حق ، فبم يقتلونني ؟ فلما إشتد عطشه أشرف على الناس فقال : أفيكم علي ؟ فقالوا : لا . فقال : أفيكم سعد ؟ فقالوا : لا . فسكت ثم قال : ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء ؟ فبلغ ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملؤة ماء فما وصل إليه حتى جرح بسببها عدة من بني هاشم وبني أمية ، فلما بلغ عليا أن عثمان محاصر يراد قتله قام خارجا من منزله معتما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلدا سيفه وأمامه إبنه الحسن وعبدالله بن عمر في نفر من الصحابة والمهاجرين والانصار رضي الله عنهم ، ودخلوا على عثمان وهو محصور فقال له علي كرم الله وجهه : السلام عليك يا أمير المؤمنين إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى ، واني أعرض عليك خصالا ثلاثا إختر إحداهن
إما أن تخرج فتقاتلهم ونحن معك وأنت على الحق وهم على الباطل ، وإما أن تخرق بابا سوى الباب الذي هم عليه فتركب رواحلك وتلحق بمكة فانهم لن يستحلوك وأنت بها ، وإما أن تلحق بالشام فانهم اهل الشام وفيهم معاوية . فقال عثمان : أما أن أخرج إلى مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول : يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم . فلن أكون أنا . وأما أن ألحق بالشام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فأذن لنا أن نقاتلهم ونكشفهم عنك ، قال : فلا أكون أول من يأذن في محاربة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فخرج علي وهو يسترجع وقال للحسن والحسين : إذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه ، وبعث الزبير إبنه ، وبعث طلحة إبنه ، وبعث عدة من أصحاب محمد أبناء‌هم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان ، فلما رأى ذلك محمد بن أبي بكر وقد رمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بالدماء على بابه وغيره ، فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن ويكشفوا الناس عن عثمان فأخذ بيد رحلين من أهل مصر فدخلوا من بيت كان بجواره ، لان كان من كان مع عثمان كانوا فوق البيوت ولم يكن في الدار عند عثمان إلا امرأته ، فنقبوا الحائط فدخل عليه محمد بن أبي بكر فوجده يتلو القرآن فأخذ بلحيته فقال له عثمان : والله لو رآك أبوك لساء‌ه فعلك . فتراخت يده ودخل الرجلان عليه فقتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا ، قيل : جلس عمرو بن الحمق على صدره ضربه حتى مات ، ووطأ عمير بن ضابئ على بطنه فكسر له ضلعين من أضلاعه ، وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان حول الدار من الناس وصعدت امرأته فقالت : إن أميرالمؤمنين قد قتل فدخل الناس فوجدوه مذبوحا وانتشر الدم على المصحف على قوله تعالى : " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " ، وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا ، وقال علي لابنيه : كيف قتل أميرالمؤمنين وأنتما على الباب ؟ ورفع يده فلطم الحسن ، وضرب على صدر الحسين ، وشتم محمد بن طلحة وعبدالله بن الزبير ، وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله ، وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له : نبايعك فمد يدك فلا بد لنا من أمير . فقال علي : والله أني لاستحي أن أبايع قوما قتلوا عثمان ، وإني لاستحي من الله تعالى أن أبايع وعثمان لم يدفن بعد ، فافترقوا ثم رجعوا فسألوه البيعة فقال : أللهم اني مشفق مما اقدم عليه فقال لهم : ليس ذلك إليكم إنما ذلك لاهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة ، فلم يبق أحد من أهل بدر حتى أتى عليا فقالوا : ما نرى أحدا أحق بها منك ، مد يدك نبايعك . فبايعوه ، فهرب مروان وولده ، وجاء علي وسأل امرأة عثمان فقال لها : من قتل عثمان ؟ قالت : لا أدري دخل عليه محمد بن أبي بكر ومعه رجلان لا أعرفهما ، فدعا محمد فسأله عما ذكرت امرأة عثمان فقال محمد : لم تكذب والله دخلت عليه وأنا اريد قتله فذكر لي أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى ، والله ما قتلته ولا أمسكته . فقالت امرأته : صدق ولكنه أدخلهما عليه .
راجع أخبار الدول للقرماني هامش الكامل لابن الاثير 1 : 210 - 213 .
نظرة في الموضوعات
هذه الموضوعات اختلقت تجاه التاريخ الصحيح المتسالم عليه المأخوذ من مئآت الآثار الثابتة المعتضد بعضها ببعض ، فيضادها ما أسلفناه في البحث عن آراء أعاظم الصحابة في عثمان وما جرى بينهم وبينه من سئ القول والفعل ، وفيهم بقية أصحاب الشورى وغير واحد من العشرة المبشرة وعدة من البدريين ، وقد جاء فيه ما يربو على مائة وخمسين حديثا راجع ص 69 - 157 من هذا الجزء . وتكذبها أحاديث جمة مما قد منا ذكرها ص 157 - 163 من حديث المهاجرين والانصار وانهم هم قتلة عثمان . ومن حديث كتاب أهل المدينة إلى الصحابة في الثغور من أن الرجل أفسد دين محمد فهلموا وأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلم .
ومن حديث كتاب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويقسمون له بالله انهم لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من الله .
ومن حديث كتاب المهاجرين إلى مصر أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها ، فإن كتاب الله قد بدل ، وسنة رسوله قد غيرت . إلى آخر ما مر في ص 161 ، 162 .
ومن حديث الحصار الاول المذكور في صفحة 168 - 177 .
ومن حديث كتاب المصريين إلى عثمان إنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة ، أو ضلالة مجلحة مبلجة . إلى آخر مر ص 170 .
ومن حديث عهد الخليفة على نفسه أن يعمل بالكتاب والسنة سنة 35 كما مر ص 170 - 172
ومن حديث توبته مرة بعد أخرى كما فصلناه ص 172 - 178 .
ومن حديث الحصار الثاني الذي أسلفناه ص 177 - 189 .
ومن حديث كتاب عثمان إلى معاوية في أن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا
الطاعة . إلى آخر ماسبق في صفحة 190 .
ومن حديث كتابه إلى الشام عامة : اني في قوم طال فيهم مقامي واستعجلوا القدر في . وخيروني بين أن يحملوني على شارف من الابل الدحيل ، وبين أن أنزع لهم رداء الله . إلى آخر ما مر ص 190 .
ومن حديث كتابه إهل البصرة المذكور صفحة 191 .
ومن حديث كتابه إلى أهل الامصار مستنجدا يدعوهم إلى الجهاد مع أهل المدينة واللحوق به لنصره كما مر ص 191 .
ومن حديث كتابه إلى أهل مكة ومن حضر الموسم ينشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابه إ قدم عليه . إلخ .
ومن حديث يوم الدار والقتال فيه ، وحديث من قتل في ذلك المعترك مما مضى في ص 198 - 204 .
ومن حديث مقتل عثمان وتجهيزه ودفنه بحش كوكب بدير سلع مقابر اليهود المذكور ص 204 - 217 .
ومما ثبت من أحوال هؤلاء الذين زعموا انهم بعثوا أبنائهم للدفاع عن عثمان ، وانهم لم يفتأوا مناوئين له إلى أن قتل وبعد مقتله إلى أن قبر في أشنع الحالات ، أما علي أميرالمؤمنين فمن المتسالم عليه انه لم يحضر مقتل الرجل في المدينة فضلا عن دخوله عليه قبيل ذلك واستيذانه منه للذب عنه وبعد مقتله وبكاء‌ه عليه وصفعه ودفعه وسبه ولعنه وحواره حول الواقعة ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 230 ردا علي حديث : الظاهر ان هذا ضعيف لان عليا لم يكن بالمدينة حين حصر عثمان ولا شهد قتله .وقد سأله عثمان أن يخرج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس بإسمه للخلافة ، و كان ذلك مرة بعد أخرى وفي إحداهما قال لابن عباس : قل له فليخرج إلى ماله بينبع فلا أغتم به ولا يغتم بي . فأتى ابن عباس عليا فأخبره فقال عليه السلام : يا ابن عباس مايريد عثمان إلا أن يجعلني جملا ناضحا بالغرب أقبل وأدبر ، بعث إلي أن أخرج ، ثم بعث إلي أن اقدم ، ثم هو الآن يبعث إلي أن أخرج .
وعلي عليه السلام هو الذي مر حديث رأيه في عثمان فراجع حتى يأتيك اليقين بأنه صلوات الله عليه لم يكن كالواله الحزين ، ولم يكن ذاهبا عقله يوم الدار ، ولا يقذفه بهذه الفرية الشائنة إلا من ذهبت به الخيلاء ، وتخبطه الشيطان من المس ، وخبل حب آل أمية قلبه واختبله ، فلا يبالي بما يقول ، ولا يكترث لما يتقول .
وأما طلحة فحدث عنه ولا حرج ، كان أشد الناس على عثمان نقمة ، وله أيام الحصارين وفي يومي الدار والتجهيز خطوات واسعة ومواقف هائلة خطرة ثائرة على الرجل كما مر تفصيل ذلك كله ، وإن كنت في ريب من ذلك فأسال عنه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لتسمع منه قوله : والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لانه مظنته ، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه ، فأراد أن يغالط مما أجلب فيه ليلبس الامر ويقع الشك . وقوله : لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل . إلى أقواله الاخرى التي أوقفناك عليها . وسل عنه عثمان نفسه وقد مرت فيه كلماته المعربة عن جلية الحال ، وسل عنه مروان لماذا قتله ؟ وما معنى قوله حين قتله لابان عثمان : قد كفيتك بعض قتلة أبيك ؟ وسل عنه سعدا ومحمد بن طلحة وغيرهما ممن مر حديثهم .
وأما الزبير فإن سألت عنه مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام فعلى الخبير سقطت قال عليه السلام له : أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته ؟ سلط الله على أشدنا عليه اليوم ما يكره ، وقال فيه وفي طلحة : انهم يطلبون حقا هم تركوه ، ودما هم سفكوه ، فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه ، وإن كان ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم . إلى آخر ما أسلفناه من كلماته عليه السلام .
وقد مر قول ابن عباس : أما طلحة والزبير فانهما أجلبا عليه وضيقا خناقه . و
قول عمار بن ياسر في خطبة له : ان طلحة والزبير كانا أول من طعن وآخر من أمر .
وقول سعيد بن العاص لمروان : هؤلاء قتلة عثمان معك إن هذين الرجلين قتلا عثمان :
طلحة والزبير ، وهما يريدان الامر لانفسهما ، فلما غلبا عليه قالا : نغسل الدم بالدم والحوبة بالحوبة .
وأما سعد بن أبي وقاص فهو القائل كما مر حديثه : وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعنا عنه ولكن عثمان غير وتغير ، وأحسن وأساء ، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا ، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله .
وأعطف على هؤلاء بقية الصحابة الذين حسب واضعوا هذه الروايات انهم بعثوا أبناء‌هم للدفاع عن عثمان ، وقدأسلفنا اجماعهم عدا ثلاثة رجال منهم على مقته المفضي إلى قتله ، وهل ترى من المعقول أن يمقته الآباء إلى هذا الحد الموصوف ثم يبعثوا أبنائهم للمجالدة عنه ؟ إن هذا الااختلاق . وهل من المعقول ان القوم كانوا يمحضون له الولاء ، وحضروا للمناضلة عنه ،
فباغتهم الرجلان اللذين أجهزا عليه وفرا ولم يعلم بهما أحد إلى أن أخبرتهم بهما الفرافصة ولم تعرفهما هي أيضا ، وكانت إلى جنب القتيل تراهما وتبصرما ما ارتكباه منه ؟ .
وهل عرف مختلق الرواية التهافت الشائن بين طرفي ما وضعه من تحريه تقليل عدد المناوئين لعثمان المجهزين عليه حتى كاد أن يخرج الصحابة الآباء منهم والابناء عن ذلك الجمهور ، ومما عزاه إلى مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام من قوله لما انثال إليه القوم ليبايعوه : والله إني لاستحي أن أبايع قوما قتلوا عثمان . الخ ؟ وهو نص على أن مبايعيه اولئك هم كانوا قتلوا عثمان وهم هم المهاجرون والانصار الصحابة الاولون الذين جاء عنهم يوم صفين لما طلب معاوية من الامام عليه السلام قتلة عثمان وأمر عليه السلام بتبرزهم فنهض أكثر من عشرة آلاف قائلين : نحن قتلته ، يقدمهم عمار بن ياسر ، ومالك الاشتر ، و محمد بن أبي بكر ، وفيهم البدريون ، فهل الكلمة المعزوة إلى الامام عليه السلام لمبايعيه عبارة أخرى عن الرجلين المجهولين اللذين فرا ولم يعرف أحد خبرهما ؟ أو هما وأخلاط من الناس الذين كانت الصحابة تضادهم في المرمى ؟ وهل في المعقول أن يلهج بهذا إلا معتوه ؟ وهل نحت هذا الانسان الوضاع إن صدق في أحلامه عذرا مقبولا لاولئك الصحابة العدول الذابين عن عثمان بأنفسهم وأبنائهم الناقمين على من ناوئه في تأخيرهم دفنه ثلاثا وقد ألقي في المزبلة حتى زج بجثمانه إلى حش كوكب ، دير سلع ، مقبرة اليهود ، ورمي بالحجارة ، وشيع بالمهانة ، وكسر ضلع من أضلاعه ، واودع الجدث بأثيابه من غير غسل ولاكفن ، ولم يشيعه إلا أربعة ، ولم يمكنهم الصلاة عليه ؟ فهل كل هذا مشروع في الاسلام ، والصحابة العدول يرونه ويعتقدون بأنه خليفة المسلمين ، وان من قتله ظالم ، ولا ينبسون فيه ببنت شفة ، ولا يجرون فيه أحكام الاسلام ؟ أو
انهم ارتكبوا ذلك الحوب الكبير وهم لا يتحوبون متعمدين ؟ معاذ الله من أن يقال ذلك . أو أن هذا الانسان زحزحته بوادره عن مجاري تلكم الاحكام ، وحالت شوارده بينه وبين حرمات الله ، وشرشرت منه جلباب الحرمة والكرامة ومزقته تمزيقا ، حتى وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة
ومن الكذب الصريح في هذه الروايات عد سعد بن أبي وقاص في الرعيل الاول ممن بايع عليا عليه السلام وهو من المتقاعدين عن بيعته إلى آخر نفس لفظه وهذا هو المعروف منه والمتسالم عليه عند رواة الحديث ورجال التاريخ ، وقد نحتت يد الافتعال في ذلك له عذرا أشنع من العمل ، راجع مستدرك الحاكم 3 : 116 .
ومن المضحك جدا ما حكاه البلاذري في الانساب 5 : 93 عن ابن سيرين من قوله : لقد قتل عثمان وإن في الدار لسبعمائة منهم الحسن وابن الزبير فلو أذن لهم لاخرجوهم من أقطار المدينة . وعن الحسن البصري ( 1 ) قال : أتت الانصار عثمان فقالوا : يا أميرالمؤمنين ننصر الله مرتين نصرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وننصرك . قال : لا حاجة لي في ذلك ارجعوا . قال الحسن : والله لو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه .
أي عذر معقول أو مشروع هذا ؟ يقتل خليفة المسلمين في عقر داره بين ظهراني سبعمائة صحابي عادل وهم ينظرون إليه ، ومحمد بن أبي بكر قابض على لحيته عال بها
(هامش ) * ( 1 ) راجع ازالة الخفاء 2 : 242 [ * ]
حتى سمع وقع أضراسه ، وشحطه من البيت إلى باب داره ، وعمرو بن الحمق يثب ويجلس علي صدره ، وعمير بن ضابئ يكسر اضلاعه ، وجبينه موجوء بمشقص كنانة بن بشر ، ورأسه مضروس بعمود التجيبي ، والغافقي يضرب فمه بحديد ، ترد عليه طعنة بعد أخرى حتى أثخنته الجراح وبه حياة فأرادوا قطع رأسه فألقت زوجتاه بنفسهما عليه ، كل هذه بين يدي اولئك المئآت العدول أنصار الخليفة غير انهم ينتظرون حتى اليوم إلى إذن القتيل وإلا كانوا أخرجوهم من أقطار المدينة ، ولو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه . أين هذه الاضحوكة من الاسلام والكتاب والسنة والعقل والعاطفة والمنطق والاجماع والتاريخ الصحيح ؟ ! .
نظرة في المؤلفات
إن ما سطرناه في عثمان إلى هذا الحد أساس ما علوا عليه بنيان فضله ، وتبرير ساحته عن لوت أفعاله وتروكه ، وتعذيره في النهابير التي ركبها والدفاع عنه ، وقد أوقفناك على الصحيح الثابت مما جاء فيه ، وعلى المزيف الباطل مما وضع له ، ومن جنايات المؤرخين ضربهم الصفح عن الاول ، وركونهم إلى الفريق الثاني من الروايات فبنوا ما شادوه على شفا جرف هار ، فلم يأت بغيرها أي عثماني في العقيدة ، أموي في النزعة ، ضع يدك على أي كتاب لاحدهم في التاريخ والحديث مثل تاريخ الامم والملوك للطبري ، والتمهيد للباقلاني ، والكامل لابن الاثير ، والرياض النضرة للمحب الطبري ، وتاريخ أبي الفدا ، وتاريخ ابن خلدون ، والبداية والنهاية لابن كثير ، والصواعق لابن حجر ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ، وروضة المناظر لابن الشحنة الحنفي ، وتاريخ أخبا الدول للقرماني ، وتاريخ الخميس للديار بكري ، ونزهة المجالس للصفوري ، ونور الابصار للشبلنجي ، تجده مشحونا بتلكم الموضوعات المسلسلة ، أتو بها مرسلين إياها إرسال المسلم ، وشوهوابها صحيفة التاريخ بعد ماسودوا صحائفهم ، وموهوابها على الحقائق الراهنة .
وجاء بعد هؤلاء المحدثون المتسرعون وهو يحسبون انهم يمحصون التاريخ والحديث تمحيصا ، ويحللون القضايا والحوادث تحليلا صحيحا متجردين عن الاهواء والنزعات غير متحيزين إلى فئة ، ولا جانحين إلى مذهب ، لكنهم بالرغم من هاتيك الدعوي وقعوا في ذلك وهم لا يشعرون ، فحملوا إلينا كل تلكم الدسائس في صور مبهرجة رجاء أن تنطلي عند الرجرجه الدهماء ، لكن قلم التنقيب أماط الستار عن تمويههم ، وعرف الملا الباحث انهم إنما ردوا ما هنالك من بوائق ومخازي . كما ردها يوما بسوء‌ته عمرو وأثبتوا فضائل بنيت على أساس منهدم ، وربطوها بعرى متفككة ، فهلم معي نقرأ صحيفة من " الفتوحات الاسلامية " تأليف مفتي مكة السيد أحمد زيني دحلان مما ذكره في الجزء الثاني من سيرة الخلفاء الاربعة ص 354 - 517 قال في ص 492
تحت عنوان : ذكرما كان لسيدنا عثمان من الاقتصاد في الدنيا وحسن السيرة : كان عثمان رضي الله عنه زاهدا في الدنيا ، راغبا في الآخرة ، عادلا في بيت المال ( 1 ) لا يأخذ لنفسه منه شيئا ( 2 ) لانه كان غنيا ، وغناه كان مشهورا من حياة النبي صلى الله وعليه وسلم وبعد وفاته ، وكان كثير الانفاق في نهاية الجود والسماحة والبذل في القريب والبعيد ( 3 ) وأنزل الله فيه : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم
ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 4 ) وقوله تعالى : أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ( 5 ) . وقوله تعالى : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ( 6(.
وكان يخطب الناس وعليه إزار غليظ عدني ثمنه أربعة دراهم ( 7 ) وكان يطعم الناس طعام الامارة ويدخل بيته يأكل الخل والزيت ، قال الحسن البصري : دخلت المسجد فإذا أنا بعثمان متكئا على ردائه فأتاه سقا آن يختصمان إليه فقضى بينهما ،
(هامش ) * ( 1 ) فلماذا نقم عليه الصحابة اجمع ؟ ولماذاقتلوا ذلك الزاهد الراغب العادل ؟
( 2 ) راجع الجزء الثامن ص 288 ، 289 ط 2 .
( 3 ) الامن كان يمت بالبيت الهاشمى ويحمل ولاء العترة كأبى ذر وعمار وابن مسعود ونظرائهم
( 4 ) مر في الجزء الثامن ص 57 ط 2 بطلان هذا التقول على الله .
( 5 ) اسلفنا في هذاالجزء في ترجمة عمار القول الصحيح في نزول الاية .
( 6 ) مر في الجزء الثانى ص 51 ط 2 نزولها في على وحمزة وعبيدة بن الحرث . واخرج البخارى في صحيحه في التفسير ج 7 : 91 نزولها في انس بن النضر وذكر ابن حجر نزولها في جماعة ولم يذكر فيهم عثمان ، راجع فتح البارى 8 : 420 .
( 7 ) راجع مارويناه في الجزء الثامن ص 291 ط 2 . [ * ]
وعن عبدالله بن شداد قال : رأيت عثمان رضى الله عنه يوم الجمعة وهو يومئذ أمير المؤمنين
وعليه ثوب قيمته أربعة دراهم . وسئل الحسن البصري ما كان رداء عثمان ؟ قال : كان قطري . قالوا : كم ثمنه ؟ قال : ثمانية دراهم . وكان رضي الله عنه شديد المتواضع ، قال الحسن البصري : رأيت عثمان وهو أميرالمؤمنين نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجئ الرجل فيجلس إليه ، ثم يجئ الرجل فيجلس اليه ، فيجلس هو كأنه أحدهم وروى خيثمة قال : رأيت عثمان نائما في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين ، وفي رواية أخرى لخيثمة أيضا : رأيت عثمان يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصاة في جنبه فيقول الناس : يا أميرالمؤمن‍ين وكان يلى وضوء‌ه في الليل بنفسه فقيل له : لو أمرت بعض الخدم لكفوك ، قال : لا ، ألليل لهم يستريحون فيه ، وكان رضي الله عنه يعتق في كل جمعة رقبة منذ أسلم إلا أن لايجد ذلك تلك الجمعة فيجمعها في الجمعة الاخرى . قال العلامة ابن حجر في الصواعق : إن جملة ما أعتقه عثمان رضي الله عنه ألفان واربعمائة . ومن تواضعه : انه كان يردف غلامه خلفه أيام خلافته ولا يعيب ذلك . وكان يصوم النهار ويقول الليل إلا هجعة من أوله . وكان يختم القرآن كل ليلة في صلاته . وكان كثيرا ما يختمه في ركعة ، وكان إذا مر على المقبرة يبكي حتى تبتل لحيته ، وكان من العشرة المبشرين بالجنة . ومن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض ، وكان من السابقين للاسلام ، فانه أسلم بعد أبي بكر وعلي وزيد بن حارثه ، و شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والزهد في الدنيا ، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم نه قال : رحمك الله يا عثمان ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك ( 1 ) وكثرت الفتوحات في زمن خلافته فقد فتح في زمنه أفريقية وسواحل الاردن وسواحل الروم واصطخر وفارس وطبرستان وسجستان وغير ذلك ، وكثرت أموال الصحابة في خلافته حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف ، ونخلة بألف ، وعن الحسن البصري قال : كانت الارزاق في زمن عثمان وافرة وكان الخير كثيرا ، وأصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك فاشترى طعاما يصلح العسكر وأخرج أبويعلى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عثمان في الجنة وقال : لكل نبي خليل
(هامش ) * ( 1 ) هل تؤيد هذه الصحيحة المزعومة وما قبلها سيرة الرجل ؟ ما لهم بذلك من علم ان هم إلا يخرصون . [ * ]
في الجنة وان خليلي عثمان بن عفان . وفي رواية : لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان بن عفان . وقال صلى الله عليه وسلم : ليد خلن بشفاعة عثمان سبعون ألف كلهم استحقوا
النار الجنة بغير حساب . وأخرج أبويعلى عن أنس رضي الله عنه : أول من هاجر إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صحبهما الله إن عثمان لاول من هاجر إلي الله تعالى بأهله بعد لوفى ، ولما زوج النبي صلى الله عليه وسلم بنته أم كلثوم لعثمان قال لها : إن بعلك لاشبه الناس بجدك ابراهيم وأبيك محمد صلى الله عليه وسلم . وقال صلى الله عليه وسلم : أشد أمتي حياء عثمان بن عفان . وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله أوحى إلي أن ازوج كريمتي يعني رقية وأم كلثوم من عثمان . وقال صلى الله عليه وسلم : إن عثمان حيي تستحي منه الملائكة ، و قال صلى الله عليه وسلم : إنما يشبه عثمان بأبينا إبراهيم . وقال صلى الله عليه وسلم : ما زوجت عثمان بأم كلثوم إلا بوحي من السماء . وقال صلى الله عليه وسلم لعثمان : يا عثمان هذا جبريل يخبرني إن الله زوجك ام كلثوم بمثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها ،
وأخرج الترمذي عن عبدالرحمن بن خباب قال : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان : يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان : يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : ما على عثمان ما فعل بعد اليوم . وعن عبدالرحمن بن سمرة قال : جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثره في حجره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول : ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم . وفي رواية عن حذيفة : انها عشرة آلاف دينار فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول : غفر الله لك يا عثمان ! ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن إلى يوم القيامة ، ما يبالي عثمان ما عمل بعدها ، وأخرج الواحدي : إن الله أنزل بسبب ذلك في حق عثمان : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
وعن أبي سعيد الخدري قال : ارتقبت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من أول الليل إلى أن طلع الفجر يدعو لعثمان بن عفان يقول : أللهم عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه ، فما زال رافعا يديه حتى طلع الفجر . وعن جابر بن عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غفر الله لك يا عثمان ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديت وما هو كائن إلى يوم القيامة . الخ
هذه بلايا تمنتها يد الغلو في الفضائل ، منيت بها الامة ، وطمست تحت أطباقها حقايق العلم والدين ، وانطمست بها انوار الهداية ، وستعرف انها روايات مختلفة زيفتها نظارة التنقيب ولا يصح منها شئ ، غير أن المفتي دحلان على مطمار قومه أرسلها إرسال المسلم ، وموهها على أغرار الملا الديني ، ولا يجد عن سردها منتدحا ، ذلك مبلغهم من العلم إن هم إلا يظنون ، ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا .
(الفتنة الكبرى)
واقرأ صحيفة من " الفتنة الكبرى " للدكتور طه حسين قال في بدء كتابه . هذا حديث أريد أن أخلصه للحق ما وسعني إخلاصه للحق وحده ، وأن أتحرى فيه الصواب ما استطعت إلى تحري الصواب سبيلا ، وأن أحمل نفسي فيه على الانصاف لا أحيد عنه ولا امالئ فيه حزبا من أحزاب المسلمين على حزب ، ولا أشايع فيه فريقا من الذين اختصموا في قضية عثمان دون فريق ، فلست عثماني الهوى ، ولست شيعة لعلي ، و لست أفكر في هذه القضية كما كان يفكر فيها الذين حاصروا عثمان واحتملوا معه ثقلها وجنوا معه أو بعده نتائجها وأنا أعلم أن الناس ما زالوا ينقسمون في أمر هذه القضية إلى الآن كما كانوا ينقسمون فيها أيام عثمان رحمه الله ، فمنهم العثماني الذي لا يعدل بعثمان أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الشيخين ، ومنهم الشيعي الذي لا يعدل بعلي رحمه الله بعد النبي أحدا لا يستثني الشيخين ولا يكاد يرجو لمكانهما وقارا ، ومنهم من يتردد بين هذا وذاك يقتصد في عثمانيته شيئا ، أو يقتصد في تشيعه لعلي شيئا ، فيعرف لاصحاب النبي مكانتهم ويعرف لاصحاب السابقة منهم سابقتهم ، ثم لا يفضل بعد ذلك أحدا منهم على الآخر يرى انهم جميعا قد اجتهدوا ونصحوا لله ولرسوله وللمسلمين ، فأخطأ منهم من أخطأ وأصاب منهم من أصاب ، ولاولئك وهؤلاء أجرهم لانهم لم يتعمدوا خطيئة ولم يقصدوا إلى إساء‌ة ، وكل هؤلاء إنما يرون آراء‌هم هذه يستمسكون بها ويذودون عنها و يتفانون في سبيلها ، لانهم يفكرون في هذه القضية تفكيرا دينيا ، يصدرون فيه عن الايمان ، ويبتغون به ما يبتغي المؤمن من المحافظة على دينه والاستمساك بيقينه وابتغاء
رضوان الله بكل ما يعمل في ذلك أو يقول .
وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خالصة مجردة لاتصدر عن عاطفة ولا هوى ، ولاتتأثر بالايمان ولا بالدين ، وإنما هي نظرة المؤرخ الذي يجرد نفسه تجريدا كاملا من النزعات والعواطف والاهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها الخ . هكذايحسب الدكتور ويبدي انه لا يروقه النزول على حكم العاطفة ولا التحيز إلى فئة أو جنوح إلى مذهب ، وقد تجرد فيما كتب عن كل ذلك حتى عن الايمان والدين ، وزعم انه قصر نظرته في قضايا عثمان على البساطة ليتسنى له الحكم الطبيعي ، والقول في تلكم الحوادث على الحقائق المحضة ، هكذا يحسب الدكتور ، لكنه سرعان ما انقلب على عقبيه كرا على ما فر منه ، فلم يسعه إلا الركون إلى العواطف ومتابعة النزعات ، فلم يرتد إلا تلكم السفاسف التي اختلقتها سماسرة العثمانيين ، ولم يسرح في مسيره إلا مقيدا بسلاسل أساطير الاولين التي سردها الطبري ومن شايعه أو سبقه بتلك الاسانيد الواهية والمتون المزيفة التي أوقفناك عليها في هذا الجزء وفيما سبقه من الاجزاء ، فلم نجد مائزا بين هذا الكتاب وبين غيره من الكتب التي حسب الدكتور ان مؤلفيها حدث بهم الميول و النزعات ، فما هو إلا فتنة كبرى كما سماه هو بذلك .
ترى الدكتور يحايد حذرا من أن يحيد عن مهيع الحق ويجور في الحكم ، و زعم الحياد أسلم في اليوم الحاضر كما كان في الامس الدابر ، فذهب مذهب سعد بن أبي وقاص الحايد في القضية واتبع أثره ، قال في ديباجة كتابه : عاش قوم من أصحاب النبي حين حدثت هذه القضية وحين اختصم المسلمون حولها أعنف خصومة عرفها تاريخهم فلم يشاركوا فيها ولم يحتملوا من أعبائها قليلا ولا كثيرا ، وإنما اعتزلوا المختصمين وفروا بدينهم إلى الله ، وقال قائلهم سعد بن أبي وقاص رحمه الله : لاأقاتل حتى تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول : أصاب هذا وأخطأ ذاك فأنا أريد أن أذهب مذهب سعد وأصحابه رحمهم الله ، لا أجادل عن أولئك ولا عن هؤلاء ، وإنما أحاول أن أتبين لنفسي وأبين للناس الظروف التي دفعت أولئك وهؤلاء إلى الفتنة ، وما استتبعت من الخصومة العنيفة التي فرقتهم ومازالت تفرقهم إلى الآن ، وستظل تفرقهم في أكبر الظن إلى آخر الدهر ، وسيرى الذين يقرأون هذا الحديث ان الامر كان أجل من عثمان وعلي وممن شايعهما وقال من دونهما ، وأن غير عثمان لو ولي خلافة المسلمين في تلك الظروف التي وليها لتعرض لمثل ما تعرض له من ضروب المحن والفتن ، ومن اختصام الناس حوله واقتتالهم بعد ذلك فيه . اه‍.
هاهنا نجد الدكتور جاريا على ما عهد إلى نفسه تجرد عن العواطف ، وجانب المبادئ الدينية ، وحايد الدين الحنيف حقا ، ونظر إلى القضية بالحرية المحضة ، وحسبها فتنة يحق للعاقل أن يكون فيها كابن لبون لا ظهر له فيركب ولا ضرع فيحلب ، ونعم الرأي هذا لولا الاسلام المقدس ، لولا ما جاء به نبي العظمة ، لولا ما نطق به كتاب الله العزيز ، لولا ما تقتضيه فروض الانسانية والعواطف البشرية القاضية بخلاف ما ذهب إليه الدكتور ، وإني لست أقضي العجب منه ، ولست أدري كيف يقدس مذهب ابن أبي وقاص ، أيسوغ للباحث المسلم أن يصفح في تلكم القضايا عن حكم الدين المقدس ، ويشذ عما قرره نبي الاسلام ، ويسحق العواطف كلها حتى ما يستدعيه الطبع الانساني والغريزة العادلة في كسح الفساد والتفاني دون صالح المجتمع العام ؟ ألم يكن هنالك كتاب ناطق أو سنة محكمة أو شريعة حاكمة أو عقل سليم يبعث الملا الديني إلى الدفاع عن كل مسلم مدت إليه يد الظلم والجور فضلا عن خليفة الوقت الواجب طاعته ؟ ما الذي أحوج المتمسك بعرى الدين الحنيف إلى سيف يعقل ويبصر وينطق والله يقول : فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ؟ أولم يكفهم إنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ؟ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه .
ما الذي أذهل الدكتور عن قول الصحابي العظيم حذيفة اليماني : لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل ؟ وكيف يشتبه الحكم في القضية على المسلم النابه وهي لا تخلو عن وجهين ، فإن عثمان إن كان إماما عادلا قائما بالقسط عاملا بالكتاب والسنة مرضيا عندالله ؟ فالخروج عليه معلوم الحكم عند جميع فرق المسلمين لا يختلف فيه اثنان ، ولاتشذ فئة عن فئة ، وإن لم يكن كذلك وكان كما حسبه أولئك العدول من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، ومرت آرائهم ومعتقداتهم فيه ؟
فالحكم أيضا بين مبرهن بالكتاب العزيز كما استدل بذلك الثائرون عليه لما قال لهم : لا تقتلوني فانه لا يحل إلا قتل ثلاثة : رجل زنى بعد إحصانه . أو كفر بعد إسلامه ، أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها . فقالوا : إنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت : قتل من سعى في الارض فسادا ، وقتل من بغى ، ثم قاتل على بغيه ، وقتل من حال دون شئ من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه ، وقد بغيت ، ومنعت الحق ، وحلت دونه وكابرت عليه . الحديث " راجع ص 205 " فنحن لانعرف وجها للحياد كما ذهب اليه ابن أبي وقاص في القضية وفي المواقف الهائلة بعدها ، فالحياد وإن راق الدكتور تقاعد عن حكم الله ، وتقاعس عن الواجب الديني ، وخروج عما قررته الحنيفية البيضاء ، نعم : الحياد حيلة أولئك المتشاغبين المتقاعدين عن بيعة إمام المتقين أميرالمؤمنين ، المتقاعسين عن نصرته ، المتحايدين عن حكم الكتاب والسنة في حروبه ومغازيه ، عذر تترس به سعد بن أبي وقاص وعبدالله ابن عمر وأبوهريرة وأبوموسى الاشعري ومحمد بن مسلمة السابقون الاولون من رجال الحياد الزائف ، والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره .
كتاب عثمان بن عفان
وأعطف على كتاب عثمان بن عفان للمدرس في كلية اللغة العربية بمصر الاستاذ صادق إبراهيم عرجون نظرة ممعنة حيث يقول في فاتحته : فهذا طراز من البحث في سيرة
ثالث الراشدين " عثمان " رضي الله عنه ، صورت به حياته صورة لا أعيذها من اجمال غير
مجحف بحق ، ولا أعضها تفصيل يظهر حجة أويدفع شبهة . وقد احتفلت فيه بتحقيق ما احتف بهذه السيرة الاسيفة من عوامل اجتماعية و سياسية ، دفعت المجتمع الاسلامي دفعا عاصفا إلى أخطر انقلاب عرفه التاريخ في الاسلام وسيرة عثمان رضي الله عنه حرية بالبحث الممحص الهادئ ، ليكشف منها ما سترته الاقاصيص العابثة من فضائل ، وما شوهته الروايات الغالطة من محاسن ، ويصحح ما غالطت بينها من حقائق ، ويزيف ما بهرجه المتقولون من أكاذيب مزورة وحكايات باطلة وقد حاولت جهدي أن أتتبع الخطوط الاصيلة في حياة عثمان رضي الله عنه ، فلائمت بينها حتى ارتسمت منها هذه الصورة التي أرجو أن تكون لبنة بين لبنات متساندة
في دراسة حياة رجالات الاسلام ، وسير أبطاله الغر الميامين ، تبصرة وذكرى للمؤمنين ،
والله ولي التوفيق . ا ه‍ .
ثم ألق نظرة أخرى على مواضيع كتابه تجدها عير منطبقة على ما يقول في شئ منها ، وإنما هي نعرات طائفية ممقوتة ، وفضائل مفتعلة دستها يد الغلو فيها ، وسفاسف موضوعة حبذت الشهوات إختلاقها ، كلل أساطير السلف بزخرف القول ، وزخرف أباطيل الاولين بالبيان المزور ، لم نجدله فحصا عن حال الاسانيد ، وتهافت المتون ، وفقه الحديث ، وطرق مواضيع مهمة من فقه عثمان وأغاليطه وأحداثه وهو يروقه التفصي عنها فلم يتفص إلا بالتافهات لا سيما في المسائل الفقهية التي هو بمجنب عنها ، فنحت لها اعذارا باردة ، أو انها أعظم من تلكم المآثم ، فلنمر عليها كراما . وما ظنك بكتاب يكون من مصادره كتاب فجر الاسلام ، لاحمد أمين ذلك المتحذلق المختلق ، وكتاب الخضري ذلك الاموي المباهت ، ومحاضرات كرد علي العثماني الشامي المناوئ لاهل بيت الوحي ، وأمثال هذه من كتب السلف والخلف مما لايعرج عليه ؟ وفيه الخلط والخبط ، وضوضاء الدجالين ، ولغط المستأجرين . ومن أعجب ما رأيت قوله ص 41 من الكتاب تحت عنوان " الكذب على ذلك رسول الله " : وفي هذه المرحلة من تاريخ الاسلام بدئت أكاذيب الفرق والاحزاب فيما يكيد به بعضها لبعض ، حتى أخذت تلك الاكاذيب صورة الحجاج بأحاديث يتقولها زعماء الفرق ورؤساء الاحزاب على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كثر من هذه الاكاذيب ما زعموه كان في حق الائمة والخلفاء ، وقالت كل شيعة فيمن شايعته وفي منافسيه عندها ماشاء لها الهوى ، وتجاذب هذا النوع طرفي الافراط والتفريط مدحا وذما ، و اختلاقا وتقولا ، حتى غشى سير هؤلاء الاجلاء بغشاء من الغموض حجب الحقايق عن كثير من الناظرين . وليس بأقل خطرا من ذلك ما افترقوه في جنب القرآن الكريم من تأويلات محرفة لآيات الله تعالي عن مواضعها ، ومن هنا وهناك تألفت سلسلة الموضوعات والخرافات والاساطير التي ابتلي بها المسلمون ، وانتشرت بينهم التلبيسات الملتوية والشبه الغامضة ، فشوهت جمال الشريعة المطهرة ، وحشي بها كثير من كتب المؤلفين
المتقدمين والمتأخرين ، حتى أصبحت وبالاعلى الدين ، وشرا على المسلمين ، وحائلا دون نهضتهم وتقدمهم ، وسلاحا في أيدي خصوم الاسلام ، وعائقا عن الوصول إلى كثير من الحقايق التاريخية والعلمية والدينية ، ولولا توفيق الله تعالى رحمة بهذه الامة ، ورعاية لهذا الدين الكريم ، لطائفة من أئمة المسلمين المصطفين الاخيار ، إنتهضوا لنقد الاسانيد وتنقيح الروايات ، وبهرجة الزائف منها ، وحظر الرواية عن كل صاحب بدعة في الاسلام ، لما بقيت للاسلام صورته النيرة التي جاء بهاالقرآن الحكيم ، وأداها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه نقية صافية . ا ه‍ .
هذه نفثات الاستاذ الصادق ، وهذه حسراته وزفراته المتصاعدة وراء ضياع التاريخ الاسلامي ، وراء طمس الحقايق تحت أطباق الظلمات ، وراء تشويه الاساطير والمخاريق والاباطيل جمال الشريعة المطهرة ، ولعمر الحق لقد أحسن وأجاد ، والرايد لايكذب ، غير أن المسكين هو من أسراء تلكم السلاسل المتسلسة من الموضوعات والخرافات التي أبتلي بها المسلمون ، وعاقته الاغشية المدلهمة عن الوصول إلى الحقايق التاريخية والعلمية والدينية ، وثبطته التلبيسات الملتوية عن نيل الصحيح الناصع من التاريخ والحديث ، فما أصاب من الحق نيلا ، وما أسعفته فكرته هذه على الطامات ولا قدر شعرة ، وما أوضحت له سبل النجاح ، وما هدته إلى المهيع اللايح ، فليته ثم ليته كان يأخذ بأقوال اولئك الائمة المصطفين الاخيار في نقد الاسانيد في الجرح والتعديل ، وكان يعمل بها ويتخذها دستورا لنفسه ، مقياسا فيما سطره من الاكاذيب والافائك ، وليته كان يرحم هذه الامة ، ويرعى هذا الدين الكريم مثلما هم رحموا ورعوا ، وما
زرف في تأليفه ، وما أعاد لا ساطير الاولين الخلقة جدتها بعد ألف وثلثمائة عاما من عمرها .
وهل هو بعد ما وقف على هذا الجزء ووجد كتابه مؤلفا من سلسلة بلايا وحلقة أباطيل زيفها اولئك الائمة الذين هو اصطفاهم واختارهم وأثنى عليهم يقرع سن الندم ويتبع سنن الحق اللاحب ؟ أو أنه يلج فيما سود به صحائف كتابه أو صحيفة تاريخه ويتمادى في عيه وليه ؟ وما التوفيق إلا بالله
كتاب انصاف عثمان
تأليف الاستاذ محمد احمد جاد المولى بك
هذا الكتاب أخدع من السراب ، صفر من شواهد الانصاف ، شرجه الاستاذ من سلسلة أخبار مدسوسة وروايات مختلقة ، وإن درس هو بزعمه تاريخ عثمان دراسة الحذر منها فقال في ديباجته ص 4 : درسنا تاريخ عثمان وعصره والثورة عليه دراسة الحذر من الاخبار المدسوسة ، اليقظ لمواطن العبرة ، المرجع كل حدث إلى بواعثه الاصلية وإن رانت عليها الشبهات .
ولم نكتف بما قال المؤرخون ، بل مددنا بصرنا إلى أبعد من ذلك ، فحللنا شخصيته ، وبينا مالها من صلة بالثورة عليه ، ودرسنا حال المسلمين وقد نعموا بالراحه والثراء وانساحوا في الاصقاع يخالطون الاعاجم ويصهرون إليهم ويتخلقون بعاداتهم ، وحال قريش وما أنتابها من تفرق وتنازع على الرياسة ، وبينا صلة ذلك بالتجني على الخليفة ، وجلونا الفتنة التي أرثها في الامصار أعداء عثمان وأعداء الاسلام ، ونخلنا ذلك كله وصفيناه ، واستخلصنا منه الاسباب الصريحة للفتنة . ولم نغفل أن نعرض لما أخذ على عثمان ، ولا أن ننتصف له حيث يستحق الانصاف . ومن حق عثمان أن تخصص لدراسته ودراسة عصره عشرات الكتب ، فإنه الخليفة المهضوم الحق ، المظلوم في الحكم عليه ، على ماله من سابقة وفضل وإصلاحات ، وعصره عصر انتقال واضطراب وثورات سياسية وإجتماعية . ونحن وإن بالغنا في الاحاطة وتوفي الزلل عرضة للتقصير ، ولكنا اجتهدنا رأينا ، فنرجوا أن نكون قد وفقنا لابراز صورة واضحة لهذه الحقبة من تاريخ المسلمين ففيها عظات وعبر . والله المستعان . اه‍ .
هذه لفاظته ، وهذا حسن طويته وحرصه على النجاح ، غير انك تجده في جمعه وتأليفه كحاطب ليل رزم في حزمته كل رطب ويابس ، وجاء يخبط خبط عشواء من دون أي فحص وتنقيب ، لا يفقه ولا ينقه ، لا يستصحب دراية في الحديث توقفه على الصحيح الثابت ، وتعرفه الزائف البهرج ، ولا بصيرة تميز له الحو من اللو ، ولا علما ناجعا يجعجعه ويهديه إلى الفوز والنجاح ، ولا فقها ينجيه من غمرات تلكم المعارك الوبيلة ، ولا تثبتا يرشده إلى ما ينقذه من تلكم التلبيسات الملتوية ، جول في مضمار تلكم الطامات لتي التجاء بها الطبري وغيره وحسبها اصولا مسلمة ، وأسند في آرائه إلى فضائل مفتعلة نتاج أيدي الامويين نسبا ونزعة ، ومن المأسوف عليه جدا انه أكدى وإن اجتهد رأيه ، ولم يظفر بأمله وإن بالغ في الاحاطة بزعمه ، وأبرز لهذه الحقبة من تاريخ المسلمين صورة معقدة معضلة تخلو عن كل عظة وعبرة . بسط القول في عبدالله بن سبأ وعزا إليه كل تلكم المعامع الثورات ، وحسبه مادة الفكرة الناقمة على الخليفة وأساسها الوحيد في البلاد ، ورأى معظم الصحابة أتباع نعرات ذلك المبتدع الغاشم ، وطوع تلبيس ذلك اليهودي المهتوك ، وقال في ص 42 :
عند ذلك يجد ابن سبأ منفذا إلى هذا الشيخ الزاهد ( يعني أباذر ) في عرض الدنيا فينشر آراء‌ه في مجلسه ويغريه بالحكومة ويحرضه على الاغنياء ، وصار يقول له : يا أباذر ألا تعجب لمعاوية يقول : المال مال الله ، ألا كل شئ لله ؟ كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو إسم المسلمين . ظل أبوذر يدعو إلى الاشتراكية المتطرفة بإرغام الاغنياء أن يساعدوا الفقراء ويتركوا أموالهم لهم ، واتخذ بر الاسلام بالفقراء سبيلا إلى ذهاب المال من أربابه ، وما قصد الاسلام هذا بل كما قال الله تعالى : والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم زيادة على وقال في ص 61 : أما عمار فقد توجه إلى مصر وكان حاكمها مبغضا من الز كاه الشرعيه . الخ . المصريين لا يجدون حرجا في رميه بكل نقيصة ، واستطاع أتباع ابن سبأ بحذقهم و مهارتهم في ذلك المكفهر أن يخدعوه بزخرف القول وزوره ، وكان مع هذا في نفس عمار شئ من عثمان لانه نفذ فيه حكم الله لما تقاذف هو والعباس بن عتبة بن أبي لهب ، ولهذا لم يعد إلى الخليفة ، ولم يطلعه على شئ مما رأي ، ومال إلى اتباع ابن سبأ . اه‍ .
هذه صفحة من تلك الصورة الواضحة التي وفق الاستاذ لابرازها ، هذه هي الغاية المتوخاة التي بزعمه فيها عظات وعبر ، هل يدري القارئ عن أي أبي ذر و عمار يحدث هذا الثرثار المجازف ؟ حتى لا يبالي بما يقول ولا يكترث لما أسرف فيهما من القول ، ولست أدرى لماذا اقتحم الرجل في هذه الابحاث الغامضة الخطرة التي يتيه فيها الناقد البصير ؟ لماذا اقتحم فيها مع ضؤولة رأيه وجهله بأحوال الرجال ومقادير أفذاذ الامة ، وعدم عرفانه نفسيات خيرة البشر وصلحاء الصحابة ومبلغهم من الدين ؟ لماذا اقتحم فيها مع بعده عن دراية الحديث ، وعلم الدين ، وفقه التاريخ ؟ تراه تشزر وتعبأ للدفاع عمن شغفه حبه بكل ما تيسر له ولو بالوقيعة في عدول الصحابة أو في الصحابة العدول ، وقد بينا في الجزء الثامن ص 349 ط 2 حديث الرجل في أبي ذر وانه موضوع عنعنه أناس لا يعول عليهم عند مهرة الفن ، وفصلنا القول في هذا الجزء في حديث عمار وانه قط لم يتوجه إلى مصر ، وان ماركن إليه الاستاذ لايصح اسناده ، ونحاشي عمارا عن أن يحمل ضغينة على أحد لانفاذه حكم الله فيه ، وهل الاستاذ طبق المفصل في رأيه هذا وبين يديه الذكر الحكيم والآية النازلة في عمار ؟ وفي صفحات الكتب قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ملئ عمار ايمانا إلى أخمص قدميه . وقوله : إن عمارا مع الحق والحق معه ، يدور عمار مع الحق أينما دار . و قوله : ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما . إلى أحاديث أخرى مرت في هذا الجزء ص 20 - 28 تضاد تلكم الخزعبلات .
وللاستاذ في تبرير الخليفة كلمات ضخمة موجزة في طيها دسائس مطمورة ، وتمويه على الحقائق التاريخية ، يتلقاها الدهماء بالقبول ولا يرى عن الصفح عنها مندوحة قال في ص 35 : من المسلم به أن الوليد هذا عين سنة 25 هجرية وهي السنة الاولى من حكم عثمان ، وقد أجمع الناقدون والمؤرخون على أنه لم يقع منه خلال ست السنوات الاولى مايسوغ توجيه النقد إليه ، إذ كانوا يرون رائده تحري المصلحة العامة ، وإسناد المناصب إلى الجديرين بها لا فرق بين قريب وبعيد . اه‍ .
دعوى الاجماع والاتفاق والاصفاق المكذوبة سيرة مطردة عند القوم جيلا بعد جيل سلفا وخلفا ، وكتب الفقه والكلام والحديث والتاريخ مشحونة بهذه السيرة الممقوتة ومن أمعن النظر في كتاب المحلى لابن حزم ، وكتابه الفصل في الملل والنحل ، ومنهاج السنة لابن تيمية ، والبداية والنهاية لابن كثير ، يجد مئاة من الاجماعات المدعاة المشمرجة ، والاستاذ اقتفى إثر اولئك الامناء على ودائع العلم والدين وحذا حذوهم ، كأنه لم يك يحسب أن يأتي عليه يوم يناقشه قلم التنقيب الحساب ، أو انه غير مكترث لاي تبعة ومغبة .
أنى من المتسالم عليه تولية الوليد سنة 25 وإن هو إلا قول سيف بن عمر كما نص عليه الطبري في تاريخه 7 : 47 وزيفه ، وعزاه ابن الاثير في الكامل إلى البعض ، وقد عرفناك سيفا في الجزء الثامن ص 84 ط 2 وانه : ضعيف متروك ، ساقط ، وضاع ، اتهم بالزندقة . فالمعتمد عند المؤرخين ان تولية الوليد كانت سنة 26 . ثم أنى يصح كون السنة ال‍ 25 هي السنة الاولى من حكم عثمان ، وإنما توفي عمر في أواخر ذي الحجة سنة 23 ويويع عثمان بعد ثلاثة أيام من موت عمر ، فالسنة الاولى من حكم عثمان هي 24 . وأين وأنى يسع لناقد أو مؤرخ فضلا عن إجماع الناقدين والمؤرخين أن يحسب صفو الجو من بوائق عثمان وبوادره ونوادره خلال ست السنوات الاولى ، وهذه صفحات تاريخه في تلكم السنين مسودة بهنات وهنات ، بل التاريخ سجل له من أول يوم تسنم عرش الخلافة ، وقام نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، صرعة وعثرة لا تستقال ، منها :
1 ـ أبطل القصاص لما استخلف ولم يقد عبيدالله بن عمرو قد أتى عظيما وقتل الهرمزان والجفينة وابنة أبي لؤلؤة ، وأجمع رأي المهاجرين والانصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتل ابن عمر أخذا بالكتاب والسنة ، غير أن عمرو بن العاص فلته عن رأيه ، فدهب دم اولئك الابرياء هدارا . وكانت أول قارورة كسرت في الاسلام بيد عثمان يوم ولي الامر .
2 ـ لما استخلف صعد المنبرو جلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يجلس أبوبكر وعمر فيه ، جلس أبوبكر دونه بمرقاة ، وجلس عمر دون أبي بكر بمرقاة ، فتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم : اليوم ولد الشر ( 1 )
3 ـ رد الحكم بن أبي العاص طريد النبي الاقدس ولعينه إلى المدينة لما ولي الخلافة ، وبقي فيها حتى لعق لسانه ، وهذا الايواء مما نقم به على عثمان كما مر حديثه في ج 8 : 242 ، 254 ، 258 ط 2 .
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 140 ، تاريخ ابن كثير 7 : 148 . [ * ]
4 ـ ولى الوليد بن عقبة سنة 26 ، 25 وعزل سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة ، كان هذا في طليعة ما نقموا على عثمان ( 1 ) ثم وقع ما وقع من الوليد من شرب الخمر وتقاعد الخليفة عن حده . راجع الجزء الثامن ص 120 - 125 ط 2 .
5 ـ هبته الوليد ما استقرض عبدالله بن مسعود من مال المسلمين لما قدم الوليد الكوفة وكان ابن مسعود على بيت المال ، حتى نقم الخليفة على ابن مسعود وعزله و حبس عطاء‌ه أربع سنين إلى أن مات سنة 32 وجرى بينه وبين الخليفة ما مر حديثه في هذا الجزء ، وهذا مما أخذت الامة خليفتهم به .
6 ـ زاد الاذان الثالث في اوليات خلافته كما في تاريخ ابن كثير ، وقد فصلنا القول في أحدوثته هذه في الجزء الثامن ص 125 - 129 ط 2 .
7 ـ وسع المسجد الحرام سنة 26 وابتاع من قوم منازلهم ، وأبوا آخرون فهدم عليهم ودفع الاثمان في بيت المال فصاحوا بعثمان فأمربهم للحبس وقال : ما جرأكم علي إلا حلمي . راجع الجزء الثامن ص 129 ط 2 .
8 ـ أعطى خمس الغنائم في غزوة أفريقية الثانية مروان بن الحكم وهو من عمدة مآثم الخليفة ، وكان ذلك سنة 27 من الهجرة الشريفة . راجع ج 8 ص 275 260 ط 2 .
9 ـ حج سنة 29 وأتم الصلاة في مكان القصر في عامه هذا كما في تاريخ ابن كثير 7 : 154 ، وهذه الاحدوثة مرت على تفصيلها في ج 8 ص 98 - 119 .
10 ـ أعطى خمس أفريقية عبدالله بن سعد أبي سرح في غزوتها الاولى . راجع
الجزء الثامن ص 279 ط 2 .
إلى بوادر وعثرات أخرى صدرت من الخليفة خلال ست السنوات الاولى كل منها يسوغ توجيه النقد إليه ، وكان من أول يومه مهما قرع سمعه نقد ناقد أو نصح ناصح لا يصيخ إليه ، بل كان يؤاخذ من أغمزفيه ، ويسومه سوء العذاب ، وكان يلقي العرى إلى بني أمية في البلاد ، ويفوض إليهم مقاليد الامور ، ويحسبه العلاج الوحيد في حل تلكم المشاكل ، وتقصير خطي اولئك الناقدين الآمرين بالمعروف والناهين
(هامش ) * ( 1 ) دول الاسلام 1 : 9 ، البداية والنهاية 7 : 151 . [ * ]
عن المنكر ، حتى تمخضت عليه البلاد ووعرت القلوب ، واتسع الخرق على الراقع . وفي ظني الغالب أن تقدم ثقافة مصر اليوم هو الذي بعث اساتذتها إلى الاكثار في التأليف حول عثمان وتدعيم فضائله وفواضله ، وشططوا في إطرائه وبالغوا في الذب عنه بتلفيق الكلام وتزويره ، وتسطير الحدد من القول ، وسرد المبوق البهرج ، وذلك روما لتقديس ساحتهم عما اقترفته أيدي سلفهم الثائر المتجمهر على الخليفة ، إذ حسبوه وصمة شوهت سمة الخلف منهم والسلف ، وسودت صحيفة تاريخ مصر والمصريين ، فهل يتأتى أمل الخلف بهذه الكتيبات المزخرفة ؟ لعله يتأتى مثلما رام السلف تحقق توبتهم بالحوبة ، لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون .
نظرة في كتب اخرى
وقس على هذه الكتب كتاب تاريخ الخلفاء تأليف الاستاذ عبدالوهاب النجار المشحونة صفحاته بمرمعات الرواية وسقطات التاريخ . وكتاب عثمان للاستاذ عمر أبي نصر ، ليس فيه إلا أنه أعاد له سبق إليه الشيخ محمد الخضري من نفسياته الاموية جدتها ، فما ينقمه الباحث من مواضيع جار فيما بهرجه اللاحق في كتابه . وكتاب تاريخ الخلفاء الراشدين للاستاذ السيد علي فكري وهو الجزء الثالث من كتابه " أحسن القصص " وهذا أهدأ ما ألف في الموضوع ، ينم عن سلامة نفس المؤلف ونزاهة قلمه ، وهو وإن ألفه من تلكم السلاسل الوبيلة من الموضوعات ، غير أنه لا يتطرق إلى إلا بحاث الخطرة ، ولا يقتحم المعارك المدلهمة ، مما نقم به على الخليفة من الطامات والاحداث ، وما قيل في براء‌ته عن لوثها ، وكأنه ترجم لخليفة خضعت
الرقاب لعظمته ، وتسالمت الامة عليه من جميع نواحيه ، ولم يطرق سمعه ما هنالك من حوار وأخذ ورد ، ونقد ودفاع ، وكأن ما سطره في فضل الخليفة ، وكرم طباعه ، وسلامة نفسه ، اصول موضوعة لا يتوجه إليها غمز ولا انتقاد ، وستعرف حالها ومحلها من الاعتبار ، فلا تعجل بالقران من قبل أن يقضي إليك وحيه .
ذكر السيد الاستاذ ما جاء في مناقب عثمان من الحديث المختلق من دون أي بحث وتنقيب ، من دون أي نقض وإبرام ، إلى أن تخلص من البحث عنه بقوله في ص 163 بعد أن فتح المسلمون تلك الاقاليم واطمأنوا وكثرت عندهم الخيرات والاموال ، أخذوا ينقمون على الخليفة حيث رأى من الصالح للامة عزل بعض الولاة فعزلهم ، وولى من فيه الكفاية من أقاربه وذوي رحمه ، فظن الناس به ظنونا هو برئ منها ، وفشت الفتنة واستفحل أمرها ، حتى حضرت وفود من الكوفة والبصرة ومصر في وقت واحد طالبين تولية غير عثمان ، أو عزل من ولاهم على الامصار . وأخيرا استقر الحال على إجابتهم لما طلبوا من عزل بعض العمال ، وعلى ذلك اختار أهل مصر أن يولى عليهم محمد بن أبي بكر الصديق ، فكتب عثمان لهم بذلك عهدا ورحلوا من المدينة مع واليهم الجديد ، وبينما هم ذاهبون رأوا عبدا من عبيد الخليفة على راحلة من إبله يستحثها فأوقفوه وفتشوه ، فوجدوا معه كتابا مختوما بختم الخليفة لعبدالله بن أبي سرح مضمونة :
إذا قدم عليك ابن أبي بكر ومن معه فاحتل في قتلهم
فأخذوا الكتاب ورجعوا إلى المدينة ، وأطلعوا الخليفة عليه فأقسم لهم انه ما فعل ولا أمر ولا علم فقالوا : هذا أشد ، يؤخذ خاتمك ، وبعير من إبلك ، وعبد من عبيدك وأنت لا تعلم ، ما أنت إلامغلوب على أمرك فطلبوا منه الاعتزال ، أو تسليم الكاتب فأبى ، فأجمعوا على محاصرته ، فحاصروه في داره ومنعوا عنه الزاد والماء أياما عديدة : وهاجت الثوار ، وكثر القيل والقال ، فطلب منه بعض الصحابة الاذن بالمدافعة عنه فلم يقبل ، ولم يأذن لاحد حتى انه قال لعبيده الذين هبوا للدفاع عنه : من أغمد منكم سيفه فهو حر . إستسلاما للقضاء ، فتسلق بعض الاشرار الدار ، ودخلوا عليه وقتلوه ، والمصحف بين يديه يتلوه فيه سورة البقرة فنزلت قطرة من دمه على : فسيكفيكهم الله وكان يومئذ صائما . اه‍ .
ولعل الاستاذ بعد الوقوف على هذا الجزء من كتابنا ينتبه لمواقع النظر في تأليفه فيميزالحي من اللي ، ويعرف الصحيح من المعلول ، ويتبع الحق والحق أحق أن يتبع .
وفي مقدم هؤلاء الاساتذة استاذ تاريخ الامم الاسلامية بالجامعة المصرية ووكيل مدرسة القضاء الشرعي الشيخ محمد الخضري صاحب المحاضرات ، وقد قدمنا في الجزء الثالث ص 249 - 265 ط 2 شيئا مما يرجع إليه وإلى كتابه ، وعرفناك موقفه من الدجل والجناية على التاريخ الصحيح ، وبعده عن أدب الدين ، عن أدب العلم ، عن أدب الانسانية ، وان كتابه علبة السفاسف ، وعيبة السقطات ، وصحائفه مشحونة بالاكاذيب والافائك والنسب المفتعلة ، والآراء الساقطة ، فإن كان الاسلام هذا تاريخه فعلى الاسلام السلام .
عهد النبى الاقدس
صلى الله عليه وآله وسلم إلى عثمان
1 ـ أخرج إمام الحنابلة أحمد في المسند 6 : 86 ، 149 قال : حدثنا أبوالمغيرة " الحمصي " حدثنا الوليد بن سليمان " الدمشقي " حدثني ربيعة بن يزيد " الدمشقي " عن عبدالله بن عامر " الدمشقي " عن النعمان بن بشير " قاضي دمشق " عن عائشة رضي الله عنها قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما رأينا إقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان أقبلت إحدانا على الاخرى فكان من آخر كلمته أن ضرب منكبه وقال : يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني . ثلاثا . فقلت لها : يا أم المؤمنين ؟ فأين كان هذا عنك ؟ قالت : نسيته والله ، ما ذكرته . قال : فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين : أن اكتبي إلي به ، فكتبت إليه به كتابا ،
رجال الاسناد كلهم شاميون عثمانيون وفي مقدمهم النعمان بن بشير الخارج على إمام زمانه ومحاربه تحت راية الفئة الباغية ، وجاء فيه عن قيس بن سعد الانصاري الصحابي العظيم : انه ضال مضل . ومتن الرواية كما يأتي بيانه يكذب نفسها .
2 ـ أخرج أحمد في المسند 6 : 114 من طريق محمد بن كناسة الاسدي أبي يحيى عن إسحاق بن سعيد الاموي حفيد العاص عن أبيه سعيد ابن عم عثمان الذي كان بدمشق قال : بلغني ان عائشة قالت : ما أسمعت رسول الله إلامرة فإن عثمان جاء‌ه في نحر الظهيرة فظننت انه جاء‌ه في أمر النساء ، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعته يقول : إن الله ملبسك قميصا تريدك أمتي على خلعه فلا تخلعه . فلما رأيت عثمان يبذل لهم ماسألوه إلا خلعه علمت أنه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عهد إليه عمد رجال الاسناد أمويون أبناء بيت عثمان بني أبيه ينتهي إلى عائشة وقد أوقفناك على حديثها في هذا الجزء ، وهو مع ذلك مرسل لا يعلم من بلغه سعيد بن العاص ولعله أحد الكذابين الوضاعين .
3 ـ أخرج الطبراني عن مطلب بن شعيب الازدي عن عبدالله بن صالح عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف قال : كنا عند شفى الاصبحي فقال : حدثنا عبدالله بن عمر قال : التفت رسول الله فقال : يا عثمان إن الله كساك قميصا فأرادك الناس على خلعه فلا تخلعه ، فوالله لئن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط .
ذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 208 فقال : وقد رواه أبويعلى من طريق عبدالله ابن عمر عن أخته حفصة أم المؤمنين . وفي سياق متنه غرابة والله أعلم .
رجال الاسناد :
1 - عبدالله بن صالح أبوصالح المصري كاتب الليث ، قال أحمد : كان أول أمره متماسكا ثم فسد بآخره وليس هو بشئ . وقال عبدالله بن أحمد : سمعت أبي ذكره يوما فذمه وكرهه . وقال صالح بن محمد : كان ابن معين يوثقه وعندي انه كان يكذب في الحديث . وقال ابن المديني : ضربت على حديثه وما أروي عنه شيئا . وقال أحمد بن صالح : متهم ليس بشئ . وقال النسائي : ليس بثقة ، وقال أبوزرعة : كذاب . وقال أبوحاتم : الاحاديث التي أخرجها أبوصالح في آخره عمره فأنكروها عليه أرى ان هذا مما افتعل خالد بن نجيح وكان أبوصالح يصحبه . إلخ . وقال أبوأحمد الحاكم : ذاهب الحديث . وقال ابن حبان : منكر الحديث جدا يروي عن الاثبات ما ليس من حديث الثقات ، وكان صدوقا في نفسه وإنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جارله كان يضع الحديث على شيخ عبدالله بن صالح ويكتب بخط يشبه خط عبدالله ويرميه في داره بين كتبه فيتوهم عبدالله انه خطه فيحدث به تهذيب التهذيب 5 : 256 - 260
2 - سعيد بن أبي هلال المصري قال أحمد : ما أدري أي شئ يخلط في الاحاديث وقال ابن حزم : ليس بالقوي . وقال ابن حجر : لعله اعتمد على قول الامام أحمد فيه .
تهذيب التهذيب 4 : 95 .
3 ـ ربيعة بن سيف الاسكندراني . قال ابن حبان : يخطئ كثيرا . وقال ابن يونس : في حديثه مناكير . وقال البخاري : روى أحاديث لا يتابع عليها . وقال النسائي : ضعيف . تهذيب التهذيب 3 : 256 .
4 ـ أخرج أحمد من طريق سنان بن هارون عن كليب بن وائل عن ابن عمر قال .
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال : يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان . تاريخ ابن كثير 7 : 208 .
سنان بن هارون كوفي ، قال النسائي : ضعيف . وقال الساجي : ضعيف منكر الاحاديث . وقال ابن حبان : منكر الحديث جدا يروي المناكير عن المشاهير ( 1 ) و كليب بن وائل ضعفه أبوزرعة كما في تهذيب التهذيب 8 : 447 .
5 ـ أخرج أحمد في المسند 2 : 345 من طريق موسى بن عقبة قال : حدثني جدي أبوامي أبوحبيبة انه دخل الدار وعثمان محصور فيها ، وانه سمع أباهريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له ، فقام فحمدالله وأثنى عليه ثم قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول إنكم تلقون بعدي فتنة وإختلافا - أو قال : إختلافا وفتنة - فقال له قائل من الناس : فمن لنا يارسول الله ؟ قال : عليكم بالامين وأصحابه . وهو يشير إلى عثمان بذلك . وذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 209 فقال : تفرد به أحمد واسناده جيد حسن ولم يخرجوه من هذا الوجه .
نحن لا نعرف جودة هذا الاسناد وحسنه وفيه جد أم موسى وهو نكرة لا يعرف ولا يوجد له قط ذكر في المعاجم . وهل من المعقول عزو هذه الرواية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جد عليم بأن أصحاب عثمان هم : مروان ومن يشاكله في العيث والفساد حشوة بني أمية ، حثالة أمته صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أفمن الجائز أن يوصي رسول الله صلى الله عليه وآله أمته باتباع أولئك الخابلين خلاف وجوه صحابته وعدولهم المتجمهرين على عثمان ؟ حاشا نبي العظمة عن هذه الافائك .
6 ـ أخرج الترمذي عن طريق سعيد الجريري ( 2 ) عن عبدالله بن شقيق عن عبدالله
(هامش ) * ( 1 ) تهذيب التهذيب 4 : 243 .
( 2 ) زاد ابن كثير هاهنا في الاسناد : عبدالله بن سفيان . [ * ]
بن حوالة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أنت وفتنة تكون في أقطار الارض ؟ قلت : ما خار الله لي ورسوله . قال : إتبع هذا الرجل فانه يومئذ ومن اتبعه على الحق قال : فاتبعته فأخذت بمنكبه ففتلته فقلت : هذا يا رسول الله ؟ فقال : نعم . فإذا هو عثمان بن عفان .
وأخرجه أحمد في المسند 4 : 109 من طريق سعيد الجريري بالاسناد المذكور
ولفظه : كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الارض كأنها صياصي بقر ؟ قلت : لا أدري
ما خار الله لي ورسوله ، قال : وكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كان الاولى فيها انتفاحة أرنب ؟ قلت : لا أدري ما خار الله لي ورسوله ، قال : إتبعوا هذا . قال : ورجل مقفى حينئذ قال : فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبيه فأقبلت بوجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : هذا ؟ قال : نعم . قال : وإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه .
قال الاميني ، ستوافيك ترجمة سعيد الجريري في حديث 25 من مناقب عثمان وان روايته لا تصح لا ختلاله ثلاث سنين . وأما عبدالله بن شقيق المنتهى إليه أسانيد الرواية فهو من تابعي أهل البصرة قال ابن سعد في الطبقات : كان عثمانيا وكان ثقة .
وقال يحيي بن سعيد : كان سليمان التميمي سئ الرأي في عبدالله . وقال أحمد بن حنبل
ثقة وكان يحمل على علي . وقال ابن معين : ثقة من خيار المسلمين ، وقال ابن خراش :
كان ثقة وكان عثمانيا يبغض عليا ( 1 )
ألا تعجب من توثيق الحفاظ هذا الرجل المتحامل على علي أميرالمؤمنين ومبغضه وعده من خيار المسلمين وبين أيدينا قول رسول الله صلى الله عليه وآله الصحيح الثابت : لا يحب عليا منافق ولايبغضه مؤمن ، ولا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ، وقول علي أميرالمؤمنين الوارد في الصحيح : والذي فلق الحبة وبرء النسمة انه لعهد النبي الامي إلي انه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق . وقوله : لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني . الحديث . وثبت عن غير واحد من الصحابة قولهم : ما كنا نعرف المنافقين إببغض علي بن أبي طالب ( 2 )
(هامش ) * ( 1 ) تهذيب التهذيب 5 : 254 .
( 2 ) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث ص 182 - 187 ط 2 .
وجاء في الصحيح مرفوعا : لو أن رجلا صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لاهل بيت محمد دخل النار ( 1 )
وفي حديث : لو أن عبدا عبدالله سبعة آلاف سنة ثم أتى الله عزوجل ببغض علي جاحدا لحقه ناكثا لولايته لاتعس الله خيره وجدع أنفه .
وفي حديث : لو أن عبدا عبدالله عزوجل مثل ما قام نوح في قومه وكان له مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ومد في عمره حتى حج ألف عام على قدميه ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما ثم لم يوالك يا علي ! لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها .
وفي حديث : لوأن عبدا من عبادالله عزوجل عبدالله ألف عام بين الركن والمقام ثم لقي الله عزوجل مبغضا لعلي وعترتي أكبه الله على منخره يوم القيامة في نار جهنم .
وفي حديث : يا علي لوان أمتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا وصلوا حتى يكونوا كالاوتار ثم أبغضوك لاكبهم الله في النار ( 2 )
وفي الصحيح على شرط الشيخين مرفوعا : من أحب عليا فقد أحبني ومن أبغض عليا فقد أبغضني ( 3 )
وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم 3 : 135 مرفوعا : يا علي طوبى لمن أحبك وصدق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذب فيك .
وفي حديث مرفوعا أرسل رسول الله الانصار فأتوه فقال لهم : يا معشر الانصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبدا ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : هذا علي فأحبوه بحبي ، وأكرموه بكرامتي ، فان جبريل أمرني بالذي قلت لكم من الله عزوجل ( 4 )
وفي حديث مرفوعا : إن عليا راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور من أطاعني ،
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في الجزء الثانى 301 ط 2 .
( 2 ) مرت هذه الاحاديث بمصادرها في الجزء الثانى ص 301 ، 302 ط 2 .
( 3 ) المستدرك للحاكم 3 : 130 .
( 4 ) حلية الاولياء لابى نعيم 1 : 63 . [ * ]
وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين ، من أحبه أحبني ، ومن أبغضه أبغضني ( 1 )
وفي مرفوع : ألا من أبغض هذا ( يعني عليا ) فقد أبغض الله ورسوله ، ومن أحب هذا فقد أحب الله ورسوله .
وفي حديث مرفوعا : هذا جبريل يخبرني : ان السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته ، وان الشقي كل الشقي من أبغض عليا في حياته وبعد موته .
إلى أحاديث مرت في الجزء الثالث ص 26 ط 2 .
وقبل هذه كلها قوله تعالى : قل لاأسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . و
قوله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا . قوله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية . راجع الجزء الثاني فيما ورد في هذه الآيات الكريمة .
ولا تنس دعاء النبي الاعظم يوم الغدير في ذلك المحتشد الرحيب بقوله : أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، أللهم من أحبه من الناس فكن له حبيبا ، ومن أبغضه فكن له مبغضا .
وفي لفظ : أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، وأعن من أعانه ، وأحب من أحبه .
وفي لفظ : أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله .
وفي لفظ : أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، وأعز من أعزه ، وأعن من أعانه .
وهناك ألفاظ أخرى مرت في الجزء الاول من كتابنا هذا .
فعبدالله بن شقيق أخذا بمجامع تلكم النصوص شهادة الله ورسوله ، منافق شقي عدو لله ولرسوله يبغضه المولى سبحانه ، لا خير فيه ولا في حديثه ، لا يقبل ولا يصدق في روايته ، أتعس الله خيره وجدع أنفه ، وأكبه على منخره يوم القيامة في نار جهنم .
دع الحفاظ يقولون : ثقة من خيار المسلمين .
(هامش ) * ( 1 ) حلية الاولياء 1 : 67 . [ * ]
7 ـ أخرج أحمد في المسند 5 : 33 ، 35 من طريق عبدالله بن شقيق البصري قال : حدثني هرم بن الحارث واسامة بن خزيم عن مرة البهزي قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق المدينة فقال : كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الارض كأنها صياصي بقر ؟ قالوا : نصنع ماذا يا رسول الله ؟ قال : عليكم هذا وأصحابه - أو : اتبعوا هذا وأصحابه - قال : فأسرعت حتى عيبت فأدركت الرجل فقلت : هذا يا رسول الله ؟ قال : هذا . فإذا هو عثمان بن عفان . فقال : هذا وأصحابه . عرفت عبدالله بن شقيق وانه منافق لايؤخذ بحديثه ولايعول عليه إن صدقنا النبي الاقدس فيما جاء‌به .
8 ـ أخرج أحمد في المسند 6 : 75 من طريق فرج بن فضالة بإسناده عن عائشة
قالت : كنت عندالنبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا عائشة ! لو كان عندنا من يحدثنا . قالت قلت : يا رسول الله ؟ ألا أبعث إلى أبي بكر ؟ فسكت . ثم قال : لو كان عندنا من يحدثنا .
فقلت : ألا أبعث إلى عمر . فسكت . قالت : ثم دعاوصيفا بين يديه فساره فذهب قالت : فإذا عثمان يستأذن فأذن له فدخل فناجاه النبي صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال : يا عثمان إن الله عزوجل مقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على أن تخلعه فلاتخلعه لهم ولا كرامة يقولها له مرتين أو ثلاثا . وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 100 من طريق فرج بن فضالة وقال : هذا حديث صحيح عالي الاسناد ولم يخرجاه . وعقبه الذهبي في تلخيصه فقال : أنى له الصحة ومداره على فرج بن فضالة ؟ أقول : فرج بن فضالة متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج به وستوافيك ترجمته في الحديث ال‍ 17 من مناقب عثمان في هذا الجزء انشاء‌الله .
وأخرج أحمد في مسنده 6 : 52 من طريق قيس بن أبي حازم عن أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادعوا لى بعض أصحابي . قلت : أبوبكر ؟
قال : لا . قلت : عمر . قال : لا . قلت : ابن عمك علي ؟ قال : لا . قلت : عثمان قال : نعم
فلما جاء قال : تنحي . جعل يساره ولون عثمان يتغير فلما كان يوم الدار وحصر فيها قلنا : يا أميرالمؤمنين ألا تقاتل ؟ قال : لا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وإني صابر
نفسي عليه
وأخرجه أبونعيم في الحلية 1 : 58 ، والحاكم في المستدرك 3 : 99 ، وأبوعمر في الاستيعاب 2 ، 477 ، وذكره ابن كثير في تاريخه 6 : 205 نقلا عن احمد والاسانيد كلها تنتهي إلى قيس بن أبي حازم قالوا : كان يحمل على علي عليه السلام ، وقال ابن حجر :
والمشهور عنه انه كان يقدم عثمان ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه ، وكبر قيس حتى جاوز المائة بسنين كثيرة حتى خرف وذهب عقله . تهذيب التهذيب 8 : 388
لنا أن نصافق الكوفيين على تجنب الرواية عن قيس المتحامل على مولانا أمير المؤمنين إن اتبعنا الرسول الامين في النصوص المذكورة قبيل هذا ص 267 - 269
ولا يسوغ لاي باحث أن يعول على رواية منافق شقي خرف وذهب عقله ، وقدمر عن ابن أبي الحديد في صفحة 73 من هذا الجزء قوله : وقد طعن مشايخنا المتكلمون في قيس وقالوا : إنه فاسق ولا تقبل روايته . الخ .
9ـ أخرج ابن عدي عن أبي يعلى عن المقدمي محمد بن أبي بكر عن أبي معشر يوسف بن يزيد البراء البصري عن إبراهيم بن عمر بن أبان بن عثمان عن أبيه عثمان :
إن النبي صلى الله عليه وآله أسر إليه انه يقتل ظلما ( 1 ) زيفه ابن عدي كما في الميزان وعده من أحاديث عمر بن أبان التي كلها غير محفوظة وأبان بن عثمان لم يسمع من أبيه كما قاله أحمد بن حنبل فكيف بعمر بن أبان ، وسنوقفك على ترجمة أبي معشر وإبراهيم بن عمر في المنقبة الثالثة من مناقب عثمان وانهما لا يعول عليهما ولا يصح حديثهما .
10 ـ ذكر الذهبي في الميزان 1 : 300 من طريق أنس مرفوعا : يا عثمان إنك ستلي الخلافة من بعدي وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها ، وصم ذلك اليوم تفطر عندي .
قال الذهبي : في سنده خالد بن أبي الرحال الانصاري عنده عجائب ، قال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به . وفي لسان الميزان 6 : 794 قال : أبوحاتم : ليس بالقوي .
(هامش ) * ( 1 ) لسان الميزان 4 : 282 . [ * ]
نظرة في أحاديث العهد
هذه سلسلة روايات أصفق على وضعها دجالون تتراوح أسانيدها بين أموي و شامي وبصري ، وبين عثماني متحامل على سيد العترة ، وبين أناس آخرين من ضعيف إلى كذاب إلى متروك إلى ساقط . على أن متونها أكثر عللا من أسانيدها فإن الخضوع لصحتها يستدعي الوقيعة في الصحابة كلهم لان المنصوص عليه في غير واحد منها : ان الذين اجلبوا على عثمان وأرادوا خلعه أناس منافقون ، وفي بعضها : فان عثمان يومئذ وأصحابه على الحق ، وعليكم بالامين وأصحابه . وقد علمت أن المتجمهرين عليه هم الصحابة كلهم المهاجرون منهم والانصار ماخلا ثلاثة : زيد بن ثابت ، حسان بن ثابت ، اسيد الساعدي . أو : هم وكعب بن مالك . وأناس من زعانفة الامويين ، وأين هذا من الاعتقاد بعدالتهم جمعاء كما عند القوم ؟ ومن الخضوع لجلالة كثيرين منهم الذين علمت منهم نواياهم الصالحة ، وأعمالهم البارة ، والنصوص النبوية الصادرة فيهم ، وثناء الله تعالى عليهم في كتابه الكريم كما عند الامة أجمع ؟ .
ثم ان عثمان وإن كان يتظاهر بامتثال الامر الموجود في الروايات وغيرها بالصبر وعدم القتال غير أن عمله كان مباينا لذلك لمكاتبته إلى الاوساط الاسلامية يستجلب منها الجيوش لمقاتلة أهل المدينة ، ويرى قتالهم قتال الاحزاب يوم بدر ، و ينص على أن القوم قد كفروا ، فلو اتصلت به كتائب الامداد يومئذ لالقحها حربا زبونا وفتنة عمياء ، وإنما كان ينكص عن النضال لاعواز الناصر لاصفاق الصحابة عليه عدا أولئك الثلاثة وما كانوا يغنون عنه شيئا ، ولا سيما حسان بن ثابت الذي لم يكن يجسر أن يأخذ سلب القتيل الذي قتلته امرأة ( 1 )على أنه لم يتقاعد عن المقاتلة أيضا بمن كان معه من حثالة بني أمية فقد بذلوا كل ماحووه من بسالة وشجاعة ، غير أن القضاء الحاتم أخزاهم وحال بينهم وبين النجاح إلى أن لجأوا إلى أم حبيبة فجعلتهم في كندوج ثم خرجوا من المدينة هاربين .
ثم هب ان عائشة كانت نسيت ماروته حين ألبت الجماهير على عثمان وأمرت
(هامش ) * ( 1 ) راجع الجزء الثانى من كتابنا هذا ص 64 ط 2 . [ * ]
بقتله وسمته نعثلا كافرا فهل بقية الرواة وهم : عبدالله بن عمر وأبوهريرة ومرة البهزي وعبدالله بن حوالة وأبوسهلة وأنس أصفقوا معها على النسيان ؟ أو أنهم ما كانوا يروونها يومئذ ثم اقتضت الظروف أن يرووها ؟ أو انها اختلقت بعدهم على ألسنتهم ؟ ولو كان لهذه الكلمات المعزوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - من قوله : عليكم بالامين وأصحابه ، وقوله : اتبعوا هذا وأصحابه ، وقوله : إتبع هذا الرجل فانه يومئذ ومن اتبعه على الحق - مقيلا من الصحة لا ستدعى أن يفيضها على الصحابة كلهم لان قضيتها ان تلك الفتنة الموعود بها من الفتن المضلة ، وإن عثمان عندئذ في جانب الحق ، وما كان رسول صلى الله عليه وآله بالذي يشح على أمته بالارشاد إلى ما فيه هدايتهم وصلاحهم الديني ، وهو مقيض لذلك ومبعوث لاجله ، فلماذا لم يروها غير هؤلاء ؟ و لا عرفها غيرهم ولو بوساطتهم ؟ وكان القائها عليهم مسارة لا يطلع عليها أحد ؟ ولماذا ترك هؤلاء الاحتجاج بها يوم الدار ؟ وفي القوم وهم الاكثرون من إن يسمع بها لايتباطأ عن الخضوع للامر النبوي المطاع ، أفلم يدبروا القول أم جاء‌هم ما لم يأت آباء‌هم الاولين ؟ إن هذا إلا اختلاق .
نظرة في مناقب عثمان
الواردة في الصحاح والمسانيد
إلى هنا سبرنا صحيفة من حياة عثمان ولا أدري أهي بيضاء أم غيرها ؟ لكن الباحث الممعن فيها يوقفه التنقيب على نفسياته ومقداره ، والغاية من هذا الاسهاب أن نجعل نتيجة هذا الخوض والبحث مقياسا في أمره نرد إليه كل ما يؤثر في حقه فإن ساوى المقياس أثبتناه ، وإن طاله أو قصر عنه عرفنا انه من الغلو في الفضائل . وما سردنا إلى هنا من دعارة في الخلق ، وعرامة في الطباع ، وعرارة في الشكيمة وشرة في الغرائز ، وفظاظة في الاعمال ، وتعسف في الحكم ، واتباع للشهوات ، وميل عن الحق ، ودناء‌ة في النفس ، وسقطة في الرأي ، وسرف في القول ، إلى الكثير المتوفر من أمثال هذه مما لا تحمد فعليته ولاعقباه ، لايدع الباحث أن يخضع لشئ مما قيل أو تقول فيه من الفضل قويت أسانيده أو وهنت
كماأن آراء الصحابة الاولين التي زففناها إلى مناظرك في هذا الجزء من صفحة 69 - 168 لاتدع مجالا للبحث عن صحة تلكم المفتعلات فضلا عن إثباتها ، وانك تجد في مرسليها أو مسنديها لفائف من زبانية الميول والاهواء من بصري أوشامي أنهوا أسانيدهم في الغالب إلى موالي عثمان أو إلى رجال بيته الساقط ، وذلك مما يعطي انها من صنايع معاوية للخليفة المقتول الذي اتخذ أمره سلما إلى ما كان يبتغيه من المرتقى ، وكان معاوية يهب القناطير المقنطرة لوضع الاحاديث في فضائل أبناء بيته الشجرة المنعوتة في القرآن ، من بني أمية عامة ، ومن آل أبي العاص خاصة ، أضف إلى ذلك ما يكتنف أغلب تلك المتون من الموهنات التي لا يقاومها أي تمحل في تصحيحها ، وإليك نبذة من تلكم الموضوعات :
1 ـ أخرج مسلم وأحمد من طريق عقيل الاموي عن الليث العثماني عن يحيى ابن سعيد الاموي عن سعيد بن العاص ابن عم عثمان عن عائشة وعثمان قالا : إن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة فأذن لابي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف ، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف ، قال عثمان : ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة : اجمعي عليك ثيابك . فقضيت إليه حاجتي . ثم انصرف ، فقالت عائشة : يا رسول الله ؟ مالي لم أرك فزعت لابي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعت لعثمان ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عثمان رجل حيي ( 1 ) وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته ( 2 )
2 - أخرج مسلم غيره من طريق عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا
في بيتي كاشفا عن فخذيه وساقيه فاستأذن أبوبكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه ، فلما خرج قالت عائشة رضي الله عنها : دخل أبوبكر فلم تهتش له ولم تباله ، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ، ثم دخل عثمان فجلس وسويت ثيابك ؟
(هامش ) * ( 1 ) حيى كغنى : ذو حياء . وفى شرح مسلم : أى كثير الحياء .
( 2 ) صحيح مسلم 7 : 117 ، مسند أحمد 1 : 71 وج 6 : 155 ، 167 . [ * ]
فقال : ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة ( 1 )
وأخرج البخاري في مناقب عثمان حديثا وقال في ذيله : زاد عاصم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان قاعدا في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه أو ركبته فلما دخل عثمان غطاها . قال
ابن حجر في فتح الباري 7 : 43 : قال ابن التين : أنكر الداودي هذه الرواية وقال : هذه الرواية ليست من هذا الحديث بل دخل لرواتها حديث في حديث ، وإنما ذلك الحديث : إن أبابكر أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته قد انكشف فخذه فجلس أبوبكر ثم دخل عمر ثم دخل عثمان فغطاها . الحديث .
قال الاميني : الحياء هو انقباض النفس عما لا يلائم خطة الشرف من الناحية الدينية أو الانسانية ، وأصله فطري للانسان ، وكماله اكتسابي يتأتى بالايمان ، فهو يتدرج في الرقي بتدرج الايمان والمعرفة ، فتنتهي إلى ملكة راسخة تأبى لصاحبهما التورط في المخازي كلها ، فيكون بها الانسان محدودا في أفعاله وتروكه وشهواته وميوله وتنبسط تلكم الحدود على الاعضاء والجوارح وعلى النفس والعقل ، فلا يسع أيا منها الخروج عن حده ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وماوعى ، والبطن وما حوى ، وتذكر الموت والبلى ( 2 ) فكل عمل خارج عن حدود الدين والانسانية مناف للحياء ، وهو الرادع الوحيد عن الفحشاء والمنكر ، وعن كل ما يلوث ذيل الانسانية والعفة والايمان من صغيرة أو كبيرة ، ومن لم يستح فله أن يفعل ما يشاء ، وجاء في النبوي على المحدث به وآله السلام : إذا لم تستح فاصنع - فافعل - ماشئت ( 3 )وعلى هذا فكل من الفحش والبذاء والكذب والخيانة والغدر والمكر ونقض العهد والتخلع والمجون وما يجري مجراها أضداد للحياء ، وقد وقع التقابل بينها وبينه في لسان المشرع الاعظم منها قوله صلى الله عليه وآله : الحياء من الايمان والايمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار ( 1 )
(هامش ) * ( 1 ) مسند احمد 6 : 62 ، صحيح مسلم 7 : 116 ، مصابيح السنة 2 : 273 ، الرياض النضرة 2 : 88 ، تاريخ ابن كثير 7 : 202 .
( 2 ) اخرجه الترمذى في الجامع الصحيح ، والمنذرى في الترغيب والترهيب 3 : 166 .
( 3 ) اخرجه البخارى في كتاب الادب من صحيحه . [ * ]
وقوله صلى الله عليه واله وسلم : الحياء والعي من الايمان وهما يقربان من الجنة ويباعدان من
النار ، والفحش والبذاء من الشيطان وهما يقربان من النار ويباعدان من الجنة .
أخرجه الطبراني كما في الترغيب والترهيب 3 : 165 .
وقوله صلى الله عليه واله وسلم : يا عائشة ! لو كان الحياء رجلا كان رجلا صالحا ، ولو كان الفحش رجلا كان رجل سوء . رواه الطبراني وأبوالشيخ كما في الترغيب والترهيب 3 : 166
وقوله صلى الله عليه واله وسلم : ما كان الفحش في شئ إلا شانه ، وما كان الحياء في شئ إلا زانه أخرجه ابن ماجة في سننه 2 : 546 ، والترمذي في الصحيح .
وقوله صلى الله عليه واله وسلم : إن الله عزوجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء ، فإذا
نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا ، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الامانة ، فإذا نزعت منه الامانة لم تلقه إلا خائنا مخونا ، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة ، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا ، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الاسلام
أخرجه ابن ماجة كما في الترغيب والترهيب 2 : 167 .
وقال صلى الله عليه وآله : الحياء لايأتي إلا بخير ( 2 ) وقال المناوي في شرحه في فيض القدير 3 : 427 : لان من استحيا من الناس أن يروه يأتي بقبيح دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من ربه أشد فلا يضيع فريضة ، ولا يرتكب خطيئة ، قال ابن عربي : الحياء أن لايفعل الانسان ما يخجله إذا عرف منه انه عرف منه انه فعله ، والمؤمن يعلم بأن الله يرى كل ما يفعله ، فيلزمه الحياء منه لعلمه بذلك ، وبأنه لابد أن يقرره يوم القيامة على ما عمله فيخجل فيؤديه إلى ترك ما يخجل منه ، وذلك هو الحياء فمن ثم لايأتي إلابخير.
وقال : حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ، ويمنع من التقصير في حق الغير ، وقال بعض الحكماء : من كسا ( 3 ) الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه .
(هامش ) * ( 1 ) قال المنذرى في الترغيب والترهيب 3 : 165 : اخرجة احمد ورجاله رجال الصحيح ، والترمذى ، وابن حبان في صحيحه ، وقال الترمذى : حديث حسن صحيح .
( 2 ) أخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة والمنذرى .
( 3 ) لعل الصحيح : من كساء الحياء توبه . [ * ]
إذن هلم معي لنسبر حياة الخليفة - عثمان - علنا نجد فيها ما يصح للبرهنة على ثبوت هذه الملكة له إن لم يكفأنا الاياس منها بخفي حنين ، فارجع البصر كرتين فيما سردناه من أفعال الخليفة وتروكه ومحاوراته وأقواله ، ثم انظر هل تجد في شئ منها مايدعم هذه الدعوى له فضلا عن أن يكون أحيأ الناس ، أو أشد الامة حياء ، أو تستحيي منه الملائكة ؟
أيصلح شاهدا لذلك قوله لمولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام : والله ما أنت عندى أفضل من مروان ؟ هلا كان يعلم أن الله عد عليا في كتابه نفس النبي الاقدس وقد طهره بنص الذكر الحكيم ، ومروان طريد ابن طريد ، وزغ ابن وزغ ، لعين ابن لعين
راجع الجزء الثامن ص 260 ط 2 .
أو اتهامه ذلك الامام الطاهر سيد العترة بكتاب كتبه هو في قتل محمد بن أبي بكر وأصحابه وتعذيبهم وتنكيلهم ، فينكر ما كتب ويقول له عليه السلام : اتهمك واتهم كاتبي مروان ؟
أو قوله للامام عليه السلام : لئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخذك سلما وعضدا ويعدك كهفا وملجأ ؟ أو قوله له عليه السلام لما كلمه في أمر عمار ونفيه إياه : أنت أحق بالنفي منه ؟
أو قوله لاصحابه مروان ومن كان على شاكلته يستشيرهم في أمر أبي ذر : أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله ؟ وملا مسامع الصحابة قوله صلى الله عليه واله وسلم : ما أظلت الخضراء ، وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر . إلى كلمات أخرى له صلى الله عليه وآله وسلم في الثناء عليه ، راجع الجزء الثامن ص 312 ط 2 .
أو قوله لعمار لما سمع منه - رحم الله أباذر من كل أنفسنا - : ياعاض أيرأبيه أتراني ندمت على تسييره ؟ وأمر فدفع في قفاه ، وعمار كما عرفته في هذا الجزء ص 20 إلى 28 جلدة ما بين عيني رسول الله وأنفه ، وهو الطيب المطيب ، ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه ، اختلط الايمان بلحمه ودمه ، يدور مع الحق حيث دار ، وقد جاء الثناء عليه في الذكر الحكيم .
إذا كان حقا مايدعيه عثمان لنفسه ( 1 ) من أنه لم يمس فرجه بيمينه منذ بابع
(هامش ) * ( 1 ) يأتى حديثه بتمامه . [ * ]
رسول الله صلى الله عليه وآله تشريفا ليد النبي الكريمة ؟ فليت شعري لماذا طفق يلوك بلسانه اسم أير ياسر أبي عمار ؟ وطالما لهج بأحاديث النبوة به ، ورتل كتاب الله ترتيلا ، أما كان عليه أن يكف لسانه عن البذاء‌ة كرامة للكتاب والسنة ، كما ادعى كلاء‌ة نفسه عن مس فرجه كرامة ليد النبوة ؟ إن لم يداحمنا هنالك من ينكر دعواه في اليد قياسا على ما شوهد منه في اللسان مرة بعد أخرى .
أيصلح شاهدا لذلك قوله على صهوة المنبر بين ملا المسلمين في ابن مسعود لما قدم المدينة : ألا إنه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقئ ويسلح ؟
وابن مسعود أحد الذين أطراهم الكتاب العزيز ، وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله هديا ودلا وسمتا . راجع مامر في هذا الجزء ص 6 - 11 .
أو قوله لعبدالرحمن بن عوف : إنك منافق ( 1 ) ؟ وهو أحد العشرة المبشرة فيما يحسبون .
أو قوله لصعصعة بن صوحان : البجباج النفاج ؟ وهو ذلك السيد الخطيب الفصيح الدين كما مر في ص 42 من هذا الجزء .
أو شتمه المغيرة بن الوليد المخزومي لما دافع عن عمار حينما ضربه عثمان حتى غشي عليه ؟
أو قوله في كتابه إلى معاوية : إن أهل المدينة قد كفروا ؟ أو قوله في كتاب
آخر له : فهم كالاحزاب أيام الاحزاب أو من غزانا بأحد ؟ وهو يريد الانصار الذين آووا ونصروا ، والمهاجرين الذين صدقوا واتبعوا ، وهم الذين يحسب أتباع الخليفة أن كلهم عدول ، ولم يكن بينهم متخلف عن النقمة عليه إلا ثلاثة أو أربعة حفظ التاريخ ترجمة حياتهم الموصومة . أو قوله في كتابه إلى الاشتر وأصحابه : إني قد سيرتكم إلى حمص ، فإنكم لستم تألون الاسلام وأهله شرا .
أو قوله المائن على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله : إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان
بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم ؟ يقول ذلك
(هامش ) * ( 1 ) السيرة الحلبية 2 : 87 ، الصواعق ص 8 . [ * ]
بعد ما عهد على نفسه أن يعمل بالكتاب والسنة ، وكتب بهذا كتابا وشهد عليه امة من الصحابة بعد ما اعترف بهناته بين الملا وأظهر الندامة منها وتاب عنها ولذلك كله رجع المصريون وغيرهم من الثائرين عليه إلى بلادهم ، وكان يحنث عهده وينقض توبته بتلبيس أبالسته مروان ونظرائه ، فهل يفعل مثل هذا من تردى بأبراد الحياء ؟ أو مقارفته ليلة وفاة ام كلثوم النبي الاقدس ؟ وكان ذلك ممقوتا جدا لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى انه ألمح إليه بقوله : هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ؟ فمنعه بذلك عن دفن حبيبته ، وألصق به هوان الابد .
أو تربعه على صهوة منبر رسول الله صلى الله عليه وآله لما استخلف ؟ وكان أبوبكر يجلس دون مقامه صلى الله عليه وآله بمرقاة ثم عمر دونه بمرقاة ، وكان من حق عثمان الذي كان أشد
حياء من صاحبيه أن لا يطأ ذلك المرتقى ، وأن يتبع ولا أقل سيرة الشيخين في الحياء والادب ، لكنه . . . . .
أو مخالفته الكتاب والسنة ؟ كما كتب المهاجرون الاولون وبقية الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين : أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها فإن كتاب الله قد بدل ، وسنة رسوله قد غيرت ( 1 ) .
وكتبوا إلى الصحابة في الثغور : إن دين محمد قد أفسده من خلفكم وترك ، فهلموا فأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلم
ورفعت عائشة نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وهي تقول : تركت سنة رسول الله صاحب هذا النعل . وتقول : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد .
وتقول : عثمان قد ابلى سنة رسول الله . وتقول : اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا انه قد كفر .
إلى كلمات اخرى لها ولغيرها في مخالفة الرجل الكتاب والسنة .
أو إعرابه عن تلكم الآراء الشاذة عن الكتاب والسنة في الصلاة والصلاة و الصدقات والاخماس والزكوات والحج والنكاح والحدود والديات بلهجة شديدة بمثل قوله : هذا رأي رأيته . وقوله : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت انوف أقوام هذا مال الله اعطيه من شئت وأمنعه من شئت فأرغم الله أنف من رغم . فقال له علي إذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه . وقال عمار : أشهدالله إن أنفي أول راغم من ذلك .
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر ص 162 من هذا الجزء . [ * ] .
أو قال : أنا والله أول من رغم أنفه من ذلك . راجع صفحة 15 من هذا الجزء .
أو حثه الناس على الاخذ بتلكم الآراء المنتئية عن ناموس الاسلام المقدس حتى قال له أميرالمؤمنين لما قال له عثمان : لا تراني أنهى الناس عن شئ وتفعله أنت ؟
لم أكن لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس ؟ أوقال له : لم أكن لادع
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك . وكاد أميرالمؤمنين يقتل من جراء تلك الاحدوثة ، مر حديثه في ج 6 : 219 وج 8 : 130 ط 2 .
وقد فتح بذلك باب الجرأة على الله والتقول عليه بمصراعيه فجاء بعده معاوية ومروان وأبناء أبيه الآخرون يلعبون بدين الله لعبة الصبيان بالدوامة ( 1 )
أو ايواء‌ه عبيدالله بن عمر لما قتل نفوسا أبرياء ولم يقتص منه ونقم عليه بذلك جل الصحابة - لو لم نقل كلهم - ممن يأبه به وبرأيه ؟ !
أو تعطيله الحد على الوليد بن عقبة لرحمه وقرابته منه وقد شرب الخمر وقاء في محراب المسجد الاعظم بالكوفة ، حتى وقع التحاور والتحارش بين المسلمين ، واحتدم الحوار والمكالمة وتضاربوا بالنعال ؟ مر في الجزء الثامن ص 120 - 125 .
أو تسليطه بني امية رجال العيث والفساد أبناء الشجرة الملعونة في القرآن على رقاب الناس ونواميس الاسلام المقدسة وتوطيده لهم الملك العضوض ؟ وتأسيسه بهم حكومة أموية غاشمة في الحواضر الاسلامية ؟ كما فصلنا القول فيه في الجزء الثامن ص 288 - 292 ط 2 .
أو رده إلى المدينة وايواء‌ه عمه وأبناؤه وكان قد طردهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
تنزيها لتلك الارض المقدسة من اولئك الادناس الارجاس ؟ .
أو تفويضه الصالح العام إلى مروان المهتوك ؟ وتطوره في سياسة العباد بتقلباته ؟ كأن بيده مقاليد امور الامة حتى قال له مولانا أميرالمؤمنين : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ؟
وقال : ما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بافساد دينك وخديعتك عن عقلك ، وإني
(هامش ) * ( 1 ) لعبة من خشب يلف الصبى عليها خيطا ثم ينقضه بسرعة فتدوم أى تدور على الارض . و في اللغة الدارجة : مرصع . وشاخة . [ * ]
لاراه سيوردك ثم لا يصدرك .
أو كتابه إلى ولاته في قتل صلحاء الامة وحبسهم وتنكيلهم وتعذيبهم ؟ .
أوتسييره عبادالله الصالحين من الصحابة الاولين والتابعين لهم بإحسان من معتقل إلى معتقل ، ونفيهم عن عقر دورهم من المدينة والبصرة والكوفة ، وايذائهم بكل ما يمكنه من ضرب ووقيعة وتنكيل ؟ مشردين نفوا عن عقر دارهم * كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر حتى هلك في تسييره سيد غفار أبوذر الصديق المصدق بعد ما تسلخ لحوم أفخاذه من الجهد في تسييره .
هذه نبذ يسيرة قرأناها في صحيفة حياء الخليفة ليعطي الباحث الممعن فيها للنصفة حقها ، فيصدق السائل في جوابه ، فهل يجد في شئ منها دلالة على تلفع الرجل بشئ من أبراد الحياء ؟ أو يجدها أدلة واضحة على فقده لهاتيك الملكة الفاضلة ؟ ويجده مترد يابضد هذه الغريزة في كل تلكم الاحوال ؟ وعلى هذه فقس ما سواها .
على أن أبابكر كان أولى بالاستحياء منه إن صح مامر في الجزء السابع ص 248 من رواية إستحياء الله منه ، وتكذيبه نبيه إستحياء من أبي بكر ( 1 ) ؟ فكيف لم يهتش صلى الله عليه واله وسلم له ولم يبال به ويهتش لعثمان .
لنا كرة ثانية لرواية الحياء من ناحية اخرى فان مختلق هذه الافيكة أعشاه الحب اللمعمي والمصم حيث أراد إثبات فضيلة رابية للخليفة ذاهلا أو متذاهلا عن أن لازم ذلك سلب تلك الفضيلة عن نبي الاسلام صلى الله عليه واله وسلم - والعياذ بالله - حيث نسب إليه صلى الله عليه واله وسلم الكشف عن أفخاده بمنتدى من صحابته غير مكترث لحضورهم حتى إذا جاء الذي تستحي منه الملائكة فاستحى منه وسترها ، ونحن نقول أولا : إن هذا الفعل مما لا يرتكبه عظماء الناس ورجالات الامم وإنما تجئ بمثله الطبقات الواطئة من أذناب الاعراب ، فنبي العظمة الذي يهزأ بالطود في وقاره ، ويزري بالبحر في معارفه ، وكان كما وصفه أبوسعيد الخدري ، أشد حياء من العذراء في خدرها ( 2 ) وكان إذا كره شيئا
(هامش ) * ( 1 ) من المخازى المفتعلة كما مر تفصيله .
( 2 ) أخرجه الشيخان البخارى في صحيحه باب صفة النبى ج 5 : 203 ومسلم في صحيحه 7 : 78 [ * ]
عرفناه في وجهه . وقد أدبه الله تعالى فلم يدع فيه من شائنة وهذبه حتى استعظم خلقه الكريم بقوله تعالى : " إنك لعلى خلق عظيم " لا يستسيغ ذو لب مؤمن به وبفضله أن يعزو إليه مثل هذا التخلع الشائن .
على أن الشريعة التي صدع بها جعلت الافخاذ عورة وأمرت بسترها ، أخرج أحمد إمام الحنابلة في مسنده 5 : 290 بالاسناد عن محمد بن جحش ختن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
إن النبي صلى الله عليه وآله مر على معمر بفناء المسجد محتبيا كاشفا عن طرف فخذه فقال له
النبي صلى الله عليه وآله : خمر فخذك يامعمر فإن الفخذ عورة .
وفي لفظ باسناد آخر من طريق ابن جحش قال : مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا معه على معمر وفخذاه مكشوفان فقال : يا معمر غط فخذيك فإن الفخذ عورة .
وأخرجه البخاري بهذا الطريق وطريقي ابن عباس وجرهد في صحيحه باب مايذكر في الفخذ 1 : 138 ثم ذكر من طريقي أنس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسر عن فخذه فقال : حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط وأخرجه من طريق ابن جحش في تاريخه 1 " قسم " 1 : 12 : وأخرجه البيهقي في سننه 2 : 228 ، والحاكم في المستدرك 4 : 180
قال ابن حجر في الاصابة 3 : 448 أخرجه أحمد والحاكم وصححه ، وأخرجه
ابن قانع من وجه آخر عن الاعرج عن معمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر به وهو كاشف عن فخذه . الحديث .
وقال العسقلاني في فتح الباري 1 : 380 : رجاله رجال الصحيح غير أبي كثير فقد روى عنه جماعة لكن لم أجد فيه تصريحا بتعديل ، وقد أخرج ابن قانع هذا الحديث من طريقه أيضا . ووقع لي حديث محمد بن جحش مسلسلا بالمحمدين من إبتدائه إلى إنتهائه وقد أمليته في الاربعين المتباينة .
وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 52 عن أحمد والطبراني في الكبير فقال : رجال أحمد ثقات .
2 ـ عن علي رضي الله عنه مرفوعا : لا تبرز فخذك - فخذيك - ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت أخرجه البيهقي في سننه 2 : 228 والحاكم في المستدرك 4 . 180 ,
والبزار كما في نيل الاوطار 2 : 48 .
3 ـ عن جرهد الاسلمي قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بردة وقد انكشفت فخذي وقال : غط فخذك فإن الفخذ عورة .
أخرجه البخاري في صحيحه كما سمعت تعليقا ، ورواه مالك في الموطأ وأبوداود وأحمد والترمذي وقال : حسن . وذكره القسطلاني في إرشاد الساري عن مالك والترمذي فقال : وصححه ابن حبان ، وذكر الشوكاني في نيل الاوطار 2 : 50 تصحيح ابن حبان إياه ، وأخرجه البيهقي في سننه 2 : 228 من طريقين ، والحاكم في المستدرك 4 : 180
4 ـ عن ابن عباس : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وفخذه خارجة . فقال : غط
فخذيك ، فإن فخذ الرجل من عورته .
أخرجه البخاري تعليقا كما مر ، ورواه الترمذي وأحمد في مسنده 1 : 275 ،
والبيهقي في سننه 2 : 228 فقال : قال الشيخ : وهذه ( 1 ) أسانيد صحيحة يحتج بها ، و
أخرجه الحاكم في المستدرك 4 : 181 .
5 ـ أخرج الدار قطني في سننه من طريق عبدالله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرو صبيانكم بالصلاة في سبع سنين واضربوهم عليها في عشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع ، وإذا زوج أحدكم أمته عبده أوأجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة ، فإن
ما تحت السرة إلى الركبة من العورة .
وأخرجه أحمد في مسنده 2 : 187 ولفظه : فلا ينظرن إلى شئ من عورته فانما أسفل من سرته إلى ركبتيه من عورته . وذكره الزيلعي في نصب الراية 1 : 296 نقلا عن الدار قطني وأبي داود وأحمد والعقيلي فقال : وله طريق آخر عند ابن عدي في الكامل . وأخرجه البيهقي في سننه 2 : 229 من أربعة طرق ، وذكره القسطلاني في إرشاد الساري 1 : 389 .
6 ـ أخرج الدار قطني في سننه ص 85 ، والبيهقي في سننه 2 : 229 من طريق
أبي ايوب مرفوعا : ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل من السرة من العورة .
(هامش ) * ( 1 ) يعنى اسانيد حديث ابن جحش وجرهد وابن عباس . [ * ]
وذكره الزيلعي في نصب الراية 1 : 297 .
هذه الاحاديث أخذها الاعلام أئمة الفقه والفتيا وذهبوا إلى أن الفخذ عورة وهو رأي أكثر العلماء كما قال النووي ( 1 ) والجمهور كما قاله القسطلاني والشوكانى ( 2 ) قال ابن رشد في بداية المجتهد 1 : 111 : ذهب مالك والشافعي إلى أن حدالعورة من الرجل ما بين السرة إلى الركبة وكذلك قال أبوحنيفة . وقال قوم : العورة هما السوء‌تان فقط من الرجل ، وسبب الخلاف في ذلك أثران متعارضان كلاهما ثابت ، أحدهما حديث جرهد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الفخذ عورة . والثاني : حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم حسر عن فخذه وهو جالس مع أصحابه . ثم ذكر قول البخاري المذكور . وقال القسطلاني في إرشاد الساري 1 : 389 : قال الجمهور من التابعين وأبوحنيفة ومالك في أصح أقواله ، والشافعي وأحمد في أصح روايتيه ، وأبويوسف ومحمد : الفخذ عورة . وذهب ابن أبي ذئب وداود وأحمد في إحدى روايتيه والاصطخري من الشافعية وابن حزم إلى أنه ليس بعورة .
وفي الفقه على المذاهب الاربعة 1 : 142 : أما عورة الرجل خارج الصلاة فهي ما بين سرته وركبته فيحل النظر إلى ما عداذلك من بدنه مطلقا عند أمن الفتنة .
وفيه : قال المالكية والشافعية : إن عورة الرجل خارج الصلاة تختلف باختلاف الناظر إليه فبالنسبة للمحارم والرجال هي ما بين سرته وركبته وبالنسبة للاجنبية منه هي جميع بدنه إلا أن المالكية إستثنوا الوجه والاطراف وهي الرأس واليدان والرجلان فيجوز للاجنبية النظر إليها عند أمن التلذذ ، وإلا منع خلافا للشافعية فانهم قالوا : يحرم النظر إلى ذلك مطلقا .
وقال الشوكاني في نيل الاوطار 2 : 49 بعد ذكر حديث علي أمير المؤمنين المذكور مرفوعا والحديث يدل على أن الفخذ عورة وقد ذهب إلى ذاك العترة والشافعي وأبوخنيفة ، قال النووي ، ذهب أكثر العلماء إلى أن الفخذ عورة وعن أحمد ومالك في رواية : العورة القبل والدبر فقط " إلى أن قال : " والحق ان الفخذ من
(هامش ) * ( 1 ) فتح البارى 1 : 382 : نيل الاوطار 2 : 49 .
( 2 ) ارشاد السارى 1 : 389 ، نيل الا وطار 2 : 50 . [ * ]
العورة ، وحديث علي هذا وإن كان غير منتهض على الاستقلال ففي الباب من الاحاديث ما يصلح للاحتجاج به على المطلوب . وقال بعد ذكر حديث جرهد : الحديث من أدلة القائلين بأن الفخذ عورة وهم الجمهور . اه‍ .
هب ان النهي عن كشف الافخاذ تنزيهي إلا أنه لا شك في أن سترها أدب من آداب الشريعة ، ومن لوازم الوقار ومقارنات الابهة : ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولى برعاية هذا الادب الذي صدع به هو ، قال ابن رشد في تمهيدات المدونة الكبرى 1 : 110 : والذي أقول به إن ماروي عن النبي عليه الصلاة والسلام في الفخذ ليس باختلاف تعارض ومعناه انه ليس بعورة يجب سترها فرضا كالقبل والدبر وانه عورة يجب سترها في مكارم الاخلاق ومحاسنها ، فلا ينبغي التهاون بذلك في المحافل والجماعات ولا عند ذوي الاقدار والهيئات ، فعلى هذا تستعمل الآثار كلها واستعمالها كلها أولى من اطراح بعضها . اه‍ .
فعلى كلا التقديرين نحاشي نبي العظمة والجلال أن يكشف عن فخذيه في الملا غير مكترث للحضور - وهوأشد حياء‌من العذراء - ولا يأبه بهم حتى أن يأتي رضيع ثدي الحياء ، وربيب بين القداسة وليد آل امية ، أشد الامة حياء ، وقد قتلته أفعاله النائية عن تلك الملكة الفاضلة .
ولا يهولنك وجود الرواية في الصحيحين فانهما كما قلنا عنهما علبتا السفاسف وعيبتا السقطات وفيهما من المخازي والمخاريق ما شوه سمعة التأليف ، وفت في عضد علم الحديث ، ولعلنا سوف ندعم ما ادعيناه بالبرهنة الصادقة إنشاء‌الله تعالى : وليتهما اقتصرا من الخزاية على رواية كشف الفخذ فحسب ولم يخرجا تعريه صلى الله عليه وآله بين الناس ،
أخرج البخاري في صحيحه باب بنيان الكعبة ج 6 : 13 ، ومسلم في صحيحه ج 1 : 184
من طريق جابر بن عبدالله قال : لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان حجارة ، فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : إجعل إزارك على عاتقك يقيك من الحجارة . ففعل ، فخر إلى الارض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال : إزاري إزاري فشد
عليه إزاره .
وفي لفظ لمسلم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره ، فقال له العباس عمه : ياابن أخي لوحللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة قال : فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيا عليه قال : فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا .
وفي قصة لابن هشام في السيرة 1 : 197 قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر
لي ، يحدث عما كان يحفظه به في صغره وأمر جاهليته انه قال : لقد رأيتني في غلمان قريش تنقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان ، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة ، فاني لا قبل معهم كذلك وادبر ، إذ لكمنى لا كم ما أراه لكمة وجيعة ثم قال : شد عليك إزارك قال : فأخذته وشددته علي ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي ، وإزاري علي من بين أصحابي .
هلموا معي أيها المسلمون جميعا نسائل هذين الرجلين - صاحبي الصحيحين - أهذا جزاء نبي العظمة على جهوده ؟ وحق شكره على إصلاحه ؟ أهذا من إكباره وتعظيمه ؟ أصحيح أن محمدا صلى الله عليه وآله كان يمشي بين ملا العمال عاريا قد نضا عنه ثيابه وألقى عنه ازاره ، غير ساتر عن الحضور عورته ؟ وكان عمره صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ خمسا وثلاثين سنة كما قال ابن اسحاق ( 1 )
هب أن رواة السوء أخرجوه لغاية مستهدفة لكن ما المبرر للرجلين أن يستصحاه ويثبتاه في صحيحهما كأثر ثابت ؟ أيحسبان أن هذا العمل الفاضح من مصاديق ما أثبتاه له صلى الله عليه وآله وسلم-وهو الصحيح الثابت - من انه صلى الله عليه وآله كان أشد حياء من العذراء ؟ ( 2 )
وهل تجد في العذراء من يستبيح هذه الخلاعة ؟ لاو الله ، لاو الله .
أو يحسبان صاحب هذاالمجون غير نبي الاسلام الذي نهى جرهدا . ومعمرا عن كشف فخذيهما لانهما عورة ؟ أو ينهي صلى الله عليه واله وسلم عن كشف الفخذ يوما ويكشف هو عما فوقها يوما آخر ؟ أو من الهين أن نعتقد أن الفخذ عورة لكن ما يعلوها من السوء‌ة ليس بعورة ؟ .
(امش ) * ( 1 ) راجع سيرة ابن هشام 1 : 209 ، الروض الانف 1 : 127 ، عيون الاثر 1 : 51 ، وما في فتح البارى 7 : 5 نقلا عن ابن السحاق ان عمره كان خمسا وعشرين سنة فغير صحيح والذى صح عنه خمس وثلثون .
( 2 ) راجع مامر في هذا الجزء صفحة 281 . [ * ]
هلم معي نعطف النظرة بين ما أثبته الصحيحان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين ما جاء به أحمد في مسنده 1 : 74 عن الحسن البصري انه ذكر عثمان وشدة حياء‌ه فقال : إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يقيم صلبه ( 1 ) انظر إلى حياء نبي العصمة والقداسة ، وحياء وليد الشجرة المنعوتة في القرآن ، وشتان بينهما ؟ .
أو ليس هذاالنبي الاعظم هو الذي سأله معاوية بن حيدة فقال له : يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال صلى الله عليه وآله : إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك . قال : فإذا كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال : إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها . قال : فإذا كان أحدنا خاليا ؟ قال فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه ( 2 )
لقد أغرق صلى الله عليه واله وسلم نزعا في ستر العورة حتى انه لم يرض بكشفها والمرأ خال
حياء من الله تعالى ، واستدل به من قال : إن التعري في الخلاء غير جائز مطلقا ( 3 )
لكن من عذيري من صاحبي الصحيحين حيث يحسبان انه صلى الله عليه واله وسلم كشفها بملا من الاشهاد ؟ والله من فوقهم رقيب . وعلى فرضه - وهو فرض محال - فأين الحياء المربي على حياء العذراء ؟ وأين الحياء من الله ؟ غفرانك أللهم هذا بهتان عظيم .
هل يحسب الشيخان أن ذلك الحياء فاجأه صلى الله عليه وآله بعد هذه الوقايع أوالفظايع ، وما كان غريزة فيه منذ صيغ في بوتقة القداسة ؟ إن كانا يزعمان ذلك ؟ فبئس ما زعما ، وإن الحق الثابت انه صلى الله عليه واله وسلم كان نبيا وآدم بين الروح والجسد ( 4 ) وقد اكتنفته الغرائز الكريمة كلها منذ ذلك العهد المتقادم ، شرع سواء في ذلك وهو في عالم الانوار :
أو : في عالم الاجنة ، وفي أدوار كونه رضيعا وطفلا ويافعا وغلاما وكهلا وشيخا ، صلى الله عليه واله وسلم يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.
(هامش ) * ( 1 ) وذكره ابن الجوزى في صفة الصفوة 1 : 117 ، والمحب الطبرى في الرياض 2 : 88 .
( 2 ) قال ابن تيمية في المنتقى : رواه الخمسة الا النسائى . نيل الاوطار 2 : 47 .
( 3 ) راجع نيل الاوطار 2 : 47 .
( 4 ) لهذا الحديث عدة الفاظ من طريق ميسرة وأبى هريرة وابن سارية وابن عباس وابى
الجدعاء ، واخرجه ابن سعد ، واحمد بن حنبل ، والبخارى في التاريخ ، والبغوى ، وابن السكن ، والطبرانى ، وابونعيم في الحلية والدلائل ، وصححه الحاكم ، والترمذى حسنه وصححه ، وابن حبان في صحيحه ، وابن عساكر ، وابن قانع ، والدارمى في السنن ، راجع كشف الخفا للعجلونى 2 : 129 ، والجامع الكبير كما في ترتيبه ج 6 . [ * ]
أو ليس مسلم هو الذي يروي من طريق المسور بن مخرمة انه قال : أقبلت بحجر ثقيل أحمله وعلي إزار خفيف فانحل إزاري ومعي الحجر لم استطع أن أمنعه حتى بلغت به إلى موضعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى إزارك فخذه ولا تمشوا عراة ( 1 )
أفمن المستطاع أن يقال : انه صلى الله عليه واله وسلم ينهى مسورا عن المشي عاريا ويزجره عن حمل الحجر كذلك ويرتكب هوما نهى عنه ؟ إن هذا لشئ عجاب . وأعجب منه انه صلى الله عليه واله وسلم كان يرى ان المشرك إذا شاهد الناظر المحترم لم يكشف عن عورته فكيف هو بنفسه ، جاء في السير في قصة الغار ، أن رجلا كشف عن فرجه وجلس يبول فقال ابوبكر : قد رآنا يا رسول الله قال : لو رآنا لم يكشف عن فرجه .فتح الباري 7 : 9 .
وأعجب من الكل انه صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى لعورة الصغير حرمة كما جاء في صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 257 من طريق محمد بن عياض قال : رفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغري وعلي خرقة وقد كشفت عورتي فقال : غطوا حرمة عورته فإن حرمة عورة الصغير كحرمة عورة الكبير ، ولا ينظر الله إلى كاشف عورة .
وأنى يصح حديث الشيخين إن صح مامر عن ابن هشام ص 286 من قصة لعبه صلى الله عليه وآله وسلم مع الغلمان في صغره وقد حل إزاره وجعله على رقبته ، إذ لكمه لاكم فأورعه ، وهتف بقوله : شد عليك إزارك ؟ أبعد تلكم اللكمة وذلك الهتاف عاد صلى الله عليه واله وسلم
إلى مانهي عنه لما كبر وبلغ مبلغ الرجال ؟ وكيف يتفق حديث الشيخين مع ما أخرجه البزار من طريق ابن عباس قال : كان صلى الله عليه وسلم يغتسل وراء الحجرات وما رأى أحد عورته قط . وقال : إسناده حسن ( 2 ) وأبلغ من ذلك ما رواه القاضي عياض في الشفا 1 : 91 عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط .
(هامش ) * ( 1 ) صحيح مسلم 1 : 105 : وفى ط مشكول 1 : 174 .
( 2 ) راجع فتح البارى 6 : 450 ، شرح المواهب للزرقانى 4 : 284 . [ * ]
كوني أنت يا أم المؤمنين حكما عدلا بيننا وبين رواة السفاسف ، واحكمي قسطا فيمن يعزو إلى بعلك المقدس مما يربي بنفسه عنه كل سافل ساقط ، ويقولون :
إن رجلا لم ير عورته قط أحد حتى حليلته ، وأنت من اطلع الناس على خلواته وسرياته كان يحمل الحجر بين العمال عاريا وقد حل إزاره وجعله على منكبيه. أيهما صحيح عنك يا أم المؤمنين مما اسندوه إليك ؟ أحديثك هذا ؟ أم ما حدثت به - إن كنت حدثت به - من حديث عثمان مشفوعا بما ثبت عن بعلك صلى الله عليه وسلم من أن الفخذ عورة ؟ .
وكأني بام المؤمنين تقول : حسبك أيها السائل لقد منيت بالكذابة كما مني بها بعلي صلى الله عليه وآله قبلي ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولواإلا كذبا .
وسيعلم المبطلون غب ما فرطوا في جنب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غلوا في فضائل أناس آخرين ، ونعم الحكم الله غدا والخصيم محمد صلى الله عليه وآله .
ليت شعري هل كانت عائشة تعتقد باستقرار ملكة الحياء في عثمان في كل تلك المدة التي روت عن اولياتها حديث الفخذين ، وطفقت في أخرياتها تثير الناس على عثمان وتقول فيه تلكم الكلم القارصة الفظة التي أسلفناها في الجزء صفحة 77 - 86 ولم تفتأ حتى أوردته حياض المنية ، وهل كانت ترى استمرار حياء الملائكة منه طيلة ما بين الحدين ؟ أو أنها ترتاي إنفصام عراه بتقطع حلقات ما اثبتت له من ملكة الحياء ؟ ولذلك قلبت عليه ظهر المجن ، فإن كان الاول فما المبرر للهجاته الاخيرة ؟ وإن كان غيره ؟ فالحديث باطل أيضا لان تبجيل عالم الملكوت لايكون إلا على حقيقة مستوعبة لمدة حياة الانسان كلها ، والتظاهر بالفضل المنصرم لا حقيقة له تكبرها الملائكة وتستحي من جهتها ، هذا إن لم تعد أم المؤمنين علينا جوابها الاول مرة أخرى من أنها منيت بالكذابة كما انه جوابها المطرد في كل ما يروى عنها من فضل عثمان وإن كلها من ولائد عهد معاوية المحشو بالاكاذيب والمفتريات طمعا في رضائخه .
2 ـ أخرج الطبراني من حديث أبي معشر البراء البصري عن إبراهيم بن عمر بن أبان بن عثمان عن أبيه عمربن أبان عن أبيه أبان بن عثمان بن عفان قال : سمعت عبدالله بن عمر يقول : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعائشة وراء‌ه إذ استأذن أبوبكر فدخل ، ثم استأذن عمر فدخل ، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل ، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل و رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث كاشفا عن ركبته فرد ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان و قال لامرأته : استأخري فتحدثوا ساعة ثم خرجوا فقالت عائشة : يا نبي الله دخل أبي وأصحابه فلم تصلح ثوبك على ركبتك ولم تؤخرني عنك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ؟ والذي نفسي بيده ان الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله ، ولو دخل وأنت قريب مني لم يتحدث ، ولم يرفع رأسه حتى يخرج .
ذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 203 فقال : هذا حديث غريب وفي سنده ضعف .
وأوعز الذهبي إليه في الميزان 2 : 250 فقال : قال البخاري : في حديث عمر بن أبان نظر .
قال الاميني : هذه الرواية لدة ما أسلفناه من مسلم وأحمد مشفوعا بتفنيده و إبطاله ونزيدك هاهنا : ان البراء أبا معشر البصري ضعفه ابن معين ، وقال أبوداود : ليس بذاك ( 1 ) وفيها إبراهيم بن عمر بصري أموي حفيد الممدوح قال أبوحاتم : ضعيف الحديث
. وقال ابن أبي حاتم : ترك أبوزرعة حديثه فلم يقرأه علينا . وقال ابن حبان : لايحتج بخبره إذا انفرد ( 2 ) وقال ابن عدي : حدثنا أبويعلى عن المقدمي عن أبي معشر عن ابراهيم بن عمر بن أبان بأحاديث كلها غير محفوظة منها : ان النبي صلى الله عليه وسلم أسر إلى عثمان انه يقتل ظلما ( 3 )
4 ـ أخرج الطبراني من طريق أبي مروان محمد بن عثمان الاموي العثماني عن أبيه عثمان بن خالد حفيد عثمان بن عفان عن مالك عن أبي الزناد ( مولى بنت عثمان ) عن الاعرج عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : عثمان حيي تستحي منه الملائكة ( 4 )
قال الاميني : في الاسناد أبومروان محمد قال صالح الاسدي : يروي عن أبيه المناكير ، وقال ابن حبان : يخطئ ويخالف ( 5 )
(هامش ) * ( 1 ) تهذيب التهذيب 11 : 430 .
( 2 ) ميزان الاعتدال 1 : 24 ، لسان الميزان 1 : 86 .
( 3 ) لسان الميزان 4 : 282 .
( 4 ) تاريخ ابن كثير 7 : 203 .
( 5 ) تهذيب التهذيب 9 : 336 . [ * ]
وفيه عثمان بن خالد قال البخارى : عنده مناكير . وقال النسائي : ليس بثقة . و
قال العقيلي : الغالب على حديثه الوهم . وقال أبوأحمد : منكر الحديث : وقال ابن عدي : أحاديثه كلها غير محفوظة . وقال الساجى : عنده مناكير غير معروفة . وقال الحاكم وأبونعيم : حدث عن مالك وغيره بأحاديث موضوعة ( 1 ) وقال ابن حبان : يروي المقلوبات عن الثقات لايجوز الاحتجاج به ( 2 ) ، وقال السندي في شرح سنن ابن ماجة 1 : 53 في حديث يأتي : إسناده ضعيف فيه عثمان بن خالد وهو ضعيف باتفاقهم .
وقد فصلنا القول قبيل هذا في حياء الرجل بما لا مزيد عليه وبذلك تعلم أن الحديث باطل وإن صح إسناده فكيف به وإسناده أوهن من متنه .
5 ـ أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1 : 56 من طريق هشيم أبي نصر التمار عن الكوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشد أمتي حياء عثمان بن عفان .
قال الاميني : تغمرني الحيرة في حياء أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم ومبلغها منه بعد أن كان عثمان أشدها حياء وبين يديك أفعاله وتروكه ، فعلى الامة العفا إن صدقت الاحلام . نعم : هذا لايكون ، ونبي العظمة لايسرف في القول ، ولايجازف في الاطراء ، والاسناد باطل لايعول عليه لمكان كوثر بن حكيم قال أبوزرعة : ضعيف . وقال يحيى بن معين : ليس بشئ . وقال أحمد بن حنبل : أحاديثه بواطيل ليس بشئ . وقال الدارقطني وغيره : مجهول .
وقال أبوطالب : سألت أحمد عنه فقال : ليس هو من عيالنا ، وكان أحمد إذ لم يروعن رجل قال : ليس هومن عيالنا متروك الحديث وقال : ضعيف منكر الحديث .
وقال الجوزجاني : لايحل كتابة حديثه عندي لانه متروك . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه غير محفوظة . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : ضعيف الحديث . قلت : هو متروك ؟ قال : لا ، ولاأعلم له حديثا مستقيما وهو ليس بشئ . وقال ابن أبي شيبة : منكر الحديث .
وقال أبوالفتح والساجي : ضعيف . وقال البرقاني والدار قطني : متروك الحديث . وذكره
العقيلي والدولابى وابن الجارود وابن شاهين في الضعفاء . ميزان الاعتدال 2 : 359 ،
(هامش ) * ( 1 ) روايته هذه عن مالك من تلكم الموضوعات .
( 2 ) تهذيب التهذيب 7 : 114 . [ * ]
لسان الميزان 4 : 491 .
6 ـ أخرج أبونعيم في الحلية 1 : 56 من طريق زكريا بن يحيى المقري ( 1 ) عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عثمان أحيا أمتي وأكرمها .
قال الاميني : ما خطر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن كان أحياها وأكرمها قتيل الصحابة العدول إثر هناته وموبقاته ، وليد الشجرة الملعونة في القرآن ، وليد أبي العاص وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم في ولده قوله : إذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، ودينه دخلا . وقد كان بلاغهم ثلاثين يوم عثمان وهو أحدهم ورأسهم ، وأسلفنا
في ذلك قول أبي ذر الناظر إليه وإليهم من كثب . فهل يثمر الشوك العنب ؟ لاو الله .
أيحسب الباحث ان النبي صلى الله عليه وآله أسر بهذه المنقبة الرابية إلى ابن عمر فحسب من بين الصحابة ؟ أم أعلن بها في ملا من أصحابه وكان في الآذان وقر ؟ أم سمعوها ونسوها من يومهم الاول ؟ أم حفظوها ونبذوها وراء ظهورهم يوم تركوا جثمان أحيا الامة وأكرمها منبوذا ثلاثة أيام في مزبلة من غير دفن ؟ ثم دفنها عدة أناس ليلا وما أمكنهم تغسيله وتكفينه وتجهيزه والصلاة عليه ، دفن في مقبرة اليهود بعدما رجم سريره وكسر ضلع من أضلاعه ، وعفي قبره خوفا عليه من النبش .
على أن الاسناد لايصح لمكان زكريا بن يحيى وهو ضعيف وشيخه يخطئ في الاسناد والمتن وقد أخطأ في أحاديث كثيرة ، وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير . راجع
تاريخ الخطيب البغدادي وميزان الاعتدال ولسانه .
7 ـ أخرج ابن عساكر في ترجمة عثمان من طريق أبي هريرة مرفوعا : الحياء من الايمان وأحيى أمتي عثمان .
ضعفه السيوطي في الجامع الصغير وأقره المناوي راجع فيض القدير 3 : 429
(لفت نظر ) * يعطينا سبر التاريخ والحديث خبرا بأن السيرة المطردة لرجال الوضع والاختلاق في شنشنة التقول والافتعال في الفضائل هي العناية الخاصة بالملكات التي كان يفقدها الممدوح رأسا . والمبالغة والاكثار في كل غريزة ثبت خلافها مما علم من تاريخ حياة الرجل ومن سيرته الثابتة المشهورة ، فنجدهم يبالغون في شجاعةأبي بكر بما لامزيد عليه حتى
(هامش ) * ( 1 ) في النسخة : المنقرى . [ * ]
حسبوه أشجع الصحابة، وقد شهد مشاهد النبي صلى الله عليه واله وسلم كلها وما سل فيها سيفا ، ولا نزل في معترك قتال ، ولا تقدم لبراز أي مجالد ، وما رئي قط مناضلا ، وما شوهد يوما في ميادين الحراب منازلا ، فأكثروا القول فيها وجاؤا بأحاديث خرافة في شجاعته رجاء أن يثبت له منها شئ تجاه تلك الدراية الثابتة بالمحسوس المشاهد ( 1 ) ويبالغون في زهده وتقواه وجعلوا كبده مشويا من خوف الله والدخان يتصاعد من فمه إلى السماء مهما تنفس ، ولم يثبت له ميز في العبادة ولم يرو عنه الاكثار من الصوم والصلاة ومن كل ما يقربه إلى الله زلفى ( 2 )
ويبالغون في علم عمر وجعلوه أعلم الصحابة في يومه على الاطلاق وأفقههم في دين الله ، وحابوه تسعة أعشار العلم ، راجحا علمه علم أهل الارض ، علم أحياء العرب في كفة الميزان ، وجاؤا فيه بكثير لدة هذه الخرافات ( 3 ) والرجل قد ألهاه الصفق بالاسواق عن علم الكتاب والسنة ، وكل الناس أفقه منه حتى ربات الحجال أخذا بقوله وهوالصادق المصدق فيه ( 4 )
ويبالغون في إنكاره الباطل وبغضه الغناء ونكيره الشديد عليه ، وقد ثبت من شكيمته انه كان يتعاطاه ويجوزه ( 5 )
ولما وجدوا أن التاريخ الصحيح وما ثبت من سيرة عثمان ينفي عنه ملكة الحياء ويمثله للمجتمع بما يضادها ، نسجوا له النسج المبرم ، وأتوا بالمخازي ووضعت يدالافتعال فيها ما سمعت من الافائك ، حتى جعلوه أشد أمة محمد حياء وأحياها و أكرمها ، حييا تستحي منه الملائكة . فحياء عثمان كشجاعة أبي بكر وعلم عمر سالبة بانتفاء موضوعاتها ، وهي فيهم تضاهي أمانة معاوية وعلمه الواردين فيما يعزى إليه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : كاد أن يبعث معاوية نبيا من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربي . وقوله :
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما أسلفناه في الجزء السابع ص 200 - 215 ط 2 .
( 2 ) راجع ما أسلفناه في الجزء السابع ص 219 - 222 ط 2 .
( 3 ) راجع ما مرفى الجزء السادس ص 82 ، 331 ، والجزء الثامن ص 62 ، 63 ط 2 .
( 4 ) راجع ما أسلفناه في الجزء السادس من " نوادر الاثر في علم عمر " .
( 5 ) راجع ما مر في الجزء الثامن ص 64 - 81 ، 86 ، 94 - 96 ط 2 . [ * ]
الامناء سبعة : اللوح والقلم وإسرافيل وميكائيل وجبريل ومحمد ومعاوية ( 1 )
ويعرب عن أمانة معاوية ومبلغه من هذه الملكة الفاضلة ما رواه أبوبكر الهذلي قال : إن أبا الاسود الدؤلي كان يحدث معاوية يوما فتحرك فضرط فقال لمعاوية : استرها علي . فقال : نعم . فلما خرج حدث بها معاوية عمرو بن العاص ومروان بن الحكم ، فلما غدا عليه أبوالاسود قال عمرو : مافعلت ضرطتك يا أبا الاسود بالامس ؟ قال : ذهبت كما تذهب الريح مقبلة ومدبرة من شيخ ألان الدهر أعصابه ولحمه عن إمساكها ، وكل أجوف ضروط . ثم أقبل على معاوية فقال : إن امرء ضعفت أمانته و مروأته عن كتمان ضرطة لحقيق بأن لا يؤمن على امور المسلمين .
الاغاني 11 : 113 ، حياة الحيوان للدميري 1 : 351 . محاضرات الراغب 2 : 125 .
8 - أخرج الحاكم في المستدرك 3 : 102 من طريق الدارمي عن سعيد بن عبد الله الجرجسي عن محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن عمرو بن أبان بن عثمان ) الممدوح ) عن جابربن عبدالله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أري الليلة رجل صالح أن أبابكر نيط برسول الله صلى الله عليه واله وسلم ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر . فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قلنا : أما الرجل الصالح فرسول الله ، وأما ما ذكر من نوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الامر الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه واله وسلم . قال الحاكم : قال الدارمي : سمعت يحيى بن معين يقول : محمد بن حرب يسند هذا الحديث والناس يحدثون به عن الزهري مرسلا إنما هو عمرو بن أبان ولم يكن لابان
ابن عثمان ابن يقال له عمرو .
قال الاميني : ألا تعجب من رؤيا رئاها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وحدث بها في ملا الصحابة ولم يسمعها منه صلى الله عليه واله وسلم إلا جابربن عبدالله وهو لم يرتب عليها أي أثر عملي ، ولم يروها عنه إلا حفيد عثمان عمرو بن أبان الذي لم يكن له وجود ، أو اختلف في انه كان أولم يكن ؟ نعم : ينبغي حقا أن يكون مستدرك الصحيحين أمثال هذه التافهات .
8 ـ أخرج ابن ماجة في سننه 1 : 53 عن أبي مروان محمد بن عثمان الاموي العثماني عن أبيه عثمان بن خالد حفيد عثمان بن عفان عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن
(هامش ) * ( 1 ) راجع الجزء الخامس من الغدير ص 308 ط 2 . [ * ]
أبيه ( مولى عائشة بنت عثمان ) عن الاعرج عن أبي هريرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان بن عفان .
رجال الاسناد :
1 ـ أبومروان مر الايعاز إليه ص 290 .
2 ـ عثمان بن خالد ، أسلفنا في هذا الجزء ص 291 كلمات الحفاظ فيه وانه ليس بثقة ، وأحاديثه كلها غير محفوظة ، وحدث باحاديث موضوعة لايجوز الاحتجاج به . ورواه الترمذي من طريق طلحة بن عبيدالله وقال : غريب ليس إسناده بالقوي وهو منقطع .
3 - عبدالرحمن بن أبي الزناد ، قال يحيى بن معين : ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث ليس بشئ . وقال ابن صالح وغيره عن ابن معين : ضعيف . وقال الدوري عن ابن معين : لا يحتج بحديثه . وقال صالح بن أحمد عن أبيه : مضطرب الحديث . وعن ابن المديني : كان عند أصحابنا ضعيفا . وقال النسائي : لا يحتج بحديثه . وقال ابن سعد : كان كثير الحديث وكان يضعف لروايته عن أبيه ) تهذيب التهذيب 6 : 171)
وبعد ذلك كله فاني أستغرب هذه الرفاقة وإن الرجل بماذا اختص بها وحصل عليها من دون الصحابة المقدمين ذوي الفضائل والمآثر ، وفي مقدمهم صنوه صلى الله عليه واله وسلم أميرالمؤمنين علي صلوات الله عليه وهو نفسه في الذكر الحكيم ، وأخوه المخصوص به في حديث المواخاة المعربة عن المجانسة بينهما في النفسيات ، وهوالذاب الوحيد عنه في حروبه ومغازيه ، ومثله الاعلى في العصمة والقداسة بصريح آية التطهير ، وباب مدينة علمه في الحديث المتواتر .
فبماذا اختص عثمان بهذه الرفاقة دون علي أميرالمؤمنين ؟ ألمشاكلته مع صاحب الرسالة العظمى في النسب أوالحسب في العلم والتقوى والملكات الفاضلة ؟ أولا تباعه ماجاء به صلى الله عليه واله وسلم من كتاب أو سنة ؟ وأنت متى استشففت ماتلوناه في هذا الكتاب من موارد الخليفة ومصادره ، وأخذه ورده ، وأفعاله وتروكه ، تعلم مبوأه من كل هاتيك الفضائل وتجد من المستحيل ما أثبتته له هذه الرواية الواهية باسنادها الساقط ، تعالى نبي العظمة عن ذلك علوا كبيرا
ولست أدري لماذا ردالله دعاء نبيه الاعظم في أبي بكر الوارد فيما أخرجه ابن عدي من طريق الزبير بن العوام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أللهم إنك جعلت أبابكر رفيقي في الغار فاجعله رفيقي في الجنة ( 1 )
نعم : هذا كحديث ابن ماجة هما سواسية في البطلان ، في إسناده محمد بن الوليد القلانسي البغدادي . كذاب يضع الحديث كمامر في سلسلة الكذابين ج 5 : 265 ط 2 ،
ومصعب بن سعيد يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف ، وكان مدلسا لايدري ما يقول وستوافيك ترجمته ، وعيسى بن يونس مجهول لايعرف .
10 ـ أخرج الحاكم في المستدرك 3 : 97 من طريق عبيدالله بن عمرو القواريرى البصري عن القاسم بن الحكم بن أوس الانصاري عن أبي عبادة الزرقي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز فقال : انشدك الله يا طلحة أتذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في مكان كذا وكذا وليس معه من أصحابه غيري
وغيرك فقال لك : يا طلحة انه ليس من نبي إلا وله رفيق من أمته معه في الجنة وإن عثمان رفيقي ومعي في الجنة ؟ فقال طلحة : أللهم نعم . قال : ثم انصرف طلحة .
وفي لفظ أحمد في مسنده 1 : 74 بالاسناد نفسه عن أسلم قال : شهدت عثمان رضي الله عنه حوصر في موضع الجنائز ولوالقي حجر لم يقع إلا على رأس رجل فرأيت عثمان رضي الله عنه أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل عليه السلام فقال : أيها الناس أفيكم طلحة ؟ فسكتوا . ثم قال : أيها الناس أفيكم طلحة ؟ فسكتوا . ثم قال : يا أيها الناس أفيكم طلحة ؟ فقام طلحة بن عبيدالله فقال له عثمان رضي الله عنه : ألا أراك ههنا ما كنت أرى انك تكون في جماعة تسمع ندائي آخر ثلاث مرات ثم لاتجيبني انشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع كذا كذا ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك ؟ قال : نعم . فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا طلحة ! انه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة ، وإن عثمان ابن عفان رضي الله عنه هذا يعنيني رفيقي معي في الجنة ؟ قال : طلحة : أللهم نعم . ثم انصرف .
(هامش ) * ( 1 ) لسان الميزان 5 : 418 . [ * ]
صححه الحاكم وعقبه الذهبي فقال : قلت قاسم هذا قال البخاري : لايصح حديثه . وقال أبوحاتم : مجهول . وذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب 8 : 312 وحكى عن البخاري وأبي حاتم ما ذكره الذهبي .
وفي الاسناد عبيدالله القواريري روى عنه البخاري خمسة أحاديث فحسب ، و مسلم أربعين حديثا ( 1 ) وقد سمع منه أحمد بن يحيى مائة ألف حديث ( 2 ) فما حكم ذلك الحوش الحائش مما جاء به القواريري بعد مالم يأخذ البخاري ومسلم منه إلا عدة أحاديث وضربا عن كل ذلك صفحا ؟ ومن المستبعد جدا عدم وقوفهما عليها .
وفيه : أبوعبادة الزرقي عيسى بن عبدالرحمن الانصاري قال أبوزرعة : ليس بالقوي . وقال أبوحاتم : منكر الحديث ضعيف الحديث شبيه بالمتروك لا أعلمه روى عن الزهري حديثا صحيحا . وقال البخاري والنسائي : منكر الحديث . وقال ابن حبان : يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك . وقال العقيلي : مضطرب الحديث . وقال الازدي : منكر الحديث مجهول . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه . وقال ابن حبان أيضا : لا ينبغي أن يحتج بما انفرد به ( 3 )
قال الاميني : ولا يكاد يصح انصراف طلحة مع إصراره الثابت في التشديد على عثمان إلى آخر نفس لفظه الرجل ، ولم يقنعه الاجهاز عليه حتى انه منعه عن الدفن في مقابر المسلمين ، وجعل ناسا هناك أكمنهم كمينا ورموا حملة جنازته بالحجارة و صاحوا : نعثل نعثل . وقال طلحة : يدفن بدير " سلع " يعني مقابر اليهود ، ولذلك قال مروان لما قتل طلحة لابان بن عثمان : قد كفيتك بعض قتلة أبيك ، ومروان كان شاهدا عليه من كثب ( 4 )
ومن العجيب أن هذه المناشدة كانت في ذلك المحتشد الرحيب بمسمع من اولئك الجم الغفير وكان لو ألقي الحجر لم يقع إلا على رأس رجل لكنها لم تكفئ أحدا منهم ، فهل كانوا معترفين بها معرضين عنها ؟ فأين العدالة المزعومة فيهم ؟ أوأنهم
(امش ) * ( 1 ) ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب 7 : 41 . ( 2 ) تهذيب التهذيب 7 : 41 . ( 3 ) تهذيب التهذيب 8 : 218 ، لسان الميزان 4 : 400 . ( 4 ) راجع مامر في هذا الجزء ص 91 - 101 . [ * ]
عرفوا بطلانها وما صدقوا الرجلين في دعواهما فتركوها في مدحرة الاعراض ؟ أو لم تكن هنالك مناشدة قط ؟ وهو أقرب الوجوه إلى الحق .
ولو فرضنا انها أكفأت طلحة كما يحسبه مختلق هذه الرواية فانه لم يكن إلا اكفاء وقتيا ثم راجع طلحة رشده فعرف انها حجة داحضة فاستمر على ما ثارله ، وثبت عنه من الثبات على عمله وتضييقه . هذه غاية ما يمكن أن يقال متى تجشمنا لوضع هذه المزعمة في بقعة الامكان ،
ومن المستصحب ذلك أو المتعذر ، وقد أسلفنا ان الرفاقة المزعومة ليس من السهل تصديقها لعدم المجانسة بين الرفيقين قط ولو كان من جهة والرفاقة كالاخوة والصحبة - المنبعثة ثلاثتها عن التجانس في الخلل والمزايا - تخص بعلي أميرالمؤمنين عليه السلام كما جاء مرفوعا : يا علي أنت أخي وصاحبى ورفيقي في الجنة ( 2 ) وهذا التخصص تعاضده البرهنة الثابتة ، ويؤيد بالاعتبار .
11 ـ أبويعلي وأبونعيم وابن عساكر في تاريخه 7 : 65 ، والحاكم في المستدرك 3 : 97 من طريق شيبان بن فروخ عن طلحة بن زيد الدمشقي عن عبيدة ( 3 )
ابن حسان عن عطاء الكيخاراني عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال : بينما نحن في
بيت ابن حشفة في نفر من المهاجرين فيهم أبوبكر وعمرو عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لينهض كل رجل منكم إلى كفؤه فنهض النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى عثمان فاعتنقه وقال : أنت وليي في الدنيا والآخرة .
صححه الحاكم وعقبه الذهبي في تلخيصه وقال : قلت : بل ضعيف فيه طلحة ابن زيد وهو واه عن عبيدة بن حسان شويخ مقل عن عطاء . وقال السيوطي في اللئالي 1 : 317 : موضوع ، طلحة لا يحتج به ، وعبيدة يروي الموضوعات عن الثقات . اه‍ .
وذكره المحب الطبري في رياضه النضرة 2 : 101 ، وابن كثير في تاريخه 7 : 212
ساكتين عما في إسناده من الغمز شأنهما في فضائل من يحبانه ويواليانه ، ولا يخفى
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الخطيب 12 : 268 .
( 2 ) في النسخة هاهنا وفيما يأتى : عبيد . والصحيح ما ذكرناه . [ * ]
عليهما قول أحمد : طلحة بن زيد ليس بذاك قد حدث بأحاديث مناكير . وقوله : ليس بشئ كان يضع الحديث لايعجبني حديثه . وقول البخاري والنسائي : منكر الحديث .
وقول النسائي أيضا : ليس بثقة متروك . وقول صالح بن محمد : لا يكتب حديثه . وقول
ابن حبان : منكر الحديث لايحل الاحتجاج بخبره . وقول الدارقطني والبرقاني : ضعيف . وقول أبي نعيم : حدث بالمناكير لاشئ . وقول الآجري عن أبي داود : يضع الحديث . ونسبة ابن المدايني إياه إلى وضع الحديث . وقول الساجي : منكر الحديث ( 1 )
كما لايخفى على الرجلين رأي الحفاظ في عبيدة بن حسان قال أبوحاتم : منكر الحديث . وقال ابن حبان:يروي الموضوعات عن الثقات وقال الدارقطني : ضعيف . لسان الميزان 4 : 125
والغرابة في هذه المماثلة والولاية المنبعثة عنها في الدنيا والآخرة ، وهي ليست بأقل من الرفاقة التي أسلفنا القول فيها قبيل هذا ، وإن من المؤسف جدا المقارنة بين رسول العظمة وبين من لم يقم الصحابة الاولون - العدول كلهم فيما يرتأون - له وزنا ، ولارأو الحياته قيمة ، ولا حسبوا لتسنمه عرش الخلافة مؤهلا ، فلم يزل ممقوتا عندهم حتى كبت به بطنته ، وأجهز عليه عمله ، كما قاله مولانا أميرالمؤمنين ( 2 ) ولم يفتأ الصحابة مصرين على مقته حتى أوردوه حياض المنية ، ولم تبرح أعماله مؤكدة لعقائد الملا الديني في همزه ولمزه حتى وقع من الامر ماوقع .
ولا يسع قط لعارف عرفان وجه المكافأة بين نبي العظمة وبين عثمان ، فإنها إن كانت من ناحية النسب ؟ فأنى هي ؟ هذا من شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وذلك من شجرة ملعونة في القرآن . وإن كانت من حيث الحسب ؟ ففرق بينهما فيه بعد المشرقين ولاحرج ، هذا
حسيب . وذلك مقشب الحسب ؟ وإن كانت من جهة الملكات الفاضلة والنفسيات الكريمة فالمشاكلة منتفية وهما طرفا نقيض ، هذا ناصح الجيب ، واري الزند ( 3 ) لعلى
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ ابن عساكر 7 : 65 ، تهذيب التهذيب 4 : 16 ، اللئالى المصنوعة 1 : 81 ، 317 .
( 2 ) راجع ما اسلفناه في الجزء السابع 82 ط 2 .
( 3 ) رجل ناصح الجيب اى صادق امين ، نقى القلب لا غش فيه . ويقال : وراى الزند . في المبالغة في الكر والخصال المحمودة . [ * ]
خلق عظيم ، والآخر يحمل منها بين جنبيه ماعر فناك حديثه .
ونحن إن أخذنا ماجاء به القوم من قضايا الملكات فالبون بينهما شاسع أيضا ، فالنبي الاقدس مثلا عندهم كمامر كان يكشف في الملا عن ركبتيه وعن فخذيه و عما هو بينهما وبين سرته ولم يكن يبالي . وعثمان إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق ، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء ، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه ، كما مر في حديث الحسن ص 287 .
وإن فرضت المشاكلة من جانب الاخذ بالدين والعمل بما فيه من أفعال أوتروك ؟
قالتباين بينهما ظاهر وأي تباين ، ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ، ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ؟ ( 1 ) هذا رسول التوحيد أسلم وجهه لله وهو محسن ، يعبد ربه مخلصا له الدين تحت راية لاإله إلاالله ، وقرط أذنه قوله تعالى : قل الله ثم ذرهم ، وورد لسانه : وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت . وأما عثمان فهو أسير هوى مروان ومعاوية وسعيد ومن شاكلهم من أبناء بيته ، يسير مع ميولهم وشهواتهم ، حتى قال مولانا أميرالمؤمنين : ما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك ، وان مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به ( 2 ) قدم ربه وقد خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، كسب سيئة وأحاطت به خطيئته . ايه ايه يا نبي العظمة أنزلك الدهر ثم أنزلك حتى جعلك كفو عثمان بعد ما اختارك ربك واصطفاك من بريته وجعلك لسان صدق نبيا ، هذا جزاء‌ك من أمتك جزاء سنمار ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
(لفت نظر )
وضعت يد الامانة الخائنة على ودائع الاسلام المقدس هذه الرواية تجاه ماصح عن النبي الاقدس في صنوه الطاهر أميرالمؤمنين في حديث طويل عن ابن عباس من قوله صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام : أنت وليي في الدنيا والآخرة .
أخرجه أحمد في مسنده 1 : 331 باسناد صحيح رجاله كلهم ثقات كمامر الايعاز
(هامش ) * ( 1 ) سورة الزمر : 28 .
( 2 ) راجع مامر في هذاالجزء ص 174 . [ * ]
إليه في الجزء الاول ص 50 ، وفي الجزء الثالث ص 195 ط 2 ، رجاله :
1 ـ يحيى بن حماد أبوبكر البصري ، أحد رجال الصحيحين ، وثقه ابن سعد و أبوحاتم وابن حبان والعجلي .
2 ـ أبوعوانة الوضاح اليشكري ، من رجال الصحيحين . وثقه أبوزرعة وأبو حاتم وأحمد وابن حبان وابن سعد والعجلي وابن شاهين . وقال ابن عبدالبر : أجمعوا على انه ثقة ثبت حجة
3 ـ أبوبلج يحيى بن سليم الواسطي . وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي و الدار قطني وابن حبان وأبوالفتح الازدي .
4 ـ عمرو بن ميمون أبوعبدالله الكوفي ، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي صلى الله عليه واله وسلم
وثقه العجلي وابن معين والنسائي وغيرهم . عن ابن عباس .
وأخرجه جمع من الحفاظ وذكره غير واحد من المؤلفين ومنهم .
1 ـ الحافظ أبوعبدالرحمن النسائي المتوفى 303 في الخصائص ص 7 .
2 ـ القاسم الطبراني " 360 كما في الفرايد والمجمع وغيرهما
3 ـ يعلى النيسابوري " 374 كما في البداية والنهاية .
4 ـ عبدالله الحاكم " 405 في المستدرك 3 : 132 وصححه
5 ـ بكر البيهقي " 458 كما في المناقب للخوارزمي .
6 ـ أخطب خوارزم أبوالمؤيد " 568 في المناقب ص 75 .
7 ـ الحافظ أبوالقاسم ابن عساكر " 571 في الاربعين الطوال والموافقات
8 ـ بوعبدالله الكنجي " 658 في كفاية الطالب ص 115 .
9 ـ المحب الطبري " 694 في الرياض النضرة 2 : 203 ، ذخائر العقبى ص 87 .
10 ـ شيخ الاسلام الحموئي " 722 في فرائد السمطين .
11 ـ الحافظ ابن كثير الدمشقي " 774 في البداية والنهاية 7 : 337 .
12 ـ أبوالحسن الهيثمي " 807 في مجمع الزوائد 9 : 108 وصححه من طريق أحمد . [ * ]
13 ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى 852 في الاصابة 2 : 509 .
14 ـ أبوحامد محمود الصالحاني كما في ( توضيح الدلائل ) لشهاب الدين أحمد .
15 ـ السيد شهاب الدين أحمد في ( توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل )
16 ـ الشيخ أحمد بن الفضل باكثير المتوفى 1042 في وسيلة المآل .
17 ـ ميرزا محمد البدخشاني المتوفى 1123 في نزل الابرار ص 16 ومفتاح النجا
18 ـ شاه ولي الله الهندي المتوفى 1126 في إزالة الخفا 2 : 261 .
19 ـ الامير محمد بن اسماعيل اليمني الصنعاني في الروضة الندية .
20 ـ المولوي ولي الله الهندي المتوفى 1270 في مرآة المؤمنين . وغيرهم
هذا ما صح عن النبي الاعظم من قوله : أنت وليي في الدنيا والآخرة .
فبدل الذين ظلموا منهم قولا غيرالذي قيل لهم .
12 ـ أخرج البزار من طريق خارجة بن مصعب عن عبدالله بن عبيد الحميري البصري عن أبيه قال : كنت عند عثمان حين حصر فقال : هاهنا طلحة ؟ فقال طلحة : نعم .
فقال : انشدتك الله أما علمت أنا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فأخذت بيد فلان ، وأخذ فلان بيد فلان ، حتى أخذ كل رجل بيد صاحبه
وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي وقال : هذا جليسي في الدنيا ووليي في الآخرة ؟ قال : أللهم نعم .
وذكره ابن حجر في فتح الباري 5 . 315 عن ابن منده من طريق عبيد الحميري المذكور ساكتا عما في إسناده من العلة ، كأنه ليس هو الذي حكى تلكم الآراء الواردة في جرح خارجة بن مصعب عن الحفاظ وأئمة الجرح والتعديل قال في تهذيب التهذيب 3 : 78
قال الاثرم عن أحمد : لا يكتب حديثه . وقال عبدالله بن أحمد : نهاني أبي أن أكتب عنه شيئا من الحديث . وقال الدوري ومعاوية وعباس عن ابن نمير : ليس بثقة ، ليس بشئ ، كذاب ، ضعيف . وقال ابن معين : ليس بشئ . وقال يحيى بن يحيى : يدلس وقال النسائي : متروك الاحاديث ، ليس بثقة ، ضعيف . وقال ابن سعد : إتقى الناس حديثه فتركوه . وقال ابن خراش وأبوأحمد : متروك الحديث . وقال الدار قطني : ضعيف . وقال يعقوب : ضعيف الحديث عند جميع أصحابنا . وقال ابن المديني : هو عندنا ضعيف
وقال أبوداود : ضعيف ليس بشئ . وقال ابن حبان : وقع في حديثه الموضوعات عن الاثبات لا يجوز الاحتجاج بخبره . وذكره ابن الجارود والعقيلي وابن السكن وأبوزرعة وأبوالعرب وغيرهم في الضعفاء .
وقال السيوطي في اللئالي 1 : 317 : قال ابن حبان : خارجة يدلس عن الكذابين ووقع في حديثه الموضوعات .
ولعلنا أو قفناك على مقياس صحيح في أمثال هذه الرواية في ذيل الروايتين اللتين تشبهانها قبيل هذا ، فإنك إذن لا تجد مقيلا لها من الصحة والاعتبار نظراإلى متنها قبل أن تقف على ضعف إسنادها ، فدعها ومر بها كريما ، وذرالوضاعين في غلوائهم يرمون القول على عواهنه
ولو كان طلحة سمع هذه المزعمة منه صلى الله عليه وآله واعتراف بها يوم الحصار في ملا
الصحابة لما كان يأخذ بخناق الرجل ويشدد عليه ، وما كان يثير عليه نقع الفتن حتى يورده مورد المنية ، ولم يك يمنع عنه ايصال الماء إليه ، ولم يرض بانهاء أمره إلى القتل الذريع ، ولم يرضه دفنه في مقابر اليهود .
لو كان طلحة يعرف شيئا من هذه الرواية لما استسهل ركوب ذلك المركب الصعب الجمو ح وهو صحابي عادل أحد العشرة المبشرة كما يحسبون .
13 ـ أخرج ابن ماجة في سننه 1 : 53 عن أبي مروان محمد بن عثمان الاموي العثماني عن أبيه عثمان بن خالد حفيد عثمان بن عفان عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الاعرج عن أبي هريرة : ان النبي صلى الله عليه وسلم لقي عثمان عند باب المسجد فقال :
يا عثمان ! هذا جبريل أخبرني إن الله قد زوجك ام كلثوم بمثل صداق رقية على مثل صحبتها . ورواه ابن عساكر كما في تاريخ ابن كثير 7 : 211 .
قال الاميني : أسلفنا فيما مر صفحة 290 ان محمد بن عثمان يخطئ ويخالف و يروي عن أبيه مناكير ، وإن أباه ليس بثقة وأحاديثه غير محفوظة ، وانه حدث بأحاديث موضوعة لا يجوز الاحتجاج به ، ومر في صفحة 295 ان عبدالرحمن بن أبي الزناد :
ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث وانه ضعيف مضطرب الحديث لايحتج بحديثه وعليك بمراجعة مافصلناه في الجزء الثامن ص 231 - 234 ط 2 .
14 ـ أخرج ابن عدي قال : حدثنا محمد بن داود بن دينار حدثنا أحمد بن محمد ابن حباب البصري حدثنا عمرو بن فائد البصري عن موسى بن سيار البصري عن الحسن البصرى عن أنس مرفوعا : إن لله تعالى سيفا مغمودا في غمده مادام عثمان بن عفان حيا ، فإذا قتل جرد ذلك السيف فلم يغمد إلى يوم القيامه . ورواه ابن عساكر بالاسناد .
قال السيوطى في اللئالي 1 : 316 : موضوع آفته عمرو بن فائد وشيخه كذاب أيضا .
قال الاميني : ألا تعجب من السيوطي ؟ يحكم هاهنا على الرواية بالوضع ويكذب راويه ويذكرها في تاريخ الخلفاء ص 110 في عد فضائل عثمان ويقتصر على قوله : تفرد به عمرو بن فائد وله مناكير . نعم هكذا يموهون على الحقايق ويغرون الناس بالجهل ، كان على الرجل أن يلغيها عن سياق عد الفضائل - التي من طبعها أن يحتج بها - بعد ما رآها موضوعة رواها كذاب عن كذاب ، غير أنه لو اقتصر على ما يحتج به في باب الفضائل ، وألغى مالا يصح منها سندا أو متنا ، لما يجد هو وغيره فضيلة قط لعثمان ، وهذا مما لا يروقه هو ولا يحبذه قومه .
وللدار قطني ، وابن المديني ، والعقيلي ، وابن عدي ، والنسائي ، والذهبي ، كلمات في جرح عمرو بن فائد وبطلان حديثه . راجع لسان الميزان 4 : 372 .
وليحيى القطان ، وأبي حاتم ، وابن عدى ، وابن معين ، والذهبي ، أقوال في تفنيد موسى ابن سيار البصري وتكذيبه وبطلان حديثه . راجع ميزان الاعتدال 3 : 211 ،
ولسان الميزان 6 : 120 .
وفي الاسناد محمد بن داود الفارسي ، قال الذهبي في الميزان 3 : 54 : من شيوخ ابن عدي ذكره فقال : كان يكذب . وذكرا بن حجر في اللسان 5 : 161 حديثا في فضل علي أميرالمؤمنين فقال : هو من وضع محمد بن داود بن دينار .
هذا شأن هذه المكذوبة غيرأن اناسا من الغالين في الفضائل كالسيوطي و القرماني ( 1 ) وأحمد زيني دحلان ( 2 ) إتخذوها حجة عند ذكر هم فضائل عثمان مرسلين
(هامش ) * ( 1 ) في اخبار الدول هامش الكامل لابن اثير 1 : 214
( 2 ) في الفتوحات الاسلامية 2 : 498 . [ * ]
إياها إرسال المسلم شأنهم في الموضوعا ت المفتعلة في الثناء‌على رجالاتهم
15 ـ وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 103 من طريق أحمد بن كامل القاضي عن احمد بن محمد بن عبدالحميد الجعفي عن الفضل بن جبير الوراق عن خالدبن عبدالله الطحان المزني عن عطاء بن السائب عن سعد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم إذ أقبل عثمان بن عفان رضي الله عنه فلما دنا منه قال : ياعثمان ! تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك على " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " وتبعث يوم القيامة أميرا على كل مخذول يغبطك أهل الشرق والغرب ، وتشفع في عدد ربيعة ومضر .
قال الاميني : سكت الحاكم عن صحة الحديث وأنصف الذهبي فقال في تلخيصه : كذب بحت ، وفي الاسناد أحمد بن محمد بن عبدالحميد الجعفي وهو المتهم به . اه‍ .
وشيخ الجعفي أيضا لا يتابع على حديثه كما قاله العقيلي وحكاه عنه الذهبى في الميزان وابن حجرفي لسانه 4 : 438 .
إن مما يقضى منه العجب أن أحدا من الصحابة العدول لم يسمع هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه واله وسلم ، كأن المجلس الذي ألقى صلى الله عليه واله وسلم فيه هذه الكلمة كان خلوا عنهم جميعا ومن العجيب أيضاانه لم يروه أحدمنهم لصاحبه - إن كان سمعه أحد - حتى تتداوله الالسن فعسى أن يكون رادعا عن التجمهر على عثمان والاتفاق على نبذه والجرأة على قتله ، نعم : لم يسمعه أحد منه صلى الله عليه واله وسلم عدا ابن عباس الذي كان صبيا في عهد النبوة
لم يبلغ الحلم وقد توفي صلى الله عليه واله وسلم وابن عباس ابن ثلاثة عشر سنة كما قاله الواقدي و الزبير وصححه أبوعمر في " الاستيعاب " أو عشر سنين كما روي عن ابن عباس نفسه من وجوه ( 1 ) أو أكثر منها ، وربما يشك في أنه هل كان يحسن التحمل عنذئذ أولا ؟
ولعله هوأيضا كان شاكا في تحمله هذا الحديث حيث جاء‌ته استغاثة عثمان ( 2 ) وهو يخطب الحاج يوم عرفة فتلاها نافع بن طريف فلما أتمها مضى ابن عباس في خطبته غير مكترث لاستغاثة الخليفة وهو بين الناب والمخلب ، على حين انه كان منصوبا من قبله لامارة
(هامش ) * ( 1 ) راجع مسنداحمد 1 : 253 ، الاستيعاب 1 : 372 .
( 2 ) راجع ما مضى في هذاالجزء صفحة 134 ، 192 . [ * ]
الحاج ، فلم يعرض لشئ من شأنه ولا للزوم الدفاع عنه ، وما ذلك إلا لاصفاقه مع المجهزين عليه في الرأي وإلا لكان من واجبه الحث على الذب عنه ، وبيان وجوب إغاثته ، وملا سمعه هذا الحديث الذي عزي إليه وملا فيه روايته - وحاشاه عن راويته -
وكأن الحضرة النبوية نصب عينيه يتلقى فيه الرواية ، وهو الذي يقتضيه عدله وتقواه . وهناك شاهد آخر لعدم إخباته إلى مضمون هذه الرواية وهو انه لما بعثه عثمان أميرا على الحاج لقيته عائشة في بعض المنازل فقالت له : يا ابن عباس ! إن الله قد آتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية ( 1 ) تعني عثمان ، فلم يبد ابن عباس لها تجاه تلك الشدة تجهما ولا قولا لينا كمن يوافقها على النزعة ، كما رد عليها في حثها على عدم التخذيل عن طلحة وجنوحها إلى توليه الامر ، فلو كان ابن عباس يعرف في شأن عثمان شيئا من هذه الرواية لرواه لها واتخذه مستندا في الدفاع عنه ، فجامع القول إن الحبر لم يسمع مما تقول عليه شيئا ، وإنما هو من مواليد العهد الاموي بعد عهد ابن عباس .
وليس من المستسهل الكشف عن إمارة المخذولين يوم القيامة ، كما أن من المستصعب جدا عرفان أعيانهم وأشخاصهم ، أفيهم أولئك الصفوة الابرار من الصحابة والتابعين أمثال أبي ذر وعمار وابن مسعود ومالك الاشتر وزيد وصعصعة ابني صوحان وكعب بن عبدة وعامر بن قيس وآخرين من صلحاء المدينة والكوفة والبصرة الذين خذلهم عثمان وأبناء بيته ؟ .
ولعل في المخذولين الحكم ومروان وآلهما وعبدالله بن أبي سرح وأبا سفيان وولده وأضرابهم الذين خذلهم الاسلام وآواهم عثمان وعزرهم وسلطهم على صلحاء الامة من الصحابة الاولين والتابعين لهم بإحسان .
ونحن على يقين من أن الشفاعة المزعومة التي لا تصدقها سيرة عثمان ولا تساعدها البرهنة ويضادها نداء الكتاب الكريم إن حققت تدنس ساحة الجنة المقدسة بإدخال عثمان أرجاس آل امية فيها كما يعرب عنه قوله الثابت المذكور في الجزء الثامن ص 291 ط 2 : لوأن بيدي مفاتيح الجنة لاعطيتها بني امية حتى يدخلوا من عند آخرهم .
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في هذا الجزء صفحة 78 . [ * ]
16 ـ أخرج الحاكم المستدرك 3 : 103 عن عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم العدل ( 1 ) عن يحيى بن أبي طالب عن بشار بن موسى الخفاف البصري عن الحاطبي عبد الرحمن ( 2 ) بن محمد عن أبيه عن جده قال : لما كان يوم الجمل خرجت أنظر في القتلى قال : فقام علي والحسن بن علي وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وزيد بن صوحان يدورون في القتلى قال : فأبصر الحسن بن علي قتيلا مكبوبا على وجهه فقلبه على قفاه ثم صرخ ثم قال : إنالله وإناإليه راجعون فرخ قريش والله . فقال أبوه : من هو يابني قال : محمد بن طلحة بن عبيدالله . فقال : إنالله وإنا إليه راجعون ، أما والله لقد كان شابا صالحا ثم قعد كئيبا حزينا فقال له الحسن : يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا المسير فغلبك على رأيك فلان وفلان . قال : قد كان ذاك يا بني ! ولوددت اني مت قبل هذا بعشرين سنة . قال محمد بن حاطب : فقمت فقلت : يا أمير المؤمنين ! إنا قادمون المدينة والناس سائلونا عن عثمان فاذا نقول فيه ؟ قال : فتكلم عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر فقاما وقالا فقال لهما علي : يا عمار ويا محمد ! تقولان : إن عثمان استأثرو أساء الاثرة وعاقبتم والله فأسأتم العقوبة ، وستقدمون على حكم عدل يحكم بينكم ثم قال : يا محمد بن حاطب ! إذا قدمت المدينة وسئلت عن عثمان فقل : كان والله من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين وعلى الله فليتوكل المؤمنون .
قال الاميني : سكت الحاكم عما في إسناد هذه الاكذوبة من العلل ولم يصححه ولم ينبس فيه بكلمة غمز ولا تصحيح ، واكتفى الذهبي فيه بقوله : بشار بن موسى واه :
ونحن نقول : عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم . قال الدار قطني فيه لين ، وذكره بذلك الخطيب البغدادي في تاريخه 9 : 414 .
ويحيى بن أبي طالب قال فيه موسى بن هارون : أشهد انه يكذب عني . وقال مسلمة بن قاسم : تكلم فيه الناس . " لسان الميزان 6 : 262 " .
(هامش ) * ( 1 ) كذا في النسخ والصحيح : المعدل .
( 2 ) كذا في النسخ والصحيح : عبدالرحمن بن عثمان بن محمد . [ * ] .
وبشار بن موسى البصري ، قال ابن معين : ليس بثقة . وقال : انه من الدجالين .
وقال أبوحفص : ضعيف الحديث . وقال البخاري : منكر الحديث وقد رأيته وكتبت عنه وتركت حديثه . وقال أبوداود : ضعيف . وقال النسائي : ليس بثقة . وقال أبوزرعة : ضعيف . وقال أبوأحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم . وذكر عند الفضل بن سهل فأساء القول فيه ( 1 )
وعبدالرحمن الحاطبي ضعفه أبوحاتم الرازي كما في ميزان الاعتدال للذهبي .
ووالده عثمان لم أقف على ثناء عليه في معاجم التراجم .
فأي عبرة بما يرويه أو يرتأيه أمثال هؤلاء الدجالين ؟ على أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كان على بصيرة من مسيره إلى حروبه كلها ومنقلبه عنهاوفي جميع ما ارتكبه فيها أو تركه ، وكل ذلك كان بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعهد منه إليه عليه السلام ، وقد عد ذلك من فضائله ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحث أصحابه على مناصرته يومئذ كما مر تفصيله في الجزء الثالث ص 188 - 195 ط 2 وكان صلى الله عليه وآله ويلم يقول : سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا على الله جهادهم فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه ، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه ، ليس وراء ذلك بشئ ( 2 ) . وكان أبوأيوب الانصاري وغيره من الصحابة يقول : عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نقاتل مع علي الناكثين ( 3 )
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحذر أم المؤمنين عايشة عن ذلك التبرج تبرج الجاهلية
الاولى ويقول لها : يا حميراء! كأني بك تنبحك كلاب الحوأب تقاتلين عليا وأنت له ظالمة ( 4 ) وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم كما مر في ج 3 ص 191 ط 2 قوله للزبير : إنك تقاتل عليا وأنت ظالم له .
فكان مولانا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه مندفعا إلى ما ناء به من أعباء تلكم الحروب بالامر النبوي ، ولم يكن قط قد غلب على رأيه فلان وفلان ، ولم يكن الامام المجتبى المعصوم عن كل زلة وهفوة بالذي ينهى أباه عما أمر به جده الذي لا ينطق
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الخطيب 7 : 119 ، تهذيب التهذيب 1 : 144 .
( 2 ) راجع الجزء الثالث ص 190 ط 2 .
( 3 ) راجع الجزء الثالث ص 192 ، 95 1 ط 2 .
( 4 ) راجع الجزء الثالث ص 189 ط 2 . [ * ]
عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، ولا أميرالمؤمنين عليه السلام بالذي يندم على ما نهض به
من قم جذور الفساد وقلع جذومه ، ولو سوغنا عليه الندم في هذه لسوغنا عليه فيما قتله في مغازي الرسول صلى الله عليه وآله من أشياع الكفر وزبانية الشرك والالحاد ، فإذ كان سلام الله عليه في المقامين جميعا منبعثا بباعث إلهي ومصلحة دينية من استئصال شأفة العيث وقطع جراثيم الالحاد ، فلا يطرق ساحته المقدسة الندم في أي من الحالين .
وأي صلاح في محمد بن طلحة ؟ وقد شهر سيفه يحارب إمام المسلمين وقد أمر بنصرته والجهاد معه ، فحاله حال أبيه في الزيغ والنكوص عن السنن اللاحب . هذه حقيقة الامر لكن مهملجة الخلاف الوضاعين شاء‌وا أن يختلقوا ما يبرر أعمال الواثبين مع الهودج فقالوا ، ولكن أين ؟ وأين ؟ . . .
وكيف يصح عن مولانا أميرالمؤمنين ما اختلقوا عليه من قوله لمحمد بن حاطب ؟
وقد صدر عنه من فعل وقول قبل هذا الموقف وبعده ما يعرب عن رأيه في عثمان ، ولا يصدق
الخبر الخبر ، راجع ما مر في هذا الجزء ص 69 - 77 ، وفي الجزء الثامن ص 287 ، 298 ، 300 ، 301 ط 2 ، وفي الجزء السابع ص 81 ط 2 .
وهل تساعد سيرة الرجل أن يراه أميرالمؤمنين من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا . الآية . وهي التي أركبته النهابير ، وسقته كأس المنية ، وكانت تخالف الكتاب والسنة ، والصحابة الاولون وفي مقدمهم سيدنا الامام عليه السلام كانوا مطبقين عن النكير والنقمة عليها ، ولاجلها تمخضت البلاد عليه ، وهى التي أقعدت الصحابة عن نصرته والذب عنه ، وهي التي زحزحت الامة الصالحة عن تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ، وهي التي دفنته في مقابر اليهود بعد مابقي جثمانه في مزبلة أياما وليالي تمر به عواصف الذل والهوان والملا الديني ينظر إليه من كثب ، والناس قد بايع أميرالمؤمنين عليا عليه السلام وبيده مقاليد الامور يسمع قوله ويطاع ، وهو الذي يتحمس لامر ما ، يراه الناس هينا وهو عنده عظيم ، فيعاتب أصحابه ويقول في خطبته له : لقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والاخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها ( 1 ) ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا
(هامش ) * ( 1 ) القلب : السوار . الرعاث جمع رعثة بالفتح : القرط . [ * ]
وافرين ، ما نال رجلا منهم كلهم ، ولا اريق لهم دم ، فلو أن إمرء مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا ( 1 ) هذا أميرالمؤمنين وهذا مبلغ غيرته على الاسلام وأهله ولكن :
وابن عفان حوله لم يجهز - ه ولا كف عنه كف أذاها
لست أدري أكان ذلك مقتا * من علي ؟ أم عفة ونزاها ؟
فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيظلك عن سبيل الله . ولئن اتبعت أهواء‌هم بعد ما جاء‌ك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق .
17 - أخرج ابن أبي الدنيا من طريق فرج بن فضالة الدمشقي عن مروان بن أبي امية عن عبدالله بن سلام قال : أتيت عثمان لا سلم عليه وهو محصور فدخلت عليه فقال :
مرحبا بأخي ، مرحبا بأخي ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة في هذه - الخوخة قال : و خوخة في البيت - فقال : يا عثمان ! حصروك ؟ قلت : نعم . قال : عطشوك ؟ قلت : نعم ،
فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى اني لاجد برده بين ثديي وبين كتفي وقال لي : إن شئت نصرت عليهم ، وإن شئت أفطرت عندنا ، فاخترت أن أفطر عنده ، فقتل ذلك اليوم ( 2 (
قال الاميني : هذه السفسطة من آفات فرج بن فضالة الدمشقي قال أحمد : يحدث عن الثقات أحاديث مناكير . وقال ابن معين : ضعيف الحديث . وقال ابن المديني : ضعيف لا احدث عنه . وقال البخاري ومسلم : منكر الحديث . وقال النسائي : ضعيف
وقال أبوحاتم : لا يحتج به . وقال أبوأحمد : حديثه ليس بالقائم . وقال الدار قطني :
ضعيف الحديث . وذكر البرقاني حديثا للدار قطني من طريق فرج بن فضالة فقال :
الدار قطني : هذا باطل . فقال البرقاني : من جهة الفرج ؟ قال : نعم . وقال عبدالرحمن ابن مهدي : حدث بأحاديث منكرة مقلوبة . وقال الساجي : ضعيف الحديث . وقال الخطيب : لا يغتر أحد بالحكاية المروية في توثيقه عن ابن مهدي فانها من رواية
سليمان بن أحمد وهو الواسطي وهو كذاب ، وقد قال البخاري : تركه ابن مهدي . و
(هامش ) * ( 1 ) نهج البلاغة 1 : 69 .
( 2 ) الانساب للبلاذرى5: 82 ، تاريخ ابن كثير7 : 182 ، الرياض النضرة 2 : 127 . [* ]
قال ابن حبان : فرج بن فضالة يقلب الاسانيد ويلزق المتون الواهية بالاسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به . وقال الحاكم : هو ممن لا يحتج به ( 1 )
هذا فرج بن فضالة وأما شيخه مروان فلست أدري أي هي بن بي هو ( 2 ) لم أقف في المعاجم على ترجمته ولم أجد له ذكرا لا في مشايخ ابن فضالة ولا فيمن يروي عن ابن سلام ، ولعله لم يولد بعدوكم في سلسلة أسانيد الفضائل أمثاله من اناس لا تعرفهم ام الدنيا ، وما صورهم فلم التصوير ، وإنما اختلق أسمائهم الغلو في الفضائل .
ولست أدري هل أسر عثمان بهذه المكرمة إلى ابن سلام فحسب ؟ أو أخبربها هو أو ابن سلام جمهور الصحابة فوجدوها رؤيا لا تنهض للحجة ، أو بلغتهم حينما مس الحزام الطبيين ، وبلغ السيل الزبى ، واتسع الخرق على الراقع ، حينما فاتت الخليفة نهزة الحجاج ، وتمت عليه الحجة وأصبح محجوجا ، والامة مجتمعة على مقته ، و قطع اصول حياته وهي لا تجتمع على خطأ . وفي الرواية موقع نظرأيضا من ناحية صوم عثمان عند من أرخ قتله بثاني أيام التشريق - كما في رواية أبي عثمان النهدي في أنساب البلاذري 5 : 86 ، وقد رواه الواقدي أيضا ، واختاره المبرد في " الكامل " 2 : 241 ، وذكره أبوعمر في " الاستيعاب " 2 : 477 ، وابن الجوزي في صفة الصفوة 1 : 117 ، وابن حجر الهيثمي في الصواعق ص 66 ، والعسقلاني في تهذيب التهذيب 7 : 141 ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 109
والدياربكري في تاريخ الخميس 2 : 258 ، 264 ، ومن مؤلفي اليوم الاستاذ علي فكري
في أحسن القصص 3 : 164 وذلك ان الصوم في أيام التشريق محظور عند القوم ، و
هو قول أبي حنيفة والشافعي وعند مالك لغير المتمتع ( 3 ) وقال ابن العماد الحنبلي في
الشذرات 1 : 41 : قوله : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : وتفطر عندنا . معناه أول شئ تستعمله على الريق يكون عندنا لا انه فطر صائم إذ لم يكن يومئذ صائما ، فإن يوم قتله كان ثاني أيام التشريق ولا يجوز صومه . اه‍ .
(هامش ) * ( 1 ) تهذيب التهذيب 8 : 260 - 262 .
( 2 ) يقال : هى بن بى . أو : هيان بن بيان . أى مجهول لا يعرف هو ولا ابوه .
( 3 ) المحلى لابن حزم 7 : 28 ، نيل الاوطار 4 : 353 . [ * ]
وهذا التأويل يخالف ما أثنى به المؤرخون على عثمان من انه كان يوم قتله صائما ، وهو من المتسالم عليه عند القوم سلفا وخلفا حتى اليوم كما ذكره الاستاذ علي فكري في أحسن القصص 3 : 164 . ويضاد أيضا صريح ما أخرجه ابن كثير في تاريخه 7 : 182 من طريق ابن عمر عن عثمان قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال : يا عثمان ! افطر عندنا . فأصبح صائما وقتل من يومه .
وكذلك لا يلتئم هو وما أخرجه الهيثم بن كليب بالاسناد عن نائلة بنت الفرافصة " إمرأة عثمان " قالت : لما حصر عثمان ظل اليوم الذي كان فيه قتله صائما ، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه ، وقالوا : دونك ذلك الركي - وركي في الدار الذي يلقى فيه النتن - قالت : فلم يفطر فرأيت جارا على أحاجير متواصلة - وذلك في السحر - فسألت الماء العذب . فأعطوني كوزا من ماء فأتيته فقلت : هذا ماء عذب أتيتك به ، قالت : فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال : إني أصبحت صائما ، قالت فقلت : ومن أين ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب ؟ فقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال : اشرب يا عثمان ! فشربت حتى رويت ثم قال : ازدد فشربت حتى نهلت ، ثم قال : أما إن القوم سينكرون عليك فإن قاتلتهم ظفرت ، وإن تركتهم أفطرت عندنا . قالت : فدخلوا عليه من يومه فقتلوه ( 1(
نعم : إن الحديثين لا يعول عليهما أيضا لما في إسنادهما من داعية إلى الارجاء يبغض أهل بيت نبيه ، ومن مجهول منكر لايعرف ، ومن متحامل على أميرالمؤمنين من الفئة الباغية ، فالحديثان كرواية ابن أبي الدنيا باطلان ، وما ذهب إليه القوم من أن الرجل كان يوم قتله صائما منقبة مفتعلة لا تصح لاستنادهم فيها إلى تلكم الاباطيل التي اختلقتها يد الغلو في الفضائل .
18 ـ أخرج الحاكم وابن عساكر وغيرهما من طريق محمد بن يونس الكديمي أبي العباس البصري ، عن هارون بن إسماعيل الخزاز أبي الحسن البصري ، عن قرة ابن خالد السدوسي البصري ، قال : سمع الحسن البصري عن قيس بن عباد البصري قال :
شهدت عليا رضي الله عنه يوم الجمل يقول كذا : أللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ،
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ ابن كثير البداية والنهاية 7 : 183 . [ * ]
ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي وأرادوني على البيعة فقلت : والله إني لاستحيي من الله أن ابايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أستحيي ممن
تستحيي منه الملائكة . وإني لاستحيي من الله أن ابايع وعثمان قتيل على الارض لم يدفن بعد ، فانصرفوا فلما دفن رجع الناس إلي فسألوني البيعة فقلت : أللهم إني مشفق لما اقدم عليه ثم جاء‌ت عزيمة فبايعت فلقد قالوا : يا أميرالمؤمنين ! فكأنما صدع قلبي ، فقلت : أللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى .
وفي لفظ ابن كثير : فلما قالوا : أميرالمؤمنين . كان صدع قلبي وأمسكت ( 1 )
قال الاميني : ألا تعجب من الحاكم يذكر مثل هذه الاضحوكة ويعدها مما استدرك به على الصحيحين ويمر بما فيها من اللغو كريما ، ولعل الذهبي عرف بطلانها غير انه لما وجدها في منقبة عثمان سكت عنها نهائيا ولم يلخصها ولم ينبس فيها ببنت شفة ، ويدخر ما في علبة علمه أو في كنانة جهله إلى تزييف حديث " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وأمثاله من الصحيح الوارد في فضائل مولانا أميرالمؤمنين فيجابهها بكل جلبة ولغط ، ولا تقصر عن أشواطهما خطى ابن كثير في تاريخه فيستند إليها مستدلا على ما يرومه من دحض الحق وترصيف الباطل ، ونحن أسلفنا في الجزء الخامس ص 266 ط 2 في سلسلة الكذابين والوضاعين نزرا من أقوال الحافظ في جرح محمد بن يونس الكديمي
وانه كان يضع الحديث على النبي صلى الله عليه وآله وقد وضع أكثر من ألف حديث وهاهنا نبسط القول فيها :
قال الآجري : سمعت أبا داود ابن الاشعث يتكلم في محمد بن سنان وفي محمد بن يونس يطلق فيهما الكذب . وقال ابن التمار : ما أظهر أبوداود السجستاني تكذيب أحد إلا في رجلين : الكديمي وغلام خليل . وقال أبوسهل القطان : كان موسى بن هارون
ينهي الناس عن السماع من الكديمي ويقول : قد تقرب إلي بأني كتبت عن أبيك في مجلس محمد بن القاسم الاسدي وما حدث أبي قط عن محمد بن القاسم الاسدي . و عن موسى بن هارون انه كان يقول وهو متعلق بأستار الكعبة : أللهم إني اشهدك ان الكديمي كذاب يضع الحديث . وقال الشاذ كوني : الكديمي وأخو الكديمي وابن
(هامش ) * ( 1 ) مستدرك الحاكم 3 : 103 ، تاريخ ابن كثير 7 : 193 . [ * ]
الكديمي بيت الكذب . وقال أبوبكر الهاشمي : كنا يوما عند القاسم المطرز وكان يقرأ علينا مسند أبي هريرة فمر في كتابه حديث عن الكديمي فامتنع عن قراء‌ته فقام إليه محمد بن عبدالجبار - وكان قد أكثر عن الكديمي - فقال : أيها الشيخ احب أن تقرأه فأبى وقال : أنا أحاسبه بين يدي الله يوم القيامة وأقول : إن هذا كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى العلماء . وقال الدار قطني : الكديمي يتهم بوضع الحديث وقال : ما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله . وقال ابن حبان : كان يضع الحديث لعله قد وضع على الثقات أكثر من ألف حديث . وقال ابن عدي : قد اتهم بالوضع وادعى الرواية عمن لم يرهم ، ترك عامة مشايخنا الرواية عنه ، ومن حدث عنه نسبه إلى جده لئلا يعرف ( 1 ) وقال ابن عدي أيضا : روى الكديمي عن أبي هريرة عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر حديثا باطلا ، وكان مع وضعه الحديث وادعائه مالم يسمع علق لنفسه شيوخا . وكان ابن صاعد وعبدالله بن محمد لا يمتنعان من الرواية عن كل ضعيف كتبا عنه إلا عن الكديمي فانهما كانا لا يرويان عنه لكثرة مناكيره ، ولو ذكرت كلما
أنكر عليه وادعائه ووضعه لطال ذلك . وقال الحاكم أبوأحمد : الكديمي ذاهب الحديث تركه ابن صاعد وابن عقدة وسمع منه خزيمة ولم يحدث عنه ، وقد حفظ فيه سوء القول عن غير واحد من أئمة الحديث ( 2 )
وذكر السيوطي في اللئالي المصنوعة عدة أحاديث في شتى الابحاث من طريق الكديمي فحكى فيها عن الحفاظ الحكم بوضعها وقولهم : إن آفتها الكديمي وانه كذاب وضاع . وكأنه نسي كل ما ذكر هنالك فأورد هذه الاكذوبة في تاريخ الخلفاء ص 110 محذوفة الاسناد وقال : أخرجه الحاكم وصححه . ألم تكن تلك الاقوال الجارحة في الكديمي نصب عينه عند عد فضائل عثمان ؟ أم أن فضائل الرجل لها حساب آخر يسوغ الغلوفيها كل كذب واختلاق ؟ على أن الحاكم سكت عن هذه الاكذوبة ولم يصححها فنسبة التصحيح إليه لمحض إخراجه إياها في مستدرك الصحيحين وإلا فلا صراحة فيه بالتصحيح .
(هامش ) * ( 1 ) كما ان الحاكم يعرفه بالقرشى ولم يذكر نسبته إلى الكديم لئلا يعرف .
( 2 ) راجع تهذيب التهذيب 9 : 539 ، والمصادر التى مرت في ج 5 : 266 ط 2 . [ * ]
وبعد هذه كلها فان المعلوم من نظرية مولانا أميرالمؤمنين في عثمان كآراء بقية الصحابة فيه يفند نسبة هذه الاقاويل المختلقة إليه ، أليس من المضحك ما ينسب إليه صلوات الله عليه من قول : ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان . . الخ ؟ ليته عليه السلام بدل هذه الكلمة كان يخطو خطوة في التحفظ على حرمة الرجل وكرامته ، ويأمر ولده وذويه بتجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ، وليته كان يقيم له مأتما ويأبنه ويذكره بالخير بعد ما تسنم منصة الخلافة ، أو كان يحضر عند تربته ويقوم على قبره ويقرأ له الفاتحة ويأتي بسنة الله التي جاء‌ت في زيارة قبور المسلمين ، وأي مسلم لم تكن له معاظم واجبة المراعاة ( 1 )
وليته كان يسكت عنه يوم قام به وقعد ( 2 ) وقال على رؤس الاشهاد : قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته .
وقال في اليوم الثاني من بيعته في خطبة له : ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان ، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال ، فإن الحق القديم لا يبطله شئ ولو وجدته قد تزوج به النساء ، وفرق في البلدان ، لرددته إلى حاله . الخ .
وليته كان لم يجابهه بقوله : ما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعقلك ، وإن مثلك مثل الظعينة سار حيث سار به .
وليته كان لم يكتب إلى المصريين بقوله : إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه وذهب بحقه ، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر ، والمقيم الظاعن ، فلا معروف يستراح إليه ، ولا منكر يتناهى عنه .
وليته كان لم يقل : ما أحببت قتله ولا كرهته ، ولا أمرت به ولا نهيت عنه . أو
كان لم يقل : ما أمرت ولا نهيت ، ولا سرني ولا ساء‌ني .
وليته كان لم يخطب بقوله : من نصره لا يستطيع أن يقول : خذله من أنا خير منه ،
ومن خذله لا يستطيع أن يقول : نصره من هو خير مني .
(هامش ) * ( 1 ) بقال له : معاظم واجبة المراعاة . أى حقوقا مستعظمة .
( 2 ) يقال : قام به وقعد : اى نشر عنه اخبار السوء . [ * ]
وليته كان لم ينفر أصحابه إلى قتال طالبي دم عثمان بقوله على صهوة المنبر : يا أبناء المهاجرين انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا . الخ .
وليته لما قال له حبيب وشرحبيل : أتشهد أن عثمان قتل مظلوما . كان لم يجب بقوله : لا أقول بذلك ( 1 ) وليته وليته . .
والعجب كل العجب من قول علي صلوات الله عليه " فلما قالوا : أميرالمؤمنين صدع قلبي " لماذا صدع قلبه صلوات الله عليه ولم تكن لهذه التسمية جدة ؟ وإنما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك وحكاه عن الله تعالى وعن جبرئيل عليه السلام وما صدع قلبه يوم ذاك ،
فعلي من أول يومه هو أميرالمؤمنين بنص من الصادع الامين ، وما أنزل الله آية فيها
يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي رأسها وأميرها ( 2 )
19 ـ أخرج ابن سعد في الطبقات 3 : 47 ط ليدن عن محمد بن عمر عن عمرو بن عبدالله بن عنبسة بن عمرو بن عثمان عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان عن ابن لبيبة
قال : إن عثمان بن عفان لما حصر أشرف عليهم من كوة في الطمار فقال : أفيكم طلحة ؟ قالوا : نعم . قال : انشدك الله هل تعلم أنه لما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار آخى بينه وبين نفسه ؟ فقال طلحة : أللهم نعم . فقيل لطلحة في ذلك
فقال : نشدني وأمر رأيته ألا أشهد به ؟
رجال الاسناد :
1 ـ محمد بن عمر . هو الواقدي ، راجع ترجمته في ميزان الاعتدال 3 : 110 .
2 ـ عمرو بن عبدالله الاموي حفيد عثمان ، لم أجد له ذكرا في المعاجم ، ولعل فيه تدليس .
3 ـ محمد بن عبدالله الاموي حفيد عثمان ، قال البخاري : عنده عجائب ، وقال ابن الجارود : لايكاد يتابع على حديثه . وقال النسائي مرة : ثقة . واخرى : ليس بالقوي . راجع تهذيب التهذيب 9 : 268 .
4 ـ ابن لبيبة ويقال : ابن أبي لبيبة محمد بن عبدالرحمن . قال ابن معين : ليس
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في ج 7 : 81 ، وج 8 : 287 ، وج 9 : 69 ، 70 ، 72 ، 74 ، 172 ، 174 .
( 2 ) رأجع ما اسلفناه في الجزء الثامن ص 87 ، 89 ط 2 . [ * ]
حديثه بشئ . وقال الدار قطني : ضعيف . وقال آخر ليس : بالقوي ( 1 ) على أن ابن لبيبة لم يشهد حصر عثمان ولم يرو عن صحابي فحديثه عن عثمان وعلي وسعد مرسل ، يروي عن سعيد بن المسيب و عبدالله بن عمرو بن عثمان وطبقتهما ، فالرواية مرسلة ، وابن سعد جد عليم بأن مثل هذه المفتعلة لا يخفى بطلانه على أي أحد سواء أرسله أو أسنده .
وهلا يعلم مفتعل هذه الاضحوكة ان أئمة الحديث وحفاظه ورجال التاريخ أصفقت على أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يتخذ لنفسه أخا يوم المؤاخاة بين المهاجرين والانصار إلا ابن عمه علي بن أبي طالب ؟ وهذا الذي يقتضيه الاعتبار بعد ما نص الكتاب العزيز على أن عليا سلام الله عليه نفس النبي الاقدس . وإنهما من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وإن ولاية علي مقرونة بولاية الله ورسوله ( 2 )
وبعد ما ثبت انه سلام الله عليه صنو النبي الاعظم في الفضائل ، وشاكلته في النفسيات ، ورديفه في الملكات الفاضلة ، ونظيره من امته كما جاء عنه صلى الله عليه وآله سلم ( 3 ) وهو
منه صلى الله عليه وآله بمنزله رأسه من بدنه نصا منه صلى الله عليه وآله ( 4 ) وهو منه صلى الله عليه وآله بمنزلته من ربه
كما ورد عن أبي بكر مرفوعا ( 5 ) وهما من شجرة واحدة وساير الناس من شجر شتى كما روي عنه صلى الله عليه وآله ( 6 ) وهو الذي ثبت فيه قوله صلى الله عليه وآله : أنت مني وأنا منك ( 7 ) وهو
الذي أنزله صلى الله عليه وآله من نفسه بمنزلة هارون من موسى ولم يستثن له مما اختصه الله
به إلا النبوة ( 8 )
(هامش ) * ( 1 ) ميزان الاعتدال 3 : 89 ، تهذيب التهذيب 9 : 301 .
( 2 ) راجع ما مر في ج 2 : 47 ، وج 3 : 156 167 ط 2 .
( 3 ) الرياض النضرة 2 : 164 .
( 4 ) تاريخ الخطيب البغدادى 7 : 12 ، الرياض النضرة 2 : 162 ، مصباح الظلام للدمياطى
2 : 56 .
( 5 ) الرياض النضرة 2 : 163 .
( 6 ) سيوافيك حديثه انشاء‌الله تعالى بألفاظه ومصادره .
( 7 ) صحيح البخارى كتاب المناقب 5 : 219 ، مسند أحمد 5 : 204 ، 356 ، صحيح الترمذى في المناقب 2 ، 213 ، خصائص النسائي ص 20 ، 24 ، 36 ، تاريخ الخطيب 4 : 140 ، وراجع ما مضى في الجزء السادس 338 - 350 ط 2 .
( 8 ) حديث المنزلة أخرجه أئمة الحديث بطرق صحيحة في الصحاح والمسانيد . [ * ]
لقد أدينا البحث عن حديث المؤاخاة حقه في الجزء الثالث ص 112 - 125 وذكرنا هنالك خمسين حديثا مما وقفنا عليه من أحاديث الاخاء الثابت بين النبي الاعظم و أخيه أميرالمؤمنين ، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله قوله : أنت أخي في الدنيا والآخرة . من طريق عمر وأنس وابن أبي أو في وابن عباس ومحدوج بن زيد الذهلي وجابر بن عبدالله و عامر بن ربيعة وأبي ذر وغيرهم .
إنما فدحت هذه المأثرة أهل الاهواء كبقية مآثر الامام صلوات الله عليه فوضعوا تجاها اكذوبة في أبي بكر وانه هو أخو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ( 1 ) واخرى في عثمان و إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم آخى بينه وبين نفسه . وثالثة في علي عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عثمان ( 2 ) ورواة السوء يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين أبي بكر و بين عمر في المؤاخاة الاولى بمكة ( 3 ) وبينه وبين خارجة بن زيد الانصاري في المؤاخاة بين المهاجرين والانصار بالمدينة ( 4 ) وآخر بين عثمان وبين عبدالرحمن بن عوف في المؤاخاة بمكة (5) وبينه وبين أوس بن ثابت يوم المؤاخاة بالمدينة(6)
فعثمان قط لا ينشد بالمكذوب ، وطلحة لا يدعي رؤية ما لم يره ، ولايشهد بخلاف ما شاهده وعاينه ، إن كانا من عدول الصحابة صدقا ، ومن المبشرين بالجنة حقا ، وأنت تعرف حكم هذه الدعاوي من الصحيح الثابت عن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام انه كان يقول : أنا عبدالله وأخو رسوله لا يقولها أحد غيري إلا كذاب . قال ابن كثير في تاريخه 7 : 335 : وقد جاء من غير وجه . وقال ابن حجر : رويناه من وجوه ( 7 ) و
(هامش ) * ( 1 ) راجع ج 3 من كتابنا هذا ص 111 ، والاصابة 1 : 35 وضعفه .
( 2 ) الرياض النضرة 1 : 17 .
( 3 ) راجع تاريخ ابن عساكر 6 : 90 ، اسد الغابة 2 : 221 ، عيون الاثر 1 : 199 ،
الرياض النضرة 1 : 15 ، 17 ، فتح البارى 7 : 217 .
( 4 ) راجع سيرة ابن هشام 2 : 124 ، تاريخ ابن كثير 3 : 226 ، عيون الاثر 1 : 201 ،
الرياض النضرة 1 : 16 ، فتح البارى 7 : 216 ، 218 .
( 5 ) راجع تاريخ ابن عساكر 6 : 90 ، عيون الاثر 1 : 199 ، الرياض النضرة 1 : 15 ، 17 ، فتح البارى 7 : 218 .
( 6 ) راجع سيرة ابن هشام 2 : 125 ، تاريخ ابن كثير 3 : 227 ، عيون الاثر 1 : 201 ،
الرياض النضرة 1 : 61 .
( 7 ) تهذيب التهذيب 7 : 337 ، وراجع ج 3 من كتابنا هذا ص 121 . [ * ]
كان قول أمير المؤمنين هذا أخذا بما قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من قوله : أنت أخي وأنا أخوك فإن ناكرك أحد - وفي لفظ فإن حاجك - أحد فقل : أنا عبدالله وأخو رسول الله لا يدعيها بعدك إلا كذاب ( 1 )
وأول من فتح باب التجري بمصراعيه على هذه الفضيلة الرابية هو عمر بن الخطاب يوم قادوا صاحب الفضيلة إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش ، وقال : إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذن والله الذي لاإله إلا هو نضرب عنقك . قال : إذن تقتلون عبدالله وأخا رسوله . قال عمر : أما عبدالله فنعم وأما أخو رسوله فلا ( 2 )
أنا لست أخدش العواطف بالاعراب عن حكم إنكار عمر الاخوة الثابتة بتلكم النصوص الصريحة الاكيدة وقد سمعها هو من الصادع الكريم في ذلك اليوم المشهود غير أني جد عليم بأن حجاج مولانا أميرالمؤمنين كان أخذا بما مر قبيل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله : فإن ناكرك أحد فقل : أنا عبدالله وأخو رسول الله . وهل قرع هذا سمع عمر أيضا وجابهه مع ذلك بالشدة في النكير عليه ؟ أنا لا أدري ، فإن جاء‌وك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين " المائدة 42 " .
20 ـ أخرج ابن عدي من طريق مصعب بن سعيد المصيصي عن عيسى بن يونس عن وائل بن داود عن البهي عن الزبير رضي الله عنه مرفوعا : لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرا إلا قاتل عثمان فإن لم يفعلوا فابشروا بذبح مثل ذبح الشاة .
قال الاميني : ذكره الذهبي في الميزان 3 : 173 مع حديثين من طريق مصعب ابن سعيد فقال : ما هذه إلا مناكير وبلايا .
وقال ابن عدي : يحدث مصعب عن الثقات بالمناكير ويصحف وهو حراني ( 3 )
نزل المعصيصة ( 4 ) وله غير ماذكر والضعف على رواياته بين . وقال ابن حبان : كان
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث ص 115 ط 2 .
( 2 ) راجع ما مضى في الجزء السابع ص 78 .
( 3 ) حران : قرية من قرى حلب .
( 4 ) مدينة على شاطئ جيحان من تغور الشام بين انطاكية وبلاد الروم . [ * ]
مدلسا . وقال صالح بن جزرة : شيخ ضرير لايدري ما يقول ( 1 )
وفي الاسناد عيسي بن يونس قال الدارقطني : مجهول . والبهي هو عبدالله أبومحمد مولى مصعب بن الزبير ولا يصح روايته عن الزبير بل يروي عن عبدالله بن الزبير ، وقال أبوحاتم في العلل : لا يحتج بالبهي وهو مضطرب الحديث .
21 ـ أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1 : 57 من طريق حامد بن آدم المروزي عن عبدالله بن المبارك عن سفيان عن عثمان بن غياث البصري عن أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الاشعري قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط من تلك الحوائط إذ جاء رجل فاستفتح الباب فقال : افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه . فإذا هو عثمان فأخبرته فقال : الله المستعان .
قال الاميني : هلا يعرف أبونعيم مفتعل هذه الاكذوبة حامد بن آدم ؟ أو يعرفه بعجره وبجره غير أن الغلو في الفضائل يسوغ له ولقومه رواية كل كذب مختلق في فضائل المستخلفين بالانتخاب الدستوري الذي لم تره عين الدنيا صحيحا قط .
أنى يخفى على مثل أبي نعيم ان حامد بن آدم كذ به الجوزجاني وابن عدي ، وعده أحمد بن علي السليماني فيمن اشتهر بوضع الحديث . وقال أبوداود السبخي : قلت لابن معين : عندنا شيخ يقال له : حامد بن آدم . الخ . فقال : هذا كذاب لعنه الله ( 2 )
على أن عثمان لو كان مبشرا بالجنة ومصدقا بوعد النبي الاقدس لما كان في نفسه خيفة من أن يكون هو ذلك الملحد بمكة الذي أخبر صلى الله عليه واله وسلم بأن عليه عذاب نصف أهل الارض كما مر في صحيحة أحمد . وأعجب من هذا مهزأة جاء بها الخطيب ألا وهي :
22 ـ أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه 8 : 157 من طريق الحسين بن حميد ابن موسى العكي قال : حدثنا حماد بن المبارك البغدادي قال : حدثنا إسماعيل بن أمية عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال : ما صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر قط إلا قال : عثمان في الجنة . قال : قال الدارقطني : كذا قال حماد بن المبارك عن عبدالله بن ميمون عن إسماعيل بن أمية عن ابن جريج ، وهذا الحديث إنما يعرف من رواية إسماعيل بن يحيى بن عبيدالله التيمي
(هامش ) * ( 1 ) لسان الميزان 6 : 43 .
( 2 ) ميزان الاعتدال 1 : 208 ، لسان الميزان 2 : 163 . [ * ]
عن ابن جريج والله أعلم . وقال الذهبي في الميزان 1 : 281 : خبر غير صحيح . راجع لسان الميزان 2 : 353 .
قال الاميني : لاتعجب من الخطيب يذكر مثل هذه السفسطة بهذا الاسناد الوعر ولم ينبس ببنت شفة ، ولم يعرب عن حال رجاله عادته في فضائل كل من أعماه حبه وأصمه ، وأنت تجد نقضه وإبرامه ، وجرحه وتعديله ، وتصويبه وتصعيده في مناقب آل الله صلوات الله عليهم .
أيخفى على مثل الخطيب قول مسلمة بن قاسم في الحسين العكي : إنه مجهول ؟ أم لا يهمه وجود حماد بن المبارك في الاسناد ؟ وهو المجهول الذي لايعرف ( 1 ) أم عزب عنه قول البخاري في عبدالله بن ميمون : إنه ذاهب الحديث ؟ وقول أبي زرعة : إنه واهي الحديث ؟ وقول أبي حاتم والترمذي : إنه منكر الحديث ؟ وقول ابن عدى : إن عامة مايرويه لايتابع عليه ؟ وقول النسائي : انه ضعيف ؟ وقول أبي حاتم أيضا : يروي عن الاثبات الملزقات ، لايجوز الاحتجاج به إذا انفرد ؟ وقول الحاكم : إنه يروي أحاديث موضوعة ؟ وقول أبي نعيم : انه روى المناكير ؟ ( 2)
أم لايروق الخطيب الجرح في اسماعيل بن امية العبشمي الاموي وهو ابن عم عثمان وقد جاء بالرواية مختلقة في ابن عمه الخليفة ؟ أم لا ينبهه ما حكاه عن الدارقطني إلى أن اسماعيل لايروي عن ابن جريج ؟ وإنما الراوي إسماعيل بن يحيى التيمي .
أم أراد حفظ سمعة الصديق أبي بكر في حفيده اسماعيل بن يحيى التيمي ( 3 ) والستر على قول صالح بن جزرة فيه : إنه كان يضع الحديث . وقول الازدي : انه ركن من أركان الكذب لاتحل الرواية عنه . وقول أبي علي النيسابوري والدارقطني والحاكم إنه كذاب . وقول الحاكم : روى أحاديث موضوعة . وقول الدارقطني : إنه كان يكذب على مالك والثوري وغيرهما . وقول ابن حبان : انه كان يروي الموضوعات عن الثقات لاتحل الرواية عنه بحال ؟ ( 4 )
(هامش ) * ( 1 ) ميزان الاعتدال 1 : 281 ، لسان الميزان 2 : 353 .
( 2 ) تهذيب التهذيب 6 : 49 .
( 3 ) اسماعيل بن يحيى بن عبيدالله بن طلحة بن عبدالرحمن بن أبى بكر بن أبى قحافة .
( 4 ) ميزان الاعتدال 1 : 117 ، لسان الميزان 1 : 442 . [ * ]
نعم : هذه كلها بين يدي الخطيب غير أن الغلو في الفضائل أبكمه فبكم ( 1 )
وذكر الذهبي هذه الرواية في " ميزان الاعتدال " في ترجمة حماد بن المبارك ، وقال :
خبر غير صحيح .
ولو كان لهذا الخيال مقيل من الصحة لاستدعى أن يكون ما اختلق فيه من كون عثمان في الجنة أهم ما صدع به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من المعارف والاحكام والحكم فإنا لم نجد ولا وجد واجد شيئا منها يهتم صلى الله عليه واله وسلم له هذا الاهتمام ويصدع به على كل منبر صعده ، نعم كان يكرر بعض ما يصدع به في عدة مقامات للكشف عن أهميته غير انها مما تعده الانامل ، حتى أن الصلاة التي هي عماد الدين لم يكررها هذا التكرار الممل .
وليت شعري هل كون عثمان في الجنة من أصول الدين وأسس الاسلام التي لاتتم الشريعة إلا بها فطفق صلى الله عليه واله وسلم يبالغ في تبليغه هذه المبالغة في كل حين ؟ فهل هو حكم شرعي ؟ أو حكمة بالغة ؟ أو ملكة فاضلة ؟ أو ناموس إلهي يستحق هذا التأكيد والاصرار ؟
ثم لوكان عثمان من المؤمنين لكفاه تبشير الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة الجمة لهم بالجنة ، فما الحاجة إلى هذا التهالك في تخصيصه بالذكر تهالكا لم يشاهد له نظير في شئ مما بلغه صلى الله عليه واله وسلم عن ربه ؟ على أنه لو كان صلى الله عليه واله وسلم مرتكبا ذلك لوجب أن يسمعه منه جميع الصحابة حتى من حظي بالاصاخة إلى قيله ولو مرة واحدة طليلة حياته ، ووجب أن يتواتر الحديث منه صلى الله عليه واله وسلم فلا يختص بعزوه المختلق جابر ، ولم يك يسنده عنه أناس دجالون ، وإن من أهم تلكم المنابر منبر يوم الغدير وقد حضره مائة ألف أو يزيدون ، فهل سمع أحد من أحدهم من الاعالي والساقة يحدث انه صلى الله عليه واله وسلم هتف عليه بأن عثمان في الجنة ؟ و هذه خطب النبي الاعظم هل تجد في شئ منها عما تقولوه حسيسا أو تسمع منه ركزا ؟ وهل هؤلاء الصحابة البالغون مئات الالوف الذين سمعوا هذا المقال ووعوه تركوه وراء ظهورهم يوم الدار ؟
(هامش ) * ( 1 ) بكم بكامة : سكت تعمدا . [ * ]
يوم قالوا له : والله أحل الله دمك ( 1 ) يوم كتبوا إليه يدعونه إلى التوبة وحاجوه وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه ( 2 ) يوم سلم عليهم فما سمع أحدا من الناس يرد عليه ، وكان فيهم من عمد الصحابة من فيهم ( 3 ) يوم رفعت أمهم عقيرتها وهي تقول : اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر ، إلى أيام قصصنا عليك حوادثها ، أو انهم كلهم نسوه فنالوا من الرجل ما نالوا ؟ وهل حصل لهم مذكر من عند أنفسهم فلم يوافقوه على السماع ؟ أولم يعيروا له أذنا مصغية ؟ هذا وهم عدول ، وان ممن سمع بطبع الحال هاتيك الكلمة نفس عثمان فلماذا كان يخاف من القفول إلى مكة حذارأن يكون هو الذي سمع فيه عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مامر من أنه يلحد بمكة رجل عليه عذاب نصف أهل الارض ؟
23 ـ ذكر ابن كثير في تاريخه عند عد مناقب عثمان عن إسماعيل بن عبدالملك عن عبدالله بن أبي مليكة عن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يديه حتى يبدو ضبعيه إلا لعثمان بن عفان إذا دعا له .
قال الاميني : حذف ابن كثير وغيره ممن ذكر هذه المهزأة إسنادها وأرسلوها إرسال المسلم ذاهلين عن أن في ذكر إسماعيل بن عبدالملك كفاية من عرفان بقية رجاله قال ابن عمار وأبوداود : ضعيف . وقال ابن الجارود وابن معين والنسائي وأبوحاتم : ليس بالقوي . وقال عبدالرحمن بن مهدي : أضرب على حديثه . وقال الفلاس وأبوموسى : كان عبدالرحمن ويحيى لا يحدثان عنه . وقال ابن حبان : كان يقلب ما يروي ( 4 )
وأنا لا أدري أن عائشة متى روت هذه الرواية ، قبل تكفيرها الرجل وتأليب الناس عليه ، ثم نسيتها ؟ وسرعان ما تنسى أم المؤمنين ما حفظته كما نسيت أقوال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لها في مناوئة أميرالمؤمنين علي عليه السلام وعن كلاب الحوأب ونباحها ، أم أنها روتها حين كانت تثير العواطف على عثمان وترهج عليه نقع الحروب حتى أوردته موارد الهلكة ؟
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الخميس 2 : 260 .
( 2 ) راجع ما مر في هذا الجزء ص 162 .
( 3 ) راجع ما اسلفنا في حديث طلحه بن عبيدالله ص 96 .
( 4 ) تهذيب التهذيب 1 : 316 . [ * ]
فاعجب إذن بالمناقضة بين روايتها وعملها دواليك وهي صحابية عادلة أم الصحابة العدول كما يزعمون . أم أنها أسندتها بعد تلكم المعامع ؟ بعد أن سول لها الناكثان النهضة للطلب بثاراته . فخرجا يجران حرمة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كما تجر الامة عند شرائها متوجهين
بها إلى البصرة ، فحبسا نساء‌هما في بيوتهما ، وأبرزا حبيس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن خدرها ( 1 )فثارت لتتدارك ذلك الحوب بما هو أكبر منه ، فخالفت القرآن الكريم فيما خص زوجات النبي صلى الله عليه واله وسلم بقوله : " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى " فكان من استقرارها في بيتها أن ركبت الجمل وقادت العساكر ، وباشرت الحرب بنفسها ، وعاشرت الرجال الاجانب ، ونبذت الكتاب وراء ظهرها ، ولم ترع لبعلها حرمة ولاكرامة وخالفت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في نواهيه المتعاقبة عن خصوص موقف الجمل كما مرت في الجزء الثالث ص 188 - 191 ط 2 ، وعن مطلق مناوء‌ة أميرالمؤمنين عليه السلام ومحاربته فيما روي عنه صلى الله عليه واله وسلم مستفيضا كما أسلفنا نزرا منه في ج 1 : 336 ، 337 وج 2 : 300 - 303 ، وج 3 : 26 ، 182 - 188 وج 4 : 322 - 325 ط 2 .
نعم خالفت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في وصاياه المؤكدة بوصيه الطاهر حتى جاء في حديث معمر : عائشة كانت لا تطيب نفسا لعلي بخير . وفي حديث آخر : لكنها لاتقدر على أن تذكره بخير ( 2 )
والحديث صحيح رجاله كلهم ثقات أخرجه أحمد في مسنده 6 : 228 من طريق معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عتبة ان عائشة أخبرته قالت : أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها فأذن له قالت : فخرج ويد له على الفضل بن عباس ، ويد على رجل آخر ، وهو يخط برجليه في الارض .
قال عبيدالله فحدثت به ابن عباس فقال : أتدرون من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة ؟ هو علي ، ولكن عائشة لاتطيب له نفسا .
وأخرجه البخاري في صحيحه في باب جد المريض أن يشهد الجماعة ، غير أنه
( هامش ) * ( 1 ) راجع ما مضى في هذا الجزء ص 106 .
( 2 ) فتح البارى 2 : 123 . [ * ]
حذف منه قول ابن عباس : " ولكن عائشة لاتطيب له نفسا " وهذا شأن البخاري في كل ما لا يروقه . نعم عائشة لاتقدر أن تسمي عليا وتذكره بخير ، غير أنها كانت تصيخ إلى من نال من على عليه السلام وتأنس بالوقيعة فيه ولا تنهى عنها كما في صحيحة رجالها كلهم ثقات أخرجها أحمد في مسنده 6 : 113 من طريق عطاء بن يسار قال : جاء رجل فوقع في علي وفي عمار رضي الله تعالى عنهما عند عائشة فقالت : أما علي فلست قائلة لك فيه شيئا ، وأما عمار فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما .
لم يا أماه لست قائلة شيئا في علي ؟ أما سمعت أذناك من بعلك حديثا واحدا في فضله مثل ما سمعت في عمار ؟ أما تجدين في كتاب الله مما نزل في علي ما يعادل حديثك في عمار ؟ وفضل علي عليه السلام على عمار كما قال حذيفة اليماني : فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد مابين التراب والسحاب ، وإن عمارا من الاخيار ( 1 )
لم يا أماه لاتكرهين أن يقذع عندك علي عليه السلام ، وأنت التي كنت كارهة أن يسب عندك حسان بن ثابت ؟ وقد أخبر بذلك عروة قال : كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول : إنه الذي قال :
فإن أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء ( 1 )
أما كانت عندك لمواقف علي المشكورة في مغازي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولمبيته
على فراشه ليلة هجرته من مكة وقد باهي الله به ملائكته ، قيمة وكرامة مقدار بيت شعر لحسان ؟ وحسان أنت أدرى به مني . اي يا أماه ؟ شنشنة أعرفها من أخزم ومن رشحات ما كانت تحمله أم المؤمنين بين جنبيها من الضغينة على أول المسلمين وأولاهم لهم بهم من أنفسهم قولها يوم سمعت بيعة الناس له : لوددت أن السماء إنطبقت على الارض إن تم هذا .
وخالفت العقيدة الراسخة من حرمة قتال خليفة الوقت ، وليتني علمت ماذا يكون
(هامش ) * ( 1 ) اخرجه ابن عساكر كما في كنزالعمال 7 : 73 .
( 2 ) راجع مسند أحمد 6 : 197 [ * ]
جواب أم المؤمنين لو أحفيت السؤال عن خطيئتها أيهما أعظم ؟ إجهازها على عثمان أم محاربتها الامام أميرالمؤمنين عليا عليه السلام ؟ غير أنها اليوم وقد كشف عنها الغطاء تجيب بأن الخطيئة كانت واحدة مرتكزة على سنام الجمل وتحت أستار الهودج ، وهل كانت روايتها هذه لتبرير عملها الاخير ؟ وقد جعلتها معذرة لها في ثورتها أو أنها اختلقت عليها فأخرجتها رواة السفاسف أو حملة الاضغان على البيت النبوي الطاهر ، أو سماسرة البيت الاموي الذين حاولوا نشر الفضيلة لهم ولو بالافائك ؟ وكانت أم المؤمنين عالمة جدا بأن قتل عثمان كان هينا عندالله ورسوله في جنب خروجها من عقر دارها كما قال لها جارية بن قدامة السعدي الصحابي : يا أم المؤمنين ؟ والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح ، إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة ، فهتكت سترك ، وأبحت حرمتك ، إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك ، إن كنت أتيتينا طائعة ؟ فارجعي إلى منزلك ، وإن كنت أتيتينا مستكرهة ؟ فاستعيني بالناس ( 1 )
ثم هل كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يدعو لعثمان بالثبات على الحق من إتباع الكتاب والسنة ؟ فلماذا لم يستجب ذلك الدعاء فخالفهما ؟ وظهر ذلك منه حتى عرفته عامة الصحابة فأنكروه عليه حتى قتلوه . أو أنه كان يدعو له بالتوفيق للتوبة ؟ فلماذا لم يوفق ؟ قكلما تاب رجع ، وكلما عهد حنث ، حتى عرف ذلك الثائرون عليه فلم يجدوا بدا من إعدامه .
أو أنه كان يدعوله بالمغفرة وإن لم تكن توبته نصوحا ؟ فذلك إغراء بالجهل ، وترخيص في المعصية ، وهو محال على النبي صلى الله عليه واله وسلم .
أو أنه كان يدعو له بدفع عادية الناس عنه على ماهو عليه من طاعة أومعصية ؟
فهبني قلت : إنه جائز لكن الدعاء لم يستجب ، وما غناء بقاء رجل هو هكذا سالما ؟
وهو لايقتص أثره في صلاح ، ولا يقتفى في طاعة ، ولايتبع في خير ، وإنما تورث سلامته تجريا على المعاصي وولعا بالميول والشهوات أو أنه كان يدعو له باليسار والثروة ليرغد عيشه ويرغد عيش من لف لفه و
(‎هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 176 ، الكامل لابن الاثير 3 : 90 . [ * ]
احتف به ولو كان بالاثرة لنفسه وذويه على المسلمين عامة متعديا حدود الله المأثورة في الاموال والصدقات ؟ فهل الدعاء لمثل هذا جائز في الشريعة ؟ وهل يستسيغ العقل السليم الدعاء للحصول على المآثم ؟ أو أنه كان يدعو له بنيل الخلافة ؟ وهذا إن صح فقد استجيب غيرأن النبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم كان بواسع علم النبوة بصيرا بما يؤل إليه أمر الرجل وينوء به مما لا تحمده شريعة أو عقيدة ، ولا يستتبع خلافته إلا وهنا في الدين ، وذهابا لابهة
الامامة وقلقا في مستوى الاسلام وعاصمة النبوة ، وتعكيرا لصفو اللالفة بين أفراد المسلمين ، وفتا في عضدهم ، وهوانا على صلحاء الا مة في الحواضر الاسلامية ، وتعطيلا للاحكام ، وتعديا للحدود ، ومن يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون ، وكل هذه مما عرفته منه الصحابة فتألبوا عليه ، فما كان حاجة النبي صلى الله عليه واله وسلم في خليفة هو هكذا ؟ .
هذه محتملات الدعاء المزعوم ، ولنا ها هنا مسائلة اخرى عن السبب الموجب لهذا الدعاء أولا وعن ظرفه ثانيا ، أهل كان الموجب له أعماله السابقة على الدعاء ؟ أو ماارتكبه في اخريات أيامه ؟ فجر على نفسه ومن اكتنفه الويلات من جرائه ، أما الاخيرة فقد عرفت انها لا تنهض موجبا لذلك ، وأما سوابقه فسل عنه يوم بدر وتخلفه عنه وكان يعير بذلك طيلة حياته ، ووقع فيه عبدالرحمن بن عوف لذلك في اخريات خلافته بملا من الناس فأنهى إليه ذلك الوليد بن عقبة السكير الفاسق بلسان الوحي المبين ( 1 ) هنالك نحت له عذرا من تمريض رقية بنت النبي صلى الله عليه واله وسلم ( 2 ) لكن الصحابة ماكانوا يعرفون ذلك العذر المفتعل حتى أولى الناس به أخوه بالمؤاخاة بمكة عبدالرحمن بن عو ف ، ولو كان ما يقوله صحيحا لعرفوه وهو بين ظهرانيهم غير منتأى عنهم . وسل عنه يوم احد وفراره من الزحف وقد نزل فيه وفيمن فر قوله تعالى " في سورة آل عمران آية : 155 " : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا . الآ ية ( 3 )
(هامش ) * ( 1 ) مر تفصيل ذلك في ج 8 : 274 - 276 ط .
( 2 ) راجع مسند احمد 1 : 68 ، 75 ، الرياض النضرة 2 : 97 ، تاريخ ابن كثير 7 : 206
( 3 ) راجع مسند احمد ، 1 ، 68 ، تفسير القرطبى 4 . 245 ، تقسير ابن كثير 1 : 419 ، الرياض النضرة 2 : 97 ، ثفسير الخازن 1 : 307 [ * ]
وسل عنه ليلة وفاة ام كلثوم واقترافه الذنب فيها ، وهتك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حرمته في صبيحتها بملا من الصحابة بحرمانه من دفنها وهي زوجته وهو أحق الناس بدفنها ،
راجع ما أسلفناه في الجزء الثامن ص 231 ط 2 .
وسل عنه ايواء‌ه عبدالله بن أبي سرح وقد ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين فأهدر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دمه يوم الفتح وأمر بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة ، لكنه فر إلى أخيه من الرضاعة " عثمان " فآواه وغيبه ، وكان من واجبه قتله أينما وجده ، لكنه بدلا عن ذلك أتى به إلى رسول الله فاستأ منه له فصمت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم طويلا رجاء أن يقتله أحد من الحضورلانه ما كان يروقه صلى الله عليه واله وسلم إسعافه ولا يرى لحياة ابن أبي سرح قيمة . راجع ما أسلفناه في الجزء الثامن ص 280 ط 2 .
وسل عنه ايواء‌ه ابن عمه المشرك معاوية بن المغيرة بن أبي العاص يوم حمراء الاسد لما ظفر به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في خروجه منها فأمر بضرب عنقه صبرا فلجأ إلى عثمان فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث و توارى فبعث صلى الله عليه واله وسلم عمار بن ياسر وزيدبن حارثة وقال : إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه ( 1 )
وما أشبه فعلته هذه بايوائه الحكم وابنه مروان في خلافته وهما طريدا رسول الله ولعيناه ( 2 ) فأمره سواسية في المبدأ والمنتهى .
هذا كل ما علمناه من سوابق الرجل ولوا حقه ، وشئ منها لا يصلح أن يكون باعثا للحب والدعاء كما أن شيئا منها لا يترك للدعاء المزعوم ظرفا يستساغ له الدعاء فيه ، فزبدة المخض أنه من مختلق الدور الاموي الذي لم يأل العبشميون فيه جهدا في وضع الفضائل أو الرذائل .
نعم ذكروا له صلى الله عليه واله وسلم دعوات عديدة لعثمان عند تجهيزه جيش العسرة ، ولعل
المتهالك في حب عثمان ينحته موجبا لتلكم الدعوات ، والباحث جد خبير بأنه لا
(هامش ) * ( 1 ) سيرة ابن هشام 3 : ، تاريخ ابن كثير 4 : 51 ، عيون الاثر لابن سيد الناس 2 : 37 ، 38 ، شرح الاشخر على بهجة المحافل 1 : 213 .
( 2 ) راجع ترجمة الحكم وابنه مروان في الجزء الثامن من كتابنا هذا . [ * ]
يعدو شيئا منها وهن في الاسناد لضعف في رجاله أو إرسال فيه ، على اضطراب الروايات في
كيفية التجهيز وكمية ما أنفقته يده فيه ، اضطرابا لا يعدوه الحكم بالبطلان في جميعها :
قال ابن هشام في السيرة 4 : 172 : أنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها . حدثني من أثق به أن عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار . إلى آخر ما يأتي من حديثه .
وأخذ الطبري الجملة الاولى من قول ابن هشام وترك حديثه .
وعند الكلبي مرسلا كما في أسباب النزول للواحدي 61 جهز بألف بعير بأقتابها وأحلاسها .
وعند قتادة مرسلا : حمل على ألف بعير وسبعين فرسا .
وعند البلاذري باسناد ضعيف مرسل : جهزهم بسبعين ألفا .
وعند الطبراني باسناد ضعيف : مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية من الذهب .
وعند أبي يعلي بسند ضعيف : جاء بسبعمائة أو قية ذهب .
وعند أبي ابن عدي بسند واه ضعيف جدا : جاء بعشرة آلاف دينار .
وعند أبى نعيم باسنادين باطلين : جاء بألف دينار .
وعند أحمد وأبي نعيم باسناد معلول : ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها .
وعند ابن عساكر مرسلا : جهز ثلث ذلك الجيش مؤنتهم .
وعند ابن الاثير ما ذكره الطبري وزاد عليه : قيل كانت ثلثمائة بعير وألف دينار .
وعند عماد الدين العامري دعوى مجردة : أنفق ألف دينار ، وحمل على تسعمائة وخمسين بعيرا وخمسين فرسا .
وعند الحلبي صاحب السيرة قولا بلا دليل : جهز عشرة آلاف دينار غير الابل والخيل وهي تسعمائة بعير ومائة فرس والزاد وما يتعلق بذلك حتى ما تربط به الاسقية .
وعند بعض كما في السيرة الحلبية : أعطى ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها و خمسين فرسا .
وفي رواية عند الحلبي : جاء بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله فصبت بين يديه .
فقال : لعل هذه العشرة آلاف غير الذي جهز بها العشرة آلاف إنسان
فترى كل واحد يكل ويزن ما أنفقه الرجل في جيش العسرة بكيلة مروء‌ته و ميزان كرامته ، وما تستدعيه سعة صدره ، ورحب ذات يده .
على أن هناك أناسا آخرين شاركوا من جهز الجيش وأربوا ، فلا أدري ما الموجب لاختصاص عثمان بتلكم الادعية دونهم ؟ فمن أولئك المجهزين العباس بن عبدالمطلب فإنه حمل مالا يقال إنه تسعون ألفا ( 1 ) وقال صلى الله عليه واله وسلم : العباس عم نبيكم أجود قريش كفا وأحناه عليها . وفي حديث : أوصلهالها " مستدرك الحاكم 3 : 328 "
وأول من حمل ماله كله هو أبوبكر على زعم القوم فإنه جاء بماله كله فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : هل أبقيت شيئا ؟ قال : الله ورسوله ( 2 ) وهب أن ما حمله أبوبكر كان نزرا يسيرا لكنه أنفق بكل ماله إن صدق الحديث وكمال الجود بذل الموجود . فما الذي أرجأه من الحظوة بالدعاء له ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم : يراه أمن الناس عليه بماله ؟ وقد جاء عنه صلى الله عليه واله وسلم فيما رواه أحمد في مسنده 1 : 270
قوله : ليس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة .
على أن طبع الحال يستدعي أن يكون هناك منفقون آخرون لان عدد الجيش كان ثلاثين ألفا وعشرة آلاف فرس وإثنا عشر ألف بعير عند كثير من المؤرخين ، وعند أبي زرعة كانوا سبعين ألفا ، وفي رواية أربعين ألفا ( 3 ) وما ذكروه من النفقات لعثمان وغيره لاتفي بتجهيز هذا الجيش اللجب ، فلماذا حرم اولئك كلهم من الدعاء وحظى به عثمان فحسب ؟ أنا أنبئك لماذا ، وجد عثمان بعد ما خذل وقتل أنصارا ينحتون له الفضائل ، وتصرمت أيام اولئك من غير نصير مفتعل .
وإليك جملة مما روي في الباب وافية للنهوض بإثبات بطلان ما يهتف به من المبالغة في أمر التجهيز المذكور ، منها :
24 ـ أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1 : 59 من طريق حبيب بن أبي حبيب أبي
(هامش ) * ( 1 ) امتاع المقريزى ص 446 .
( 2 ) تاريخ ابن عساكر 1 : 110 ، شرح المواهب للزرقانى 3 : 64 ، السيرة الحلبية : 145
( 3 ) طبقات ابن سعد رقم التسلسل 683 ، تاريخ ابن عساكر 1 : 111 ، امتاع المقريزى ص 650 ، فتح البارى 8 : 93 ، المواهب اللدنبة 1 : 173 ، ارشاد السارى 6 : 438 ، شرح بهجة المحافل 2 : 30 . [ * ]
محمد البصري - كاتب مالك - عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : لما جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة جاء عثمان بألف دينار فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أللهم لا تنس لعثمان ، ما على عثمان ما عمل بعد هذا .
قال الاميني : أتخفى على مثل الحافظ أبي نعيم أقوال أئمة الفن من قومه في حبيب كاتب مالك ؟ قال عبدالله بن أحمد - إمام الحنابلة - عن أبيه انه قال : حبيب ليس بثقة قدم علينا رجل أحسبه قال من خراسان كتب عنه كتابا . إلى أن قال : قال أبي : كان يكذب ، ولم يكن أبي يوثقه ولا يرضاه وأثنى عليه شرا وسوء .
وقال أبوداود : كان من أكذب الناس كان يضع الحديث . وقال أبوحاتم : متروك الحديث روى عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة . وقال النسائي والازدي ، متروك الحديث . وقال ابن حبان : كان يدخل على الشيوخ الثقات ما ليس من حديثهم . و
قال : أحاديثه كلها موضوعة وذكر له عدة أحاديث عن هشام بن سعد وغيره وقال : كلها موضوعة ، وعامة حديثه موضوع المتن ، مقلوب الاسناد ، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات ، وأمره بين في الكذب . وقال أبوأحمد الحاكم : ذاهب الحديث . وقال سهل بن عسكر : كتبنا عنه عشرين حديثا وعرضناها على ابن المديني فقال :
هذا كله كذب ، وقال النسائي : متروك أحاديثه كلها موضوعة عن مالك وغيره ( 1)
وأخرجه أحمد من طريق ضمرة بن ربيعة الدمشقي الرملي ، قال الساجي : صدوق يهم عنده مناكير ، وجاء ضمرة عن الثوري عن ابن دينار عن ابن عمر بحديث فأنكره أحمد ورده ردا شديدا ، وقال : لو قال رجل إن هذا كذب لما كان مخطئا .
وأخرجه الترمذي وقال : لا يتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث راجع تهذيب التهذيب 4 : 461 . ( ومنها )
25 ـ أخرج أحمد في مسنده 1 : 74 من طريق محمد بن أبي بكر المقدمى البصري عن محمد بن عبدالله الانصاري البصري عن هلال بن حق البصري عن سعيد
(هامش ) * ( 1 ) راجع ميزان الاعتدال 1 : 210 ، تذكرة الموضوعات للمقدسى ص 90 ، مجمع الزوائد للهيثمى 9 : 74 ، تهذيب التهذيب 2 : 181 ، اللئالى المصنوعة 1 : 8 ، 230 ، خلاصة الكمال ص 60 ، أسنى المطالب ص 216 . [ * ]
الجريري ( 1 ) البصري عن ثمامة القشيري قال : شهدت الدار يوم أصيب عثمان رضي الله
عنه فطلع عليهم إطلاعة فقال : ادعولي صاحبيكم اللذين ( 2 ) ألباكم علي فدعيا له فقال : نشدتكما الله أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله فقال :
من يشتري هذه البقعة من خالص ماله ؟ فيكون فيها كالمسلمين وله خير منها في الجنة . فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين ؟ وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين .
ثم قال : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر
يستعذب منه إلا رومة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلى المسلمين ؟ وله خير منها في الجنة . فاشتريتها من خالص مالي ؟ فأنتم تمنعوني
أن أشرب منها . ثم قال هل تعلمون أني صاحب جيش العسرة ؟ قالوا : أللهم نعم .
وذكره البلاذري في الانساب 5 : 5 ، 6 من طريق يحيى بن أبي الحجاج البصري
عن سعيد الجريري وزاد : فانشدكما الله هل تعلمان أني جهزت جيش العسرة من مالي ؟
قالا : أللهم نعم . قال : انشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بثبير ، أو قال : بحراء . فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته إلى الحضيض فركضه برجله فقال : اسكن
فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ؟ قالا : أللهم نعم .
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6 : 168 من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن الجريري عن ثمامة .
(رجال الاسناد)
1 ـ محمد بن عبدالله الانصاري : قال العقيلي : منكر الحديث . وقال أبوأحمد الحاكم : روى يحيى بن خذام عنه عن مالك بن دينار أحاديث منكرة والله أعلم الحمل فيه عليه أو على يحيى . وقال ابن حبان : منكر الحديث جدا يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم ، لايجوز الاحتجاج به وقال : ابن طاهر : كذاب . وقال الحاكم النيسابوري :
يروي أحاديث موضوعة . وقال أبوالفضل الهروي : ضعيف . وقال الازدي : منكر الحديث
جدا روى عن مالك بن دينار أحاديث معاضيل : تهذيب التهذيب 9 : 256 .
(هامش ) * ( 1 ) الجريرى بضم الجيم وفتح الراء نسبة إلى جرير بن عباد .
( 2 ) يعنى طلحة والزبير ، ووقعت التسمية في غير واحد من أحاديث المناشدة وكلها أكاذيب . [ * ]
لايحسب الباحث أن محمد بن عبدالله الانصاري هذا هو عبدالله البصري محمد ابن عبدالله بن المثنى فإنه يروي عن سعيد الجريري بلا واسطة كما في تهذيب التهذيب 4 : 6 وج 9 : 274 والذى يروي عنه بالواسطة هو هذا الانصاري المترجم له .
1 ـ سعيد أبومسعود الجريري وهو وإن كان ثقة في نفسه لكنه لاتصح روايته لاختلاطه ثلاث سنين من عمره ، قال أبوحاتم : تغير حفظه قبل موته فمن كتب عنه قديما فهو صالح . وقال يزيد بن هارون ربما ابتلانا الجريري وكان قد أنكر . وقال ابن معين عن ابن عدي : لا نكذب الله سمعنا من الجريري وهو مختلط . وقال ابن حبان : اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين . وقال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس : أسمعت من الجريري ؟ قال : نعم . قال : لاترو عنه ، يعني لانه سمع منه بعد اختلاطه . وقال ابن سعد : كان ثقة إن شاء‌الله إلا انه اختلط آخر عمره " تهذيب التهذيب 4 : 6 " .
3 ـ يحيى بن أبي الحجاج البصري في طريق البلاذري . قال النسائي وابن معين :
ابن أبي الحجاج ليس بشئ . وقال أبوحاتم : ليس بالقوي .
ونحن لو غاضينا العثمانيين على صحة هذه الرواية وأمثالها فانها تعود وبالا على عثمان أكثر منها منقبة فإن في صريحها أن الرجلين وهما من العشرة المبشرة ومن الستة أصحاب الشوري وفي الجبهة والسنام من الصحابة العدول " عند القوم " إعترفا له بما استنشدهما لكنهما لم يأبها بما حاوله عثمان من مفاد الرواية فاستمرا على التأليب عليه والضغط والتشديد ، فهل هو مجابهة منهما لما ثبت عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم ؟ " ويرده عدلهما وكونهما من العشرة " أو أنهما علما أن الشئ حدث بعده شئ أزاح موضوعه ؟ وإنما كان قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في مرحلة الاقتضاء من آثار تلكم الاعمال الطبيعية إذا استمر صاحبها على ما هو عليه في هاتيك الاحوال ، ولم يحدث موانع فانهما كانا يرتئيان حدوث موانع هنالك سالبة لاثر الاقتضاء . وبهذا الاعتقاد مضيا مصرين على ما ارتكباه من أمر الخليفة ، وهما يريانه حائدا عن الصراط السوي .ولعل عثمان نفسه ما كان جازما ببقاء تلكم الآثار التي كان نوه بها النبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم نظرا منه لما أحدث بعد ذلك من الحوادث ، ولذلك كان يحاذر أن يكون هو الرجل الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من أنه يلحد بمكة رجل عليه نصف عذاب أهل الارض كمامر حديثه الصحيح في ص 152 من هذا الجزء .
ويشبه طلحة والزبير بل وعثمان نفسه بقية الصحابة المجهزين عليه فيما بيناه من الاعتقاد في حق الرجل . فراجع ما قدمناه من أقوالهم وأعمالهم المذكورة في الجزء الثامن وفي هذا الجزء ص 69 - 163 ، ولا تنس قولهم له في مناشدته المذكورة في ص 204 : وأما ما ذكرت من قدمك وسبقك مع رسول الله فانك قد كنت ذا قدم وسلف وكنت أهلا للولاية ، ولكن : بدلت بعد ذلك وأحدثت ما قدعلمت .
وقولهم له : وأما قولك : إنه لايحل إلا قتل ثلاثة فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت : قتل من سعى في الارض فسادا ، وقتل من بغى ثم قاتل على بغيه ، وقتل من حال دون شئ من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه ، وقد بغيت ، ومنعت الحق ، وحلت دونه ، وكابرت عليه . الخ .
ونظير هذه الاقوال الكثير المعرب عن آراء الصحابة فيه وفي أحداثه ، وكلها تكذب القول بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله يسمي الرجل شهيدا . نعوذ بالله من الاختلاق بلاتدبر
(ومنها ( :
26 - أخرج سيف بن عمر في الفتوح من طريق صعصعة بن معاوية التيمي قال :
أرسل عثمان وهو محصور إلى علي وطلحة والزبير وغيرهم . فقال : احضروا غدا فأشرف
عليهم وقال : أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من حفر رومة فله الجنة . فحفرتها ؟ ألستم تعلمون انه قال : من جهز جيش العسرة فله الجنة . فجهزته ؟ قال : فصدقوه بما قال .
ذكره ابن حجر في فتح الباري 5 : 314 وقال : وللنسائي من طريق الاحنف بن قيس إن الذين صدقوه بذلك هم : علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص .
ترى ابن حجر هاهنا ساكتا عن الغمز في هذه الرواية وهو الذي جمع أقوال الحفاظ في سيف بن عمر من انه ضعيف ، متروك ، ساقط ، وضاع ، عامة حديثه منكر ، يروي الموضوعات عن الاثبات ، كان يضع الحديث ، واتهم بالزندقة " راجع ج 8 : ص 84 ، 333 من كتابنا هذا وكأنه أراد من عد من صدق عثمان في دعواه إثبات فضيلة له ذاهلا عن أن كثرة المصدقين في المقامين على تقدير صحة الخبر - وأنى هي ؟ - تزيد عارا وشنارا على الرجل ، وتعود وبالا عليه أكثر منها منقبة كمامر بيانه ، وإني لا أشك في أن الباحث بعد هذا البيان الضافي لايقيم لهذه المناشدة وزنا وإن خرجه البخاري في صحيحه في كتاب الوصايا باب إذا وقف أرضا أو بئرا ج 4 ص 236 ( 1 ) وما أكثر بين دفتي هذا الصحيح من سقيم يجب أن يضرب به عرض الحائط كما هو الظاهر لدى من يراجع كتاب " أبوهريرة " لسيدنا الآية شرف الدين وغيره من تآليفه ، وسنوقفك على جلية الحال في الاجزاء الآتية إن شاء الله تعالى . ومنها :
27 ـ أخرج أسد بن موسى في فضائل الصحابة عن قتادة البصري قال ؟ حمل عثمان على ألف بعير وسبعين فرسا في العسرة .
ذكره ابن حجر في فتح الباري 5 : 315 وقال : مرسل . ولم يسم ابن حجر رجال الاسناد بين أسد بن موسى وبين قتادة وكذلك من قتادة إلى منتهى السند ، فالرواية مرسلة من الطرفين ، ولعل في مرحلتي السند أناس من الوضاعين المفضوحين ستر عليهم أسد بني مروان بذيل أمانته ، وراقه الابقاء على كرامة الحديث بإسقاطهم ، وأسد ابن موسى هو حفيد الوليد بن عبدالملك بن مروان الاموي قال النسائي مع توثيقه : لو لم يصنف كان خيرا له . وقال ابن يونس : حدث بأحاديث منكرة وأحسب الآفة من غيره . وقال ابن حزم : منكر الحديث ضعيف . وقال عبدالحق : لايحتج به عندهم ( 2)
(ومنها ) :
28 ـ أخرج أبويعلى من وجه آخر فيه قال : فجاء عثمان بسبعمائة أوقية ذهب .
ذكره ابن حجر في الفتح 5 : 315 وقال : ضعيف . وليته كان يذكره بإسناده حتى كنا نوقف الباحث على ترجمة رجاله الكذابين . ( ومنها ) :
29 ـ أخرج ابن عدي من طريق عمار بن هارون ( 3 ) ابي ياسر المستملي عن إسحاق ابن ابراهيم المستملي عن أبي وائل عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى عثمان
(هامش ) * ( 1 ) اخرجه من طريق ابى اسحاق السبيعى الشيعى المدلس وقد مرت ترجمته في ج 7 : 276 وانه ضعيف جدا لايحتج بحديثه ، عن ابى عبدالرحمن العثمانى .
( 2 ) ميزان الاعتدال 1 : 97 ، تهذيب التهذيب 1 : 260 .
( 3 ) في تاريخ ابن كثير : عمار بن ياسر المستملى . والصحيح ما ذكرناه . [ * ]
يستعينه في غزاة غزاها فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار فوضعها بين يديه فجعل يقلبها بين يديه ويدعو له : غفر الله لك يا عثمان ! ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى يوم القيامة ، ما يبالي عثمان ما فعل بعدها .
ذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 212 ساكتا عما في إسناده من العلل عاداته في فضائل من غمره حبه ، وأورده ابن حجر في فتح البارى 5 : 315 فقال : سند ضعيف
جدا . وقال في ج 7 ص 43 : سنده واه . وذكره القسطلاني في المواهب اللدنية 1 :172 ساكتا عن علله وعقبه الزرقاني بقول إبن حجر راجع شرح المواهب 3 : 65 ، و
ستوافيك ترجمة بعض رجال الاسناد الضعفاء في هذا الجزء .
وذكر ابن كثير في تاريخه 7 : 212 وقال : روى الحسن بن عرفة عن محمد بن القاسم الاسدي الشامي عن الاوزاعي الشامي عن حسان بن عطية الدمشقي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا انه قال لعثمان : غفر الله لك ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما كان منك وما هو كائن إلى يوم القيامة .
قال الاميني : لولم يكن في إسناد هذه الاكذوبة المرسلة إلا محمد بن القاسم الذي كان عثمانيا كما قاله العجلي لكفاه وهنا ، أيخفى على ابن كثير المحتج بها قول النسائي في محمد بن القاسم : انه ليس بثقة كذبه أحمد ؟ أم قول الترمذي : تكلم فيه أحمد وضعفه ؟ أم قول أبي حاتم : ليس بقوي لايعجبني حديثه ؟ أم قول أبي داود : انه غير ثقة ولا مأمون أحاديثه موضوعة ؟ أم قول ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه ؟ أم قول البراء : حدث بأحاديث لم يتابع عليها ؟ أم قول الدارقطني : كذاب ؟ أم قول ابن القاسم : أحاديثه موضوعة ليس بشئ ؟ أم قول البخاري عن أحمد : رمينا حديثه ؟ أم قوله في موضع آخر : كذبه أحمد ؟ أم قول ابن حبان : يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم لايجوز الاحتجاج به ؟ أم قول العقيلي : يعرف وينكر ، تركه أحمد و قال : أحاديثه أحاديث سوء ؟ أم قول أبي أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم ؟ أم قول البغوي : ضعيف الحديث ؟ أم قول الازدي : متروك ( 1 )وهذا كاف في وهن السند وبطلانه ، وإن غضضنا الطرف عن بقية ما فيه من
(هامش ) * ( 1 ) ميزان الاعتدال 3 : 122 ، تهذيب التهذيب 9 : 407 . [ * ]
الشاميين أعداء الحق وأضداد العترة الطاهرة صلوات الله عليهم ، وما فيه من الارسال الموهن للرواية ، ودع عنك ما في متنه مما يضاد الاصول المسلمة من الترخيص في المعصية مما هو كائن إلى يوم القيامة ، فهو يوجب التجري على المعاصي فيما يستقبل الرجل من الايام ، وأي إنسان غير معصوم يقال له : ان كل ما سوف ترتكبه من المآتم مغفور لك . فلا تحدوه شهواته إلى توهين اقترافها ، واستسهال ركوبها ؟ والشهوة غريزة في الانسان تقوده إلى مهاوي الهلكة كل حين ، والمعصوم من عصمه الله تعالى .
نعم حقا يقال : إن سيرة عثمان تصدق هذه الرواية فانها لاتشبه إلا سيرة من رخص بالمآثم ، وأذن لاقتحام الطامات والموبقات ، وبشر بغفران هناته وعثراته ، فكان غير مكترث لمغبة فعاله ، ولا مبال بمعرة مقاله . وهب إن الحسنات يذهبن السيئات من غير حقوق الناس والكبائر المخرجة عن الدين التي سلفت من الانسان ، ولكن أي عمل بار في الشريعة " ولا أقول من أعمال عثمان فحسب " . يبيح للمكلف السيئات فيما يأتي من عمره إلى يوم القيامة ويبشره بالمغفرة فيها جمعاء ؟ وليس في ميزان الاعمال ما هو أرجح من الايمان ومع ذلك فهو غير ممتاز عما سواه بمغفرة ما يأتي به صاحبه في المستقبل ، وإنما يجب ما قبله ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ( 1 ) ، وإلا لبطلت المواعيد والعقوبات المتوجه خطابها إلى المؤمنين أجمع .
وإنا لم نجد في أعمال عثمان عملا بار ايستدعي هذه المغالاة الخارجة عن اصول الاسلام ، غير ما أنفقه على جيش العسرة إن صح من ذلك شئ ، وما خسره على بئر رومة ، وقد علمت أن جيش العسرة أنفق عليه غيره ما هو أكثر مما أنفقه هو ، وما أكثر من حفر الآبار وكرى الانهار وسبل مياهها للمسلمين ، فلو كان عمل عثمان هذا يستدعى المغفرة إلى يوم القيامة لوجب أن يغفر لاولئك الاقوام والامم ذنوبهم إلى ما بعد القيامة بفئام ، لكن الحظوظ ساعدت عثمان ولم تساعدهم . فتبصر واعجب .
وهل علمت الصحابة بهذا الغفران ثم نقموا عليه ما كان ينجم منه من هنات بعد
(هامش ) * ( 1 ) سورة محمد : آية 2 . [ * ]
هنات فلم يغفروها له مخالفين لله ولرسوله صلى الله عليه واله وسلم وهم عدول ؟ أو انهم سمعوا هذه الافيكة ثم أودعوها في محفظة الاباطيل ؟ غير أن ظني بها أن ميلادها بعد واقعة الدار وانها كانت في أصلاب الوضاعين عند الحصارين ، وفي حش كوكب ، وفي مقبرة اليهود
ولم تلدها بعد أمها العاقر ، حتى فسح المجال لاستيلادها على أيدي قوابل عهد معاوية فما بعد .
30 ـ أخرج أحمد في مسنده 1 : 70 عن بهز أبي الاسود البصري عن أبي عوانة الوضاح البصري عن حصين عن عمرو بن جاوان البصري عن الاحنف بن قيس البصري
قال : انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة فبينما نحن في منزلنا إذ جاء‌نا آت فقال : الناس من فزع في المسجد . فانطلقت أنا وصاحبي فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد قال : فتخللتهم حتى قمت عليهم فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص قال : فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي فقال : أهاهنا على ؟ قالوا : نعم . قال أهناهنا طلحة ؟ قالوا : نعم . قال : أهاهنا سعد ؟ قالوا : نعم . قال : أنشدكم بالله الذي لاإله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني قد ابتعته . فقال : اجعله في مسجدنا وأجره لك ؟ قالوا : نعم . قال : أنشدكم بالله الذي لاإله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يبتاع بئر رومة . فابتعتها بكذا وكذا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني قد ابتعتها يعني بئر رومة فقال : اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك ؟ قالوا : نعم . قال : أنشدكم
بالله الذي لاإله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال : من يجهز هؤلاء غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟
قالوا : أللهم نعم . قال اللهم اشهد . أللهم اشهد . أللهم اشهد . ثم انصرف . وأخرجه
البيهقي في السنن الكبرى 6 : 167 بالاسناد المذكور .
قال الاميني : زعم البصريون جند المرأة انهم يسعهم تدارك تجمهر صلحاء البصرة على عثمان بتسطير أمثال هذه الافائك المفتعلة ، وحسبوا انهم يبررون ساحة الرجل من تلكم الهنات الموبقة التي سجلها له التاريخ ، ذاهلين عن أن صحة هذه الاساطير تزيد عليه وبالا ، فبعد ما سمع أعاظم الصحابة حجاجه هذه ، وقرعت سمعهم تلكم المناشدات وما أصاخوا إليها ، وما زحزحوا عما كانوا عليه من خذلانه إلى التأليب عليه إلى الوقيعة فيه بكل ما يوهنه ويزريه إلى قتله إلى كسر أضالعه إلى رمي جنازته إلى دفنه في مقابر اليهود ، وبعد ما أصرت الامة على مقته مجمعة على النقمة عليه وهي لا تجتمع على الخطأ كما يحسبون ، لم يبق للرجل أي قيمة في سوق الاعتبار وإن اخلتقت يد الافتعال له ألف أسطورة .
وتحصل مما قدمناه ان الاجور المذكورة على تقدير الصحة كانت مرتبة على الاعمال ولم تكن حقوقا ثابتة للرجال فهي تدور مع الاعمال إن لم يبطلها ماهو أقوى منها كما هو الحال في المقتضيات المقارنة بالموانع ، وكان معتقد القوم فيما استنشدهم عثمان انها مقرونة بها ، فلذلك لم يقيموا لكل ما استنشدهم فيه وزنا إن كانت للمزاعم حقيقة .
(ومنها ) :
31 ـ أخرج البيهقي في السنن الكبرى 6 : 167 من طريق أبي اسحاق السبيعي عن أبي عبدالرحمن السلمي قال : لما حصر عثمان بن عفان رضي الله عنه وأحيط بداره أشرف على الناس فقال : أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء فقال : اسكن حراء فما عليك إلا نبي او صديق أو شهيد ؟ قالوا : أللهم نعم . قال : أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة العسرة : من ينفق نفقة متقبلة . والناس يومئذ معسرون مجهودون فجهزت ذلك الجيش من مالي ؟ قالوا : أللهم نعم . ثم قال : أنشدكم بالله هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن فابتعتها بمالي فجعلها للغني والفقير وابن السبيل ؟ قالوا : أللهم نعم . في أشياء عددها .
في الاسناد أبواسحاق السبيعي وقد مر في الجزء السابع ص 276 : انه مدلس أفسد حديث أهل الكوفة ، ضعيف جدا لا يحتج بحديثه . وأما أبوعبدالرحمن فهو عثماني لايعول عليه ولايركن إلى حديثه .
32 ـ أخرج البلاذري في الانساب 5 : 10 عن المدائني عن عباد بن راشد البصري عن الحسن البصري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يجهز هذا الجيش بشفاعة متقبلة ؟ فقال عثمان : يا رسول الله بشفاعة متقبلة ؟ قال : نعم على الله ورسوله . قال : أنا أجهزهم بسبعين ألفا .
قال الاميني : هذا الجيش جهزه الحسن البصري بعد سنين من وفاة النبي الاقدس وقد ولد الرجل بسنتين بقيتا من خلافة عمر ، ولعله نظر إلى ذلك الموقف واسترق السمع من وراء ستر رقيق في صلب أبيه ، أو أوعز بارسال الرواية إلى بطلانها ، وغير بعيد أن يكون عباد بن راشد هو الذي تقول بها على الحسن وهو برئ منها . قال الدوري عن ابن معين : حديث عباد ليس بالقوي ولكن يكتب ( يعني للاعتبار )
وقال الدورقي عن ابن معين : ضعيف : وقال البخاري والازدي : تركه يحيى القطان وقال أبوداود : ضعيف . وقال النسائي : ليس بالقوي . وقال ابن المديني : لا أعرف حاله . وقال ابن البرقي : ليس بالقوي . وقال ابن حبان كان ممن يأتي بالمناكير عن المشاهير حتى يسبق إلى القلب انه كان المعتمد فبطل الاحتجاج به ، روى عن الحسن حديثا طويلا أكثره موضوع ( 1 ) . ( ومنها ) :
33 ـ أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1 . 58 من طريق إبراهيم بن سعدان عن بكر بن بكار البصري عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال : اشترى عثمان بن عفان من رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة مرتين بيع الخلق : حين حفر بئر رومة ،
وحين جهز جيش العسرة .
(رجال الاسناد)
1 - بكربن بكار أبوعمرو البصري قال ابن أبي حاتم : ضعيف الحديث سيئ الحفظ له تخليط . وقال ابن معين : ليس بشئ . وقال النسائي : ليس بالقوي . وقال أيضا : ليس بثقة . وقال أبوحاتم : ليس بالقوي . وذكره العقيلي وابن الجارود والساجي في الضعفاء ( 2 )
2 ـ عيسى بن المسيب . قال يحيى والنسائي والدارقطني : ضعيف - وقال أبوحاتم وأبوزرعة : ليس بالقوي . وتكلم فيه ابن حبان وغيره . وقال أبوداود : ضعيف . وقال
(هامش ) * ( 1 ) تهذيب التهذيب 5 : 92 .
( 2 ) ميزان الاعتدال 1 : 160 . تهذيب التهذيب 1 : 48 ، لسان الميزان 2 : 48 . [ * ]
يحيى بن معين أيضا : ليس بشئ . وقال ابن حبان : يقلب الاخبار ولا يفهم ويخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به . (لسان الميزان 4 : 405 )
والباحث جد عليم بأن الصحابة لم تكن على يقين من هذا البيع المزعوم وإلا لما تجمهروا على مقت الرجل وخذلانه ، ولم يكن عثمان نفسه على ثقة بذلك أيضا و إلا لما كان حذيرا من أن يكون هو الملحد بمكة الذي عليه نصف عذاب أهل الارض كمامر حديثه في هذا الجزء ص 153 . ( ومنها ) :
34 ـ أخرج أحمد في المسند 4 : 75 ، وأبونعيم في الحلية 1 : 58 من طريقين أحدهما عن عبدالله بن جعفر عن يونس بن حبيب عن أبي داود . والاخر : عن فاروق ابن الخطابي عن أبي مسلم الكجي عن حجاج بن نصر ( 1 ) " أبي محمد البصري " قالاثنا سكن بن المغيرة الاموي ( البصري مولى آل عثمان ) عن الوليد بن أبي هشام البصري عن فرقد بن أبي طلحة عن عبدالرحمن بن أبي خباب ( 2 ) السلمي البصري قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان : علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها .
قال : ثم حث فقال عثمان : علي مائة اخرى بأحلاسها وأقتابها قال : ثم حث فقال عثمان : علي مائة اخرى بأحلاسها وأقتابها . فرأيت النبي صلى الله وعليه وسلم يقول بيده يحركها ما على عثمان ما عمل بعد هذا .
قال الاميني : هلا مخبر يخبرني عن هذا الصحابي البصري الذي لا يعرف إلا بحديثه هذا ؟ ولا يعلم من تاريخ حياته شئ غير اختلاقه هذه الرواية ، ولا يروي عن النبي الاعظم إلا هذه الخطبة المزعومة كما صرح به ابن عبدالبر في " الاستيعاب " و ابن حجر في " الاصابة " ، ولم يسمعها صحابي قط غيره منه صلى الله عليه واله وسلم ثم يخبرني ذلك المخبر عمن انتهى إليه الاسناد أن فرقد بن طلحة ، من هو ؟ ومتى ولد ؟ وأين وأنى كان ؟ وما المعروف من ترجمته ؟ فكأني به وهو يجيبني بما قاله علي بن المديني : لا أعرفه ( 3 )
(هامش ) * ( 1 ) كذا في النسخ والصحيح : نصير بضم النون مصغرا .
( 2 ) كذا في النسخ والصحيح : عبدالرحمن بن خباب .
( 3 ) تهذيب التهذيب 7 : 264 . [ * ]
وهل تخفى على إمام أو حافظ في الحديث آراء رجال الجرح والتعديل في حجاج ابن نصير ؟ وقد ورد فيه قول ابن معين : ضعيف . وقول علي بن المديني : ذهب حديثه كان الناس لا يحدثون عنه ، وقول النسائي : ضعيف . وقوله ايضا : ليس بثقة ولا يكتب حديثه . وقول ابن حبان : يخطئ ويهم . وقول العجلي : كان معروفا بالحديث ولكنه أفسده أهل الحديث بالتلقين كان يلقن وأدخل في حديثه ما ليس منه فترك . وقول ابن سعد كان ضعيفا . وقول الدار قطني والازدي : ضعيف : وقول أبي أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم . وقول الآجري عن أبي داود : تركوا حديثه . وقول ابن قانع : ضعيف لين الحديث ( 2 )
وإني أحسب أن الآفة من سكن بن المغيرة وأنه أدى حقوق آل عثمان - وهو مولاهم - باختلاق هذه المنقبة لعثمان ، ولا ينافي ذلك كونه صالحا إمام جمعة وجماعة ، وكم وكم صلحاء وضاعين ، ومن أئمة كذابين ؟ راجع الجزء الخامس من كتابنا هذاسلسلة الكذابين والوضاعين . ( ومنها ) :
35 ـ أخرج أبونعيم في الحلية 1 : 59 من طريق عمر بن هارون البلخي عن عبدالله بن شوذب البصري ثم المقدسي عن عبدالله بن القاسم عن كثير بن أبي كثير البصري مولى سمرة ( 2 ) عن عبدالله بن سمرة عامل معاوية بن أبي سفيان على البصرة قال : كنت مع رسول الله صلى الله وعليه وسلم في جيش العسرة فجاء عثمان بألف دينار فنثرها بين يدي رسول الله صلى الله وعليه وسلم ثم ولى قال : فسمعت رسول الله صلى الله وعليه وسلم وهو يقلب الدنانير وهو يقول : ما يضر عثمان ما فعل بعد هذااليوم .
وفي لفظ أحمد في المسند 5 : 63 : ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم . يرددها مرارا .
وذكره ابن الجوزي في التبصرة كما في تلخيصها قرة العيون المبصرة 1 : 179
قال الاميني : ألا تعجب من حفاظ يروون عن كذاب خبيث مرسلين روايته إرسال المسلم يمرون بها كراما ؟ أي قيمة في سوق الاعتبار لرواية جاء بها عمر بن هارون ؟ وقد جاء فيه قول ابن سعيد : كتب الناس عنه كتابا كبيرا وتركوا حديثه وقول
(هامش ) * ( 1 ) تهذيب التهذيب 2 : 209 .
( 2 ) وفي مسند احمد : مولى عبدالرحمن بن سمرة عن عبدالرحمن بن سمرة . [ * ]
البخاري : تكلم فيه يحيى بن معين و قال : عمر بن هارون كذاب قدم مكة وقد مات جعفر بن محمد فحدث عنه . وقول ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : تكلم فيه ابن المبارك فدهب حديثه ، قلت لابي : إن الاشج حدثنا عنه فقال : هو ضعيف الحديث نخسه ابن المبارك نخسة . و قول قتيبة : قلت لجرير : إن عمربن هارون حدثنا عن القاسم بن مبرور قال : نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن كاتبك هذاأمين ( يعني معاوية ) فقال جرير اذهب إليه فقل له : كذبت . رواها العقيلي . وعن أحمد إنه قال : لا أروي عنه شيئا وقد أكثرت عنه . وقول ابن مهدي : لم يكن له عندي قيمة حدثني بأحاديث فلما قدم مرة اخرى حدث بها عن ابن عباس عن اولئك فتركت حديثه .
و قول أبي زكريا : عمربن هارون : كذاب خبيث ليس حديثه بشئ ، قد كتبت عنه و بت على بابه وذهبنا معه إلى النهروان ، ثم تبين لنا أمره فحرقت حديثه ما عندي عنه كلمة . وقول ابن محرز عن ابن معين : ليس هو بثقة وبنحوه قال الغلابي عنه . وقال عنه مرة : ضعيف . وقول أبي داود عنه : غير ثقة . وقول ابن أبي خيثمة وغيره عن ابن معين : ليس بشئ : وقول جعفر الطيالسي عن ابن معين : يكذب . وقول عبدالله بن علي بن المديني : سألت أبي عنه فضعفه جدا . وقول ابراهيم بن موسى : الناس تركوا حديثه . وقول الجوزجاني : لم يقنع الناس بحديثه . وقول النسائي وصالح بن محمد وأبي علي الحافظ : متروك الحديث . وقول الساجي فيه ضعف وقول الدار قطني : ضعيف . وقول أبي نعيم : حدث بالمناكير لاشئ ( 1 ) و قول العجلي : ضعيف . وقول ابن حبان : يروي عن الثقات المعضلات ويدعي شيوخا
لم يرهم ( 2 )
وفي الاسناد : كثير بن أبي كثير ذكر العقيلي في الضعفاء ، وقال ابن حزم وعبدالحق : انه مجهول ، ولو كان لتوثيق العجلي الرجل وزن لما جهله الحافظان ولم يضعفه العقيلي ، وأي قيمة لثقة العجلي وهو يوثق عمربن سعد قاتل الامام السبط الشهيد و نظرائه من المهتوكين المفضوحين ؟
(هامش ) * ( 1 ) ليت أبى نعيم كان على ذكر من رأيه هذا في الرجل حين اخرج من طريقه هذه المنقبة المزيفة .
( 2 ) تهذيب التهذيب 7 : 502 - 505 [ * ]
وفي طريق أحمد مضافا إلى كثير ضمرة بن ربيعة وقد مر فيه قول الساجي : صدوق يهم ، عنده مناكير . وروى ضمرة عن الثوري عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر حديثا أنكره أحمد ورده ردا شديد . وقال : لو قال رجل : إن هذا كذب لما كان مخطئا وأخرجه الترمذي وقال : لا يتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث .
فهذه مكانة الرجل من الرواية وإن كان ثقة مأمونا ، وأكبرالظن أن الآفة في هذه الرواية من ابن سمرة وانه اختلقها تقربا إلى اعطيات معاوية وهباته التي كانت تصل من دون وزن وكيل إلى وضاعي الاحاديث ورجال الاختلاق الذين لاخلاق لهم .
(ومنها) :
36 ـ عن مسعر عن عطية عن أبي سعيد قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله من أول
الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه لعثمان يقول : أللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه .
ذكره ابن الجوزي في كتابه ( التبصرة ) كما في تلخيصه ( 1 ) 1 : 179 مرسلا إياه إرسال المسلم ، وهو أول حديث ذكره في فضائل عثمان ، وذكره الواحدى في أسباب النزول مرسلا ص 61 فزاد : فأنزل الله تعالى فيه : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ( 2 )
وذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 212 ولم يذكر من رجال إسناده إلا الثلاثة المذكورة ولعل هو ومن رواه مرسلا وجدوا في سلسلة السند اناسا ساقطين لا يعبأ بهم ولا يحتج بحديثهم ، وما راقهم إبطال هذه المنقبة بابداء علله بذكر اولئك الرجال .
ومن العجب العجاب هذا الدؤب منه صلى الله عليه وآله من أول الليل إلى منتهى الفجر على
الدعاء لعثمان الذي فوت عليه مرغباته وفرائضه ، فإن صلاة الليل والوتر كانت فريضة عليه صلى الله عليه واله وسلم دون الامة ( 3 ) ولا أدري هل نزل عليه صلى الله عليه وسلم وحي جديد يأمره باستبدال نوافله وفرائضه في تلك الليلة بدعاء عثمان ؟ أو ماذا كان فيها ؟ نعم : الذي يظهر من السيوطي في الخصائص الكبرى 2 : 164 - 170 ، إن ذلك الوحي لم ينزل ، وإن الدعاء لعثمان لم يكن فضلا عن استيعابه الليل كله فإنه ذكر فيها كل من دعى له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(هامش ) * ( 1 ) الموسوم بقرة العيون المبصرة تأليف الشيخ ابى بكرابن الشيخ محمد الملا الحنفى .
( 2 ) سورة البقرة : 262 .
( 3 ) راجع الخصائص الكبرى 2 : 229 . [ * ]
وسماهم حتى يهوديا سمت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولم يعد منهم عثمان .
ولو كان إنفاق عثمان في جيش العسرة موجبا للدعاء المستوعب ليله صلى الله عليه واله وسلم كما يظهر من رواية الواحدي ، فانفاق أبي بكر الذي أنفق كل ما كان يملكه ذات يده -
كما يحسبه القوم - وكان يراه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمن الناس عليه بماله ( 1 ) يستوجب دعاء مستغرقا ليله ونهاره ، فأين ؟ وأني ؟ ولو كان كل إنفاق في مهمة يستدعي دعاء الليل فكان عليه صلى الله عليه واله وسلم أن يقضى حياته ليلا ونهارا بالدعاء للمنفقين ، وما أكثرهم ؟ ولو كان صلى الله عليه وآله رافعا يديه لعثمان فعليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يديم رفعهما في الدعاء لابي بكر ولرجال الانصار المكثرين من الانفاق في السلم الحرب ولغيرهم من أهل اليسار الذين بذلوا كنوزا عامرة من الدرهم والدينار في مهام الاسلام المقدس والدعوة اليه والذب عنه . وأما زيادة الواحدي من نزول الآية الكريمة في عثمان فقد فصلنا القول فيه ومانه لا يصح في الجزء الثامن ص 57
( بقية مناقب عثمان )
38 ـ قال ابن كثير في تاريخه 7 : 212 : قال ليث بن أبي سليم ( ابن زنيم القرشي مولاهم ) : أول من خبص الخبيص عثمان خلط بين العسل والنقى ثم بعث به إلى رسول الله صلى الله وعليه وسلم إلى منزل أم سلمة فلم يصادفه فلما جاء وضعوه بين يديه فقال : من بعث هذا ؟
قالوا : عثمان . قالت : فرفع يديه إلى السماء فقال : أللهم إن عثمان نترضاك فارض عنه .
وذكره السيوطي في مسامرة الاوائل ص 87 نقلا عن البيهقي وابن عساكر من طريق ليث .
قال الاميني : خبص ابن زنيم هذا الخبيص لعثمان بعد لاي من وفاة رسول الله صلى ا لله وعليه واله وسلم وقد مات الرجل بعد المائة والاربعين من الهجرة ، ولم يدرك النبي صلى الله وعليه واله وسلم ، ولم نعرف الذي أخذ الرواية منه ممن شهد قصعة الخبيص وحضر مشهد الدعاء كما لا يعرف أحد من بقية رجال الاسناد ، فالرواية مرسلة من الطرفين .
وأما ابن زنيم فقد جاء فيه عن عبدالله بن أحمد قال : ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيا منه في ليث وابن إسحاق وهمام ، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم . وقال ابن أبي شيبة وأبوحاتم والجوزجاني : كان ضعيف الحديث . وضعفه ابن سعد وابن معين
(هامش ) ( 1 ) راجع ما مضى في ج 7 : 307 وج 8 : 33 ، 58 ط 2 . [ * ]
وابن عيينه . وقال أحمد وأبوحاتم أيضا وأبوزرعة : مضطرب الحديث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث . وقال يحيى : عامة شيوخه لا يعرفون . وقال ابن حبان : اختلط في آخر عمره فكان يقلب الاسانيد ويرفع المراسل ، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم ، تركه القطان وابن مهدي ابن معين وأحمد . وقال أبوأحمد الحاكم ليس بالقوي عندهم . وقال أبوعبدالله الحاكم : مجمع على سوء حفظه ( 1 ) ألا تعجب من حافظ كابن كثير يذكر رواية هذا شأنها وهذه عللها وذلك متنها المعلول ويرسلها إرسال المسلم في مقام الحجاج ويعدها من فضائل عثمان ، ويأتي إلى حديث المؤاخاة الصحيح الثبت المتواتر الوارد من طرق مسندة معنعنة في الصحاح ويتخلص منه بقوله ( 2 ) : أسانيدها كلها ضعيفة لا يقوم بشئ منها حجة . والله أعلم ( 3 ) ويروي في تاريخه 7 : 357 نزول آية الولاية في علي عليه السلام فقال : هذا لا يصح بوجه من الوجوه لضعف أسانيده ، ولم ينزل في علي شئ من القرآن بخصوصيته ( 4 ) حيا الله الامانة ، وقاتل الله الحب المعمي والمصم .
ولو كان صلى الله عليه وآله يرفع يديه لكل هدية ولو كانت لقمة خبيص ؟ للزمه أن لا ينزلهما
في أغلب أوقاته لكثرة الهدايا إليه وكثرة مهديها ، ولم تكن لعثمان ولخبيصه خاصة توجب أداء حقها دون المؤمنين عامة وهداياهم .
38 ـ أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه 6 : 321 من طريق عبدالله بن الحسن بن أحمد عن يزيد بن مروان الخلال عن إسحاق بن نجيح الملطي عن عطاء عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لكل نبي خليلا من امته وإن خليلي عثمان بن عفان .
قال الاميني : حسبك من عرفان رجال الاسناد كذابان : الخلال والملطي ، أما الخلال فقال يحيى بن معين : الخلال كذاب . وقال الدارمي : وقد أدركته وهو
(هامش ) * ( 1 ) تهذيب التهذيب 8 : 468 .
( 2 ) راجع تاريخ ابن كثير البداية والنهاية 7 : 335 .
( 3 ) مر حديث المؤاخاة بطرقها المفصلة في ج 3 : 112 - 125 ط 2 ومر الايعاز اليه في هذا الجزء صفحة 317 .
( 4 ) اسلفنا في ج 3 : 156 ، 167 ط 2 تفصيل القول في نزول الآية في على عليه السلام ،
وصحة روايته ، واطباق الفقهاء والمتكلمين والمحدثين والمفسرين على ذلك . [ * ]
ضعيف قريب مما قال يحيى : وقال أبوداود . ضعيف . وقال الدارقطني : ضعيف جدا ( 1 )
هذا مجمل القول في الخلال وأما الملطي فقال أحمد : إسحاق من أكذب الناس
وقال ابن معين : كذاب عدو الله رجل سوء خبيث . وقال ابن أبي شيبة عنه : كان ببغداد
قوم يضعون الحديث منهم إسحاق بن نجيح . وقال إبن أبي مريم : إنه من المعروفين بالكذب ووضع الحديث . وقال عمرو بن علي : كذاب كان يضع الحديث وقال الجوزجاني : غير ثقة ولا من أوعية الامانة . وقال ابن عدي : أحاديثه موضوعات وضعها هو وعامة ما أتى عن ابن جريح بكل منكر ووضعه عليه ، وهو بين الامر في الضعفاء وهو ممن يضع الحديث . وقال النسائي : كذاب . وقال ابن حبان : دجال من الدجاجلة يضع الحديث صراحا . وقال البرقاني : نسب إلى الكذب . وقال الجوزقاني كذاب وضاع لايجوز قبول خبره ولا الاحتجاج بحديثه ويجب بيان أمره . وقال أبو سعيد : مشهور بوضع الحديث . وقال ابن طاهر . دجال كذاب . وقال ابن الجوزي : أجمعوا على أنه كان يضع الحديث ( 2 )
ومن العجب سكوت الخطيب عن هذه الرواية وعما في إسنادها من العلل وقد ذكر هو كثير من آراء الحفاظ المذكورة في ترجمة إسحاق ولعله اكتفى بذكرها عن تفنيد الرواية صريحا ، وكان مفتعلها لم يقف على المفتعلة الاخرى المرفوعة : لكل نبي خليل وخليلي سعد بن معاذ ( 3 ) ويضاد كلاهما ما جاء به البخاري في صحيحه 5 : 243 من القول المعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله : لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر . وقد قدمنا الكلام حول ذلك في الاجزاء الماضية وانه موضوع مختلق أيضا .
39 ـ روى ابن أبى الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبدالملك قالت إنتبه عمر " ابن عبد العزيز " ذات ليلة وهو يقول : لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة . فقلت : أخبرني بها فقال : حتى نصبح . فلما صلى بالمسلمين دخل فسألته فقال : رأيت كأني دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر وإذا فيها قصر كأنه الفضة فخرج منه خارج
(هامش ) * ( 1 ) ميزان الاغتدال 3 : 318 ، لسان الميزان 6 ، 293 .
( 2 ) تاريخ الخطيب 6 : 321 - 324 ، تهذيب التهذيب 1 : 252
( 3 ) كنزالعمال 6 : 183 ، منتخب الكنز هامش مسند احمد 5 : 231 . [ * ]
فنادى : أين محمد بن عبدالله ؟ أين رسول الله ؟ إذ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل ذلك القصر ، ثم خرج آخر فنادى : أين أبوبكر الصديق ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى : أين عمربن الخطاب ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى : أين عثمان بن عفان ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى : أين على بن أبي طالب ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى : أين عمر بن عبدالعزيز ؟ فقمت فدخلت فجلست إلى جانب أبي ( 1 ) عمربن الخطاب وهو عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر عن يمينه وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقلت لابي : من هذا ؟ قال : هذا عيسى بن مريم ، ثم سمعت هاتفا يهتف بيني وبينه نور لا أراه ، وهو يقول : يا عمربن عبدالعزيز ! تمسك بما أنت عليه وأثبت على ما أنت عليه ، ثم كأنه اذن لي في الخروج فخرجت فالتفت فإذا عثمان ابن عفان وهو خارج من القصر وهو يقول : الحمدلله الذي نصرني ربي . وإذا على في أثره وهو يقول : الحمدلله الذي غفرلي ربي . وذكره ابن كثير في تاريخه 9 : 206 .
قال الاميني : أنا لا أزال ارحب بقوم يحاولون إثبات الحقايق بالاطياف ، و يجابهون ماثبت في الخارج بالخيال ، فتصور لهم ريشة الاوهام عثمان منزها عن كل وصمة عرفتها فيه الصحابة العدول من امة محمد الناظرين إليه من كثب والمشاهدين أعماله الناقمين عليه بها ، وقد أهدروا دمه من جرائها ، وهم الذين يقتدى بهم وبأقوالهم وأفعالهم عند القوم ويحتذى مثالهم ، وبأمثال هذه السفاسف يجرؤن البسطاء على التورط في المآثم بالنظر إلى هذا الانسان المغمور فيها في نظارة مكبرة تريه منزها عن دنس كل حوب ، منصورا من الله بعد أن خذلته الصحابة جمعاء .
ولهم هناك نظارة اخرى تصغر المنظور إليه من إمام المسلمين وسيد الخلفاء خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أميرالمومنين عليه السلام إلى حد اثبتوا له ذنبا مغفورا له .
ألا من مسائل إياهم عن أنه متى صدر هذا الذنب عن إمام المسلمين ؟ أحين عده النبي صلى الله عليه واله وسلم نفسه كما في الذكر الحكيم ؟ أم حين طهره الجليل بقوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " أم حين قرن ولايته بولايته
(هامش ) * ( 1 ) عمربن الخطاب جد عمر عبدالعزيز من امه ام عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب [ * ]
وولاية نبيه صلى الله عليه واله وسلم بقوله سبحانه : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين
يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ( 1 ) ؟ أم حين أكمل بولايته الدين وأتم نعمته على المسلمين بقوله عز من قائل : أليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دنيا ( 2 ) ؟ . أم حين جعله صلى الله عليه واله وسلم اولى بالناس من أنفسهم كما هو أولى بهم من أنفسهم فرشحه للخلافة الكبرى في حديث الغدير المتواتر المقطوع بصدوره ؟ أم حين جعله عدل القرآن في حديث الثقلين الثابت المتواتر ؟ أم حين أنزله من نفسه بمنزلة هارون من موسى ، وفصل بينه وبين نفسه بالنبوة فحسب فقال : إلا أنه لا نبي بعدي ؟ ( 3 )
أم أم إلى ألف أم .
على أنه سلام الله عليه كان حلس بيته والناس متجمهرون على عثمان لا يشاركهم في شئ من أمره ، ولعل في الفئة المهملجة من يعد ما كان ينوء به الامام عليه السلام من نهي عثمان عما نقم عليه به من هنات وعثرات وأمره إياه بالمعروف والعمل بالكتاب والسنة فلا يجد منه اذنا مصيخة حتى قال : ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك وغلبت على أمرك ( 4) - ذنبا مغفورا له ، ويعده تقوية لجانب الثائرين على الرجل ، وما هو من ذلك بشئ ، وإنما أراد عليه السلام كشف المثلات عنه باقلاعه عما كان يرتكبه من الموبقات ولكن على حد قول الشاعر :
أمرتكم أمري بمنعرج اللوا * فلم تستبين النصح إلاضحى الغد
أو على حد قوله :
وكم سقت في آثاركم من نصيحة * وقد يستفيد الظنة المتنصح
فزه زه بهذه المعرفة وحيا الله العلم الناجع الذي يرى صاحبه الواجب ذنبا و
المذنب منصورا .
وأحسب ان الذي إفتعل هذه الا كذوبة الخيالية رجل من بسطاء الاكراد
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما اسلفناه في الجزء الثالث ص 156 - 167 ط 2 .
( 2 ) راجع ما اسلفناه في الجزء الاول ص 231 - 239 ط 2 .
( 3 ) راجع مامرفى الجزء الثالث ص 199 - 202 ط 2 .
( 4 ) راجع مامره في هذا الجزء ص 172 - 175 . [ * ]
أو الاعجام البعداء عن العربية وإلا فالعربي الصميم لا يقول : الحمد لله الذي نصرني ربي ، والحمد لله الذي غفر لي ربي . ولعمر بن عبدالعزيز منام أشنع من هذه المهزأة يحوي فصل الخصومات الواقعة بين الامام أميرالمؤمنين ومعاوية بن هند ، أخرجه أبوبكر بن أبي الدنيا ايضا بالاسناد عن عمر بن عبدالعزيز قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبوبكر وعمر جالسان عنده فسلمت عليه وجلست ، فبينما أنا جالس إذا اتي بعلي ومعاوية ، فادخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر ، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول : قضي لي ورب الكعبة ثم ماكان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول : غفر لي ورب الكعبة ( 1 )
ويظهر من الجمع بين المنامين أن موقف أميرالمؤمنين علي من عثمان كان كموقف معاوية من علي صلوات الله عليه ، موقف الخروج على إمام الوقت ، موقف البغي والجور ، لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ، والله هو الحكم العدل يوم لا ينفع طيف ولا خيال .
40 ـ أخرج البلاذري في الانساب 5 : 3 من طريق سعيد بن خالد عن صالح بن كيسان " أموي النزعة مؤدب ولد عمر بن عبدالعزيز " عن سعيد بن المسيب قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان فقال : هذا التقي المؤمن الشهيد شبيه ابراهيم .
قال الاميني : كأن سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان الاموي أو سعيد ابن خالد الخزاعي المدني المجمع على ضعفه لم يجد في صحابة النبي الاقدس من يتحمل عب‌ء هذا السرف من القول والغلو في الفضيلة فتركه مرسلا مقطوعة العرى بين سعيد بن المسيب المولود بعد سنتين مضتا من خلافة عمربن الخطاب وبين رسول الله صلى الله عليه وآله .
لعل الباحث بعد قراء‌ة ماسردناه من سيرة الممدوح وآراء الصحابة فيه وإصفاق الامة على النقمة عليه بافعاله وتروكه الشاذة عن التقوى لا يخفى عليه ان تشبيه الرجل بابراهيم النبي عليه السلام جناية على المعصومين وسفه من القول وتره ، نعوذ بالله من التقول بلا تعقل .
ولو كان التشبيه بمن كان من الانبياء مقتولا لامكن أن يتصور له وجه شبه ولو مع ألف فارق . غير أن نوبة الظلم عند وضع هذا الحديث كانت قد انتهت إلى خليل الله سلام الله عليه .
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ ابن كثير 8 : 130 . [ * ]
وإني أحسب أن مصحصح هذه المهزأة قرع سمعه حديث التشبيه الوارد في مولانا أميرالمؤمنين المذكور في الجزء الثالث ص 355 - 360 ط وراقه من ذلك تشبيهه بخليل الرحمن فحابى الرجل بذلك وقد أعماه الحب عن عدم وجود وجه شبه ولو من جهة واحدة مع التمحل بين نبي معصوم خص بفضيلة الخلة من المولى سبحانه وبين من قتل دون هناته وسقطاته
أنا لا أدري ان هتاف النبي صلى الله وعليه واله وسلم هذا الذي سمعه سعيد بن المسيب المولود
بعده هل سمعته عائشة ومع ذلك كانت تهتف بقولها : اقتلوا نعثلا قتله الله فإنه قد كفر .
وبقولها لابن عباس : يا ابن عباس ! إن الله قد آتاك عقلا وفهما وبيانا فاياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية . وبقولها : وددت والله إنه في غرارة من غرائري هذه وإني طوقت حمله حتى القيه في البحر ، وبقولها لمروان : وددت والله إنك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وإنكما في البحر . وبقولها للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل عثمان قد أبلى سنته . وبقولها لما بلغها نعيه : أبعده الله ذلك بما قدمت يداه وما هو بظلام للعبيد . وبقولها : أبعده الله قتله ذنبه . وأقاده الله بعمله . يا معشر قريش ! لايسومنكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه ( 1 )
وهل سمع حديث التشبيه في عثمان اولئك الصحابة الذين سمعت أقوالهم و أفعالهم حول الرجل ؟ أو أن الحديث كان باطلا فلم يسمعه أحد منهم ؟ الحكم في ذلك أنت أيها القارئ الكريم .
وأخرج رواة السوء من طريق عائشة في التشبيه ماهو أعظم من هذا وأهتك لناموس الاسلام ونبيه الاقدس وإليك نصه :
عن المسيب بن واضح السلمي الحمصي ، عن خالد بن عمرو بن أبي الاخيل السلفي الحمصي ، عن عمرو بن الازهر العتكي البصري قاضي جرجان ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما تزوج النبي صلى الله عليه واله وسلم أم كلثوم قال لام أيمن خذي بنتي وزفيها إلى عثمان واخفقي بالدف . ففعلت فجاء‌ها النبى صلى الله عليه واله وسلم بعد ثالثة فقال : كيف وجدت بعلك ؟ قالت : خير رجل . قال : أما انه أشبه الناس بجدك
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مضى في هذا الجزء من حديث عائشة ص 77 - 86 . [ * ]
إبرإهيم وأبيك محمد ( 1 )
ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة عمرو بن الازهر فقال : هذا موضوع .
ونحن نقول : رجال الاسناد :
1 ـ المسيب بن واضح ، قال أبوحاتم : صدوق يخطئ كثيرا فإذا قيل له لم يقبل وقال الدارقطني : ضعيف . وقال الساجي : تكلموا فيه في أحاديث كثيرة . وقال عبدان
هو وعبدالوهاب بن الضحاك كلاهما سواء ( 2 ) وعبدالوهاب كما مر في الجزء الخامس
ص 242 ط 2 : كذاب يضع الحديث متروك كثير الخطأ والوهم وكان معروفا بالكذب
في الرواية .
2 ـ خالد بن عمرو ، كذبه الفريابى ، ووهاه ابن عدي وغيره ، وقال الدار قطني : ضعيف . وقال ابن عدي : له أحاديث مناكير . وذكر الذهبي حديثا من طريقه فقال : باطل ومن بلايا الاخيل حديث كذب في مشيخة ابن شاذان ( 3 )
3 ـ عمرو بن الازهر العتكي ، قال أبوسعيد الحداد : كان يكذب مجاوبة ، وعن ابن معين انه ليس بثقة ضعيف ، وقال البخاري : يرمى بالكذب . وقال النسائي وغيره متروك ، وقال أحمد : كان يضع الحديث . وقال عباس الدوري عن يحيى : كان كذابا ضعيفا . وقال الدولابي : متروك الحديث . وقال الجوزجاني : غير ثقة . ميزان الاعتدال 2 : 281 ، لسان الميزان 4 : 353 .
وأعطف إلى هذه المكذوبة ما أخرجه ابن عدي من طريق زيد بن الحريش عن عمرو بن صالح قاضي رامهرمز عن العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا :
إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم .
قال الذهبي : منكر جدا ، وقال ابن عدي في ذكر عمرو بن صالح بعد هذا الحديث وله غير هذا مما لا يتابع عليه .
41 ـ أخرج البلاذري في الانساب 5 : 7 عن الحسين بن علي بن الاسود عن
(هامش ) * ( 1 ) ميزان الاعتدال 2 : 281 ، لسان الميزان 4 : 353 .
( 2 ) ميزان الاعتدال 3 : 171 لسان الميزان 6 : 41 .
( 3 ) ميزان الاعتدال 1 : 299 ، تهذيب التهذيب 3 : 110 . [ * ]
عبدالرحمن قال : قمت في الحجر فقلت : لا يغلبني عليه أحد الليلة فجاء رجل من خلفي فغمزني فأبيت أن التفت ، ثم غمزني فأبيت أن ألتفت ، ثم غمزني الثالثة فالتفت فإذا عثمان فتأخرت عن الحجر فقرأ القرآن في ركعة ثم انصرف .
وأخرجه أبونعيم بالاسناد في حلية الاولياء 1 : 56 ، 57 ولفظه : قال عبدالرحمن :
لاغلبن الليلة على المقام ، فلما صليت العتمة تخلصت إلى المقام حتى قمت فيه قال :
فبينا أنا قائم إذا رجل وضع يده بين كتفي فإذا هو عثمان بن عفان . قال : فبدأ بام القرآن فقرأ حتى ختم القرآن فركع وسجد ، ثم أخذ نعليه فلا أدري أصلى قبل ذلك شيئا أم لا ؟ .
قال الاميني : سل عن راوي هذه الفضيلة الحافظ ابن عدي انه قال : الحسين بن علي كان يسرق الحديث ، وأحاديثه لا يتابع عليها . وسل عنه الازدي فانه قال : إنه ضعيف جدا يتكلمون في حديثه . وسل عنه أحمد إمام الحنابلة فإنك تسمع منه ما سعمه أبوبكر المروزي لما سأله عنه من قوله : لا أعرفه ( 1 )
ثم هلم معي نسائل عبدالرحمن انتيمي هلا كان من واجبه أن يخبر ابن عمه طلحة بن عبيدالله التيمي بهذه السيرة الصالحة يوم ضيق على صاحبها الخناق ، وضاقت عليه الارض بما رحبت ، يوم هتك حرمته ، وأباح دمه ، وأورده المنية ، ومنع جنازته عن أن تدفن في مقابر المسلمين ولنا أن نسائل الممدوح " عثمان " ألم يكن في الحجر مكانا يسعه إلا موقف عبدالرحمن ؟ وهل كان له أن يغمز الرجل مرة بعدأخرى وهو في محراب الطاعة ؟ أو أن يزيحه عن مكانه والوقف لمن سبق ؟ وقد جاء في السنة الشريفة من طريق جابر مرفوعا : لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول : افسحوا " صحيح مسلم 7 : 10 " .
ومن طريق ابن عمر مرفوعا : لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا . وزاد في حديث ابن جريج قلت : في يوم الجمعة ؟ قال : في الجمعة وغيرها . صحيح مسلم 7 : 10 ، مسند أحمد 2 : 22 ، صحيح البخار ي 2 : 94 .
(هامش ) * ( 1 ) راجع تهذيب التهذيب 2 : 243 . [ * ]
وفي لفظ لمسلم : لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه . وفي لفظ له أيضأ : لا يقيمن أحدكم أ خاه ثم يجلس في مجلسه .
قال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري 8 : 479 : هذاالنهي للتحريم فمن سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غيرها فهو أحق به ، ويحرم على غيره إقامته منه لهذا الحديث
وقال القسطلاني في إرشاد الساري 2 : 169 : ظاهر النهي التحريم فلا يصرف عنه إلا بدليل ، فلا يجوز أن يقيم أحدا من مكانه ويجلس فيه ، لان من سبق إلى مباح فهو أحق به ، ولاحمد ( 1 ) حديث ان الذي يتخطى رقاب الناس أو يفرق بين إثنين بعد خروج الامام كالجار قصبه ( 2 ) في النار ، والتفرقة صادقة بأن يزحزح رجلين عن مكانهما ويجلس بينهما .
وقال الشوكاني في نيل الاوطار 3 : 306 . من سبق إلى موضع مباح سواء كان مسجدا أو غيره في يوم الجمعة أو غيرها لصلاة أولغيرها من الطاعات فهو أحق به ، و يحرم على غيره إقامته منه والقعود فيه فإقامة عثمان عبدالرحمن من مكانه الذي كان هو أحق به وغمزه إياه مرة بعد أخرى محظور محرم شاذ عن السنة الثابتة . ثم هل تسع الليلة لقراء‌ة القرآن ختمة واحدة ؟ ولعلها تسع بالتمحل من كون الليلة من ليالي الشتاء الطويلة ، ومن قدوم عثمان الحجر بعد فريضة العشاء بلافصل ، وانه كان طلق اللسان خفيفه ، وإن كنا لا نعلم شيئا من ذلك .
أليس عثمان هذا هو الذي صعد المنبر وأرتج عليه وقام مليا لايتكلم فقال : إن أبابكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وإني لم أزور له خطبة ولا أعددت له كلاما وسنعود فنقول ؟ ( 3 ) أي خطيب يعوزه الكلام ويفتقر إلى تزوير مقال وفي ذاكرته كلام الله المجيد ؟ وفيه بلغة وكفاية عن كل تلفيق وترميق وترميغ .
(هامش ) * ( 1 ) اخرجه أحمد في مسنده 3 : 417 .
( 2 ) القصب بضم القاف : الظهر . المعى . ج : أقصاب .
( 3 ) راجع الجزء الثامن ص 163 ، 164 ط 2 . [ * ]
وهلا كان على الرجل أن يعمل بالقرآن الذي كان يختمه في صلاته ؟ ألم يك في قرآنه قوله تعالى : الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا " (1 ) أولم يكن أبوذر وعمار وابن مسعود والامة الصالحة أمثالهم من المؤمنين ؟ وقد آذاهم بالنفي والضرب والتنكيل وبكل ما كان يمكنه . أما كان فيه قوله تعالى : " الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم " ؟ وقد آذى الرسول في كريمته أم كلثوم باقترافه ليلة وفاتها . وبايواء من طرده ولعنه . وبازراء صحابته الاكرمين وفي مقدمهم ابن عمه الطاهر . وبتبديل سنته والحياد عن محجته . أما كان فيه قوله تعالى : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " ؟
وقد خالف الله ورسوله ولم يطعهما ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهره في غير موضع من الاموال والصدقات والزكاة والصلاة والصلاة والقطايع والاوقاف والحج والنكاح والحدود والديات ( 2(
أما كان فيه ذكر لحدود الله ؟ أولم يكن فيه قوله سبحانه : " ومن يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون " ؟ وقد تعدى الحدود ، ونسي العهود ، ونقض التوبة ، وحنث الال ، وجاء بما لا يحمد عقباه ، وأتى بنهابير أوردته القتل الذريع ، وجرت عليه الويلات كما جرتها على الامة حتى اليوم .
أما كانت في قرآنه آية المباهلة أو آية التطهير ؟ والله يعد في الاولى عليا نفس النبي الاعظم ، ويطهره من الرجس بالثانية كما طهر نبيه . وكان عثمان يرى مروان لعين رسول الله وطريده أفضل منه عليه السلام ( 3 ) وليت الرجل ترك تلك التلاوة المتعبة والتزم بالعمل بالقرآن الكريم وأقام حدوده واقتصر من التلاوة على ما تيسر .
42 ـ أخرج البلاذري في " الانساب " 5 : 7 عن خلف البزار عن عبدالوهاب ابن عطاء ( 4 ) الخفاف البصري عن سعيد بن أبي عروبة أبي النضر البصري عن ابن
(هامش ) * ( 1 ) سورة الاحزاب : آية 58 .
( 2 ) فصلنا القول في ذلك كله في الجزء الثامن .
( 3 ) مضى حديثه في الجزء الثامن ص 297 ط 2 .
( 4 ) في النسخة : عبدالوهاب عن عطاء والصحيح ما ذكرناه . [ * ]
أخي ( 1 ) مطرف بن عبدالله بن الشخير عن مطرف البصري قال : لقيت عليا يوم الجمل فاسرع إلي بدابته فقلت : أنا أحق أن أسرع اليك فقال : أحسب عثمان منعك من إتياننا فأقبلت أعتذر إليه فقال : لئن أحببته لقد كان أبرنا وأوصلنا .
(رجال الاسناد )
1 ـ خلف البزار ، الثقة الامين السكير . راجع من الجزء الخامس ص 295 ط 2
2 ـ عبدالوهاب بن عطاء : قال المروزي : قلت لاحمد : عبدالوهاب ثقة ؟ فقال : ما تقول : إنما الثقة يحيى القطان . وقال الساجي : صدوق ليس بالقوي عندهم وقال البخاري : ليس بالقوي عندهم وهو يحتمل . وقال النسائي : ليس بالقوي . وقال أبو حاتم : ليس عندهم بقوي في الحديث . وقال ابن أبي شيبة : ليس بكذاب ولكن ليس هو ممن يتكل عليه . وقال الميموني عن أحمد بن حنبل : ضعيف الحديث . وقال البزار : ليس بالقوي وقد احتمل أهل العلم حديثه ( 2 ) تهذيب التهذيب 6 : 451 .
3 - سعيد بن أبي عروبة . قال أبوحاتم : هو قبل أن يختلط ثقة . وقال دحيم : اختلط . وقال الازدي : إختلط اختلاطا قبيحا . وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ثم اختلط في آخر عمره . وقال ابن حبان : بقي في اختلاطه خمس سنين ولا يحتج إلا بما روى عنه القدماء مثل يزيد بن زريع وابن المبارك ، وقال عبدالوهاب ( الراوي عنه ) : خولط سعيد سنة 47 وعاش بعد ما خولط تسع سنين . وقال النسائي : من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيئ . وقال ابن عدي : من سمع منه قبل الاختلاط فإن ذلك صحيح حجة ومن سمع منه بعد الاختلاط لا يعتمد عليه . وقال أبوبكر البزار : ابتدأ به الاختلاط سنة 133 ( 3 )
فعلى الاخذ بقول أبي بكر البزار في ابتداء اختلاطه وقول ابن حبان من أنه مات سنة 155 تربو أعوام اختلاطه على اثنتين وعشرين سنة . هذا أكثر ما قيل في مدة اختلاطه وأقله خمس سنين وبينهما أقوال أخر .
(هامش ) * ( 1 ) هو عبدالله بن هانى بن عبدالله بن الشخير البصرى .
( 2 ) احتمال الحديث انما هو للاعتبار كما جاء مصرحا به في كثير من الضعفاء .
( 3 ) تهذيب التهذيب 4 : 63 - 66 . [ * ]
هذه علل الرواية إسنادا ، وأما هي من ناحية المتن فسل عنها مولانا أميرالمؤمنين ورأيه المدعوم في عثمان وقد أسلفناه في هذا الجزء ص 69 - 77 : أتراه صلوات الله عليه يرى الرجل أبرهم وأوصلهم ثم يرفع عقيرته على صهوة الخطابة بمثل قوله فيه : قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته ( 1 )
وقوله فيه : إن بني أمية ليفوقونني تراث محمد صلى الله عليه وآله تفويقا ( 2 )
وقوله في اقطاعه واعطياته : ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان ، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال ، فإن الحق القديم لايبطله شئ ، ولو وجدته قد تزوج به النساء ، وفرق في البلدان لرددته إلى حاله . راجع ج 8 : 287 ط 2 .
أنى كانت صلات عثمان مشروعة مرضية عند أميرالمؤمنين حتى يثني بها عليه ويراه أبرهم وأوصلهم ، وقد أوقفناك في الجزء الثامن على شطر مهم من هباته ومدرها فاقرأ وتبصر .
43 ـ أخرج ابن عساكر عن يزيد بن أبي حبيب كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 110 ، انه قال : بلغني ان عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان عامتهم جنوا . و في لفظ القرماني في أخبار الدول هامش الكامل لابن الاثير 1 : 213 : إن عامة من أشار إلى قتل عثمان جنوا .
قال الاميني : أليست هذه المهزأة من فنون الجنون ؟ انظر إلى عقل من جاء بها أولا : ( يزيد بن أبي حبيب ) ثم أرجع البصر كرتين إلى عقل اولئك الحفاظ الذين عدوا مثل هذا التره التافه من فضائل عثمان وكراماته ، وإني أحسب ان في قول ابن سعد في ترجمة يزيد بن أبي حبيب : " انه كان حليما عاقلا " دفعا لما يدخل هاجسة القاري من روايته هذه ، لكنه لايثبت له العقل بعد ما حفظها له التاريخ ، كيف يصدق ذو مسكة هذه السفسطة والركب السائرون إلى عثمان تعد بالآلاف من رجال الحواضر الاسلامية وهم معروفون مشهورون ولم يعرف أحد منهم بما قذفهم ابن حبيب ؟
(هامش ) * ( 1 ) راجع الجزء السابع ص 81 .
( 2 ) راجع الجزء الثامن ص 287 ط 2 . [ * ]
وما الذي أخفى ما عرف منهم الرجل على كل الصحابة والتابعين في الاوساط ولم يعلم به إلا هو فحسب ؟ على أنا نعرف جماهير من القوم لا نشك ولايشك عاقل في ثبوت كمال العقل لهم إلى أن ماتوا أو قتلوا كسيدنا عماربن باسر ومالك الاشتر ، وكعب بن عبده ، وزيد بن صوحان ، وصعصعة بن صوحان ، وعمرو بن بديل الورقاء ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمرو بن الحمق ، إلى نظرائهم الكثيرين وجلهم من رجال الصحاح والمسانيد أخرج أئمة الحديث من طرقهم أحاديث جمة وصححوها ، ولم يتوقف أحد منهم في شئ منها للجهل بصدورها قبل جنونهم أو بعده ولو أخذنا بلفظ القرماني فلا يشذ من الجنون جل الصحابة من المهاجرين والانصار إن لم نقل كلهم لاطباقهم على قتل الرجل وفي مقدمهم طلحة والزبير وعمرو بن العاص والسيدة عائشة ام المؤمنين . ولعمر الحق ان المعتوه من شوه صحيفة التاريخ بهذه الخزايات غلوا منه في فضائل أناس من الشجرة المنعوتة في القرآن . والله هو الحكم العدل .
44 - أخرج الواحدي في أسباب النزول ص 210 قال : أخبرنا محمد بن ابراهيم بن محمد بن يحيى قال : أخبرنا أبوبكر الانباري قال : حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر قال : حدثنا عفان . قال : حدثنا وهيب . قال : حدثنا عبدالله بن عثمان بن خثيم عن ابراهيم عن عكرمة عن ابن عباس قال : نزلت : ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر على شئ ( 1 ) في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سرا وجهرا ومولاه ابوالخوراء الذي كان ينهاه فنزلت . وضرب الله مثلا رجلين أحد هما أبكم لا يقدر على شئ ( 2 ) فالابكم منهما الكسل على مولاه هذا السيد أسد بن أبي العيص . ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم هو عثمان بن عفان رضي الله عنه . وبهذا الاسناد أخرجه البلاذري في الانساب 5 : 3 .
وذكر ابن سعد في طبقاته 3 : 41 مرسلا عن عكرمة عن ابن عباس نزول : هل
(هامش ) * ( 1 ) سورة النحل : 75 وتمام الاية : ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون .
( 2 ) وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم . تمام الاية . سورة النحل : 76 . [ * ]
يستوي هو ومن يأمر بالعدل . الآية . في عثمان . وكذلك المحب الطبري في الرياض النضرة 2 : 103 .
قال الاميني : لعل الباحث لا يطالبنا البحث عن إسناد هذه الاكذوبة التي حرفوا بها الكلم عن مواضعها ويراها شاهد صدق علي قول سعيد بن المسيب لبرد مولاه : يابرد إياك وأن تكذب علي كما يكذب عكرمة على ابن عباس ( 3 )
ولك أن ترجع البصر كرتين ، وتمعن النظر دواليك في صحيفة تاريخ عثمان ، في أي يوميه تجد منه ما يعاضد هذه الاسطورة ؟ ومتى كان يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ؟ أما أيامه مع النبي الاعظم صلى الله عليه وآله فحسبك منها ما ذكرناه في الجزء الثامن ص 231 ، 280 ، وفي هذا الجزء ص 327 وأما أيام خلافته فحدث عنها ولاحرج و قد سجل التاريخ له فيها هنات لا تغفر وعثراث لا تقال . وقد وصف مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام تلكم الايام في كتابه إلى اهل مصر بقوله : إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه ، وذهب بحقه ، فذهب الجور سرادقه على البر والفاجر ، والمقيم والظاعن ، فلا معروف يستراح إليه ، ولا منكر يتناهي عنه . راجع ص 74 من هذا الجزء .
ووصفها أبوأيوب الانصاري بقوله : عباد الله أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس ؟ وقد شمل العباد ، وشاع في الاسلام ، فذو حق محروم مشتوم عرضه ، و مضروب ظهره ، وملطوم وجهه ، وموطوء بطنه ، وملقى بالعراء . إلى آخر مامر في هذا الجزء ص 125 .
أكان من العدل وعلى الصراط المستقيم ايواء‌ه طريد رسول الله ولعينه ؟ أم خضمه مع ابناء بيته مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ؟ أم أياديه عند أهل العيث والفساد و اعطياته من مال المسلمين أبناء بيته الساقط من فاسق مستهتر إلى لعين طريد إلى شاب مترف إلى أغيلمة سفهاء ، وتسليطهم على ناموس الاسلام ورقاب المسلمين بتوليهم الامر في البلاد وبين يديه قوله صلى الله عليه واله وسلم من تولى من أمر المسلمين شيئأ فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله
(هامش ) ( 3 ) معارف ابن قتيبة ص 194 . [ * ]
ورسوله وجميع المؤمنين ؟ ( 1 ) وقوله صلى الله عليه وآله في صحيحة الحاكم من طريق ابن عباس :
من استعمل رجلا من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين . وقوله صلى الله عليه وآله في صحيحة أخرى من طريق أبي بكر : من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاماة فعليه لعنة الله : لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم . " إزالة الخفا 1 : 16 "
أكان من العدل وعلي الصراط المستقيم إزرائه صلحاء الامة وعظماء الصحابة و ايذائهم بغير ما اكتسبوا وقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ، وهم بين مسيرها لك في تسييره ، ومعذب في قعر السجون وظلم المطامير ، ومشتوم مهان ينادى عليه بذل الاستخفاف ، ومضروب قد دقت بالضرب أضلاعه ، وآ خرا عذر متنه وفتق بطنه ، ومحروم عن مال الله لامره بالمعروف وانكاره المنكر ؟ أم سبه الصحابة - العدول - وتكفيره إياهم بكتابه وخطابه أم مجابهته صنو رسول الله صلى الله عليه وآله ونفسه بتلكم القوارص ؟ أم عده مروان الوزغ الطريد اللعين أفضل من سيد العترة ؟ أم رأيه فيه سلام الله عليه بأنه أولى الناس بالنفي من جوار النبي الاقدس ؟ أم إبعاده إياه ، عن المدينة مرة بعد أخرى ؟ أم نقضه العهود و المواثيق المؤكدة ؟ أم نبذه كتاب الله وراء ظهره ، وشذوذه عن السنة الشريفة في صلاته وصلاته وحجه وزكاته وإدخال آرائه الشاذة في جميع ذلك ؟ أم أم إلى ماشاء الله .
هلا عرفت الصحابة عدل هذا الانسان وكونه على الصراط المستقيم يوم حسبوه جائرا في الحكم ، حائدا عن العدل ، متنكبا عن الصراط ، باغيا ساعيا في الارض فسادا ولم يبرحوا ناقمين مؤلبين عليه إلبا واحدا حتى تمخضت عليه البلاد ، وأسعرت وراء‌ه نارا ، ولم تنطفئ إلا باختلاسه وإخماد أنفاسه ؟ أو أنهم عرفوا ذلك غير ان الضغائن حدتهم إلى ما ارتكبوا منه ؟ فأين إذن عدالة الصحابة ؟ وإن كان الرجل آمرا بالعدل وهو على صراط مستقيم فعهده على نفسه سنة 35 بأن يعمل بالكتاب والسنة لماذا ؟ وتوبته مرة بعد أخرى على صهوات المنابر عماذا ؟ والتزامه بالاقلاع عما هو عليه وتغيير خطته لماذا ؟ وما تلكم الاقوال من الصحابة الواقفين عليه وعلى أعماله من كثب ؟ مثل قول علي أمير المؤمنين له : ما رضيت من
(هامش ) * ( 1 ) مجمع الزوائد 5 : 211 . [ * ]
مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يساربه . وقوله : أذهبت شرفك وغلبت على أمرك . وقول عمار : امضوا معي عبادالله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله .
وقول عمرو بن العاص لعثمان : ركبت بهذه الامة نهابير من الامور فركبوها منك وملت بهم فمالوا بك ، اعدل أو اعتزل .
وقول سعد بن أبي وقاص : لكن عثمان غير وتغير ، وأحسن وأساء .
وقول مالك الاشتر : الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه ، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره .
وقول صعصعة بن صوحان له : ملت فمالت أمتك ، اعتدل يا أميرالمؤمنين ! تعتدل أمتك .
وقول هاشم المرقال : إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب .
وقول عبدالرحمن العنزي : هو أول من فتح أبواب الظلم ، وارتج أبواب الحق .
وقول أصحاب حجر بن عدي : هو أول من جار في الحكم ، وعمل بغير الحق .
وقول الصحابة له : بلونا منك من الجور في الحكم ، والاثرة في القسم ، والعقوبة للامر بالتبسط من الناس .
وقول نائلة بنت الفرافصة زوجته له : إتق الله وحده لا شريك له ، واتبع سنة صاحبيك من قبلك
إلى كلمات كثيرة لامة كبيرة من الصحابة مرت في هذا الجزء ، فنزول الآية الكريمة في عثمان لاتساعده تلكم الاقوال ، وتضاده سيرته المعروفة ، هكذا يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به .
45 ـ أخرج ابن عساكر كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 110 عن ابن عباس انه قال : لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء . وذكره القرماني في أخبار الدول هامش الكامل 1 : 214 .
قال الاميني : للباحث أن يسائل راوي هذه المزعمة المرسلة المعزوة إلى حبر [ * ]
الامة عن أن الطلب بدم عثمان هل كان أمرا مشروعأ يرتضيه الله ورسوله ؟ أو كان غير ذلك ؟ فإن كان الاول ؟ فلماذا كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يعهد إلى علي أمير المؤمنين أن يقاتل الناكثين والقاسطين الطالبين بدم عثمان ؟ ويحث عيون أصحابه على مناصرته عليه السلام متى واثبه القوم ؟ ويحذر مناوئيه في المقامين وينهاهم عن قتاله عليه السلام ، ويصفهم بالظلم إن فعلوا راجع الجزء الثالث ص 188 - 195 ط 2 .
ولماذا كان مولانا أمير المؤمنين يناضلهم ، فضلا عن إشتراكه معهم في الطلب ؟ ولا يسلم إليهم قتلة عثمان وآواهم ؟ وهو الذي يدور الحق معه حيثما دار ، وهو مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا على النبي الحوض ( 1 )
وكيف كانت الصحابة العدول يقاتلون معه عليه السلام الثائرين بدم عثمان ؟ وفي يوم الجمل تحت رايته عيون الصحابة ووجهاء الامة ، وفي صفين شهد معه الامامان السبطان الحسنان وممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة مائتان وخمسون كما في مستدرك الحاكم 3 : 104 ويقال : ثمانمائة نفس فقتل منهم ثلاثمائة وستون نفسا ( 3 ) وكان معه ثمانون بدريا على رواية ابن ديزيل والحاكم ( 3 ) وجاء في خطبة سعيد بن قيس : سبعون بدريا ( 4 ) وفي كلام لمالك الاشتر : قريب من مائة بدري ( 5 ) ومن أولئك الصحابة وفي مقدمهم البدريون :
1 ـ أسيد بن ثعلبة الانصاري . بدري . 2 ـ ثابت بن عبيد الانصاري . بدري قتل بصفين . 3 - ثعلبة بن قيظي بن صخر الانصاري بدري . 4 - جبر بن أنس بن أبي زريق . بدري . 5 - جبلة بن ثعلبة الانصاري الخزرجي بدري .
6 - الحارث بن حاطب بن عمرو الانصاري الاوسي . بدري .
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما ذكرناه في الجزء الثالث ص 176 - 180 ط 2 .
( 2 ) الا ستيعاب في ترجمة عمار ، الاصابة 2 : 389 .
( 3 ) مستدرك الحاكم 3 ص 104 ، تاريخ ابن كثير 7 : 254 .
( 4 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 266 ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 483 .
( 5 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 268 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 484 . [ * ]
7 ـ الحارث بن النعمان بن أمية الانصاري الاوسي . بدري .
8 ـ حصين بن الحارث بن المطلب القرشي . بدري .
9 ـ خالد بن زيد بن كليب أبوأيوب الانصاري . بدري .
10 ـ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الانصاري الاوسي . بدري قتل بصفين .
11 ـ خليفة - ويقال : عليفة - بن عدي بن عمرو البياضي . بدري .
12 ـ خويلد بن عمرو الانصاري السلمي . بدري .
13 ـ ربعي بن عمرو الانصاري . بدري .
14 ـ رفاعة بن رافع بن مالك الانصاري الخزرجي . بدري .
15 ـ زيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدي البلوي . بدري .
16 ـ جابر بن عبدالله بن عمرو الانصاري السلمي . بدري .
17 ـ خباب بن الارت أبوعبدالله التميمي . بدري .
18 ـ سهل بن حنيف بن واهب الانصاري الاوسي . بدري .
19 ـ سماك بن - أوس بن - خرشة الانصاري الخزرجي . بدري .
20 ـ صالح الانصاري . بدري .
21 ـ عبدالله بن عتيك الانصاري . بدري .
22 ـ عقبة بن عمرو بن ثعلبة أبومسعود الانصاري . بدري .
23 ـ عمار بن ياسر المطيب الطيب الشهيد بصفين . بدري . 24 - عمرو بن أنس الانصاري الخزرجي . بدري .
25 ـ - عمرو بن الحمق الخزاعي الكعبي . بدري .
26 ـ قيس بن سعد بن عبادة الانصاري الخزرجي . بدري .
27 ـ كعب بن عامر السعدي . بدري .
28 ـ مسعود بن أوس بن أصرم الانصاري . بدري .
29 ـ أبوالهيثم مالك بن التيهان البلوي المستشهد بصفين . بدري .
30 ـ أبوحبة عمرو بن غزية . بدري .
31 ـ أبوعمرة بشر بن عمرو بن محصن الانصاري المستشهد بصفين . بدري [ * ]
32 ـ أبوفضالة الانصاري استشهد بصفين . بدري .
33 ـ أبومحمد الانصاري . بدري .
34 ـ أ بو بردة هاني بن نيار - ويقال : نمر - بدري .
35 ـ أبواليسر كعب بن عمرو بن عباد الانصاري السلمي . بدري .
36 ـ أسود بن عيسي بن أسماء التميمي .
37 ـ أشعث بن قيس الكندي كان أميرا على الميمنة يوم صفين .
38 ـ أنس بن مدرك أبوسفيان الخثعمي .
39 ـ الاحنف بن قيس أبوبحر التميمي السعدي .
40 ـ أعين بن ضبيعة الحنظلي . أحد الامراء بصفين .
41 ـ بريد الاسلمي . قتل بصفين وفيه يقول أمير المؤمنين :
جزى الله خيرا عصبة أسلمية * حسان الوجوه صرعوا حول هاشم .
بريد وعبدالله منهم ومنقذ * وعروة ابنا مالك في الاكارم .
42 ـ البراء بن عازب الانصارى الخزرجي .
43 ـ بشر - بشير - بن أبي زيد الانصاري .
44 ـ بشير بن أبي مسعود الانصاري .
45 ـ ثابت بن قيس بن الخطيم الانصاري .
46 ـ جارية بن زيد المستشهد بصفين
47 ـ جارية بن قدامة بن مالك التميمي السعدي .
48 ـ جبلة بن عمرو بن ثعلبة الانصاري .
49 ـ جبير بن الحباب بن المنذر الانصاري .
50 ـ جندب بن زهيرالازدي الغامدي كان من أمراء الجيش بصفين .
51 ـ جندب بن كعب العبدي أبوعبدالله الازدي الغامدي .
52 ـ الحارث بن عمرو بن حرام الانصاري الخزرجي .
53 ـ حازم بن أبي حازم الاحمسي المستشهد بصفين .
54 ـ الحبشي بن جنادة نصر السلولي
55 ـ الحجاج بن عمرو بن عزية الانصاري .
56 ـ حجر بن عدي الكندي المعروف بحجر الخير ، كان من الامراء يوم صفين
57 ـ حجربن يزيد بن مسلمة الكندي .
58 ـ حنظلة بن النعمان الانصاري .
59 ـ حيان بن أبجر الكناني .
60 ـ خالد بن أبي خالد الانصاري .
61 ـ خالد بن أبي دجانة الانصاري .
62 ـ خالد بن المعمر بن سليمان السدوسي كان من أمراء علي يوم صفين .
63 ـ خالد بن الوليد الانصاري ، كان ممن أبلي بصفين .
64 ـ خرشة بن مالك بن جرير الاودي .
65 ـ رافع بن خديج بن رافع الانصاري الخزرجي الحارثي .
66 ـ ربيعة بن قيس العدواني .
67 ـ ربيعة بن مالك بن وهيل النخعي .
68 ـ زبيد بن عبد الخولاني شهد صفين مع معاوية وكانت معه الراية فلما قتل عمار تحول إلى عسكر علي عليه السلام أخذا بقوله صلى الله عليه واله وسلم : عمار تقتله الفئة الباغية .
69 ـ زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الكعبي الخزرجي .
70 ـ زيد بن جارية الانصاري .
71 ـ زيد بن حيلة - بالمهلة والياء ويقال : بالمعجمة والموحدة - .
72 ـ زياد بن حنظلة التميمي .
73 ـ سعد بن الحارث بن الصمة الانصاري استشهد يوم صفين .
74 ـ سعد بن عمرو بن حرام الانصاري الخزرجي .
75 ـ سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد .
76 ـ سليمان بن صرد بن أبي الجون أبوالمطرف الخزاعي ، كان أميرا على رجالة الميمنة يوم صفين .
77 ـ سهيل بن عمرو الانصاري ، قتل بصفين مع علي عليه السلام
78 ـ شبث بن ربعي التميمي اليربوعي أبوعبد القدوس .
79 ـ شبيب بن عبدالله بن شكل المذحجي .
80 - شريح بن هاني بن يزيد بن نهيك أبوالمقدام الحارثي .
81 ـ شيبان بن محرث .
82 ـ صدى بن عجلان بن الحارث أبوأمامة الباهلي .
83 ـ صعصعة بن صوحان العبدي .
84 ـ صفر بن عمرو بن محصن . وقتل بصفين .
85 ـ صيفي بن ربعي بن أوس .
86 ـ عائذ بن سعيد بن زيد بن جندب المحاربي الجسري . المستشهد بصفين .
87 ـ عائذ بن عمرو الانصاري .
88 ـ عامر بن واثلة بن عبدالله أبوالطفيل الليثي .
89 ـ عبدالله الاسلمي ممن استشهد بصفين وأثنى عليه مولانا أمير المؤمنين كما مر ص 364 .
90 ـ عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي . قتل بصفين .
91 ـ عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم . كان على الميسرة يوم صفين .
92 ـ عبدالله بن خراش أبويعلى الانصاري .
93 ـ عبدالله بن خليفة البولاني الطائى .
94 ـ عبدالله بن ذباب بن الحارث المذحجي .
95 ـ عبدالله بن الطفيل بن ثور بن معاوية البكائي .
96 ـ عبدالله بن كعب المرادي ، قتل يوم صفين وكان من أعيان أصحاب أميرالمؤمنين .
97 ـ عبدالله بن يزيد الخطمي الانصاري الاوسي .
98 ـ عبدالرحمن بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، من شهداء يوم صفين .
99 ـ عبدالرحمن بن حسل الجمحي . قتل بصفين .
100 ـ عبيد بن خالد السلمي
101 ـ عبيدالله بن سهيل الانصاري .
102 ـ عبيد بن عازب أخوالبراء بن عازب .
103 ـ عبيد بن عمرو السلماني أبوعمرو صاحب ابن مسعود .
104 ـ عبد خير بن يزيد بن محمد الهمداني . من كبار أصحاب الامام عليه السلام .
105 ـ عدي بن حاتم بن عبدالله بن سعد الطائي .
106 ـ عروة بن زيد الخيل الطائي .
107 ـ عروة بن مالك الاسلمي قتل بصفين وأثنى عليه الامام عليه السلام كمامر ص 364 .
108 ـ عقبة بن عامر السلمي .
109 ـ العلاء بن عمرو الانصاري .
110 ـ عليم بن سلمة الفهمي .
111 ـ عمرو بن بلال كان من المهاجرين .
112 ـ عمير بن حارثة الليثي .
113 ـ عمير بن قرة السلمي .
114 ـ عمار بن أبي سلامة بن عبدالله بن عمران .
115 ـ عوف بن عبدالله بن الاحمر الازدي .
116 ـ الفاكه بن سعد بن جبير الانصاري الاوسي الخطمي . قتل بصفين .
117 ـ قيس بن أبي قيس الانصاري .
118 ـ قيس بن المكشوح أبوشداد المرادي . من شهداء صفين .
119 ـ قرظة بن كعب بن ثعلبة بن عمرو الانصاري الخزرجي .
120 ـ كرامة بن ثابت الانصاري .
121 ـ كعب بن عمر أبوزعنة .
122 ـ كميل بن زياد النخعي ، يقال : أدرك من الحياة النبوية ثماني عشرة سنة وكان شريفا مطاعا ثقة . الاصابة 3 : 318 .
123 ـ مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعى الاشتر .
124 ـ مالك بن عامر بن هاني بن خفاف الاشعري
125 ـ محمد بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، من شهداء صفين .
126 ـ محمد بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي يقال : قتل بصفين .
127 ـ مخنف بن سليم بن الحرث بن عوف بن ثعلبة الازدي الغامدي ، كان على راية الازد بصفين .
128 ـ معقل بن قيس الرياحي التميمي اليربوعي .
129 ـ المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبدالمطلب الهاشمي .
130 ـ منقذ بن مالك الاسلمي أخو عروة بن مالك ممن استشهد بصفين كمامر في شعر مولانا أميرالمؤمنين ص 364 .
131 ـ المهاجر بن خالد بن المخزومي . استشهد بصفين .
132 ـ نضلة بن عبيد الاسلمي أبوبريزة .
133 ـ النعمان بن عجلان بن النعمان الانصاري الزرقي .
134 ـ هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال . كان صاحب الراية واستشهد بصفين
135 ـ هبيرة بن النعمان بن قيس بن مالك بن معاوية الجعفي . كان من امراء علي عليه السلام
136 ـ وداعة بن أبي الانصاري .
137 ـ يزيد بن الحويرث الانصاري 138 - يزيد بن طعمة بن جارية بن لوذان الانصاري الخطمي .
139 ـ يعلى بن امية بن أبي عبيدة بن همام بن الحرث التميمي الحنظلي . يقال : انه قتل بصفين .
140 ـ يعلى بن عمير بن يعمر بن حارثة بن العبيد النهدي .
141 ـ أبوشمر بن أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الحميري ثم الابرهي قتل مع علي عليه السلام بصفين .
142 ـ أبوليلى الانصاري والد عبدالرحمن .
143 ـ أبوجحيفة السوائي .
144 ـ أبوعثمان الانصاري .
145 ـ أبوالورد بن قيس بن فهر الانصاري
والامام أمير المؤمنين قد أتم الحجة يوم الجمل على طلحة بما أسلفناه في الجزء الاول ص 186 ، 187 ط 2 ، وعلى الزبير بمامر في ج 3 ص 191 ط 2 وما قاتلهما إلا بعد إقامة الحجة عليهما ، ودحض أعذارهما المفتعلة ، فما وجدهما مخبتين إلى الحق مصيخين إلى ما اعترفا به من قول رسول الله صلى الله وعليه واله وسلم وكان موقفهما موقف المستهزء اللاعب بالدين الحنيف ، جاء رجل إلى طلحة والزبير وهما في المسجد بالبصرة فقال : نشدتكما بالله في مسير كما أعهد إليكما فيه رسول الله شيئا ؟ فقام طلحة ولم يجبه ، فناشد الزبير فقال : لا ، ولكن بلغنا
ان عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها ( 1 )
ولما بايع أهل البصرة الزبير وطلحة قال الزبير : ألا ألف فارس أسير بهم ألى علي فإما بيته وإما صبحته لعلي أقتله قبل أن يصل الينا ؟ فلم يجبه أحد . فقال : إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها . فقال له مولاه : أتسميها فتنة وتقاتل فيها ؟ قال : ويحك إنا نبصرو لا نبصر ، ما كان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه غير هذا الامر فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر (2)
وقد تحقق يوم ذاك ما كان يحذرمنه عمربن الخطاب وصدق الخبر الخبر ، قال عبدالله بن عمر : جاء الزبير إلى عمر فقال لعمر : إئذن لي أخرج فاقاتل في سبيل الله .
قال : حسبك قد قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق الزبير وهو يتذمر فقال عمر :
من يعذرني من أصحاب محمد صلى الله وعليه وسلم ؟ لو لا أني أمسك بفم هذا الشغب لاهلك امة محمد صلى الله عليه وسلم ( 3 )
أللهم ما كان ذنب حكيم بن جبلة وسبعين أبرياء آخرين من عبدالقيس قتلهم طلحة والزبير قبل وقوع الواقعة بعد ما نادى مناديهما بالبصرة : ألا من كان فيهم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأت بهم فجئ بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا . قال : حكيم بن جبلة لقد أصبحتم وإن دماء‌كم لنا لحلال بمن قتلتم من إخواننا ، أما تخافون الله عزوجل ؟ بما تستحلون سفك الدماء ؟ قال ابن الزبير : بدم عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قال : فالذين قتلتموهم قتلوا عثمان ؟ أما تخافون مقت الله ؟ فقال له عبدالله بن الزبير :
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 183 .
( 2 ) تاريخ الطبرى 5 : 183 .
( 3 ) تاريخ بغداد 7 : 453 . [ * ]
لا نرزقكم من هذا الطعام ولا نخلي سبيل عثمان بن حنيف حتى يخلع عليا فقتل حكيم بن جبلة وسبعون رجلا من عبدالقيس . ( 1 )
فعلى الرجلين وأمهما دم ستة آلاف أو يزيدون قتلى تلك الحرب الدامية ، ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها . ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا . ولنعم ما قال فتى بني سعد يوم ذاك :
صنتم حلائلكم وقدتم امكم * هذا لعمرك قلة الانصاف
امرت بجر ذيولها في بيتها * فهوت تشق البيد بالايجاف
غرضا يقاتل دونها أبناؤها * بالنبل والخطي والاسياف
هتكت بطلحة والزبير ستورها * هذا المخبر عنهم والكافي ( 2 )
ولم يكن حول الجمل إلا حثالة من ذنابا الناس أهل الشره والتره - من ضبة
والازد - الذين كانوا يلتقطون بعر الجمل ويفتونها ويشمونها ويقولون : بعر جمل امنا ريحه ريح المسك . يأتي حديثه في مستقبل الاجزاء إنشاء‌الله . كما لم يكن في جيش معاوية إلا ساقة الناس ورعائهم الذين وصفهم مولانا أميرالمؤمنين بقوله يوم ذاك : انفروا إلى بقية الاحزاب ، انفروا بنا إلى ما قال الله ورسوله إنا نقول : صدق الله ورسوله . و يقولون : كذب الله ورسوله ( 3 ) :
وقال سيدنا قيس بن سعد في كلام له : هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا أو يمانيا مستدرجا ؟ ( 4 )
وفي كلام لسيدنا عمار بن ياسر : إن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله يوم بدر ويوم احد ويوم حنين ، وإن هؤلاء مراكز رايات المشركين من الاحزاب ( 5 )
وفي مقال لسيدنا مالك الاشتر : أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله ، و مع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فما يشك في قتال
* ( هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 : 180 ، 182 ، 183 .
( 2 ) تاريخ الطبرى 5 : 176 :
( 3 ) أخرجه البزار باسنادين كما في مجمع الزوايد للحافظ الهيثمى 7 : 239 .
( 4 ) استدرجه : خدعه وأدناه .
( 5 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 363 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 506 . [ * ]
هؤلاء إلا ميت القلب .
( 1 ) ولم تكن الغايات في حرب معاوية تخفى على أي أحد حتى على النساء في خدورهن فهي كما قالت ام الخير بنت الحريش : إنها إحن بدرية ، وأحقاد جاهلية ، و ضغائن أحدية ، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس ، قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون ( 2 ) وكيف يكون هذا الطلب مشروعا والذين وتروا عثمان هم الصحابة العدول كلهم
حتى أن طلحة كان أشد الناس عليه ، وحسب مروان انه أخذ منه ثاره برمية منه جرعته المنية . وقد تثبط معاوية عن نصرته حتى قتلوه ؟ وإن كانت النهضة بثارات عثمان غير مشروعة يمقتها الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم - كما هو المتسالم عليه عند وجوه السلف - فكيف يدرأ بها العذاب عمن قام بها ؟ ولو صدقت الاحلام لوجب أن يكون أصحاب الجمل مكلوئين عن كل سوء لكن عوضا عن ذلك وافاهم العذاب من شتى النواحي وقتلوا تقتيلا ، وقطع الله أيدي الذين أخذوا بزمام الجمل حتى وردوا الهلكة صاغرين .
وأما معاوية فسل عنه ليلة الهرير ويومه فقد قتل فيهما سبعون ألف قتيل 45 ألفامن أهل الشام و 25 ألفامن أهل العراق ( 3 ) وهل استمر على الطلب بالثار لما تمهد له عرش الملك ؟ أو أنه اقتنع بالحصول على سلطة غاشمة وملك عضوض ؟ .
نعم : حصر هو تعقيبه بالابرياء شيعة أمير المؤمنين عليه السلام فقتلهم أينما ثقفهم تحت كل حجر وشجر ، وأما ثار عثمان فلم ينبس عنه بعد ببنت شفة فضلا عن أن يثأر له ولم يرم بالحجارة ، فدونك تاريخ معاوية ، فاقرأ واحكم .
46 ـ أخرج الخطيب في تاريخه 12 : 364 من طريق أحمد بن محمد بن المغلس الحماني عن أبي سهل الفضل بن أبي طالب عن عبدالكريم بن روح البزاز عن أبيه روح
(هامش ) * ( 1 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 268 ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 484 .
( 2 ) بلاغات النساء ص 36 ، العقد الفريد 1 : 132 ، نهاية الارب 7 : 241 ، صبح الاعشى 1 : 248 .
( 3 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 543 ، تاريخ ابن كثير 7 : 274 ، 312 ، فتح البارى
13 : 73 . (*)
ابن عنبسة بن سعيد بن أبي عياش الاموي مولاهم البصري عن أبيه عنبسة ( 1 ) عن جدته
" لابيه " أم عياش وكانت أمة لرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما زوجت عثمان ام كلثوم إلا بوحي من السماء
قال الاميني : لا تعجب من اخراج الخطيب هذا الحديث المرمع وسكوته عن علله فانه اسير صبابته إلى هوى آل امية ، وقد أعمته عن آراء رجال الجرح والتعديل في أحمد بن محمد ، وأنسته ما ذكره هو في ترجمة الرجل ، قال ابن عدي : مارأيت في الكذابين أقل حياء منه . وقال ابن قانع : ليس بثقة . وقال ابن أبي الفوارس ، كان يضع الحديث وقال ابن حبان : راودني أصحابنا على أن أذهب إليه فأسمع منه ، فأخذت جزء‌ا لانتخب فيه فرأيته حدث عن يحيى . . إلخ . وعن هناد . إلخ فعلمت أنه يضع الحديث . وقال الدارقطني : كان يضع الحديث . وقال الحاكم : روى عن القعنبي ومسدد وابن أبي اويس وبشر بن الوليد أحاديث وضعها . وقد وضع ايضا المتون مع كذبه في لقى هؤلاء . وقال الخطيب نفسه : حدث عن أبي نعيم وغيره بأحاديث أكثرها باطلة هو وضعها . وحكى عن بشر بن الحارث ويحيى بن معين وعلي بن معين وعلي ابن المديني أخبارا جمعها بعد أن وضعها في مناقب أبي حنيفة . وقال الدار قطني ايضا : مناقب أبي حنيفة موضوعة كلها وضعها أحمد بن المغلس الحمانى قرأته غير مرة . إلى كلمات آخرين ( 2 )
وفي الاسناد : عبدالكريم بن روح أبوسعيد البصري ، قال أبوحاتم : مجهول .
وقال عمرو بن رافع : دخلت عليه ولم أسمع منه ويقال : إنه متروك الحديث . وقال
ابن حبان : يخطئ ويخالف . وضعفه ابن أبي عاصم والدار قطني ( 3 ) أضف اليه في الجهالة أباه وجده وجدته ، راجع ميزان الاعتدال للذهبي والخلاصة لابن الجزري .
أخرجه ابن عدي من طريق عمير بن عمران الحنفي وعده من بواطيله واقره
الذهبي وابن حجر ، وقال ابن عدي : والضعف على روايته بين ، وقال العقيلي : في حديثه وهم غلط . " لسان الميزان 4 : 380 " .
(هامش ) * ( 1 ) في النسخة : عن ابيه عن عنبسة . والصحيح ما ذكرناه .
( 2 ) راجع المصادر المذكورة في الجزء الخامس ص 216 ط 2 .
( 3 ) تهذيب التهذيب 6 : 372 . [ * ]
نعم : أنا لا أشك في أن كل مافعله النبي صلى الله عليه واله وسلم أولهج به إنما هو عن وحي
منزل من السماء فإنه لاينطق على الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، غير أن المصلحة في الايحاء تخلف باختلاف الموارد ، فليس كل صلة منه صلى الله عليه واله وسلم أو برتدل على فضيلة في المبرور فأنها قد تكون لاتمام الحجة عليه ، كما أنها في المقام لايقاف الملا الديني على أن العداء المحتدم في صدور العبشميين على بني هاشم لا يزيحه أي عطف وصلة فإنه لابر أوصل من المصاهرة ولا سيما ببضعة النبوة ، لكن : هل قدر ذلك زوج ام كلثوم ؟ أو انه اقتر ف ليلة وفاتها ( 1 ) ولم يكترث للانقطاع عن شرف النبوة ، حتى أهانه رسول العظمة بملا من الاشهاد ، وحرم عليه الدخول في قبرها وهو في الظاهر أولى الناس بها بعد أبيها ؟ ولعل كل صهرأو مواصلة وقع بين بني هاشم والامويين كان من هذاالباب ، حاول الهاشميون وفي مقدمهم مشرفهم صلى الله عليه وآله تخفيض نائرة الا حن وتصفية القلوب من الضغائن ، لكن هل حصلوا على الغاية المتوخاة ؟ أو انكفؤا على حد قول القائل :
لقد نفخت في جذى مشبوبة * وقد ضربت في حديد بارد ؟
ولولا هذه المصاهرة وأمثالها لطالت الالسنة على الهاشمين لسبق ، المهاجرة والقطيعة بين الفريقين ، وحملواكل ما وقع بينهما على تلكم السوابق ، لكن الفئة الصالحة رواد إصلاح درأوا عن أنفسهم هاتيك الشبه بضرائب هذه المواصلات ، وعرفوا الناس إن العقارب لسب من ذاتها ، فلا يجدي معها أي لين وزلفة . ولعلك هاهنا تجد الميزة بين الصهرين مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام وصاحب سيدتنا ام كلثوم ، وتعليم سيرة الامام مع الصديقة الطاهرة حتى قضت نحبها وهي عنه راضية ، كما أنه فارقها وهو عنها راض ، وغادر رسول الله صلى الله عليه وآله الدنيا وسلم وهو راض عنهما . وانظر إلى آخر يوميهما هذايقترف ليلة وفاة ام كلثوم ما لايرضي الله ورسوله ولا يهمه فراقها ولا يشغله الهم بالمصيبة وانقطاع صهره من النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن المقارفة ، وذلك يندب الصديقة الطاهرة ويطيل بكاء‌ه عليها وهو يقول : السلام عليك يا رسول الله ! عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك ، قل يا رسول الله ! عن
(هامش ) * ( 1 ) مر حديثه في الجزء الثامن ص 213 - 234 ط 2 [ * ]
صفيتك صبري ، ورق عنها تجلدي ، إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فقد استرجعت الوديعة ، واخذت الرهينة ، أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبئك إبنتك بتضافر أمتك على هضمها فاحفها السؤال ، واستخبرها الحال هذا ، ولم يطل العهد ، ولم يخلق منك الذكر ، والسلام عليكما ، سلام مودع لاقال ولا سئم ، فإن أنصرف فلا عن ملامة وإن اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين . ثم تمثل عند قبرها فقال :
لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي واحدا بعد واحد ( 1 ) * دليل على أن لا يدوم خليل ( 2 )
47 ـ أخرج الازدي عن عبدالواحد بن عثمان بن دينار الموصلي عن المعافي بن عمران الثوري عن ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعثمان : أنت من أصهاري وأنصاري ، وعهد عهده إلي ربي إنك معي في الجنة
قال الذهبي في الميزان في ترجمة عبدالواحد 2 : 158 : خبر باطل ذكره الازدي .
48 ـ أخرج الطبراني قال : حدثنا بكربن سهل قال : ثنا محمد بن عبدالله بن سليمان الخراساني عن عبدالله بن يحيى الاسكندراني ثنا ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : لما طعن عمر وأمر بالشورى دخلت عليه حفصة ابنته فقالت :
يا أبت ! إن الناس يقولون : إن هؤلاء القوم الذين جعلتهم في الشورى ليسوا برضي .
فقال : أسندوني . فأسندوه فقال : عسى أن تقولوا في عثمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : يموت عثمان يصلي عليه ملائكة السماء . قلت : لعثمان خاصة أو للناس عامة ؟ قال : بل لعثمان خاصة . الحديث بطوله لكل واحد من الستة أصحاب الشورى منقبة ( 3 )
قال الذهبي في الميزان : حديث موضوع . وقال ابن حجر في اللسان : الوضع عليه ظاهر .
(هامش ) * ( 1 ) وفي لفظ : وان افتقادى فاطما بعد أحمد .
( 2 ) راجع اعلام النساء 3 : 1222 .
( 3 ) لسان الميزان 5 ، 226 . [ * ]
قال الاميني : بكربن سهل الدمياطي ضعفه النسائي ، كما ذكره الذهبي ، و
في لسان الميزان : ومن وضعه قوله : بكرت يوم الجمعة فقرأت إلى العصر ثمان ختمات .
ثم قال : فاسمع إلى هذا وتعجب . وقال مسلمة بن قاسم : تكلم الناس فيه ووضعوه من اجل الحديث الذي حدث به عن سعيد بن كثير ( 1 ) وفي الاسناد محمد بن عبدالله مجهول لا يعرف
49 - اخرج الخطيب البغدادي في تاريخه 11 : 169 من طريق عيسى بن محمد بن منصور الاسكافي عن شعيب بن حرب المدائني عن محمد الهمداني قال حدثنا شيخ في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - عن النعمان بن بشير قال : كنا عند على بن أبي طالب فذكروا عثمان فقال على : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون هم عثمان وأصحاب عثمان ، وأنا من أصحاب عثمان .
قال الاميني : لنا أن نسائل الخطيب عن عيسى بن محمد بن منصور الاسكافي من هو ؟ وما محله من الاعراب ؟ وهو الذي ترجمه هو ولا يعرف منه إلا إسمه ، ونسائله عن محمد الهمداني وعن شيخه الذى لم يسمه هو ولا غيره كأنه لم يكن ولم يولد ، وعن النعمان بن بشير ، من هو ؟ وما خطره ؟ وما قيمة روايته ؟ وهو الخارج على إمامه يوم صفين ومحاربه في صف الطغام الطغاة ، وهو الذي عرفه قيس بن سعد الانصاري يوم ذاك بقوله له : وأنت والله الغاش الضال المضل ، وهو القائل لقيس : لو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكانت واحدة بواحدة ، لكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا .
وهلا علي هذا هوالذي سأله عثمان أيام حوصرأن يخرج إلى ينبع حتى لا يغتم به ولا يغتم به علي ؟ وهلا هو ذلك القائل : والله الذي لا إله إلا هو ما قتلته ، ولا مالات على قتله ولا ساء‌ني ؟ والقائل : ما أحببت قتله ولا كرهته ، ولا أمرت به ولا نهيت عنه ، ولا سرني ولا ساء‌ني ؟ .
والقائل لاصحابه يوم صفين : انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا ، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة انه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص أوزارهم شيئا ؟ .
(هامش ) * ( 1 ) ميزان الاعتدال 3 ، 84 ، لسان الميزان 2 ، 52 ، وج 5 : 226 [ * ]
وهلا هو الكاتب إلى أهل مصر بقوله : إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه ، وذهب بحقه ، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر . الخ ؟ .
وهلا هو ذلك الذي لم يشهد لعثمان انه قتل مظلوما ؟ كما مر حديثه ( 1 )
وهلا هو ذلك الخطيب القائل في خطبته الشقشقية : إلى أن قام ثالث القوم نافجا
حضنيه بين نثيله ومعتلفه ؟ إلى آخر ما مرج 7 : 81 .
وما شأن أصحاب عثمان وفيهم مثل علي - اخذا بهذه الرواية - لا يوجد له منهم ناصر ؟ ولا يسمع من أحدهم فأمره ركز ؟ ولاينبس أي منهم في الدفاع عنه ببنت شفة ؟ والرجل قتل بين ظهرانيهم جهرا ، والقيت جثته في المزبلة ثلاثة أيام تجري عليه العواصف ، ثم دفن بأثوابه في مقابر اليهود ، ينادى عليه بذل الاستخفاف ، وقد أخذت الحجارة مجهزيه ، وطموا جثمانه خائفين مترقبين ، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ، والله يعلم انهم لكاذبون .
50 ـ إن عثمان بن عفان رأى درع علي رضي الله عنه يباع بأربع مائة درهم ليلة عرسه على فاطمة رضي الله عنها فقال عثمان : هذا درع علي فارس الاسلام لايباع أبدا فدفع لغلام علي أربعمائة درهم وأقسم أن لا يخبره بذلك ورد الدرع معه ، فلما أصبح عثمان وجد في داره أربعمائة كيس في كل كيس أربعمائة درهم مكتوب على كل درهم : هذا درهم ضرب الرحمن لعثمان بن عفان . فأخبر جبريل النبي صلى الله وعليه وسلم بذلك فقال : هنيئا لك يا عثمان ! .
قال الاميني : ذكر الحلبي في سيرته 2 : 228 عن فتاوى جلال الدين السيوطي انه سئل عن صحة هذه الرواية فأجاب بأنها لم تصح . فقال اي وهي تصدق بأن ذلك لم يرد فهو من الكذب الموضوع . ه‍ . ومر في الجزء الخامس في سلسلة الموضوعات ص 322 ط 2 قول ابن درويش الحوت : إنه كذب شنيع .
(ختام المناقب ) * قال الجرداني في مصباح الظلام 2 : 29 : فائدة : من كتب هذه الاسماء وغسل بها وجهه فانه لايعمى : ومن كتبها وشربها على الريق لاينسى ، ومن كتبها وشربها لايعجز عن النساء وهم عثمان بن عفان . معاذ بن جبل . عبد
(هامش ) * ( 1 ) تجد هذه الاحاديث في خذا الجزء 69 - 77 . [ * ]
الرحمن بن عوف . زيد بن ثابت . أبي بن كعب . طلحة بن عبدالرحمن . تميم الداري رضي الله عنهم .
قال الاميني : فليمتحن من لا يخاف عن العمى والنسيان والعنن . أضف إلى هذه الاساطير أو المخازي مامر في الجزء الخامس من المناقب الموضوعة لعثمان خاصة ص 313 ، 324 ، 329 ط 2 .
منتهى القول إلى هنا ننهي القول عن فضائل عثمان التي اختلقتها وثابة الشره ومهملجة المطامع
والشهوات في العصور الاموية طمعا في رضائخ اولئك المقعين على أنقاض عرش الخلافة وأكثر هؤلاء شاميون أو بصريون الذين جبلوا بحب العثمنيين ، ومناوء‌ة سروات المجد من العترة الطاهرة صلوات الله عليهم ، فليس وضع تلكم الروايات عنهم ببعيد ، ولعل هناك من ضرائب ما ذكرناه أشياء لكن سبيلها سبيل هذه الطامات في الاسانيد والمتون ومنشأ الكل هو المغالاة في الفضائل من غير تفهم ولا روية .
ولعل القوم في عذر مما هم عليه من عدم الاخذ بآراء الحفاظ وأئمة الفن الواردة في باب الجرح والتعديل ، وعدم إجرائها في رجال تلكم المسانيد سلسلة البلايا والطامات التي اتخذوها حجة في الفضائل ، وعلوا عليها الدعوة إلى اناس والتخذيل عن آخرين ، ولامندوحة لاولئك من رواية مرمعات الحديث ، الاخذ بالموضوع المختلق ، لانهم إن جنحوا في باب الفضائل إلى الصحيح الثابت في التاريخ والحديث فحسب ، واقتصروا على ماصح منها ، وصفحوا عن الباطل المزيف ، وتركواكل تلكم التلفيقات المخزية ، لتبقى تلكم الصحائف السوادء بيضاء خالية فارغة عن كل مأثرة و فضيلة وهذا عزيز عليهم جدا لا يحبذه الحب الدفين ، ولا تسوغه العصبية ، وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم فقد جاء‌وا ظلما وزورا ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، ويحسون انهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون ، انظر كيف نبين لهم الآيات أنى يؤفكون
المغالاة في فضائل الخلفاء الثلاثة
أبي بكر . عمر . عثمان
لقد أوقفناك على شيئ من الغلو الفاحش في كل فرد من هؤلاء ، وعرفناك ان كل ما لفقه القوم ورمقه من الفضائل إنما هي من مرمعات الحديث لا يساعدها المعروف من نفسياتهم وملكاتهم ولايتفق معها ما سجل لهم التاريخ من أفعال وتروك ، وهلم الآن إلى لون آخر مما تمنته يد الافتعال يشملهم كلهم ، ولانكترث من ذلك إلا لما جاء بصورة الرواية دون الاقوال والكلمات ، فإن رمي القول على عواهنه مما لا نهاية له ، وما حدت إليه الاهواء والشهوات لا تقف على حد ، فنمر بما جاء به أمثال أبناء حزم وتيمية والجوزي والجوزية وكثير وحجر ومن لف لفهم من السلف والخلف كراما ، فأنى يسع لنا التبسط تجاه مزعمة نظراء التفتازاني وأمثاله قال في شرح المقاصد 2 : 279 : احتج أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالاجماع على إمامة أبي بكر وعمرو عثمان رضي الله عنهم مع الاجماع على انهم لم تجب عصمتهم وإن كانوا معصومين بمعنى انهم منذ آمنوا كان لهم ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها .
وقال أبوالثناء شمس الدين محمود الاصبحاني المتكلم الشهير في " مطالع الانظار " 470 : ولايشترط فيه العصمة خلافا للاسماعيلية والاثنا عشرية . لنا : إمامة أبي بكر والامة اجتمعت على كونه غير واجب العصمة لا أقول إنه غير معصوم . ه‍ . وأقر عصمة عثمان الحافظ نور محمد الافغاني في كتابه " تاريخ مزار شريف " ص 4 .
ونحن وضعنا أمامك صحائف من كتب أعمال هؤلاء المعصومين التي قضوا أكثرها على العادات الجاهلية ، وأوقفناك على أن ما طابق منها عهد الاسلام مما لا يمكن أن يكون صاحبه عادلا فضلا عن أن يعد معصوما ، وهاهنا لا نحاول أكثر من لفت نظر القاري إلى تلكم الصحائف من غير توسع نكرره ، ففيما سبق في الجزء السادس والسابع والثامن من الطامات والجنايات والاحداث والشنايع والفظايع ومما لا تقرره طقوس الاسلام ويشذ عن سنن الكتاب والسنة غنى وكفاية وأما ما استنتجه التفتازاني من الاجماعين فمن أفحش أغلاطه . أما أولا فلمنع الاجماع في كل من الثلاثة فإن خلافة أبي بكر إنما تمت بعد وصمات سودت صحيفة تاريخه ، وأبقت على الامة عارا إلى منصرم الدنيا ، لا تنسى قط بمر الجديدين وكر الملوين ، إنما تمت ببيعة رجل أورجلين أو خمسة ، ومن هنا حسبوا ان الخلافة تنعقد برجل أو رجلين أو خمسة ( 1 ) مع تقاعد جمع كثير عنها من عمد الصحابة وأعيانهم كما فصلناه في الجزء السابع ص 93 ثم لم يجمعهم مع القوم إلا الترعيد والترعيب ومحاشد الرجال وبروق الصوارم وكان من حشدهم اللهام رجال من الجن رموا سعد بن عبادة أمير الخزرج .
وأما خلافة عمر فكانت بالنص من أبي بكر مع إنكار الصحابة عليه ونقدهم إياه بذلك . وكم اناس كانوا يشاركون طلحة في قوله لابي بكر : ما تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا ( 2(
وأما عثمان فنصبته الشورى على هنات بين رجال الشورى عقد له عبدالرحمن بن عوف ولم يشترطوا كما قال الايجي ( 3 ) إجماع من في المدينة فضلا عن إجماع الامة نعم : عقد عبدالرحمن البيعة لصاحبه وسيفه مسلول على رأس الامام علي بن أبي طالب قائلا له : بايع وإلا ضربت عنقك ولحقه أصحاب الشورى قائلين بايع وإلا جاهدناك أنساب البلاذري 5 : 22 . والتمحل بحصول الاجماع بعد ذلك تدريجا لا يجديهم نفعا ، فإن الخلافة قد ثبتت عندهم بالبيعة الاولى فجاء متمموا الاجماع بعد ذلك على أساس موطد .
وأما ثانيا فإن من الممكن على فرض التنازل مع التفتازاني أن يكون اجماعهم على خلافة الثلاثة لكونهم معصومين كما ينص به هو ، وأما الاجماع المنقول عنهم بعدم وجوب العصمة فمما لاطريق إلى تحصيله من آراء الصحابة ، فمتى سبر التفتازاني نظريات السلف وهم معدودون بمئات الالوف فعلم من نفسياتهم انهم لايرون وجوب العصمة في خلفائهم وهم رهائل أطباق الثرى ؟ ومن ذا الذي كان يسعه أن يعلمها فينهيها إلى التفتازاني وهلم جرا إلى دور الصحابة ؟ ومتى كانوا يتعاطون المسائل الكلامية ويتفاوضون
(هامش ) * ( 1 ) راجع مامر في الجزالسابع ص 141 - 143 ط 2
( 2 ) مرت كلمته في ج 7 : 152 . وراجع الرياض النضرة 1 : 181 كنز العمال 6 : 324
( 3 ) مرت كلمته في الجزء السابع ص 141 ط 2 . [ * ]
عليها فيحفي هذا خبر ذاك ثم ينقله إلى ثالث إلى أن يتسلسل النقل فيشيع ؟ والسابر لصحائف دور الخلافة الاولى منذ يوم السقيفة إلى يوم الشورى لايجد لامر العصمة في منتديات القوم ذكراو لا يسمع منه ركزا ، وإنما أتخذوا أمر الخلافة كملوكية يتسنى لهم بها الحصول على أمن البلاد وحفظ الثغور وقطع السارق والاقتصاص من القاتل وما إلى هذه من لداتها كما فصلنا القول فيه تفصيلاج 7 ص 136 وعلى ذلك جرى العلماء والمتكلمون فليس لهم في الشروط النفسانية من العلم والتقوى والقداسة أخذ ولارد إلا كلمات سلبية حول إشتراطها ، ومتى كانت الخلافة عند السلف إمرة دينية حتى يبحثوا عن حدوها ؟ ولم تكن إلاسياسة وقتية مدبرة بليل .
وأما ثالثا : فإنا لانحتج بالاجماع إلا بعد ثبوت حجيته ، فإذا ثبتت فانها لا تختص بمورد دون آخر فيجب أن يكون حجة في الخلافتين معا من أبي بكر وعثمان ذلك على نصبه ، وهذا على استباحة قتله ، والنقض بخروج ثلاثة أو أربعة من ساقة الامويين أو ممن يمت بهم ويحمل بين جنبيه نزعتهم في الاجماع على عثمان مقابل بخروج امه صالحة عن الاجماع الاول من أعيان الصحابة وفي طليعتهم سيد العترة وإمام الامة اميرالمؤمنين علي عليه السلام والامامان الحسنان والصديقة الطاهرة أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، إلى غيرهم من بني هاشم والعمد والدعائم من المهاجرين والانصار ، ووفاقهم الاخير مشفوعا بالترهيب لايعد وفاقا ولايكون متمما للاجماع ، فانهم كانوا مستمرين على آرائهم وإن ألجأتهم الظروف وحذار وقوع الفرقة إن شهروا سيفا وباشروا نضالا إلى المغاضاة عن حقهم الواضح
والمماشاة مع القوم كيفما حلوا وربطوا ، فهذا مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام يقول بعد منصرم
أيام الثلاثة في رحبة الكوفة : أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة ، وانه ليعلم أن محلى منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلى الطير ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا حتى مضى الاول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده . ثم ثمثل بقول الاعشى :
شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشد ما تشطر اضرعيها ،
فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها ،
فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم : وإن أسلس لها تقحم ، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس ، وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة ، وشدة المحنة حتى إذا مضي لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، لكني أسففت إذا سفوا وطرت إذا طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته . ( 1 )
تعرب هذه الخطبة الشريفة عن رأيه عليه السلام في الخلافة ، وكل جملة منها تشهد على عدم العصمة المزعومة ، أو تمثل اولئك المعصومين للملا بعجزهم وبجرهم ، أضف اليها قوله عليه السلام من كتاب له إلى معاوية ، ذكرت إبطائي عن الخلفاء ، وحسدي إياهم ، والبغي عليهم ، فأما البغي فمعاذالله أن يكون ، وأما الكراهة لهم فوالله ما اعتذر للناس من ذلك ، وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه فقد عمل عثمان بما قد علمت و عمل به الناس ما قد بلغك . ( 2 )
وقوله عليه السلام من خطبة له لما أراد المسير إلى البصرة : إن الله لما قبض نبيه صلى الله وعليه واله وسلم استأثرت علينا قريش بالامر ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة ،
فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم ، والناس حديثو عهد بالاسلام ، والدين يمخض مخض الوطب . يفسده أدنى وهن ، ويعكسه أقل خلق ، فولي الامر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء و الله ولي تمحيص سيآتهم والعفو عن هفواتهم . ( 3 )
(هامش ) * ( 1 ) راجع الجزء السابع ص 81 - 85 .
( 2 ) العقد الفريد 2 : 286 .
( 3 ) شرح ابن أبى الحديد 1 : 102 . [ * ]
وقوله عليه السلام إن النبي صلى الله وعليه واله وسلم قبض وما أرى أحد أحق بهذا الامر مني ، فبايع الناس أبابكر فبايعت كما بايعوا ، ثم أن أبابكر هلك وما أرى أحد أحق بهذا الامر مني فبايع الناس عمر بن الخطاب فبايعت كما بايعوا ، ثم ان عمر هلك وما أرى أحدا أحق بهذا الامر مني فجعلني من ستة أسهم فبايع الناس عثمان . ( 1 )
وقوله عليه السلام يوم قال أبوبكر لقنفذ وهو مولى له : اذهب فادع لي عليا . فذهب إلى علي فقال : ما حاجتك ؟ فقال : يدعوك خليفة رسول الله . فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول الله . فرجع فأبلغ الرسالة ثم قال أبوبكر : عد إليه فقل له : أميرالمؤمنين يدعوك لتبايع . فجاء‌ه قنفذ فأدى ما امر به فرفع علي صوته فقال : سبحان الله لقد ادعى ما ليس له . الحديث . الامامة والسياسة 1 : 13 . إلى كلمات اخرى توقف الباحث على جلية الحال .
فأين العصمة المزعومة ؟ ثم أين الاجماع المدعى عليها ؟ وأنى كان الاجماع على الخلافة ؟ ومتى تحقق ؟ وإن تم الاجماع فيجب أن يحتج به في الخلافتين وصاحبيهما وإن ابطلناه ففيهما معا ونحن لو اندفعنا إلى تفنيد أمثال هذه السفاسف المنبعثة عن الغلو في الفضائل لضاق بنا المجال عن السير في مواضيع الكتاب على أنها غير مبتنية على اسس رصينة تستحق أخذا بها أو رد عليها ، وإنما ذكرنا هذه الاسطورة فحسب لان نعطيك شيئأ من نماذج تلكم الاقاويل المسطرة بلا أي تعقل وتدبر ، فدونك شيئا مما عزوه إلى الروايات من فضايل الثلاثة .
1 ـ اخرج الامام الفقيه المحدث الثقة ( 2 ) أبوالحسين محمد بن أحمد الملطي الشافعي المتوفى 377 في كتابه " التنبيه والرد على أهل الاهواء والبدع " ص 23 قال :
قال محمد بن عكاشة رحمه الله أخبرني معاوية بن حماد الكرماني عن الزهري قال : من اغتسل ليلة الجمعة وصلى ركعتين يقرأ فيهما ( قل هوالله أحد ) ألف مره رأى النبي صلى الله وعليه وسلم في منامه . قال محمد بن عكاشة : فدمت عليه كل ليلة جمعة اصلي الركعتين أقرأ
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ الطبرى 5 ، 171 .
( 2 ) كذا وصفوه وأنت تعرف صدق وصفه من حديثه . [ * ]
فيهما ( قل هوالله أحد ) ألف مرة طمعا أن أرى النبي صلى الله وعليه وسلم في منامي فأعرض عليه هذه الاصول فأتت علي ليلة باردة فاغتسلت وصليت ركعتين ثم أخذت مضجعي فأصابني
حلم ، فقمت ثانية فاغسلت وصليت ركعتين ، وفرغت منهما قريبا من الفجر فاستندت إلى الحائط ووجهي إلى القبلة إذ دخل علي النبي صلى الله وعليه وسلم ووجهه كالقمر ليلة البدر وعنقه كابريق فضة فيه قضبان الذهب على النعت والصفة ، وعليه بردتان من هذه اليمانية قد إتزر بواحدة وارتدى باخرى ، فجاء واستوفز على رجله اليمنى وأقام اليسرى فأردت أن أقول : حياك الله فبادرني وقال : حياك الله وكنت احب أن أرى رباعيته المكسورة فتبسم فنظرت إلى رباعيته فقلت : يا رسول الله ! إن الفقهاء والعلماء قد اختلفوا علي وعندي اصول من السنة أعرضها عليك فقال : نعم فقلت : الرضا بقضاء‌الله : والتسليم لامرالله والصبر على حكم الله : والاخذ بما أمر الله ، والنهي عما نهى الله عنه ، والاخلاص بالعمل لله ، والايمان بالقدر خيره وشره من الله ، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين ، والمسح على الخفين ، والجهاد مع أهل القبلة ، والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة ، والايمان يزيد وينقص ، قول وعمل ، والقرآن كلام الله ، والصبر تحت لواء السلطان على ما كان فيه من جور وعدل ولا يخرج على الآمر بالسيف وإن جاروا ، ولا ينزل أحد من أهل التوحيد جنه ولا نار ، ولا يكفر أحد من أهل التوحيد بذنب وإن عملوا الكبائر ، والكف عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - فلما أتيت : والكف عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بكى حتى علاصوته - و أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي . قال محمد بن عكاشة : فقلت في نفسي في علي : ابن عمه وختنه . فتبسم عليه السلام كأنه قد علم ما في نفسي . قال محمد : فدمت ثلاث ليال متواليات أعرض عليه هذه الاصول كل ذلك أقف عند عثمان وعلي فيقول لي عليه السلام : ثم عثمان ثم علي . ثم عثمان ثم علي : ثلاث مرات . قال : وكنت أعرض عليه هذه الاصول وعيناه تهملان بالدموع قال : فوجدت حلاوة في قلبي وفمي
فمكثت ثمانية أيام لا آكل طعاما ولاأشرب شرابا حتى ضعفت عن صلاة الفريضة فلما أكلت ذهبت تلك الحلاوة واللذة والله شاهد علي وكفى بالله شهيدا .
وقال أميرالؤمنين المتوكل رحمه الله لاحمد بن حنبل رضي الله عنه : يا أحمد ! إني أريد أن أجعلك بيني وبين الله حجة فأظهرني على السنة والجماعة وما كتبته عن اصحابك عما كتبوه عن التابعين مما كتبوه عن أصحاب رسول الله . فحدثه بهذا الحديث .
قال الاميني : نحن نجد الباحث في غنى عن البحث عن هذه الاسطورة ومافيها من مضحكات الثكلى ، ونجل أحمد عن أن يتخذها حجة بينه وبين الله فيلقنها خليفة وقته ، ونربي به عن تصديق مثل محمد بن عكاشة الذي جاء فيه قول ابن عساكر بعد روايته هذه الرؤيا : قال سعيد بن عمرو البردعي : قلت لابي زرعة : محمد بن عكاشة الكرماني . فحرك رأسه فقال : رأيته وكتبت عنه وكان كذابا . قلت : كتبت عنه الرؤيا التي كان يحكيها ؟ قال : نعم كتبت عنه فزعم انه عرض على شبابة : الايمان قول وعمل ويزيد وينقص فيه اي به ، وأنه عرض على أبي نعيم : علي ثم عثمان فقال به وهو كذوب ولايحسن انه يكتب ايضا ، يعني إن شبابة لايقول بذلك وكذا أبونعيم قلت : اين رأيته ؟ قال ، قدم هنا مع محمد بن رافع وكان رفيقه كنت أرى له سمتا ولقيني محمد ابن رافع فكره أن يقول فيه شيئا وقال لي : لا يخفى عليك أمره إذا فاتحته فقلت : إن رأيت أن تفيدني شيئا قال : نعم . ثم كاد يصعق واضطرب بطنه فهالني ذلك ثم أقبل
علي فقال : إن اول ما أملى علي أن كذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه واله وسلم وعلى علي وعلى ابن عباس . الخ ( 1 )
وذكره الحاكم في الضعفاء فقال : منهم جماعة وضعوا كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل الاعمال مثل أبي عصمة ومحمد بن عكاشة الكرماني ثم نقل عن سهل بن السري الحافظ انه كان يقول : وضع أحمد الجويباري ومحمد بن تميم ومحمد بن عكاشة على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أكثر من عشرة آلاف حديث . راجع ما أسلفناه في سلسلة الكذابين ج 5 : 261 ط 2 ، ولسان الميزان 5 . 286 - 289 .
فرجل هذا حاله وتلك صفته وذلك حديثه ليس بالمستطاع تصديقه علي دعاويه المجردة في المبادئ والمعتقدات ، العجب كل العجب من الفقيه الثقة الذى يعتمد على مثلها من خزاية ، قاتل الله الحب المعمي والمصم هو الذي حدى القوم إلى تفتين بسطاء الامة بمثل هذه الخزعبلات والله يعلم أنهم لكاذبون .
(هامش ) * ( 1 ) لسان الميزان 5 : 287 . [ * ]
2 - أخرج البلاذرى في الانساب 5 : 5 عن خلف البزار عن أبي شهاب الحناط ( 1 )
عن خالد الحذاء البصري عن أبى قلابة البصري عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحمكم أبوبكر ، وأشدكم في الدين عمر ، وأقرؤكم ابي ، وأصدقكم حياء عثمان ، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضكم زيد بن ثابت ، وإن لكل امة أمينا وأمين هذه الامة أبوعبيدة الجراح . وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 1 : 325 محذوف الاسناد بلفظ : أرحم امتي
أبوبكر ، وأشدهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء ، عثمان ، وأفرضهم زيد ، وأقرأهم
ابي بن كعب . إلخ . ورواه في ج 6 : 199 من طريق أبي سعيد الخدري وعقبه : قال العقيلي : أسانيد هذه الاحاديث غير محفوظة والمتون معروفة .
قال الامينى : ألا تعجب من اسطورة جاء بها خلف البزار الثقة الامين العابد الفاضل السكير . قال أبوجعفر النفيلي : كان من أصحاب السنة لولا بلية كانت فيه : شرب النبيذ .
وذكر خلف عند أحمد - إمام الحنابلة - فقيل : يا أباعبدالله ! انه يشرب . فقال : قد انتهى إلينا علم هذا عنه ، ولكن هو والله عندنا الثقة الامين شرب أو لم يشرب ( 2 )
والرواية نفسها شاهد صدق على ما انتهى إلى إمام الحنابلة علمه من خلف البزار والذين أخذوها منه ورووها عنه إنما أقحمتم فيها سكرة الهوى لا نشوة السلافة .
ولتقديس ذيل هذا الثقة الامين عن رجاسة النبيذ جاء الخطيب البغدادي بما رواه عن محمد بن أحمدبن رزق عن محمدبن الحسن بن زياد النقاش قال : سمعت ادريس ابن عبدالكريم الحداد يقول : خلف بن هشام يشرب من الشراب على التأويل فكان ابن اخته يوما يقرأ عليه سورة الانفال حتى بلغ - ليميز الله الخبيث من الطيب - فقال ياخال ! إذا ميز الله الخبيث أين يكون الشراب ؟ قال : فنكس رأسه طويلا ثم قال : مع الخبيث . قال : فترضى أن تكون مع أصحاب الخبيث ؟ قال : يابني امض إلى المنزل
(هامش ) * ( 1 ) عبد ربه بن نافع السكنانى ، ثقة ليس بالقوى يهم في حديثه ويخطئ .
( 2 ) إقرأ واحكم . [ * ]
فاصبت كل شيئ فيه ، وتركه ، فأعقبه الله الصوم ، فكان يصوم الدهر إلى أن مات . حبذا هذا التنزيه لو صدقت الاحلام ، وهو وإن كان معقولا أحسن من رأي الامام أحمد من أنه الثقة الامين شرب أولم يشرب . فإنه رأي تافه لاتساعده البرهنة ولا يوافقه الشرع والعقل والمنطق ، والله يقول : يا أيها الذين آمنو إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا ( 1 ) غير أن من المأسوف عليه جدا بطلان إسناده لمكان محمدبن الحسن النقاش فإنه كذبه طلحة بن محمد ، ووهاه الدار قطنى ، ودلسه أبوبكر ، وقال البرقاني : كل حديثه منكر ، وذكر عنده تفسير وفقال : ليس فيه حديث صحيح . وكل هذه ذكره الخطيب نفسه فبماذا ينزه الرجل ؟ وأنى يتأتى له أمله ؟ وإني أشكر من انتهى اليه وضع هذه الاكذوبة على انه لم يذكر مع القوم مولانا أميرالمؤمنين عليا عليه السلام الذي هو أربي من كلهم في جميع الصفات المذكورة فانه يرفع عن أن يذكر في عداده أي احد ، كما أن فضائله أربى من أن تذكر معها فضيلة .
وهاهنا لا نناقش متن الرواية في الاوصاف التى حابت القوم بها ، فلعل فيها ما هو مدعوم بالبرهنة ، فيشهد على كون أبي بكر أرحم الامة إحراقه الفجاء‌ة ، وغضه الطرف عن وقيعة خالد بن الوليد في بني حنيفة وخزايته مع مالك بن نويرة وزوجته ( 2 )
وعدم اكتراثه لامر الصديقة فاطمة في دعواها ، وكانت له مندوحة عن مجابهتها باسترضاء المسلمين واستنزال كل منهم عن حصته من فدك إن غاضينا القوم على الفتوى الباطلة والرواية المكذوبة في انقطاع إرث النبوة خلافا لايات المواريث المطلقة وإرث الانبياء خاصة ، على أن فاطمة سلام الله عليها وابن عمها ما كانا يجهلان بما تفرد بنقله أبوبكر وصافقته على قوله سماسرته من الساسة لامر دبر بليل ، وأميرالمؤمنين عليه السلام أقضى الامة وباب مدينة علم النبي ، والصديقة فاطمة بضعته وما كان يشح صلى الله عليه واله وسلم عليها من إفاضة العلم ولاسيما علم الاحكام وعلى الاخص ما يتعلق بها ، وهو صلى الله عليه واله وسلم يعلم أنها سوف تقيم الدعوى على صحابته المتغلبين على فدك وأنها ستمنع عنها ويحتدم بينها و
(هامش ) * ( 1 ) سورة الحجرات : 6 .
( 2 ) راجع الجزء السابع ص 156 ، 157 ، 158 ، 168 ط 2 . [ * ]
بينهم الشجار ، ويستتبع ذلك انشقاقا بين الامة إلى يوم القيامة ، فمن مزدلفة إلى بضعة النبوة ، ومن جانحة إلى من منعها عن حقها ، فكان من الواجب أن يسبق صلى الله عليه واله وسلم إلي
ابنته بتفصيل حكم هذا شأنه قبل أبي بكر .
ألم تكن لابي بكر مندوحة تصحح إقطاع فاطمة فدكا وردها إليها حتى لا يفتح باب السوء‌ة على الامة كما ردها عمر إلى ورثة النبي الاقدس ، وأقطعهما عثمان مروان وأقطعها معاوية مروان وعمرو بن عثمان ويزيد بن معاوية على الاثلاث ، إلى ما رأى فيها الخلفاء بعدهم من التصرف كتصرف الملاك في أملاكهم ( 1 )
سل عن صفة أبي بكر هذه فاطمة وهي صديقة يوم خرجت عن خدرها وهي تبكي وتنادي بأعلى صوتها : يا أبت ! يارسول الله ! ماذالقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ( 2 )
وسلها عنها يوم لاثت خمارها على رأسها ، وأشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاء‌ة ، ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء ، وارتج المجلس ( 3 )
وسلها عنها يوم قالت لابي بكر : والله لادعون عليك بعد كل صلاة اصليها .
وسلها عنها يوم ماتت وهى واجدة على أبي بكر ، وهي التى طهرها الجليل بآية التطهير ، وصح عن أبيها قوله صلى الله عليه واله وسلم : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ، يؤذيني ماآذاها ، ويغضبني ماأغضبها ( 4 )
وقوله : فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد آذاني ( 5 )
وقوله : إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضي لرضاها ( 6 )
(هامش ) * ( 1 ) راجع ج 7 ص 195 ط 2 .
( 2 ) راجع ج 7 ص 77 .
( 3 ) راجع ج 7 ص 192 ط 2 .
( 4 ) راجع ج 7 ص 231 - 235 ط 2 .
( 5 ) راجع ج 7 ص 20 .
( 6 ) راجع ج 7 ص 235 ط 2 . [ * ]
وسل عنها أمير المؤمنين وهو الصديق الاكبر يوم قادوه ، كما يقاد الجمل المخشوش إلى بيعة عمت شومها الاسلام ، وزرعت في قلوب أهلها الآثام ، وعنفت سلمانها ، وطردت مقدادها ، ونفت جندبها ، وفتقت بطن عمارها ، وحرفت القرآن ، وبدلت الاحكام ، و غيرت المقام ، وأباحت الخمس للطلقاء ، وسلطت أولاد اللعناء على الفروج والدماء ، و خلطت الحلال بالحرام ، واستخفت بالايمان والاسلام ، وهدمت الكعبة ، و أغارت على دارالهجرة يوم الحرة وأبرزت بنات المهاجرين والانصار للنكال والسوء‌ة ، وألبستهن ثوب العار والفضيحة ، ورخصت لاهل الشبهة في قتل أهل بيت الصفوة وإبادة نسله ، واستيصال شأفتة ، وسبي حرمه وقتل أنصاره : وكسرمنبره ، وإخفاء دينه ، و قطع ذكره . إنا لله وإنا إليه راجعون .
وسل عنها أميرالمؤمنين يوم لاذ بقبر أخيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يبكي ويقول : يا ابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ( 1 ) إلى غير هذه من دلائل كون أبي بكر أرحم الامة . وأما كون عمر أشدهم في الدين فمن جلية الواضحات إن الشدة في الدين ليست هي الفظاظة والغلظة فحسب وإنما هي التهالك في التمسك بعروتي الكتاب والسنة و العمل بهما والاخذ والقيام بما جاء فيهما من الحدود ، وما أكثر ما خالفهما الرجل ونبذهما وراء ظهره واتخذ برأيه الشاذ عنهما ؟ ودع عنك ما جهله منهما . وماقيمة شدة بلاعلم ؟
وما مقدار شدة مع التنكب عن أساسيات الدين ؟ مع الخروج عن طقوس الاسلام ، مع التمسك بالاهواء والشهوات ؟ راجع نوادر الاثر في علم عمر من الجزء السادس ص 83 - 333 ط 2 فإنك تجد هنالك شواهد قوية على إثبات هذه الصفة فاقرأها وتبصر . وأما كون عثمان أصدقهم حياء فيكفي دلالة عليه الجزء الثامن والتاسع من هذا الكتاب وكل صحيفة منهما آية من آيات صفته تلك ، مضافا إلى ما سردناه في هذا الجزء‌ص 274 - 289 من البحث الخاص في حيائه
وأما الثلاثة الباقون فلا نطيل البحث عن إثبات ما ذكر لهم ، ففيه تضييع للوقت وشغل عما هواهم من ذلك ، ومن سبر كتابنا هذا عرف أعلم الامة وأفرضها وأمينها
(هامش ) * ( 1 ) راجع الجزء السابع ص 78 . [ * ]
وعلم أنه غيرهم ، فلا يدلس ساحة الامة بأمثال المذكورين ، ولا يخاف عليه مما كان يخاف النبي الاقدس صلى الله عليه واله وسلم على أمته كما جاء عنه : أخاف على امتي من بعدي ضلالة الاهواء ، واتباع الشهوات ، والغفلة بعد المعرفة . " اسدالغابة 1 : 108 " .
2 ـ في كتاب المناقب من صحيح البخاري 5 : 249 عن محمد بن الحنفية قال : قلت لابي : أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ابوبكر . قلت : ثم من ؟ قال : ثم
عمر . وخشيت أن يقول : ثم عثمان قلت : ثم أنت ؟ قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين .
وفي لفظ الخطيب في تاريخه 13 : 432 : قال قلت : يا أبت ! من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : يا بني أو ما تعلم ؟ قال : قلت : لا . قال : أبوبكر . قال : قلت : ثم من ؟ قال : يا بني ؟ أو ماتعلم ؟ قال : قلت : لا . قال ثم عمر . قال : ثم بدرته فقلت : يا أبت ! ثم أنت الثالث . قال : فقال لي : يا بني أبوك رجل من المسلمين له ما لهم و عليه ما عليهم .
قال الاميني : ليست هذه اول سقطة من سقطات البخاري ، ومن عرف معتقد أمير المؤمنين علي عليه السلام في الذين تقدموه وما استمر عليه دؤبه من التصريح بذلك المعتقد تارة والتلويح إليه اخرى لا يشك في أن ما عزي اليه بهتان عظيم .
وليس ابن الحنفية ذلك الذي لا يعرف أباه ولا نظريته في القوم بعد اللتيا والتي حتى يسأله عن اولئك الرجال ثم يخاف عن أن يقول في المرة الثالثة عثمان وهو يعرفه بعجره وبجره لا محالة ، ويعلم أنه هو أحد الثلاثين من بني أبي العاص الذين صح فيهم قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إذا بلغ بنوأبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، ودينه دخلا ( 1 ) لماذا كتم أميرالمؤمنين عليه السلام من ابن الحنفية رأيه هذا يوم مقتل عثمان لما أراد الامام عليه السلام أن يأتي الرجل وينصره فأخذ ابن الحنفية بضبعيه أو بكفيه أو بحقويه يمنعه من ذلك ( 2 )حاشا ابن الحنفية من الجهل بما جاء في أبيه الطاهر عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مر في الجزء الثامن ص 250 ، 251 ، 305 ط 2
( 2 ) الانساب 5 : 94 . [ * ]
قوله : إنه خير البرية ، وإنه خير البشر ، وإنه خير من أتركه بعدي ، وإنه خير الناس ، وإنه خير الرجال ، وإنه أحد الخيرتين ( 1 ) ومحمد بن الحنفية هوالذي كان ينشد شاعره كثير عزة بين يديه قوله :
أنت ابن خير الناس من بعد النبي * يابن علي سر ومن مثل علي ؟ ( 2 )
وأنى تصح نسبة هذه المزعمة إلى علي عليه السلام وقد جاء عنه من عدة طرق إنه قال :
حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مسنده إلى صدري فقال : أي علي ؟ ألم تسمع قوله الله تعالي " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية " ؟ أنت وشيعتك . وورد عن جابر : إن أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم كانو إذا أقبل علي قالوا : قد جاء خيرالبرية . راجع ما أسلفناه في ج 2 : 52 . أخرجه مضافا إلى ما ذكرناه هنالك من المصادر ابن أبي حاتم في تفسيره ، قال السيوطي في لئاليه 1 : 12 : التزم ابن أبي حاتم أن يخرج في تفسيره أصح ما ورد ولم يخرج حديثا موضوعا البتة . ه‍ .
ولو كان يرى أميرالمؤمنين أن أبابكر خيرالناس فلماذا تقاعد عن بيعته إلى أن توفيت سيدة النساء فاطمة ؟ وكان له وجه عند الناس أيام حياتها كما أخرجه البخاري نفسه ، وصافقه على ذلك بنو هاشم ومن وافقهم من غيرهم من وجوه الامة وأعيان الصحابة ، أولم يكن فيهم من يعرف منزلة الصديق هذه ؟ وما بال علي أميرالمؤمنين عليه السلام كان يحمل الصديقة الطاهرة على دابة ليلا في مجالس الانصار تسألهم النصرة على خير البشر ؟ ( 3 ) ولماذا لم يكن في مقال الدعاة إلى أبي بكر ايضا يوم السقيفة و بعده ما يومي إلى أنه خير البشر ؟ بل كان رطب ألسنتهم : انه السباق المسن وثاني اثنين إذ هما في الغار ( 4 ) مشفوعا كل ذلك بالارهاب والترعيد . أفلم يدبروا القول ، أم جاء‌هم مالم يأت آباء‌هم الاولين ؟ .
هب أن الصحابة يوم ذاك ما كانوا يعرفون منزلة الرجل ، فهلا نبههم عليه أمير المؤمنين وأمرهم باتباع خيرالناس وفيهم من كان أطوع له من الظل لذيه ، فقم بذلك
(هامش ) * ( 1 ) راجع ما مضى في الجزء الثانى ص 57 ، وج 3 : 22 ، 24 ط 2 .
( 2 ) طبقات ابن سعد 5 : 79 .
( 3 ) الامامة والسياسة 1 : 12 .
( 4 ) راجع الجزء السابع ص 91 ط 2 . [ * ]
جذوم الفتنة ، واستأصل جذورها ، وكسح الخلاف من بين المسلمين ، فلم يتركها فتنة عمياء تحتدم عليها الاحن ، وتتعاقب المحن ؟ حاشا مولانا أمير المؤمنين من كل هذه ، لكنه لم يعرف ما عزي إليه من حديث خير الناس ولا اعترف بمفاده طرفة عين ، بل كان صلوات الله عليه يرفع عقيرته بما يضاد هذه المزعمة في صهوات المنابر بين الملا الديني ، وقد مر شطر من تلكم الكلم في هذا الجزء . نحن هاهنا لسنا في مقام إثبات أن عليا خير البشر بعد صنوه الطاهر صلى الله عليهما وآلهما . كلا ثم كلا .
ولسنا في صراط بيان المفاضلة بينه سلام الله عليه وبين خلفاء الانتخاب الدستوري ، حاشا ثم حاشا . وإنما يروقنا جدا أن نمركز لهذا الانسان الكامل في الملا الديني مكانة فرد من آحاد المسلمين ، ونجعلها كلمة سواء بيننا وبين القوم ، ونتصافق على هذا فحسب . أللهم غفرانك وإليك المصير .
يا حبذا بعد ما صدق القوم ما عزي إليه صلوات الله عليه من قول : ما أنا إلا رجل من المسلمين أو قوله لا بنه : يا بني أبوك رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم . كانوا يعدونه رجلا منهم وأجروا عليه أحكام من آمن بالله وأسلم ، وكان له ما لهم وعليه ما عليهم . بل ليتهم كانوا اتبعوا رأي عثمان فيه ويرون مروان بن الحكم اللعين ابن اللعين بلسان النبي الاقدس أفضل منه . وليتهم ساووا بينه وبين سفلة الاعراب ، والطبقة الواطئة الساقطة من الصحابة ، لكن : أنى ؟ ثم أنى ؟ . قل لي بربك أي مسلم شريف أو وضيع لعن غيره في ثمانية عشر ألف منبر ،
ولم ينبس ابن انثى ببنت شفة في الدفاع عنه ؟ . قل لي بربك أي مسلم سائد أو سوقة غير سيد العترة سن سبه في الجمعة و الجماعة في الحواضر الاسلامية جمعاء ، وتختم بلعنه أندية الوعظ والخطابة ، ومن نهى عن ذلك ينفى عن عقر داره ؟ قال الجنيد بن عبدالرحمن بن عمرو : أتيت من حوران إلى دمشق لآخذ عطائي فصليت الجمعة ثم خرجت من باب الدرج فإذا عليه شيخ يقال له : أبوشيبة القاص ، يقص على الناس فرغب فرغبنا ، وخوف فبكينا ، فلما انقضى حديثه قال : اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب ، فلعنوا أبا تراب عليه السلام ، فالتفت إلى من على يميني فقلت له : فمن أبوتراب ؟ فقال : علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله وزوج ابنته ، وأول الناس إسلاما ، وأبوالحسن والحسين . إلى آخر ما في تاريخ ابن عساكر 3 : 407 . وفيه أن الجنيد استنكر الامر ولطم وجه الرجل فشكى إلى هشام ابن عبدالملك فنفى الجنيد إلى السند فلم يزل بها إلى أن مات . قل لي بربك أي عزيز تحت ظل النبوة غير عزيزنا المفدى ، أضهده نير المذلة ، وأصبح ضهدة لكل أحد ، جرعته يد الاحن كاسات المحن ، حتى سئم من حياته ، وصبر وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، يرى تراثه نهبا ؟ . قل لي بربك أي صحابي غير علي عليه السلام لا يستقيم الامر لامة محمد إلا بسبه ؟ يقال لمروان : مالكم تسبونه على المنابر ؟ فيقول بمل‌ء فمه . إنه لايستقيم لنا الامر إلا بذلك ( 1 ) قل لي بربك أي موحد إسلامي في الملا الديني يتبرأ منه في بيعة خليفة المسلمين بيع الله ورسوله سوى علي عليه السلام ؟ وقد اشترط معاوية البراء‌ة منه عليه السلام في بيعته ( 2 ) قل لي بربك أي إنسان ثقل اسمه على الناس غير علي صلوات الله عليه ؟ هذه عائشة لم تسمه ولا تقدر على أن تذكره بخير ، ولا تطيب له نفسا ( 3 ) وكان معاوية أو عبدالملك بن مروان أو هما معا يأمران إبن عباس أن يغير اسم ولده علي وكنيته ( 4 )وكان علي بن الجهم السلمي يلعن أباه لانه سماه عليا ( 5 )قل لي بربك أي رجل أسلم وجهه لله وهو محسن غير أول المسلمين يرى
(هامش ) * ( 1 ) الصواعق لابن حجر ص 33 .
( 2 ) البيان والتبيين للجاحظ 2 . 85 .
( 3 ) مرالحديث باسناد صحيح في هذا الجزء صفحة 325 .
( 4 ) تاريخ الطبرى 8 : 230 ، حلية الاولياء 3 : 207 ، الكامل للمبرد 2 : 157 ، العقد الفريد 3 : 286 ، الكامل لابن الاثير 5 : 78 ، تاريخ ابن خلكان 1 : 350 ، تهذيب التهذيب 8 : 358 ، شذرات الذهب 1 : 148 .
( 5 ) لسان الميزان 4 : 210 . [ * ]
لاعنوه وشاتموه ومعاندوه وقاتلوه وخاذلوه متأولين مجتهدين لايستحقون مقتا ولا أخذا ولاهوانا ولا عقابا ؟ قل لي بربك أي ابن انثى من أبناء الاسلام عدا وليد الكعبة ابن فاطمة استحق شيعته ومحبوه وأهله وذووه في المجتمع السب واللعن والقتل والسبي والازراء و الضرب والنكال والسوء‌ة والحبس في ظلم المطامير وقعر السجون ، وضاقت عليهم الارض بما رحبت ؟
الهضيمة كل الهضيمة دفاع ابن حجر عن مثل حكم بن أبي العاص طريد النبي ولعينه وعن الوقيعة فيه بما تحقق منه وعلم من الفاحشة ، وذبه عنه لمكان كونه صحابيا ( 1 )
الهضيمة كل الهضيمة ذب ابن حزم عن عبدالرحمن بن ملجم قاتل اميرالمؤمنين وعدم تجويزه لعنه وتبريره عمله بأنه مجتهد مخطئ ( 2 ) الهضيمة كل الهضيمة نصرة القاضي حسين الشافعي عمران بن حطان مادح ابن ملجم قاتل الامام الطاهر بقوله :
ياضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لاذكره حينا فأحسبه * أوفى البرية عندالله ميزانا
يحكم بعدم جواز لعنه زعما بكونه صحابيا ( 3 ) ذاهلا عن أن ابن حطان لم يكن صحابيا وإنما هو من رؤس الخوارج الملعونين بلسان النبي الاقدس ، ولد الرجل بعده صلى الله عليه واله وسلم بمدة .
الهضيمة كل الهضيمة تبرير ساحة معاوية الربا والخمور من دنس طاماته و موبقاته وجناياته الكبيرة على الاسلام والمسلمين وقتله آلافا من صلحاء امة محمد صلى الله عليه واله وسلم بكلمة واحدة موجزة ، بأنه كان مجتهدا متأولا مخطئا . ( 4 )
الهضيمة كل الهضيمة الاعتذار عما اقترفه يزيد الخمورو الفجور : وتنزيه ساحته
(هامش ) * ( 1 ) راجع مامضى في الجزء الثامن ص 251 ط 2 .
( 2 ) راجع ما أسلفناه في الجزء الاول ص 323 ط 2 .
( 3 ) الصابة 3 : 179 .
( 4 ) الفصل لا بن حزم 4 : 89 ، تاريخ ابن كثير 7 : 279 . [ * ]
من أرجاسه المكفرة والنهي عن لعنه وذكره بالسؤ بأنه مسلم لم يثبت كفره وانه إمام مجتهد ( 1(
إلى مناصرات ومدافعات عن أمثال هؤلاء بشروى تلكم الكلم الفارغة ، وأما سيدنا المفدى حبيب الله وحبيب رسوله فلسنا مغاليا إن قلنا : إن الامة كانت مصرة على مقته ، مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده إلا القليل ممن وفا لرعاية الحق فيه ، فليت القوم أخذوا من بخاريهم وخطيبهم هذه الكلمة المعزوة إلى أمير المؤمينن : " ماأنا إلا رجل من المسلمين " - وإن كانت مختلقة - وأجروا عليه حكمها . لكن . لكن . . .
ثم كيف تعزى إليه سلام الله عليه هذه المفاضله وقد جاء عن النبي الاقدس قوله لفاطمة الصديقة : زوجتك خير امتي ، أعلمهم علما ، وأفضلهم حلما ، وأولهم سلما ؟ مرفي ج 3 : 95 ط 2 .
وقوله صلى الله عليه واله وسلم علي خير من أتركه بعدي .
وقوله صلى الله عليه واله وسلم : خير رجالكم علي بن ابي طالب ، وخير نسائكم فاطمة بنت محمد .
وقوله صلى الله عليه واله وسلم : علي خير البشرفمن أبى فقد كفر .
وقوله صلى الله عليه واله وسلم : من لم يقل علي خيرالناس فقد كفر .
وقوله صلى الله عليه واله وسلم : لفاطمة سلام عليها : إن الله إطلع على أهل الارض فاختار منه أباك فبعثه نبيا ، ثم اطلع الثانية فاختار بعلك .
وقوله لها : إن الله اختار من أهل الارض رجلين أحدهماأبوك والآخر زوجك ( 2 )
وليت شعري كيف تصح عنه هذه المفاضلة وقد اتخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له نفسا كما جاء في الذكر الحكيم ، وطهره الجليل بآية التطهير ، وقرن بين ولايته وولاية رسوله وبين ولاية علي في نص الكتاب الكريم ، وأنزله صلى الله عليه واله وسلم من نفسه منزلة هارون من موسى ، ولم يستثن لنفسه إلا النبوة ،
واتخذه صلى الله عليه واله وسلم أخا لنفسه يوم المؤاخاة المبتنية على أساس المشاكلة في الملكات والنفسيات ، فكيف تتم هذه كلها وفي
(هامش ) * ( 1 ) تاريخ اين كثير 8 : 223 ج 13 : 9 .
( 2 ) راجع ما مر في ج 3 : 20 - 23 ط 2 . [ * ]
الامة من هو أولى منه ؟
ولست أدري كيف كان علي اميرالمؤمنين أحب الخلق إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه واله وسلم وفي الامة من هو خيرمنه ، وقد صح عنه صلى الله عليه واله وسلم قوله في حديث الطير المشوي الآتي ذكره إنشاء‌الله . اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ليأكل معي . فأتاه علي عليه السلام
وقوله صلى الله عليه واله وسلم لعائشه : إن عليا أحب الرجال إلي وأكرمهم علي فاعرفي له
حقه واكرمي مثواه . وقوله : أحب الناس إلى من الرجال علي .
وقوله : علي أحبهم إلى وأحبهم إلى الله ولاتنس ها هنا قول عايشة : والله ما رأيت أحدا أحب إلى رسول الله من علي . ولا قول بريدة وابي : أحب ا لناس إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من النساء فاطمة ومن الرجال علي ( 1 )
ثم مابال الصديقة فاطمة تموت وهي واجدة على أبي بكر وعمر وهما خيرا البشر ؟
مابالها وندائها بعد في آذان الامة المرحومة وهي باكية لاذت بقبر أبيها و تقول : يا أبت يارسول الله ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟
ما بالها وقولها للخيرين : إني ا شهدالله وملائكته إنكما أسخطتمانى وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لاشكونكما إليه ؟ وحديث أنينها بعد دائر سائر بين حملة التاريخ .
ما بالها وهي توصي بأن تدفن ليلا ولا يصلي عليها أبوبكر ، ولا يحضر الخيران تجهيزها وتشييعها ؟ وهذا النبأ العظيم بعد يدور في أندية الرجال . ( 2 )
نعم : السر في ذلك كله أن الصديقة كابن عمها أميرالمؤمنين لاتعرف شيئا من . قول الزور ، ولعل الواقف على الجزء السادس والسابع من هذا الكتاب يطل على كون الرجلين خير البشر بأقرب من هذا . ونحن على يقين من أن الباحث النابه الحر بعد الوقوف على ما في غضون الاجزاء
(هامش ) * ( 1 ) راجع مامرفى ج 3 : 21 - 23 ط 2 .
( 2 ) راجع مامر في ج 7 : 227 . [ * ]
الخمسة الاخيرة من العشرة الاولى من أجزاء كتابنا هذا لايبقي له قط ريب في أن رواة هذه الاساطير المختلقة والقائلين بمغزاها والمخبتين اليها صما وعميا ناهم الغلاة في الفضائل حقا ، فقد جاء‌وا ظلما وزورا وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون فبدل الذين ظلمواقولا غيرالذي قيل لهم ، فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاء‌ه فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
انتهى الجزء التاسع
من كتاب " الغدير " ويتلوه العاشر إن شاء‌الله
يبدا فيه ببقية مناقب الخلفاء الثلاثة
لفت نظر
كل فصل وكلمة وجملة توجد في المتن أوالتعليق مرموزة بم في هذا الجزء وبقية أجزاء الكتاب فهي من ملحقات الطبعة الثانية وزياداتها ، تبدأ بم وتنتهي بقويس تتلوها كتب أتتنا من عفك
أتانا كتاب من الشاعر الشريف السيد نعمة السيد حسون البعاج المحترم ،
صدره بجمل الثناء الضافية على كتابنا " الغدير " وشفعها بقوله :
فأي غدير جاء والبحر دونه ؟ * غديرك بحر لا يساجله البحر
فإن قلت إن البحر باهى بدره * ففيه عقود لايماثلها الدر
ثم ختمه بأبيات راجيا أن تنشر في هذاالجزء ألا وهي :
كتاب " الغدير " جليل خطير * وفيه لعمري بلوغ الارب
ذكاء وسرنا على ضوئها * لقصد إليه الورى تقترب
أ عبدالحسين ويا حاويا * جماع الكمال وعقد الادب
فكيف احبر فيك الثنا * وأنت تجدد مجد العرب
أعبد الحسين بمجد الحسين * حباك المهيمن أسمى الرتب
" فيا أيها السيد الفاضل الشريف الفعال المنيف الحسب "
هلال الكمال بافق العراق * توارى زمانا وعنا احتجب
ومذ جاء‌نا بالغدير البشير * بدى مشرقابعد ماقد غرب
فقأت عيونا غداة به * أعدت لقوم ليالي الطرب
فهذا " الغدير " لنامنهل * لصادي الفواد شراب عذب
وهذا " الغدير " ورب الغدير * يفوق النضار وما من عجب
فأين الجواهر منه تكون ؟ * وأين اللجين وأين الذهب ؟
فسفر هدى فاق أضرابه * هوالرأس حقا وهن الذنب
وجدنا " الغدير " لنا شافيا * يزيل العناء وينفي النصب
وفيه الكفاية عن غيره * ولا فقر بعد إلى من كتب
فإن كنت تنوي به قربة * هنيئا فهذي أجل القرب
وإن كنت تنوي به غاية * فقد نلت فيه لذاك الطلب
وله كتاب آخر إلينا ختمه بقوله : دع المجدب الظامي يموت بدائه * ويجرع من كأس الندامة صابا
إيصدر عن روض " الغدير " ومائه * ويتبع وهما نائيا وسرابا ؟
ويحسب أن يروي غليل فؤاده * ولما يجد غير " الغدير " شرابا ؟
فدعه يلاقي حتفه هو صاديا * ودعه يرى ما يرتضيه يبابا
(كتاب آخر )
تلقيناه من الشاعر العلوي النبيل السيد يحيى السيد داود الشرع صدره بقوله :
الحق أبلج وضاح لطالبه * كالشمس بادية في الافق للنظر
والفضل يرجع في العصر الحديث لمن * بسفره قد أتى عن محكم السور
ذاك ( الاميني ) قد لاحت معاجزه * فكان نور هدى في عالم البشر
وقفاها بفصول الاطراء وختمه بارجوزة تربو على أربعين بيتا يذكر فيها كتاب الغدير " وبعض مصادره ، أرجأنا نشرها إلى آونة اخرى .
) كتاب ثالث)
أخذناه من الشاعر المبدع يحيى صالح الحلي افتتح كتابه بقوله :
أنرت بسفرك هذاالجليل * طريق الهداية للمجحف
وأوضحت اكذوبة الجاحدين * فلاح لنا منه سر خفي
ثم سبك عقود القريظ ، وسرد كلما منثورة في إطراء " الغدير " وتخلص منها بأبيات على بحر رجز . فله وللشريفين الشكر المتواصل منا غير مجذوذ .
( كتاب رابع )
أتانا من الخطيب الشاعر الشيخ كاظم آل حسن الجنابي بعفك وإليك نصه نظما ونثرا :
سماحة العلامة الاكبر ، شيخنا المعظم الشيخ عبدالحسين الاميني المحترم
بعد تقبيل أناملكم والسلام عليكم والدعاء لكم بالخيرا قدم إليكم أبياتا نظمتها
بدافع ديني لا اريد أن اقرظ بها كتاب ( الغدير ) الاغر الذي عجز عن تقريظه وإطرائه أعلام الفقه والفضيلة ، وفطاحل العلماء ولم يحط بوصفه عباقرة الكلام وصيارفة الادب ، وكيف يطيق شاعر مفلق أوذو يراع ملهم أن يحد نعته ويحيط بكنهه ، وهو نسيج وحده نسجته يد القدرة ، وصاغته كف العناية ، وصفحته عين اللطف ؟ فجاء بحمد الله فريدا في بابه ، بليغا في خطابه ، أصاب قلب الغرض ، وكشف وجه الحقيقه وأماط عنها دياجير الظلم ، وغياهب الاجحاف ، فليس باستطاعتي والحالة هذه تقريظ مثل هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ومن أنا وما قدر إمكاني يا سيدي ! حتى أتصدى لمدح ( الغدير ) الذي نبت عن وصفه قرائح الشعراء وأقلام الكتاب ؟
ولكني إنما أردت بأبياتي هذه إن راقت سيدنا ( الاميني ) أن يتفضل بنشرها لتكون لي ذكرى خالدة بخلود غديرنا الصافي .
سألوني عن " الغدير " اناس * أين كان " الغدير " قبل الاميني ؟
قلت : كان الغدير في سجن غي * صفدته قيود إفك ومين
وغدا في السجون من يوم خم * يوم قال الآله : أكملت ديني
قد أتاه " الاميني " لما دعاه * مستعينا فياله من معين
فجزاه الآله خير جزاء * أوضح الحق في كتاب مبين
وإذا بالغدير بين يدينا * فيه تبيان كل شئ دفين
فيه ماتشتهي النفوس وفيه * ما تلذ العيون رأي العيون
فرحة الصادقين فيه وفيه * ترحه الكاذبين حق اليقين
ياكتاب " الغدير " أبهجت منا * مذ تلوناك كل قلب حزين
سوف تبقي بغرة الدهر نورا * خالدا في الوجود طول السنين
وسلام على مؤلف سفر * فاق فضلا رجال كل القرون
[ الشيخ كاظم آل حسن الجنابى
فهرست ما في هذاالجزء من امهات المطالب
ماجرى بين عثمان وابن مسعود 3 - 6
ترجمة ابن مسعود والثناء عليه 6 - 11
نظرة في قصة ابن مسعود 11 - 14
مواقف عثمان مع عمار 14 - 19
ترجمة عماربن ياسر والثناء عليه 20 - 28
نظرة في مواقف عمار مع عثمان 28 - 30
تسيير صلحاء الكوفة إلى الشام 30 - 36
نظرة في تسيير صلحاء الكوفة 37
ترجمة مالك الاشتر . وزيد وصعصعة . ابني صوحان . وجندب . وكعب . وعدي بن حاتم . ومالك بن حبيب . ويزيد بن قيس . وعمرو بن الحمق . وعروة . وأصعر . وكميل بن زياد .
والحارث الهمداني 38 - 47
تسيير كعب بن عبده 47 - 52
تسيير الخليفة عامرا 52 - 58
تسيير الخليفة عبدالرحمن 58 - 60
تسيير الخليفة عليا أميرالمؤمنين 60 - 63
آية نازلة في عثمان 63
عثمان لا يعرف المخلص من النار 65
ترك الخليفة سنة التكبير 66
نتاج البحث وجناية التاريخ 67 - 69
) آراء الصحابة العدول في عثمان )
حديث أمير المؤمنين علي عليه السلام 69 - 77
حديث عائشة ام المؤمنين 77 - 86
" عبدالرحمن بن عوف 86 - 91
" طلحة بن عبيدالله 91 - 101
" الزبير بن العوام 101 - 103
" طلحة والزبير 103 - 110
" عبدالله بن مسعود 110
" عمار بن ياسر 110 - 114
" المقداد الكندي 114 - 118
" حجر بن عدي 117 - 120
" عبدالرحمن 120
" هاشم المرقال 121
" جهجاه الغفاري 122
" سهل ورفاعة والحجاج الانصاريين 124
" أبي أيوب الانصاري 125
" قيس الانصاري 126
" فروة الانصاري 128
" محمد الانصاري 129
" جابر الانصاري 129
" جبلة الانصاري 130
" محمد بن مسلمة الانصاري 132
" ابن عباس حبرالامة 133
" عمرو بن العاصي 135 - 139
" أبي الطفيل 139
" سعد بن أبي وقاص 140
حديث مالك الاشتر 141
" عبدالله بن عكيم 143
" محمد بن أبي حذيفة 143
" عمر والنخعي 146
" صعصعة بن صوحان 147
" حكيم العبيدي 148
" هشام المخزومي 149
" معاوية بن ابي سفيان 149 - 152
" عثمان نفسه 152
قريض يؤكد ماسبق 154
حديث المهاجرين والانصار 157
كتاب المدنيين إلى الصحابة 161
" المها جرين إلى مصر 162
" المدنيين إلى عثمان 162
الاجماع والخليفة 163
قصة الحصار الاول 168
كتاب المصريين إلى عثمان 170
عهد الخليفة على نفسه 170
صور من توبة الخليفة 172 - 175
عهد آخربعد الاول 175
قصة الحصار الثاني 177
صورة أخرى من القصة 179
لفظ الواقدى في القصة 181
الخليفة تواب عواد 183
نظرة في أحاديث الحصارين 189 - 185
كتب عثمان أيام الحصار 189 - 193
نظرة في كتب عثمان 193 - 198
قتال يوم الدار 198 - 204
مقتل عثمان 204 - 208
تجهيز الخليفة ودفنه 208 - 218
سلسلة الموضوعات حول قصة الدار 218
نظرة في تلكم الموضوعات 242 - 247
نظرة في الكتب والمؤلفات 247
نظرة في الفتوحات لدحلان 249 - 251
الفتنة الكبرى 251 - 254
كتاب عثمان 254 - 257
انصاف عثمان 257 - 262
نظرة في كتب اخرى 262 - 264
أحاديث عهد النبي إلى عثمان 264 - 272
نظرة في احاديث العهد 272
نظرة في مناقب عثمان وهي خمسون منقبة وضعتها يد الغلو في الفضائل لا يصح شي منها
توجد في طيها فوائد جمة وأبحاث قيمة . 273 - 277
مناقب الخلفاء الثلاثة أبوبكر . وعمر . و عثمان والنظر فيها 378 - 396
كتب أتتنا من عفك 397
فهرست الكتاب 400 - 401
مكتبة لامام أميرالمؤمنين عليه السلام العامة النجف الاشرف . العراق
أسست بهذا الاسم المبارك مكتبة عالمية عامة في عاصمة العلم والدين ( النجف الاشرف ) فهي رمز الولاء الخالص للمولى أميرالمؤمنين ، وعظمة تلك المدرسة الكبرى ، ومقياس ثقافة الامة وحياتها الروحية ، ومنار رقيها وتقدمها ، وهي أكبر خدمة دينية يناط بها شرف الطائفة
واعلاء كلمتها ، ويتحفظ بها على تراثنا العلمي ، ونفائس آثار السلف الصالح ومآثرهم .
فعلى كل دينى غيور أسلم وجهه إلى الله وهو محسن أن يساهم في توطيد هذا المشروع المقدس بكل ما تملكه ذات يده من زبرج المال ونفيس الكتب ، وماقيمة زخارف الدنيا تجاه مثل هذا الذخر الخالد الباقي والمؤسس القويم القيم أيد الله مؤسسه العلم القدوة الحجة شيخنا الاكبر الاميني صاحب كتاب ( الغدير ) الاغر ، وأراه النجاح والفلاح في فكرته الصالحة هذه ، وللملا الديني شكره المتواصل والدعاء له .