تاريخ الطبري مجلد: 7
ـ 1 ـ
تاريخ الامم والملوك
للامام أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى
الجزء السابع
ـ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ـ
ـ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ـ
راجعه وصححه وضبطه
نخبة من العلماء الاجلاء
ـ 2 ـ
* بسم الله الرحمن الرحيم *
* ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من أمر محمد بن هارون باسقاط ما كان ضرب لاخيه عبد الله المأمون من
الدنانير والدراهم بخراسان في سنة 194 لان المأمون كان أمر ألا يثبت فيها اسم محمد وكان
يقال لتلك الدنانير والدراهم الرباعية وكانت لاتجوز حينا ( وفيها ) نهى الامين عن الدعاء
على المنابر في عمله للمأمون والقاسم وأمر بالدعاء له عليها ثم من بعده لابنه موسى وذلك
في صفر من هذه السنة وابنه موسى يومئذ طفل صغير فسماه الناطق بالحق وكان
ما فعل من ذلك عن رأى الفضل بن الربيع فقال في ذلك بعض الشعراء
أضاع الخلافة غش الوزير * وفسق الامير وجهل المشير
ففضل وزير وبكر مشير * يريدان مافيه حتف الامير
فبلغ ذلك المأمون فتسمى بامام الهدى وكوتب بذلك ( وفيها ) عقد محمد لعلى
ابن عيسى بن ماهان يوم الاربعاء لليلة خلت من شهر ربيع الآخر على كور الجبل
كلها نهاوند وهمذان وقم واصفهان حربها وخراجها وضم اليه جماعة من القواد
وأمر له فيما ذكر بمائتى ألف دينار ولولده بخمسين ألف دينار وأعطى الجند مالا
عظيما وأمر له من السيوف المحلاة بألفى سيف وستة آلاف ثوب للخلع وأحضر
محمد أهل بيته ومواليه وقواده المقصورة بالشماسية يوم الجمعة لثمان خلون من
جمادى الآخرة فصلى محمد الجمعة ودخل وجلس لهم ابنه موسى في المحراب ومعه
الفضل بن الربيع وجميع من أحضر فقرأ عليهم كتابا من الامين يعلمهم رأيه فيهم
وحقه عليهم وما سبق لهم من البيعة متقدما مفردا بها ولزوم ذلك لهم وما أحدث
عبدالله من التسمى بالامامة والدعاء إلى نفسه وقطع البريد وقطع ذكره في دور
الضرب والطرز وأن ما أحدث من ذلك ليس له ولا مايدعى من الشروط التى شرطت
ـ 3 ـ
له بجائزة له وحثهم على طاعته والتمسك ببيعته وقام سعيد بن الفضل الخطيب بعد
قراءة الكتاب فعارض ما في الكتاب بتصديقه والقول بمثله ثم تكلم الفضل
ابن الربيع وهو جالس فبالغ في القول وأكثر وذكر أنه لاحق لاحد في الامامة
والخلافة إلا لامير المؤمنين محمد الامين وان الله لم يجعل لعبد الله ولالغيره في ذلك حظا
له ولانصيبا فلم يتكلم أحد من أهل بيت محمد ولا غيرهم بشئ إلا محمد بن عيسى بن نهيك
ونفر من وجوه الحرس وقال الفضل بن الربيع في كلامه إن الامير موسى ابن
أمير المؤمنين قد أمر لكم يا معاشر أهل خراسان من صلب ماله بثلاثة آلاف ألف
درهم تقسم بيتكم ثم انصرف الناس وأقبل على بن عيسى على محمد يخبره أن أهل
خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه ان خرج هو أطاعوه وانقادوا معه ( وفيها )
شخص على بن عيسى إلى الرى إلى حرب المأمون
* ذكر الخبر عن شخوصه إليها وما كان من أمره في شخوصه ذلك *
ذكر الفضل بن إسحاق أن على بن عيسى شخص من مدينة السلام عشية الجمعة
لخمس عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة 195 شخص عشية تلك فيما بين صلاة
الجمعة إلى صلاة العصر إلى معسكره بنهر بين فأقام فيها زهاء أربعين ألفا وحمل
معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه وشخص معه محمد الامين إلى النهروان يوم الاحد
لست بقين من جمادى الآخرة فعرض بها الذين ضموا إلى على بن عيسى ثم أقام بقية
يومه ذلك بالنهروان ثم انصرف إلى مدينة السلام وأقام على بن عيسى
بالنهروان ثلاثة أيام ثم شخص إلى ماوجه له مسرعا حتى نزل همذان فولى عليها
عبدالله بن حميد بن قحطبة وقد كان محمد كتب إلى عصمة بن حماد بالانصراف
في خاصة أصحابه وضم بقية العسكر وما فيه من الاموال وغير ذلك إلى على بن
عيسى وكتب إلى أبى دلف القاسم بن عيسى بالانضمام اليه فيمن معه من أصحابه
. . . . معه هلال بن عبدالله الحضرمى وأمر له بالفروض ثم عقد لعبد الرحمن
ابن جبلة الانبارى على الدينور وأمره بالسير في بقية أصحابه ووجه معه ألفى
ألف درهم حملت اليه قبل ذلك ثم شخص على بن عيسى من همذان يريد الرى
ـ 4 ـ
قبل ورود عبدالرحمن عليه فسار حتى بلغ الرى على تعبئة فلقيه طاهر بن الحسين
وهو في أقل من أربعة آلاف وقيل كان في ثلاثة آلاف وثمانمائة وخرج
من عسكر طاهر ثلاثة أنفس إلى على بن عيسى يتقربون اليه بذلك فسألهم من هم
ومن أى البلدان هم فأخبره أحدهم أنه كان من جند عيسى ابنه الذى قتله رافع
قال فأنت من جندى فأمر به فضرب مائتى سوط واستخف بالرجلين وانتهى
الخبر إلى أصحاب طاهر فازدادوا جدا في محاربته ونفورا منه فذكر أحمد بن
هشام أنه لم يكن ورد عليهم الكتاب من المأمون بأن تسمى بالخلافة إذ التقينا
وكان أحمد على شرطة طاهر فقلت لطاهر قد ورد على بن عيسى فيمن ترى
فان ظهرنا له فقال أنا عامل أمير المؤمنين وأقررنا له بذلك لم يكن لنا أن نحاربه
فقال لى طاهر لم يجئنى في هذا شئ فقلت دعنى وما أريد قال شأنك قال فصعدت
المنبر فخلعت محمدا ودعوت للمأمون بالخلافة وسرنا من يومنا أو من غد يوم
السبت وكان ذلك في شعبان سنة 195 فنزلنا قسطانة وهى أول مرحلة من
الرى إلى العراق وانتهى على بن عيسى إلى برية يقال لها مشكويه وبيننا وبينه
سبعة فراسخ وجعلناه معه مقدمتنا على فرسخين من جنده وكان على بن عيسى
ظن أن طاهرا إذا رآه يسلم اليه العمل فلما رأى الجد منه قال هذا موضع مفازة وليس
. . . فأخذ يساره إلى رستاق يقال له رستاق بنى الرازى وكان معنا الاتراك فنزلنا
على نهر ونزل قريبا منا وكان بيننا وبينه دكادك وجبال فلما كان في آخر الليل جاءنى
رجل فأخبرنى أن على بن عيسى قد دخل الرى وقد كان كاتبهم فأجابوه فخرجت
معه إلى الطريق فقلت له هذا طريقهم وما هنا أثر حافر وما يدل على أنه سار
وجئت إلى طاهر فأنبهته فقلت له تصلى قال نعم فدعا بماء فتهيأ فقلت له الخبر كيت
وكيت وأصحابنا فقال لى تركب فوقفنا على الطريق فقال لى هل لك أن تجوز
هذه الدكادك فأشرفنا على عسكر على بن عيسى وهم يلبسون السلاح فقال ارجع
أخطأنا فرجعنا فقال لى اخرج قال فدعوت المأمونى والحسن بن يونس
المحاربى والرسهمى فخرجوا جميعا فكان على الميمنة المأمونى وعلى الميسرة
ـ 5 ـ
الرسهمى ومحمد بن مصعب قال وأقبل على في جيشه فامتلات الصحراء بياضا وصفرة
من السلاح والذهب وجعل على ميمنته الحسين بن على ومعه أبودلف القاسم بن
عيسى بن إدريس وعلى ميسرته آخر وكروا فهزمونا حتى دخلوا العسكر فخرج
اليهم الساعة السوعاء فهزموهم قال وقال طاهر لما رأى على بن عيسى هذا مالا قبل
لنا به ولكن نجعلها خارجية فقصد قصد القلب فجمع سبعمائة رجل من ا لخوارزمية
فيهم ميكائيل وسبسل وداود سياه قال أحمد بن هشام قلنا لطاهر نذكر على بن
عيسى البيعة التى كانت والبيعة التى أخذها هو للمأمون خاصة على معاشر أهل
خراسان فقال نعم قال فعلقناهما على رمحين وقمت بين الصفين فقلت الامان
لاترمونا ولانرميكم فقال على بن عيسى ذلك لك فقلت ياعلى بن عيسى ألا تتقى
الله أليس هذه نسخة البيعة التى أخذتها أنت خاصة اتق الله فقد بلغت باب قبرك
فقال من أنت قلت أحمد بن هشام وقد كان على بن عيسى ضربه أربعمائة سوط
فصاح على بن عيسى يا أهل خراسان من جاء به فله ألف درهم قال وكان
معنا قوم بخارية فرموه وقالوا نقتلك ونأخذ مالك وخرج من عسكره العباس بن
الليث مولى المهدى وخرج رجل يقال له حاتم الطائى فشد عليه طاهر وشد يديه
على مقبض السيف فضربه فصرعه وشد داود سياه على على بن عيسى فصرعه وهو
لايعرفه وكان على بن عيسى على برذون أرحل حمله عليه محمد وذلك يكره في الحرب
ويدل على الهزيمة قال فقال داود نارى اسنان كتبتم قال فقال طاهر الصغير وهو
طاهر بن التاجى على بن عيسى أنت قال نعم أنا على بن عيسى وظن أنه يهاب
ولايقدم عليه أحد فشد عليه فذبحه بالسيف ونازعهم محمد بن مقاتل بن صالح
الرأس فنتف محمد خصلة من لحيته فذهب بها إلى طاهر وبشره وكانت ضربة طاهر
هى الفتح فسمى يومئذ ذا اليمينين بذلك السبب لانه أخذ السيف بيديه وتناول
أصحابه النشاب ليرمونا فلم أعلم بقتل على حتى قيل قتل والله الامير فتبعناهم فرسخين
وواقفونا اثنى عشرة مرة كل ذلك نهزمهم فلحقنى طاهر بن التاجى ومعه رأس
على بن عيسى وكان آلى أن ينصب رأس أحمد عند المنبر الذى خلع عليه محمد وقد
ـ 6 ـ
كان أمر أن يهيأ الغداء بالرى قال فانصرفت فوجدت عيبة لعلى فيها دراعة
وجبة وغلالة فلبستها وصليت ركعتين شكرا لله تبارك وتعالى ووجدنا في عسكره
سبعمائة كيس في كل كيس ألف درهم ووجدنا عدة بغال عليها صناديق في أيدى
أولئك البخارية الذين شتموه وظنوا أنه مال فكسروا الصناديق فاذا فيها خمر
سوادى وأقبلوا يفرقون القنانى وقالوا عملنا الجد حتى نشرب قال أحمد بن هشام
وجئت إلى مضرب طاهر وقد اغتم لتأخرى عنه فقال لى البشرى هذا رأس على
قال فأعتق طاهر من كان بحضرته من غلمانه شكرا لله ثم جاؤا بعلى قد شدوا
الاعوان يديه إلى رجليه يحمل على خشبة كما يحمل الحمار وأمر به فلف في لبد
وألقى في بئر قال وكتب إلى ذى الرئاستين بالخبر قال فسارت الخريطة وبين مرو وذلك
الموضع نحو من خمسين ومائتى فرسخ ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الاحد وردت عليهم
يوم الاحد قال ذو الرئاستين كنا قد وجهنا هرثمة واحتشدنا في السلاح مددا وسار في
ذلك اليوم وشيعه المأمون فقلت للمأمون لاتبرح أبدا حتى يسلم عليك بالخلافة فقد
وجب لك ولا نأمن أن يقال بصلح بين الاخوين فاذا سلم عليك بالخلافة لم يمكن
أن ترجع فتقدمت أنا وهرثمة والحسن بن سهل فسلمنا عليه بالخلافة وتبادر شيعة
المأمون فرجعت وأنا كال تعب لم أنم ثلاثة أيام في جهاز هرثمة فقال لى الخادم
هذا عبدالرحمن بن مدرك وكان يلى البريد ونحن نتوقع الخريطة لنا أو علينا فدخل
وسكت قلت ويلك ما وراءك قال الفتح فاذا كتاب طاهر إلى أطال الله بقاءك وكبت
أعداءك وجعل من يشنأك فداءك كتبت اليك ورأس على بن عيسى بين يدى
وخاتمه في أصبعى والحمد لله رب العالمين فوثبت إلى دار أمير المؤمنين فلحقنى
الغلام بالسواد فدخلت على المأمون فبشرته وقرأت عليه الكتاب فأمر بإحضار
أهل بيته والقواد ووجوه الناس فدخلوا فسلموا عليه بالخلافة ثم ورد رأس على
يوم الثلاثاء فطيف به في خراسان * وذكر الحسن بن أبى سعيد قال عقدنا للطاهر
سنة 194 فاتصل عقده إلى الساعة * وذكر محمد بن يحيى بن عبدالملك ا لنيسابورى
قال لما جاء نعى على بن عيسى وقتله إلى محمد بن زبيدة وكان في وقته ذلك على
ـ 7 ـ
الشط يصيد السمك فقال للذى أخبره ويلك دعنى فان كوثرا قد اصطاد سمكتين
وأنا ما اصطدت شيئا بعد قال وكان بعض الحسد لطاهر يقول إن عليا يعلو عليه
وقال متى يقوم طاهر لحرب على مع كثرة جيشه وطاعة أهل خراسان له فلما قتل على
تضاءل وقال والله لو لقيه طاهر وحده لقاتله في جيشه حتى يغلب أو يقتل دونه
وقال رجل من أصحاب على له بأس ونجدة في قتل على
لقينا الليث مفترسا لديه * وكنا ما ينهنهنا اللقاء
نخوض الموت والغمرات قدما * إذا ما كر ليس به خفاء
فضعضع ركبنا لما التقينا * وراح الموت وانكشف الغطاء
وأردى كبشنا والرأس منا * كأن بكفه كان القضاء
ولما انتهى الخبر بقتل على بن عيسى إلى محمد والفضل بعث إلى نوفل خادم
المأمون وكان وكيل المأمون ببغداد وخازنه وقيمه في أهله وولده وضياعه وأمواله
عن لسان محمد فأخذ منه الالف ألف درهم التى كان الرشيد وصل بها المأمون
وقبض ضياعه وغلاته بالسواد وولى عليها عمالا من قبله ووجه عبدالرحمن
الانبارى بالقوة والعدة فنزل همدان * وذكر بعض من سمع عبدالله بن خازم
عند ذلك يقول يريد محمد ازالة الجبال وفل العساكر بتدبيره والمنكوس من
تظهيره هيهات والله كما قال الاول * قد ضيع الله ذودا انت راعيها ولما بايع محمد لابنه موسى ووجه على بن عيسى قال شاعر من أهل بغداد في ذلك لما رأى
تشاغل محمد بلهوه وبطالته وتخليته عن تدبير على والفضل بن الربيع
أضاع الخلافة غش الوزير * وفسق الامام وجهل المشير
ففضل وزير وبكر مشير * يريدان ما فيه حتف الامير
وما ذاك إلا طريق غرور * وشر المسالك طرق الغرور
لواط الخليفة أعجوبة * وأعجب منه خلاق الوزير
فهذا يدوس وهذا يداس * كذاك لعمرى اختلاف الامور
فلو يستعينان هذا بذاك * لكانا بعرضة أمر ستير
ـ 8 ـ
ولكن ذا لج في كوثر * ولم يشف هذا دعاس الحمير
فشنع فعلاهما منهما * وصارا خلافا كبول البعير
وأعجب من ذا وذا أننا * نبايع للطفل فينا الصغير
ومن ليس يحسن غسل استه * ولم يخل متنه من حجر ظير
وما ذاك إلا بفضل وبكر * يريدان نقض الكتاب المنير
وهذان لولا انقلاب الزمان * أفى العير هذان أم في النفير
ولكنها قنن كالجبال * ترفع فيها الوضيع الحقير
فصبرا ففى الصبر خير كبير * وإن كان قد ضاق صبر الصبور
فيارب فاقبضهما عاجلا * إليك وأورد عذاب السعير
ونكل بفضل وأشياعه * وصلبهم حول هذى الجسور
وذكر أن محمدا لما بعث إلى المأمون في البيعة لابنه موسى ووجه الرسل اليه
في ذلك كتب المأمون جواب كتابه ( أما بعد ) فقد انتهى إلى كتاب أمير المؤمنين
منكرا لابائى منزلة تهضمنى بها وأرادنى على خلاف ما يعلم من الحق فيها ولعمرى
أن أورد أمير المؤمنين موارد النصفة فلم يطالب إلا بها ولم يوجب نكرة تركها
لانبسطت بالحجة مطالع مقالته ولكنت محجوجا بمفارقة ما يوجب من طاعته
فأما وأنا مذعن بها وهو على ترك إعمالها فأولى به أن يدير الحق في أمره ثم يأخذ
به ويعطى من نفسه فان صرت إلى الحق فرغت عن قلبه وإن أبيت الحق قام
بمعذرته وأما ما وعد من بر طاعته وأوعد من الوطأة بمخالفته فهل أحد فارق الحق
في فعله فأبقى للمتبين موضع ثقة بقوله والسلام قال وكتب إلى على بن عيسى لما
بلغه ما عزم عليه ( أما بعد ) فإنك في ظل دعوة لم تزل أنت وسلفك بمكان ذب
عن حريمها وعلى العناية لحفظها ورعاية لحقها توجبون ذلك لائمتكم وتعتصمون
بحبل جماعتكم وتعطون بالطاعة من أنفسكم وتكونون يدا على أهل مخافتكم
وحزبا وإخوانا لاهل موافقتكم تؤثرونهم على الآباء والابناء وتتصرفون فيما
تصرفوا فيه من منزلة شديدة ورجاء لاترون شيئا أبلغ في صلاحكم من الامر الجامع
ـ 9 ـ
لالفتكم ولا أجرى لبواركم مما دعا بشتات كلمتكم ترون من رغب عن ذلك
جائرا عن القصد وعن أمه على منهاج الحق ثم كنتم على منهاج الحق ثم كنتم
على أولئك سيوفا من سيوف نقم الله فكم من أولئك قد صاروا وديعة مسبعة
وجزرا جامدة قد سفت الرياح في وجهه وتداعت السباع إلى مصرعه غير ممهد
ولاموسد قد صار إلى أمة . . . وغير عاجل حظه ممن كانت الائمة تنزلكم لذلك
بحيث أنزلتم أنفسكم من الثقة بكم في أمورها والتقدمة في آثارها وأنت مستشعر دون
كثير من ثقاتها وخاصتها حتى بلغ الله بك في نفسك أن كنت قريع أهل دعوتك
والعلم القائم بمعظم أمر أمتك إن قلت ادنوا ادنوا وان أشرت أقبلوا أقبلوا وإن
أمسكت وقفوا وأقروا وآمالك واستنصاحا وتزداد نعمة مع الزيادة في نفسك
ويزدادون نعمة مع الزيادة لك بطاعتك حتى حللت المحل الذى قربت به من يومك
وانقرض فيما دونه أكثر مدتك لاينتظر بعدها الا مايكون ختام عملك من خير
فيرضى به ما تقدم من صالح فعلك أو خلاف فيضل له متقدم سعيك ولاترى
يا أبا يحيى حالا عليها جلوت أهل نعمتك والولاة القائمة بحق امامتك من طعن
عقدة كنت القائم بشدها وبعهود توليت معاقد أخذها يبدأ فيها بالاخصين حتى
أفضى الامر إلى العامة من المسلمين بالايمان المحرجة والمواثيق المؤكدة وماطلع
مما يدعو إلى نشر كلمة وتفريق أمة وشت جماعة وتتعرض به لتبديل نعمة وزوال
ما وطأت الاسلاف من الائمة ومتى زالت نعمة من ولاة أمركم وصل زوالها
اليكم في خواص أنفسكم ولن يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وليس الساعى
في نشرها بساع فيها على نفسه دون السعى على جملتها القائمين بحرمتها قد عرضوهم
أن يكونوا جزرا لاعدائهم وطعمة قوم يتظفر مخالبهم في دمائهم ومكانك المكان
الذى إن قلت رجع إلى قولك وإن أشرت لم تتهم في نصيحتك ولك مع إيثار
الحق الحظوة عند أهل الحق ولاسواء من حظى بعاجل مع فراق الحق فأوبق
نفسه في عاقبته ومن أعان الحق فأدرك به صلاح العاقبة مع وفور الحظ في
عاجلته وليس لك ما تستدعى ولا عليه ما تستعطف ولكنه حق من حق أحسابك
ـ 10 ـ
يجب ثوابه على ربك ثم على من قمت بالحق فيه من أهل إمامتك فان أعجزك قول
أو فعل فصر إلى الدار التى تأمن فيها على نفسك وتحكم فيها برأيك وتجاوز إلى
من يحسن تقبلا لصالح فعلك ويكون مرجعك إلى عقدك وأموالك ولك بذلك
الله وكفى بالله وكيلا وإن تعذر ذلك بقية على نفسك فإمساكا بيدك وقولا
بحق مالم نخف وقوعه بكرهك فلعل مقتديا بك ومغتبطا بنهيك ثم أعلمنى رأيك
أعرفه إن شاء الله قال فأتى على بالكتاب إلى محمد فشب أهل النكث من الكفاة من
تلهيبه وأوقدوا نيرانه وأعان على ذلك حميا قدرته وتساقط طبيعته ورد
الرأى إلى الفضل بن الربيع لقيامه كان بمكانفته وكانت كتب ذى الرئاستين ترد
إلى الدسيس الذى كان يشاوره في أمره ان أبى القوم إلا عزمة الخلاف فالطف
لان يجعلوا أمره لعلى بن عيسى وإنما خص ذو الرئاستين عليا بذلك لسؤ أثره في
أهل خراسان واجتماع رأيهم على ماكرهه وإن العامة قائلة بحربه فشاور الفضل
الدسيس الذى كان يشاوره فقال على بن عيسى وإن فعل فلم ترمهم بمثله في بعد
صومه وسخاوة نفسه ومكانه في بلاد خراسان في طول ولايته وكثرة صنائعه
فيهم ثم هو شيخ الدعوة وبقية أهل المشايعة فأجمعوا على توحيه على فكان من
توجيهه ما كان وكان يجتمع للمأمون بتوجيه على جندان أجناده الذين يحاربه بهم
والعامة من أهل خراسان حزب عليه لسؤ أثره فيهم وذلك رأى يكثر الاخطار
به إلا في صدور رجال ضعاف الرأى بحال على في نفسه وما تقدم له ولسلفه فكان
ما كان من أمره ومقتله * وذكر سهل أن عمرو بن حفص مولى محمد قال دخلت
على محمد في جوف الليل وكنت من خاصته أصل اليه حيث لايصل اليه
أحد من مواليه وحشمه فوجدته والشمع بين يديه وهؤ يفكر فسلمت عليه
فلم يردد على فعلمت أنه في تدبير بعض أموره فلم أزل واقفا على رأسه حتى مضى
أكثر الليل ثم رفع رأسه إلى فقال أحضرنى عبدالله بن خازم فمضيت إلى عبدالله
فأحضرته فلم يزل في مناظرته حتى انقضى الليل فسمعت عبدالله وهو يقول
أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول الخلفاء نكث عهده ونقض ميثاقه
ـ 11 ـ
واستخف بيمينه ورد رأى الخليفة قبله فقال اسكت لله أبوك فعبد الملك كان
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 25
واستخف بيمينه ورد رأى الخليفة قبله فقال اسكت لله أبوك فعبد الملك كان
أفضل منك رأيا وأكمل نظرا حيث يقول لايجتمع فحلان في هجمة قال عمرو
ابن حفص وسمعت محمدا يقول للفضل بن الربيع ويلك يا فضل لاحياة مع بقاء
عبدالله وتعرضه ولابد من خلعه والفضل يعينه على ذلك ويعده أن يفعل وهو
يقول فمتى ذلك إذا غلب على خراسان ومايليها * وذكر بعض خدم محمد أن محمدا
لما هم بخلع المأمون والبيعة لابنه جمع وجوه القواد فكان يعرض عليهم واحدا
واحدا فيأبونه وربما ساعده قوم حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم فشاروه في ذلك
فقال أمير المؤمنين لم ينصحك من كذبك ولم يغشك من صدقك لاتجرئ القواد
على الخلع فيخلعونك ولاتحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك فان
الغادر مخذول والناكث مفلول وأقبل على بن عيسى بن ماهان فتبسم محمد ثم
قال لكن شيخ هذه الدعوة وناب هذه الدولة لايخالف على إمامه ولايوهن
طاعته ثم رفع إلى موضع لم أره رفعه اليه فيما مضى فيقال إنه أول القواد أجاب
إلى خلع عبدالله وتابع محمدا على رأيه ( قال أبوجعفر ) ولما عزم محمد على خلع
عبدالله قال له الفضل بن الربيع لاتعذر اليه يا أمير المؤمنين فانه أخوك ولعله
يسلم هذا الامر في عافية فتكون قد كفيت مؤونته وسلمت من محاربته
ومعاندته قال فأفعل ماذا قال تكتب اليه كتابا تستطيب به نفسه وتسكن وحشته وتسأله
الصفح لك عما في يده فان ذلك أبلغ في التدبير وأحسن في القالة من مكاثرته بالجنود
ومعاجلته بالكيد فقال له أعمل في ذلك رأيك فلما حضر اسماعيل بن صبيح للكتاب إلى
عبدالله قال يا أمير المؤمنين إن مسألتك الصفح عما يديه توليد للظن وتقوية للتهمة
ومدعاة للحذر ولكن اكتب اليه فأعلمه حاجتك اليه وما تحب من قربه والاستعانة
برأيه وسله القدوم اليك فان ذلك أبلغ وأحرى أن يبلغ فيما يوجب طاعته وإجابته
فقال الفضل القول ما قال يا أمير المؤمنين قال فليكتب بما رأى قال فكتب اليه من
عند الامين محمد أمير المؤمنين إلى عبدالله بن هارون أمير المؤمنين ( أما بعد ) فان
أمير المؤمنين روى في أمرك والموضع الذى أنت فيه من ثغرك وما يؤمل في قربك
ـ 12 ـ
من المعاونة والمكانفة على ما حمله الله وقلده من أمور عباده وبلاده وفكر فيما
كان أمير المؤمنين الرشيد أوجب لك من الولاية وأمر به من افرادك على ما تصير
اليك منها فرجا أمير المؤمنين أن لايدخل عليه وكف في دينه ولانكث في يمينه
إذ كان اشخاصه إياك فيما يعود على المسلمين نفعه ويصل إلى عامتهم صلاحه وفضله وعلم
أمير المؤمنين أن مكانك بالقرب منه أسد للثغور وأصلح للجنود وآكد للفئ وأرد على
العامة من مقامك ببلاد خراسان منقطعا عن أهل بيتك متغيبا عن أمير المؤمنين وما يحب
الاستمتاع به من رأيك وتدبيرك وقد رأى أمير المؤمنين أن يولى موسى بن أمير
المؤمنين فيما يقلده من خلافتك ما يحدث اليه من أمرك ونهيك فاقدم على أمير المؤمنين
على بركة الله وعونه بأبسط أمل وأفسح رجاء وأحمد عاقبة وأنفذ بصيرة فإنك أولى
من استعان به أمير المؤمنين على أموره واحتمل عنه النصب فيما فيه صلاح أهل بيته
وذمته والسلام ودفع الكتاب إلى العباس بن موسى بن عيسى بن نهيك وإلى صالح
صاحب المصلى وأمرهم أن يتوجهوا به إلى عبدالله المأمون وأن لايدعوا وجها من
اللين والرفق إلا بلغوه وسهلوا الامر عليه فيه وحمل بعضهم الاموال والالطاف
والهدايا وذلك في سنة 194 فتوجهوا بكتابه فلما وصلوا إلى عبدالله أذن
لهم فدفعوا اليه كتاب محمد وما كان بعث به معهم من الاموال والالطاف ثم تكلم
العباس بن موسى بن عيسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الامير إن أخاك قد
تحمل من الخلافة ثقلا عظيما ومن النظر في أمور الناس عبئا جليلا وقد صدقته
نيته في الخير فأعوزه الوزراء والاعوان والكفاة على العدل وقيل ما يأنس بأهل
بيته وأنت أخوه وشقيقه وقد فزع اليك في أمره وأملك للموازرة والمكانفة
ولسنا نستبطئك في بره اتهاما لنصرك له ولانحضك على طاعة تخوفا لخلافك عليه
وفى قدومك عليه أنس عظيم وصلاح لدولته وسلطانه فأجب أيها الامير دعوة أخيك
وآثر طاعته وأعنه على ما استعانك عليه في أمره فان في ذلك قضاء الحق وصلة الرحم
وصلاح الدولة وعز الخلافة عزم الله للامير على الرشيد في أموره وجعل له الخيرة
ـ 13 ـ
والصلاح في عواقب رأيه وتكلم عيسى بن جعفر بن أبى جعفر فقال إن
الاكثار على الامير الله الله في القول خرق والاقتصار في تعريفه ما يجب من
حق أمير المؤمنين تقصير وقد غاب الامير أكرمه الله عن أمير المؤمنين ولم
يستغن عن قربه من شهد غيره من أهل بيته ولايجد عنده غنى ولايجد منه خلفا
ولاعوضا والامير أولى من بر أخاه وأطاع إمامه فليعمل الامير فيما كتب به
إليه أمير المؤمنين بما هو أرضى وأقرب من موافقة أمير المؤمنين ومحبته فإن
القدوم عليه فضل وحظ عظيم والابطاء عنه وكف في الدين وضرر ومكروه
على المسلمين وتكلم محمد بن عيسى بن نهيك فقال أيها الامير إنا لانزيدك بالاكتار
والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحق أمير المومنين ولايشحذ نيتك بالاساطير
والخطب فيما يلزمك من النظر والعناية بأمور المسلمين وقد أعوز أمير المؤمنين
الكفاة والنصحاء بحضرته وتناولك فزعا اليك في المعونة والتقوية له على أمره
فان تجب أمير المؤمنين فيما دعاك الين فنعمة عظيمة يتلافى بها رعيتك وأهل
بيتك وإن تقعد يغن الله أمير المؤمنين عنك ولن يضعه ذلك مما هو عليه من
البر بك والاعتماد على طاعتك ونصيحتك وتكلم صالح صاحب المصلى فقال أيها
الامير إن الخلافة ثقيلة والاعوان قليل ومن يكيد هذه الدولة وينطوى على غشها
والمعاندة لاوليائها من أهل الخلافة والمعصية كثير وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقه
وصلاح الامور وفسادها راجع عليك وعليه إذ أنت ولى عهده والمشارك في سلطانه
وولايته وقد تناولك أمير المؤمنين بكتابه ووثق بمعاونتك على ما استعانك عليه
من أموره وفى اجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاح عظيم في الخلافة وأنس
وسكون لاهل الملة والذمة وفق الله الامير في أموره وقضى له بالذى هو أحب
اليه وأنفع له * فحمد الله المأمون وأثنى عليه ثم قال قد عرفتمونى من حق أمير
المؤمنين أكرمه الله مالا أنكره ودعوتمونى من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره
ولا أدفعه وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدم وعلى المسارعة إلى ما سره ووافقه حريص
وفى الروية تبيان الرأى وفى إعمال الرأى نصح الاعتزام والامر الذى دعانى اليه
ـ 14 ـ
أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تثبطا ومدافعة ولا أتقدم عليه اعتسافا وعجلة وأنا
في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوه شديد شوكته وان أهملت أمره لم آمن
دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية وان أقمت عليه لم آمن فوت
ما أحب من معونة أمير المؤمنين وموازرته وإيثار طاعته فانصرفوا حتى أنظر في
أمرى ونصح الرأى فيما أعتزم عليه من مسيرى ان شاء الله ثم أمر بإنزالهم
واكرامهم والاحسان اليهم * فذكر سفيان بن محمد أن المأمون لما قرأ
الكتاب أسقط في يده وتعاظمه ما ورد عليه منه ولم يدر ما يرد عليه فدعا
الفضل بن سهل فأقرأه الكتاب وقال ما عندك في هذا الامر قال أرى أن تتمسك
بموضعك ولا تجعل علينا سبيلا وانت تجد من ذلك بدا قال وكيف يمكننى التمسك
بموضعى ومخالفة محمد وعظم القواد والجنود معه وأكثر الاموال والخزائن قد
صارت اليه مع ماقد فرق في أهل بغداد من صلاته وفوائده وإنما الناس مائلون
مع الدراهم منقادون لها لاينظرون إذا وجدوها حفظ بيعة ولايرغبون في وفاء
عهد ولا أمانة فقال له الفضل إذا وقعت التهمة حق الاحتراس وأنا لغدر محمد
متخوف ومن شرهه إلى ما في يديك مشفق ولان تكون في جندك وعزك مقيما
بين ظهرانى أهل ولايتك أحرى فان دهمك منه أمر جردت له وناجزته وكايدته
فإما أعطاك الله الظفر عليه بوفائك ونيتك أو كانت الاخرى فمت محافظا مكرما
غير ملق بيديك ولا ممكن عدوك من الاحتكام في نفسك ودمك قال إن هذا
الامر لو كان أتانى وأنا في قوة من أمرى وصلاح من الامور كان خطبه يسيرا
والاحتيال في دفعه ممكنا ولكنه أتانى بعد إفساد خراسان واضطراب عامرها
وغامرها ومفارقة جيغويه الطاعة والنواء خافان صاحب التبت وتهيئ ملك كابل
للغارة على ما يليه من بلاد خراسان وامتناع ملك أترار بنده بالضريبة التى كان
يؤديها ومالى بواحدة من هذه الامور يد وأنا أعلم أن محمدا لم يطلب قدومى
إلا لشر يريده وما أرى إلا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة
به وببلاده فبالحرى أن آمن على نفسى وأمتنع ممن أراد قهرى والغدر بى فقال له
ـ 15 ـ
الفضل أيها الامير إن عاقبة الغدر شديدة وتبعة الظلم والبغى غير مأمون شرها
ورب مستدل قد عاد عزيزا ومقهور قد عاد قاهرا مستطيلا وليس النصر بالقلة
والكثرة وحرج الموت أيسر من حرج الذل والضيم وما أرى تفارق ما أنت
فيه وتصير إلى طاعة محمد متجردا من قوادك وجندك كالرأس المختزل عن
بدنه يجرى عليك حكمه فتدخل في جملة أهل مملكته من غير أن تبلى عذرا
في جهاد ولاقتال ولكن اكتب إلى جيغويه وخاقان فولهما بلادهما وعدهما
التقوية لهما في محاربة الملوك وابعث إلى ملك كابل بعض هدايا خراسان
وطرفها وسله الموادعة تجده على ذلك حريصا وسلم لملك اترابنده ضريبته في
هذه السنة وصيرها صلة منك وصلته بها ثم أجمع اليك أطرافك واضمم اليك من
شذ من جندك ثم اضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال فان ظفرت وإلا كنت
على ما تريد من اللحاق بخاقان قادرا فعرف عبدالله صدق ما قال فقال اعمل في
هذا الامر وغيره من أمورى بما ترى وأنفذ الكتب إلى أولئك العصاة
فرضوا وأذعنوا وكتب إلى من كان شاذا عن مرو من القواد والجنود فأقدمهم
عليه وكتب إلى طاهر بن الحسين وهو يومئذ عامل عبدالله على الرى فأمره أن
يضبط ناحيته وأن يجمع اليه أطرافه ويكون على حذر وعدة من جيش إن
تطرقه وعدد إن هجم عليه فاستعد للعرب وتهيأ لدفع محمد عن بلاد خراسان
ويقال إن عبدالله بعث إلى الفضل بن سهل فاستشاره في أمر محمد فقال أيها
الامير نظر في يومى هذا أغد عليك برأى فبات يدبر الرأى ليلته فلما أصبح غدا
عليه فأعلمه أنه نظر في النجوم فرأى أنه سيغلبه وان العاقبة له فأقام عبدالله
بموضعه ووطن نفسه على محاربة محمد ومناجزته فلما فرغ عبدالله مما أراد
إحكامه من أمر خراسان كتب لعبد الله محمد أمير المؤمنين من عبدالله بن هارون
( أما بعد ) فقد وصل إلى كتاب أمير المؤمنين وإنما أنا عامل من عماله
وعون من أعوانه أمرنى الرشيد صلوات الله عليه بلزوم هذا الثغر ومكايدة
من كايد أهله من عدو أمير المؤمنين ولعمرى إن مقامى به أرد على أمير المؤمنين
ـ 16 ـ
وأعظم غناء عن المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين وإن كنت مغتبطا
بقربه مسرورا بمشاهدة نعمة الله عنده فان رأى أن يقرنى على عملى ويعفينى
من الشخوص اليه فعل إن شاء الله والسلام ثم دعا العباس بن موسى وعيسى بن
جعفر ومحمدا وصالحا فدفع الكتاب اليهم وأحسن اليهم في جوائزهم وحمل إلى
محمد ماتهيأ له من ألطاف خراسان وسألهم أن يحسنوا أمره عنده وأن يقوموا
بعذره قال سفيان بن محمد لما قرأ محمد كتاب عبدالله عرف أن المأمون لايتابعه
على القدوم عليه فوجه عصمة بن حماد بن سالم صاحب حرسه وأمره أن يقيم
مسلحة فيما بين همذان والرى وأن يمنع التجار من حمل شئ إلى خراسان من
الميرة وأن يفتش المارة فلايكون معهم كتب بأخباره ومايريد وذلك سنة
194 ثم عزم على محاربته فدعا على بن عيسى بن ماهان فعقد له على خمسين ألف
فارس وراجل من أهل بغداد ودفع اليه دفاتر الجند وأمره أن ينتقى ويتخير من
أراد على عينه ويخص من أحب ويرفع من أراد إلى الثمانين وأمكنه من السلاح
وبيوت الاموال ثم وجهوا إلى المأمون * فذكر يزيد بن الحارث قال لما أراد
على الشخوص إلى خراسان ركب إلى باب أم جعفر فودعها فقالت يا على إن
أمير المؤمنين وإن كان ولدى إليه تناهت شفقتى وعليه تكامل حذرى فانى على
عبدالله منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى وإنما ابنى ملك نافس
أخاه في سلطانه وغاره على ما في يده والكريم يأكل لحمه ويميته غيره فاعرف
لعبد الله حق والده وأخوته ولاتجبهه بالكلام فانك لست نظيره ولاتقتسره
اقتسار العبيد ولاترهنه بقيد ولاغل ولاتمنع منه جارية ولاخادما ولاتعنف
عليه في السير ولاتساوه في المسير ولاتركب قبله ولاتستقل على دابتك حتى
تأخذ بركابه وإن شتمك فاحتمل منه وإن سفه عليك فلا تراده ثم دفعت اليه
قيدا من فضة وقالت إن صار في يدك فقيده بهذا القيد فقال لها سأقبل أمرك
وأعمل في ذلك بطاعتك وأظهر محمد خلع المأمون وبايع لابنيه في جميع الآفاق
إلا خراسان موسى وعبدالله وأعطى عند بيعتهم بنى هاشم والقواد والجند
ـ 17 ـ
الاموال والجوائز وسمى موسى الناطق بالحق وسمى عبدالله القائم بالحق ثم خرج
على بن عيسى لسبع ليال خلون من شعبان سنة 195 من بغداد حتى عسكر
بالنهروان وخرج معه يشيعه محمد وركب القواد والجنود وحشرت الاسواق
وأشخص معه الصناع والفعلة فيقال إن عسكره كان فرسخا بفسطاطيه وأهبته
وأثقاله * فذكر بعض أهل بغداد أنهم لم يروا عسكرا كان أكثر رجالا وأفره
كراعا وأظهر سلاحا وأتم عدة وأكمل هيئة من عسكره * وذكر عمرو بن
سعيد أن محمدا لما جاز باب خراسان نزل فترجل وأقبل يوصيه فقال امنع
جندك من العبث بالرعية والغارة على أهل القرى وقطع الشجر وانتهاك النساء
وول الرى يحيى بن على واضمم اليه جندا كثيفا ومره ليدفع إلى جنده أرزاقهم
مما يجيئ من خراجها وول كل كورة ترحل عنها رجلا من أصحابك ومن خرج
اليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه وأحسن جائزته
ولاتعاقب أخا بأخيه وضع عن أهل خراسان ربع الخراج ولاتؤمن أحدا
رماك بسهم أو طعن في أصحابك برمح ولا تأذن لعبد الله في المقام أكثر من ثلاثة
من اليوم الذى تظهر فيه عليه فاذا أشخصته فليكن مع أوثق أصحابك عندك
فان غره الشيطان فناصبك فاحرص على أن تأسره أسرا وإن هرب منك إلى
بعض كور خراسان فتول اليه المسير بنفسك أفهمت كل ما أوصيك به قال نعم
أصلح الله أمير المؤمنين قال سر على بركة الله وعونه * وذكر أن منجمه أتاه
فقال أصلح الله الامير لو انتظرت بمسيرك صلاح القمر فان النحوس عليه عالية
والسعود عنه ساقطة منصرفة فقال لغلام له ياسعيد قل لصاحب المقدمة يضرب
بطبله ويقدم علمه فانا لاندرى ما فساد القمر من صلاحه غير أنه من نازلنا نازلناه
ومن وادعنا وادعناه وكففنا عنه ومن حاربنا وقاتلنا لم يكن لنا إلا أروى
السيف من دمه إنا لا نعتد بفساد القمر فانا وطنا أنفسنا على صدق اللقاء
ومناجزة الاعداء ( قال أبوجعفر ) وذكر بعضهم أنه قال كنت فيمن
خرج في عسكر على بن عيسى بن ماهان فلما جاز حلوان لقيته القوافل من
( 2 7 )
ـ 18 ـ
خراسان فكان يسألها عن الاخبار يستطلع علم أهل خراسان فيقال له إن
طاهرا مقيم بالرى يعرض أصحابه ويرم آلته فيضحك ثم يقول وما طاهر
فوالله ما هو إلا شوكة من أغصانى أو شرارة من نارى وما مثل طاهر يتولى
على الجيوش ويلقى الحروب ثم التفت إلى أصحابه به فقال والله ما بينكم وبين
أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف الا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان
فإن السخال لاتقوى على النطاح والثعالب لاصبر لها على لقاء الاسد فإن يقم
طاهر بوضعه يكن أول معرض لظباة السيوف وأسنة الرماح * وذكر يزيد
ابن الحارث أن على بن عيسى لما صار إلى عقبة همذان استقبل قافلة قدمت من
خراسان فسألهم عن الخبر فقالوا إن طاهر مقيم بالرى وقد استعد للقتال واتخذ
آلة الحرب وان المدد يثرى عليه من خراسان وما يليها من الكور وانه في كل
يوم يعظم أمره ويكثر أصحابه وانهم يرون أنه صاحب جيش خراسان قال على
فهل شخص من أهل خراسان أحد به قالوا لا غير أن الامور بها مضطربة والناس
رعبون فأمر بطى المنازل والمسير وقال لاصحابه ان نهاية القوم الرى فلو قد صيرناها
خلف ظهورنا فت ذلك في أعضادهم وانتشر نظامهم وتفرقت جماعتهم ثم أنفذ
الكتب إلى ملوك الديلم وجبال طبرستان وما والاها من الملوك يعدهم الصلات
والجوائز وأهدى اليهم التيجان والاسورة والسيوف المحلاة بالذهب وأمرهم
أن يقطعوا طريق خراسان ويمنعوا من أراد الوصول إلى طاهر من المدد فأجابوه
إلى ذلك وسار حتى صار في أول بلاد الرى وأتاه صاحب مقدمته وقال لو كنت
أبقى الله الامير أذكيت العيون وبعثت الطلائع وارتدت موضعا تعسكر فيه
وتتخذ خندقا لاصحابك يأمنون به وكان ذلك أبلغ في الرأى وآنس للجند قال لا
ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد والتحفظ إن حال طاهر تؤول إلى أحد أمرين
إما أن يتحصن بالرى فيبهته أهلها فيكفونا مؤنته أو يخليها ويدبر راجعا لو قربت
خيولنا وعساكرنا منه وأتاه يحيى بن على فقال متفرق العسكر واحذر على
جندك البيات ولاتسرح الخيل إلا ومعها كنف من القوم فإن العساكر لاتساس
ـ 19 ـ
بالتوانى والحروب لا تدبر بالاغترار والثقة أن تحترز ولا تقل المحارب لى طاهر
فالشرارة الخفية ربما صارت ضراما والثلمة من السيل ربما اغتر بها وتهون فصارت
بحرا عظيما وقد قربت عساكرنا من طاهر فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه
هذا قال اسكت فإن طاهرا ليس في هذا الموضع الذى ترى وإنما يحتفظ الرجال
إذا لقيت أقرانها وتستعد إذا كان المناوى لها أكفاءها ونظراءها * وذكر عبدالله
ابن مجالد قال أقبل على بن عيسى حتى نزل من الرى على عشرة فراسخ وبها طاهر
قد سد أبوابها ووضع المسالح على طرقها واستعد لمحاربته فشاور طاهر أصحابه
فأشاروا عليه أن يقيم بمدينة الرى ويدافع القتال ما قدر عليه إلى أن يأتيه من
خراسان المدد من الخيل وقائد يتولى الامر دونه وقالوا إن مقامك بمدينة الرى
أرفق بأصحابك وبك وأقدر لهم على الميرة وأكن من البرد وأحرى إن دهمك
قتال أن يعتصموا بالبيوت ويقووا على المماطلة والمطاولة إلى أن يأتيك مدد أو
ترد عليك قوة من خلفك فقال طاهر إن الرأى ليس ما رأيتم إن أهل الرى لعلى
هائبون ومن معرته وسطوته متقون ومعه من قد بلغكم من أعراب البوادى
وصعاليك الجبال ولفيف القرى ولست آمن إن هجم علينا مدينة الرى أن يدعو
أهلها خوفه إلى الوثوب بنا ويعينوه على قتالنا مع أنه لم يكن قوم قط روعبوا في
ديارهم ويورد عليهم عسكرهم إلا وهنوا وذلوا وذهب عزهم واجترأ عليهم
عدوهم وما الرأى إلا أن نصير مدينة الرى قفا ظهورنا فإن أعطانا الله
الظفر وإلا عولنا عليها فقاتلنا في سككها وتحصنا في منعتها إلى أن يأتينا مدد
أو قوة من خراسان قالوا الرأى ما رأيت فنادى طاهر في أصحابه فخرجوا
فعسكروا على خمسة فراسخ من الرى بقرية يقال لها كلواص وأتاه محمد بن العلاء
فقال أيها الامير إن جندك قد هابوا هذا الجيش وامتلات قلوبهم خوفا
ورعبا منه فلو أقمت بمكانك ودافعت القتال إلى أن يشامهم أصحابك ويأنسوا
بهم ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم فقال لا إنى لا أوتى من قلة تجربة وحزم أن
أصحابى قليل والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم فان دافعت القتال وأخرت المناجزة
ـ 20 ـ
لم آمن أن يطلعوا على قلتنا وعورتنا وأن يستميلوا من معى برغبة أو رهبة فينفر
عنى أكثر أصحابى ويخذلنى أهل الحفاظ والصبر ولكن ألف الرجال بالرجال
وألحم الخيل بالخيل وأعتمد على الطاعة والوفاء وأصبر صبر محتسب للخير حريص
على الفوز بفضل الشهادة فان يرزق الله الظفر والفلح فذلك الذى نريد ونرجو
وإن تكن الاخرى فلست بأول من قاتل فقتل وما عند الله أجزل وأفضل وقال
على لاصحابه بادروا القوم فان عددهم قليل ولو قد زحفتم اليهم لم يكن لهم صبر
على حرارة السيوف وطعن الرماح وعبأ جنده ميمنة وميسرة وقلبا وصير عشر
رايات في كل راية ألف رجل وقدم الرايات راية راية فصير بين كل راية غلوة
وأمر أمراءها إذا قاتلت الاولى فصبرت وحمت وطال بها القتال أن تقدم التى
تليها وتؤخر التى قاتلت حتى ترجع اليها أنفسها وتستريح وتنشط للمحاربة والمعاودة
وصير أصحاب الدروع والجواشن والخوذ أمام الرايات ووقف في القلب في أصحابه
من أهل البأس والحفاظ والنجدة منهم وكتب طاهر بن الحسين كتائبه وكردس
كراديسه وسوى صفوفه وجعل يمر بقائد قائد وجماعة جماعة فيقول يا أولياء الله
وأهل الوفاء والشكر إنكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أهل النكث والغدر إن
هؤلاء ضيعوا ما حفظتم وصغروا ما عظمتم ونكثوا الايمان التى رعيتم وإنما
يطلبون الباطل ويقاتلون على الغدر والجهل أصحاب سلب ونهب فلو قد
غضضتم الابصار وأثبتم الاقدام قد أنجز الله وعده وفتح عليكم أبواب عزه
ونصره فجالدوا طواغيت الفتنة ويعاسيب النار عن دينكم ودافعوا بحقكم باطلهم
فانما هى ساعة واحدة حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين وقلق قلقا شديدا
وأقبل يقول يا أهل الوفاء والصدق الصبر الصبر الحفاظ الحفاظ وتزاحف الناس
بعضهم إلى بعض وتزاحف أهل الرى فغلقوا أبواب المدينة ونادى طاهر يا أولياء
الله اشتغلوا بمن أمامكم عمن خلفكم فانه لا ينجيكم إلا الجد والصدق وتلاحموا
واقتتلوا قتالا شديدا وصبر الفريقان جميعا وعلت ميمنة على على ميسرة طاهر
ففضتها فضا منكرا وميسرته على ميمنته فأزالتها عن موضعها وقال طاهر اجعلوا
ـ 21 ـ
بأسكم وجدكم على كراديس القلب فانكم لو قد فضضتم منها راية واحدة
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 25
بأسكم وجدكم على كراديس القلب فانكم لو قد فضضتم منها راية واحدة
رجعت أوائلها على أواخرها فصبر أصحابه صبرا صادقا ثم حملوا على أولى
رايات القلب فهزموهم وأكثروا فيهم القتل ورجعت الرايات بعضها على
بعض وانتقضت ميمنة على ورأى أصحاب ميمنة طاهر وميسرته ما عمل
أصحابه فرجعوا على من كان في وجوههم فهزموهم وانتهت الهزيمة إلى على
فجعل ينادى أصحابه أين أصحاب الاسورة والاكليل يا معشر الابناء إلى الكرة
بعد الفرة معاونة الحرب من الصبر فيها ورماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله
ووضعوا فيهم السيوف يقتولنهم ويأسرونهم حتى حال الليل بينهم وبين الطلب
وغنموا غنيمة كثيرة ونادى طاهر في أصحاب على من وضع سلاحه فهو آمن
فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابهم ورجع طاهر إلى مدينة الرى وبعث بالاسرى
والرؤس إلى المأمون وذكر أن عبدالله بن على بن عيسى طرح نفسه في ذلك
اليوم بين القتلى وقد كانت به جراحات كثيرة فلم يزل بين القتلى متشبها بهم
يومه وليلته حتى أمن الطلب ثم قام فانضم إلى جماعة من فل العسكر ومضى إلى بغداد
وكان من أكابر ولده وذكر سفيان بن محمد أن عليا لما توجه إلى خراسان بعث
المأمون إلى من كان معه من القواد يعرض عليهم قتاله رجلا رجلا فكلهم يصرح
بالهيبة ويعتل بالعلل ليجدوا إلى الاعفاء من لقائه ومحاربته سبيلا وذكر بعض
أهل خراسان أن المأمون لما أتاه كتاب طاهر بخبر على وما أوقع الله به قعد
للناس فكانوا يدخلون فيهنئونه ويدعون له بالعز والنصر وأنه في ذلك اليوم أعلن
خلع محمد ودعاء الخلافة في جميع كور خراسان وما يليها وسر أهل خراسان
وخطب بها الخطباء وأنشدت الشعراء وفى ذلك يقول الشاعر
أصحبت الامة في غبطة * من أمر دنياها ومن دينها
إذ حفظت عهد إمام الهدى * خير بنى حواء مأمونها
على شفا كانت فلما وفت * تخلصت من سوء تحيينها
قامت بحق الله إذ ذبرت * في ولده كتب دواوينها
ـ 22 ـ
ألا تراها كيف بعد الردى * وفقها الله لتزيينها
وهى أبيات كثيرة وذكر على بن صالح الحربى أن على بن عيسى لما قتل
أرجف الناس ببغداد إرجافا شديدا وندم محمد على ما كان من نكثه وغدره
ومشى القواد بعضهم إلى بعض وذلك يوم الخميس للنصف من شوال سنة 195
فقالوا إن عليا قد قتل ولسنا نشك أن محمدا يحتاج إلى الرجال واصطناع أصحاب
الصنائع وإنما يحرك الرجال أنفسها ويرفعها بأسها وإقدامها فليأمر كل رجل منكم
جنده بالشغب وطلب الارزاق والجوائز فلعلنا أن نصيب منه في هذه الحالة
ما يصلحنا ويصلح جندنا فاتفق على ذلك رأيهم وأصبحوا فتوافوا إلى باب الجسر
وكبروا فطلبوا الارزاق والجوائز وبلغ الخبر عبدالله بن خازم فركب إليهم
في أصحابه وفى جماعة غيره من قواد الاعراب فتراموا بالنشاب والحجارة واقتتلوا
قتالا شديدا وسمع محمد التكبير والضجيج فأرسل بعض مواليه أن يأتيه الخبر فرجع
إليه فأعلمه أن الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم قال فهل يطلبون شيئا غير
الارزاق قال لا قال ما أهون ما طلبوا ارجع إلى عبدالله بن خازم فمره فلينصرف
عنهم ثم أمر لهم بأرزاق أربعة أشهر ورفع من كان دون الثمانين إلى الثمانين وأمر
للقواد والخواص بالصلات والجوائز ( وفى هذه السنة ) وجه محمد المخلوع
عبدالرحمن بن جبلة الابناوى إلى همذان لحرب طاهر
* ذكر الخبر عن ذلك *
ذكر عبدالله بن صالح أن محمدا لما انتهى إليه قتل على بن عيسى بن ماهان
واستباحة طاهر عسكره وجه عبدالرحمن الابناوى في عشرين ألف رجل من
الابناء وحمل معه الاموال وقواه بالسلاح والخيل وأجازه بجوائز وولاه حلوان
إلى ما غلب عليه من أرض خراسان وندب معه فرسان الابناء وأهل البأس
والنجدة والغناء منهم وأمره بالاكماش في السير وتقليل اللبث والتضجع حتى ينزل
مدينة همذان فيسبق طاهرا إليها ويخندق عليه وعلى أصحابه ويجمع إليه آلة ويغادى
طاهرا وأصحابه إلى القتال وبسط يده وأنفذ أمره في كل ما يريد العمل به وتقدم
ـ 23 ـ
إليه في التحفظ والاحتراس وترك ما عمل به على من الاغترار والتضجع فتوجه
عبد الرحمن حتى نزل مدينة همذان فضبط طرقها وحصن سورها وأبوابها وسد
ثلمها وحشر إليها الاسواق والصناع وجمع فيها الآلات والمير واستعد للقاء طاهر
ومحاربته وكان يحيى بن على لما قتل أبوه هرب في جماعة من أصحابه فأقام بين الرى
وهمذان فكان لايمر به أحد من فل أبيه إلا احتبسه وكان يرى أن محمدا سيوليه
مكان أبيه ويوجه إليه الخيل والرجال فأراد أن يجمع الفل إلى أن يوافيه القوة
والمدد وكتب إلى محمد يستمده ويستنجده فكتب إليه محمد يعلمه توجيه عبدالرحمن
الابناوى ويأمره بالمقام موضعه وتلقى طاهر فيمن معه وإن احتاج إلى قوة
ورجال كتب إلى عبدالرحمن فقواه وأعانه فلما بلغ طاهرا الخبر توجه نحو
عبدالرحمن وأصحابه فلما قرب من يحيى قال يحيى لاصحابه إن طاهرا قد قرب منا
ومعه من تعرفون من رجال خراسان وفرسانها وهو صاحبكم بالامس ولا آمن
إن لقيته بمن معى من هذا الفل أن يصدعنا صدعا يدخل وهنه على من خلفنا
وأن يعتل عبدالرحمن بذلك ويقلدنى به العار والوهن والعجز عند أمير المؤمنين
وإن استنجد به وأقم على انتظار مدده لم آمن أن يمسك عنا ضنا برجاله وإبقاء
عليهم وشحا بهم على القتل ولكن نتزاحف إلى مدينة همذان فنعسكر قريبا من
عبدالرحمن فإن استعنا به قرب منا عونه وإن احتاج الينا أعناه وكنا بفنائه وقاتلنا
معه قالوا الرأى ما رأيت فانصرف يحيى فلما قرب من مدينة همذان خذله أصحابه
وتفرق أكثر من كان اجتمع اليه وقصد طاهر لمدينة همذان فأشرف عليها ونادى
عبدالرحمن في أصحابه فخرج على تعبية فصاف طاهرا فاقتتلوا قتالا شديدا وصبر
الفريقان جميعا وكثر القتلى والجرحى فيهم ثم ان عبدالرحمن انهزم فدخل مدينة
همذان فأقام بها أياما حتى قوى أصحابه واندمل جرحاهم ثم أمر بالاستعداد وزحف إلى
طاهر فلما رأى طاهر اعلامه وأوائل أصحابه قد طلعوا قال لاصحابه ان عبدالرحمن
يريد أن يترايا لكم فإذا قربتم منه قاتلكم فان هزمتموه بادر إلى المدينة فدخلها وقاتلكم
على خندقها وامتنع بابوابها وسورها وان هزمكم اتسع لهم المجال عليكم وأمكنته سعة
ـ 24 ـ
المعترك من قتالكم وقتل من انهزم وولى منكم ولكن قفوا من خندقنا وعسكرنا قريبا
فان تقارب منا قاتلناه وإن بعد من خندقهم قربنا منه فوقف طاهر مكانه وظن
عبدالرحمن أن الهيبة بطأت به عن لقائه والنهود اليه فبادر قتاله فاقتتلوا قتالا شديدا
وصبر طاهر وأكثر القتل في أصحاب عبدالرحمن وجعل عبدالرحمن يقول لاصحابه
يا معشر الابناء يا أبناء الملوك وألفاف السيوف انهم لعجم وليسوا بأصحاب مطاولة
ولا صبر فاصبروا لهم فداكم أبى وأمى وجعل يمر على راية راية فيقول اصبروا
انما صبرنا ساعة هذه أول الصبر والظفر وقاتل بيديه قتالا شديدا وحمل حملات
منكرة ما منها حملة الا وهو يكثر في أصحاب طاهر القتل فلا يزول أحد ولا يتزحزح
ثم إن رجلا من أصحاب طاهر حمل على صاحب علم عبدالرحمن فقتله وزحمهم
أصحاب طاهر زحمة شديدة فولوهم أكتافهم فوضعوا فيهم السيوف فلم يزالوا
يقتلونهم حتى انتهوا بهم إلى باب مدينة همذان فأقام طاهر على باب المدينة محاصرا
لهم وله فكان عبدالرحمن يخرج في كل يوم فيقاتل على أبواب المدينة ويرمى
أصحابه بالحجارة من فوق السور واشتد بهم الحصار وتأذى بهم أهل المدينة
وتبرموا بالقتال والحرب وقطع طاهر عنهم المادة من كل وجه فلما رأى ذلك
عبدالرحمن ورأى أصحابه قد هلكوا وجهدوا وتخوف أن يثب به أهل همذان
أرسل إلى طاهر فسأله الامان له ولمن معه فآمنه طاهر ووفى له واعتزل عبدالرحمن
فيمن كان استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن على ( وفى هذه السنة ) سمى
طاهر بن الحسين ذا اليمينين
* ذكر الخبر عن ذلك *
قد مضى الخبر عن السبب الذى من أجله سمى بذلك ويذكر الذى سماه بذلك
ذكر أن طاهرا لما هزم جيش على بن عيسى بن ماهان وقتل على بن عيسى كتب
إلى الفضل بن سهل أطال الله بقاءك وكبت أعداءك وجعل من يشنأك فداك
كتبت اليك ورأس على بن عيسى في حجرى وخاتمه في يدى والحمد لله رب العالمين
فنهض الفضل فسلم على المأمون بأمير المؤمنين فأمد المأمون طاهر بن الحسين بالرجال
ـ 25 ـ
والقواد وسماه ذا اليمينين وصاحب حبل الدين ورفع من كان معه في دون الثمانين
إلى الثمانين ( وفى هذه السنة ) ظهر بالشأم السفيانى على بن عبدالله بن خالد بن يزيد
ابن معاوية فدعا إلى نفسه وذلك في ذى الحجة منها فطرد عنها سليمان بن أبى جعفر
بعد حصره إياها بدمشق وكان عامل محمد عليها فلم يفلت منه الا بعد البأس
فوجه اليه محمد المخلوع الحسين بن على بن عيسى بن ماهان فلم ينفذ اليه ولكنه لما
صار إلى الرقة أقام بها ( وفى هذه السنة ) طرد طاهر عمال محمد عن قزوين وسائر
كور الجبال
* ذكر الخبر عن سبب ذلك *
ذكر على بن عبدالله بن صالح أن طاهرا لما توجه إلى عبدالرحمن الابناوى بهمذان
تخوف أن يثب به كثير بن قادرة وهو بقزوين عاملا من عمال محمد في جيش كثيف
إن هو خلفه وراء ظهره فلما قرب طاهر من همذان أمر أصحابه بالنزول فنزلوا
ثم ركب في ألف فارس وألف راجل ثم قصد قصد كثير بن قادرة فلما قرب
منه هرب كثير وأصحابه وأحلى قزوين وجعل طاهر فيها جندا كثيفا وولاها
رجلا من أصحابه وأمر أن يحارب من أراد دخولها من أصحاب عبدالرحمن
الابناوى وغيرهم ( وفى هذه السنة ) قتل عبدالرحمن بن جبلة الابناوى بأسداباذ
* ذكر الخبر عن مقتله *
ذكر عبدالرحمن بن صالح أن محمدا المخلوع لما وجه عبدالرحمن الابناوى
إلى همذان أتبعه بابنى الحرشى عبدالله وأحمد في خيل عظيمة من أهل بغداد
وأمرهما أن ينزلا قصر اللصوص وأن يسمعا ويطيعا لعبد الرحمن ويكونا مددا
له إن احتاج إلى عونهما فلما خرج عبدالرحمن إلى طاهر في الامان أقام عبدالرحمن
يرى طاهرا وأصحابه أنه له مسالم راض بعهودهم وأيمانهم ثم اغترهم وهم آمنون
فركب في أصحابه فلم يشعر طاهر وأصحابه حتى هجموا عليهم فوضعوا فيهم
السيوف فثبت لهم رجالة أصحاب طاهر بالسيوف والتراس والنشاب وجثوا
على الركب فقاتلوه كأشد ما يكون من القتال ودافعهم الرجال إلى أن أخذت
ـ 26 ـ
الفرسان عدتها وأهبتها وصدقوهم القتال فاقتتلوا قتالا منكرا حتى تقطعت السيوف
وتقصفت الرماح ثم إن أصحاب عبدالرحمن هربوا وترجل هو في ناس من
أصحابه فقاتل حتى قتل فجعل أصحابه يقولون له قد أمكنك الهرب فاهرب فإن
القوم قد كلوا من القتال وأتبعتهم الحرب وليس بهم حراك ولا قوة على الطلب
فيقول لا أرجع أبدا ولا يرى أمير المؤمنين وجهى منهزما وقتل من أصحابه
مقتلة عظيمة واستبيح عسكره وانتهى من أفلت من أصحابه إلى عسكر عبدالله
وأحمد ابنى الحرشى فدخلهم الوهم والفشل وامتلات قلوبهم خوفا ورعبا فولوا
منهزمين لا يلوون على شئ من غير أن يلقاهم أحد حتى صاروا إلى بغداد وأقبل
طاهر وقد خلت له البلاد يجوز بلدة بلدة كورة وكورة حتى نزل بقرية من قرى
حلوان يقال لها شلاشان فخندق بها وحصن عسكره وجمع اليه أصحابه وقال رجل
من الابناء يرثى عبدالرحمن الابناوى
ألا إنما تبكى العيون لفارس * نفى العار عنه بالمناصل والقنا
تجلى غبار الموت عن صحن وجهه * وقد أحرز العليا من المجد واقتنى
فتى لا يبالى إن دنا من مروة * أصاب مصون النفس أو ضيع الغنا
يقيم لاطراف الذوابل سوقها * ولا يرهب الموت المتاح إذا دنا
وكان العامل في هذه السنة على مكة والمدينة من قبل محمد بن هاون دواد
ابن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبدالله بن عباس وهو الذى حج بالناس
في هذه السنة وسنتين قبلها وذلك سنة 193 و 194 وعلى الكوفة العباس بن
موسى الهادى من قبل محمد وعلى البصرة منصور بن المهدى من قبل محمد وبخراسان
المأمون وببغداد أخوه محمد
* ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان من ذلك حبس محمد بن هارون أسد بن يزيد بن مزيد وتوجيهه أحمد بن
ـ 27 ـ
مزيد وعبدالله بن حميد بن قحطبة إلى حلوان لحرب طاهر
* ذكر الخبر عن سبب حبسه وتوجيهه من ذكرت *
ذكر عن عبدالرحمن بن وثاب إن أسد بن يزيد بن مزيد حدثه أن الفضل
ابن الربيع بعث اليه بعد مقتل عبدالرحمن الابناوى قال فأتيته فلما دخلت عليه
وجدته قاعدا في صحن داره وفى يده رقعة قد قرأها واحمرت عيناه واشتد غضبه
وهو يقول ينام نوم الظربان لايفكر في زوال نعمة ولايروى في امضاء رأى
ولا مكيدة قد ألهاه كأسه وشغله قدحه فهو يجرى في لهوه والايام تصرع في هلاكه
قد شمر عبدالله له عن ساقه وفوق له أصيب أسهمه يرميه على بعد الدار بالحتف
النافذ والموت القاصد قد عبى له المنايا على متون الخيل وناط له البلاء في أسنة
الرماح وشفار السيوف ثم استرجع وتمثل بشعر البعيث :
ومجدولة جدل العنان خريدة * لها شعر جعد ووجه مقسم
وثغر نقى اللون عذب مذاقه * يضئ له الظلماء ساعة تبسم
وثديان كالحقين والبطن ضامر * خميص وجهر ناره تتضرم
لهوت بها ليل التمام ابن خالد * على بمرو الروذ غيظا تجرم
أظل أناغيها وتحت ابن خالد * أمية نهد المركلين عثمثم
طواها طراد الخيل في كل غارة * لها عارض في الاسنة ترزم
يقارع أتراك ابن خاقان ليلة * إلى أن يرى الاصباح لا يتلعثم
فيصبح من طول الطراد وجسمه * نحيل وأضحى في النعيم أصمم
فشتان ما بينى وبين ابن خالد * أمية في الرزق الذى الله قاسم
ثم التفت إلى فقال يا أبا الحارث أنا وإياك لنجرى إلى غاية إن قصرنا عنها
ذممتنا وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا وإنما نحن شعب من أصل إن قوى قوينا
وان ضعف ضعفنا إن هذا قد ألقى بيده القاء الامة الوكعاء يشاور النساء ويعتزم
على الرؤيا وقد أمكن بمسامعه ما معه من أهل اللهو والجسارة فهم يعدونه الظفر
ويمنونه عقب الايام والهلاك أسرع اليه من السيل إلى قيعان الرمل وقد خشيت
ـ 28 ـ
والله أن نهلك بهلاكه ونعطب بعطبه وأنت فارس العرب وابن فارسها فزع اليك
في لقاء هذا الرجل وأطعمه فيما قبلك أمر ان أما أحدهما فصدق وفضل
نصيحتك والثانى يمن نقيبتك وشدة بأسك وقد أمرنى إزاحة علتك وبسط يدك
فيما أحببت غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة فانجز حوائجك
وعجل المبادرة إلى عدوك فإنى أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح ويلم بك
شعث هذه الخلافة والدولة فقلت أنا لطاعة أمير المؤمنين أعزه الله وطاعتك مقدم
ولكل ما أدخل الوهن والذل على عدوه وعدوك حريص غير أن المحارب لايعمل
بالغرور ولا يفتتح أمره بالتقصير والخلل وإنما ملاك المحارب الجنود وملاك
الجنود المال وقد ملا أمير المؤمنين أعزه الله أيدى من شهد العسكر من جنوده
وتابع لهم الارزاق الدارة والصلاة والفوائد الجزيلة فإن سرت بأصحابى وقلوبهم
متطلعة إلى من خلفهم من اخوانهم لم أنتفع بهم في لقاء من امامى وقد فضل أهل
على أهل الحرب وجاز بأهل الدعوة منازل أهل النصب والمشقة والذى أسأل
أن يؤمر لاصحابى برزق سنة ويحمل معهم أرزاق سنة ويخص من لاخاصة له منهم
من أهل الغناء والبلاء وأبدل من فيهم من الزمنى والضعفاء وأحمل ألف رجل
ممن معى على الخيل ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور فقال قد
اشتططت ولابد من مناظرة أمير المؤمنين ثم ركب وركبت معه فدخل قبلى على
محمد وأذن لى فدخلت فما كان بينى وبينه إلا كلمتان حتى غضب وأمر بحبسى وذكر
عن بعض خاصة محمد إن أسدا قال لمحمد ادفع إلى ولدى عبدالله المأمون حتى
يكونا أسيرين في يدى فان أعطانى الطاعة وألقى إلى بيده وإلا عملت فيهما بحكمى
وأنفذت فيهما أمرى فقال أنت أعرابى مجنون أدعوك إلى ولاء أعنة العرب والعجم
وأطمعك خراج كور الجبال إلى خراسان وارفع منزلتك عن نظرائك من أبناء القواد
والملوك وتدعوننى إلى قتل ولدى وسفك دماء أهل بيتى إن هذا للخرق والتخليط وكان
ببغداد ابنان لعبد الله المأمون وهما مع أمهما أم عيسى ابنة موسى الهادى نزولا في قصر
المأمون بغداد فلما ظفر المأمون ببغداد خرجا اليه مع أمهما إلى خراسان فلم يزالا
ـ 29 ـ
بها حتى قدموا بغداد وهما أكبر ولده وذكر زياد بن على قال لما غضب محمد على
أسد بن يزيد وأمر بحبسه قال هل في أهل في أهل بيت هذا من يقوم مقامه فانى
أكره أن أستفسدهم مع سابقهم وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم قالوا نعم فيهم أحمد بن
مزيد وهو أحسنهم طريقة وأصحهم نية في الطاعة وله مع هذا بأس ونجدة وبصر
بسياسة الجنود ولقاء الحروب فأنفذ اليه محمد بريدا يأمره بالقدر عليه فذكر بكر بن
أحمد قال كان أحمد متوجها إلى قرية تدعى اسحاقية ومعه نفر من أهل بيته ومواليه
وحشمه فلما جاوز نهر أبان سمع صوت بريد في جوف الليل فقال إن هذا لعجبا
بريد في مثل هذه الساعة وفى مثل هذا الموضع إن هذا الامر لعجيب ثم لم يلبث البريد
أن وقف ونادى الملاح معك أحمد بن مزيد قال نعم فنزل فدفع اليه كتاب محمد فقرأ
ثم قال إنى بلغت ضيعتى وإنما بينى وبينها ميل فدعنى أقعها وقعة فآمر فيها بما أريد
ثم أغدو معك فقال لا ان أمير المؤمنين أمرنى ألا أنظرك ولا أرفهك وإن
أشخصك أى ساعة صادفتك فيها من ليل أو نهار فانصرف معه حتى أتى الكوفة
فأقام بها يوما حتى تجمل وأخذ أهبة السفر ثم مضى إلى محمد فذكر عن أحمد قال
لما دخلت بغداد بدأت بالفضل بن الربيع فقلت أسلم عليه واستعين بمنزلته
ومحضره عند محمد فلما أذن لى دخلت عليه وإذا عنده عبدالله بن حميد بن قحطبة
وهو يريده على الشخوض إلى طاهر وعبدالله يشتط عليه في طلب المال والاكثار
من الرجال فلما رآنى رحب بى وأخذ بيدى فرفعنى حتى صيرنى معه على صدر
المجلس وأقبل على عبدالله يداعبه ويمازحه فتبسم في وجهه ثم قال
إنا وجدنا لكم إذ رث حبلكم * من آل شيبان أما دونكم وأبا
الاكثرون إذا عد الحصى عددا * والاقربون إلينا منكم نسبا
فقال عبدالله إنهم لكذلك وان منهم لسد الخلل ونكاء العدو ودفع معرة
أهل المعصية عن أهل الطاعة ثم أقبل على الفضل فقال أن أمير المؤمنين أجرى
ذكرك فوصفتك له بحسن الطاعة وفضل النصيحة والشدة على أهل المعصية
والتقدم بالرأى فأحب أصطناعك والتنويه باسمك وان يرفعك إلى منزلة لم يبلغها
ـ 30 ـ
أحد من أهل بيتك والتفت إلى خادمه فقال يا سراج مر دوابى فلم ألبث أن أسرج له
فمضى ومضيت معه حتى دخلنا على محمد وهو في صحن داره له ساج فلم يزل يأمرنى
بالدنو حتى كدت ألاصقه فقال أنه قد كثر على تخليط ابن أخيك وتنكره وطال
خلافه على حتى أوحشنى ذلك منه وولد في قلبى التهمة له وصيرنى بسوء المذهب
وحنث الطاعة إلى أن تناولته من الادب والحبس بما لم أحب أن أكون أتناوله به
وقد وصفت لى بخير ونسبت إلى جميل فأحببت أن أرفع قدرك وأعلى منزلتك
وأقدمك على أهل بيتك وأن أوليك جهاد هذه الفئة الباغية الناكثة وأعرضك
للاجر والثواب في قتالهم ولقائهم فانظر كيف تكون وصحح نيتك وأعن
أمير المؤمنين على اصطناعك وسره في عدوه ينعم سرورك وتشريفك فقلت
سأبذل في طاعة أمير المؤمنين أعزه الله مهجتى وأبلغ في جهاد عدوه أفضل ما أمله
عندى ورجاه من غنائى وكفايتى ان شاء الله فقال يا فضل قال لبيك يا أمير المؤمنين
قال ادفع اليه دفاتر أصحاب أسد واضمم اليه من شهد العسكر من رجال الجزيرة
والاعراب وقال أكمش على أمرك وعجل المسير اليه فخرجت فانتخبت الرجال
واعترضت الدفاتر فبلغت عدة من صححت اسمه عشرين ألف رجل ثم توجهت
بهم إلى حلوان وذكر أن أحمد بن مزيد لما أراد الشخوص دخل على محمد فقال
أوصنى أكرم الله أمير المؤمنين فقال أوصيك بخصال عدة اياك والبغى فانه عقال
النصر ولاتقدم رجلا الا باستخارة ولاتشهر سيفا إلا بعد إعذار ومهما قدرت
باللين فلا تتعده إلى الخرق والشره وأحسن صحابة من معك من الجند وطالعنى بأخبارك
في كل يوم ولاتخاطر بنفسك طلب الزلفة عندى ولا تستقها فيما تخوف رجوعه على
وكن لعبد الله أخا مصافيا وقرينا برا وأحسن مجامعته وصحبته ومعاشرته ولاتخذله
إن استنصرك ولاتبطئ عنه إذا استصرخك ولتكن أيديكما واحدة وكلمتكما
متفقة ثم قال سل حوائجك وعجل السراح إلى عدوك فدعا له أحمد وقال يا أمير
المؤمنين كثر لى الدعاء ولاتقبل في قول باغ ولاترفضنى قبل المعرفة بموضع قدمى
لك ثم ابعث إلى أسد فحل قيوده وخل سبيله فقال أبوالاسد الشيبانى في ذلك
ـ 31 ـ
ليهن أبا العباس رأى إمامه * وما عنده منه القضا بمزيد
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 25
ليهن أبا العباس رأى إمامه * وما عنده منه القضا بمزيد
دعاه أمير المؤمنين إلى التى * يقصر عنها ظل كل عميد
فبادر بالرأى والحزم والحجى * ورأى أبى العباس سد أئيد
نهضت بما أعيا الرجال بحمله * وأنت بسعد حاضر وسعيد
رددت بها للرائدين أعزهم * ومثلك وإلى طارفا بتليد
كفى أسدا ضيق الكبول وكربها * وكان عليه عاطفا كيزيد
وحصله فيها كليث غضنفر * أبى أشبل عبل الذراع مديد
وذكر يزيد بن الحارث أن محمدا وجه أحمد بن مزيد في عشرين ألف رجل
من الاعراب وعبدالله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألف رجل من الابناء
وأمرهما أن ينزلا حلوان ويدفعا طاهرا وأصحابه عنها وإن أقام طاهر بشلاشان
أن يتوجها اليه في أصحابهما حتى يدفعاه وينصبا له الحرب وتقدم إليهما في اجتماع
الكلمة والتواد والتحاب على الطاعة فتوجها حتى نزلا قريبا من حلوان بموضع
يقال له حانقين وأقام طاهر بموضعه وخندق عليه وعلى أصحابه ودس الجواسيس
والعيون إلى عسكريهما فكانوا يأتونهم بالاراجيف ويخبرونهم أن محمدا قد
وضع العطاء لاصحابه وقد أمر لهم من الارزاق بكذا وكذا ولم يزل يحتال في وقوع
الاختلاف والشغب بينهم حتى اختلفوا وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضا
فأخلوا خانقين ورجعوا عنها من غير أن يلقوا طاهرا ويكون بينهم وبينه قتال
وتقدم طاهر حتى نزل حلوان فلما دخل طاهر حلوان لم يلبث إلا يسيرا حتى
أتاه هرثمة بن أعين بكتاب المأمون والفضل بن سهل يأمره بتسليم ما حوى من
المدن والكور اليه ويتوجه إلى الاهواز فسلم ذلك اليه وأقام هرثمة بحلوان
فحصنها ووضع مسالحه ومراصده في طرقها وجبالها وتوجه طاهر إلى الاهواز
( وفى هذه السنة ) رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وقدره
* ذكر الخبر عما كان من المأمون اليه في ذلك *
ذكر أن المأمون لما انتهى اليه الخبر عن قتل طاهر على بن عيسى واستيلائه
ـ 32 ـ
على عسكره وتسميته إياه أمير المؤمنين وسلم الفضل بن سهل عليه بذلك وصح عنده
الخبر عن قتل طاهر عبدالرحمن بن حبلة الابناوى وغلبته على عسكره دعا الفضل بن
سالم فعقد له في رجب من هذه السنة على الشرق من جبل همذان إلى جبل سقينان
والتبت طولا ومن بحر فارس والهند إلى بحر الديلم وجرجان عرضا وجعل له
عماله ثلاثة آلاف ألف درهم وعقد له لواء على سنان ذى شعبتين وأعطاه علما
وسماه ذا الرئاستين فذكر بعضهم أنه رأى سيفه عند الحسن بن سهل مكتوبا عليه
بالفضة من جانب رئاسة الحرب ومن الجانب الآخر رئاسة التدبير فحمل اللواء
على بن هشام وحمل العلم نعيم بن حازم وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج
( وفى هذه السنة ) ولى محمد بن هارون عبدالملك بن صالح بن على على الشام
وأمره بالخروج إليها وفرض له من رجالها جنودا يقاتل بها طاهرا وهرثمة
* ذكر الخبر عن سبب توليته ذلك *
ذكر داود بن سليمان أن طاهرا لما قوى واستعلى أمره وهزم من هزم
من قواد محمد وجيوشه دخل عبدالملك بن صالح على محمد وكان عبدالملك محبوسا
في حبس الرشيد فلما توفى الرشيد وأفضى الامر إلى محمد أمر بتخلية سبيله وذلك
في ذى القعدة سنة 139 فكان عبدالملك يشكر ذلك لمحمد ويوجب به على نفسه
طاعته ونصيحته فقال يا أمير المؤمنين إنى أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل
العسكرين قد اعتمدوا ذلك وقد بذلت سماحتك فان أتممت على أمرك أفسدتهم
وأبطرتهم وان كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتهم وأغضبتهم وليس تملك
الجنود بالامساك ولايبقى ثبوت الاموال على الانفاق والسرف ومع هذا فان
جندك قد رعبتهم الهزائهم ونهكتهم وأضعفتهم الحرب والوقائع وامتلات قلوبهم
هيبة لعدوهم ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم فان سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل
من معه كثيرهم وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم وأهل الشأم قوم قد
ضرستهم الحروب وأدبته الشدائد وجلهم منقاد إلى مسارع إلى طاعتى فان وجهنى
أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا يعظم نكايتهم في عدوه ويؤيد الله بهم أولياءه
ـ 33 ـ
وأهل طاعته فقال محمد فانى موليك أمرهم ومقويك بما سألت من مال وعدة فعجل
الشخوص إلى ما هنالك فاعمل عملا يظهر أثره ويحمد بركته برأيك ونظرك فيه
ان شاء الله فولاه الشأم والجزيرة واستحثه بالخروج استحثاثا شديدا ووجه معه
كنفا من الجند والابناء ( وفى هذه السنة ) سار عبدالملك بن صالح إلى الشأم
فلما بلغ الرقة أقام بها
* ذكر الخبر عن ذلك *
قد تقدم ذكرى سبب توجيه محمد اياه لذلك فذكر داود بن سليمان أنه لما
قدم عبدالملك الرقة أنفذ رسله وكتب إلى رؤساء أجناد الشأم ووجوه الجزيرة
فلم يبق أحد ممن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه الا وعده وبسط له في أمله وأمنيته
فقدموا عليه رئيسا بعد رئيس وجماعة بعد جماعة فكان لايدخل عليه أحد إلا
أجازه وخلع عليه وحمله فأتاه أهل الشأم الزواقيل والاعراب من كل فج واجتمعوا
عنده حتى كثروا ثم إن بعض جند أهل خراسان نظر إلى دابة كانت أخذت منه
في وقعة سليمان بن أبى جعفر تحت بعض الزواقيل فتعلق بها فجرى الامر بينهما
إلى أن اختلفا واجتمعت جماعة من الزواقيل والجند فتلاحموا وأعان كل فريق
منهم صاحبه وتلاطموا وتضاربوا بالايدى ومشى بعض الابناء إلى بعض فاجتمعوا
إلى محمد بن أبى خالد فقالوا أنت شيخنا وكبيرنا وفارسنا وقد ركب الزواقيل
منا ما قد بلغك فاجمع أمرنا وإلا استذلونا وطمعوا فينا وركبوا بمثل هذا في كل
يوم فقال ما كنت لادخل في شغب ولا أشاهدكم على مثل الحالة فاستعد الابناء
وتهيئوا وأتوا الزواقيل وهم غارون فوضعوا فيهم السيوف فقتلوا منهم مقتلة
عظيمة وذبحوهم في رحالهم وتنادى الزواقيل فركبوا خيولهم ولبسوا أسلحتهم
ونشبت الحرب بينهم وبلغ ذلك عبدالملك بن صالح فوجه اليهم رسولا يأمرهم
بالكف ووضع السلاح فرموه بالحجارة واقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديدا وأكثرت
الابناء القتل في الزواقيل فأخبر عبدالملك بكثرة من قتل وكان مريضا مدنفا فضرب
بيده على يد ثم قال واذلاه تستضام العرب في دارها ومحلها وبلادها فغضب من
( 3 7 )
ـ 34 ـ
كان أمسك عن الشر من الابناء وتفاقم الامر فيما بينهم وقام بأمر الابناء الحسين
ابن على بن عيسى ماهان وأصبح الزواقيل فاجتمعوا بالرقة واجتمع الابناء
وأهل خراسان بالرافقة وقام رجل من أهل حمص فقال يا أهل حمص الهرب
أهون من العطب والموت أهون من الذل إنكم بعدتم عن بلادكم وخرجتم من
أقاليمكم ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة ألا وفى الشر وقعتم وإلى حومة
الموت أنختم إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم النفير النفير قبل أن ينقطع
السبيل وينزل الامر الجليل ويفوت المطلب ويعسر المذهب ويبعد العمل ويقترب
الاجل وقام رجل من كلب في غرز ناقته ثم قال
شؤبوب حرب خاب من يصلاها * قد شرعت فرسانها قناها
فأورد الله لظى لظاها * إن غمرت كلب بها لحاها
ثم قال يا معشر كلب إنها الراية السوداء والله ما ولت ولا عدلت ولا ذل نصرها
ولاضعف وليها وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في رقابكم وآثار
أسنتهم في صدوركم اعتزلوا الشر قبل أن يعظم وتخطوه قبل أن يضطرم شأمكم داركم
داركم الموت الفلسطينى خير من العيش الجزرى ألا وإنى راجع فمن أراد الانصراف
فلينصرف معى ثم سار وسار معه عامة أهل الشأم وأقبلت الزواقيل حتى أضرموا
ما كان التجار جمعوا من الاعلاف بالنار وأقام الحسين بن على بن عيسى بن ماهان
مع جماعة أهل خراسان والابناء على باب الرافقة تخوفا لطوق بن مالك فأتى طوقا
رجل من بنى تغلب فقال ألا ترى ما لقيت العرب من هؤلاء انهض فإن مثلك لايقعد
عن هذا الامر قد مد أهل الجزيرة أعينهم اليك وأملوا عونك ونصرك فقال والله ما أنا
من قيسها ولايمنها ولا كنت في أول هذا الامر لاشهد آخره وإنى لاشهد إبقاء على قومى
وأنظر لعشيرنى من أن أعرضهم للهلاك بسبب هؤلاء السفهاء من الجند وجهال
قيس وما أرى السلامة إلا في الاعتزال وأقبل نصر بن شبث في الزواقيل على
فرس كميت أغر عليه دراعة سوداء قد ربطها خلف ظهره وفى يده رمح وترس
وهو يقول
ـ 35 ـ
فرسان قيس آصمدن للموت * لا ترهبنى عن لقاء الفوت
دعى التحنى بعسى وليت
ثم حمل هو وأصحابه فقاتل قتالا شديدا فصبر لهم الجند وكثر القتل في الزواقيل
وحملت الابناء حملات في كلها يقتلون ويجرحون وكان أكثر القتل والبلاء في
تلك الدفعة لكثير بن قادرة وأبى الفيل وداود بن موسى بن عيسى الخراسانى
وانهزمت الزواقيل وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث وعمرو السلمى والعباس
ابن زفر ( وتوفى في هذه السنة ) عبدالملك بن صالح ( وفى هذه السنة ) خلع
محمد بن هارون وأخذت عليه البيعة لاخيه عبدالله المأمون ببغداد ( وفيها )
حبس محمد بن هارون في قصر أبى جعفر مع أم جعفر بنت جعفر بن أبى جعفر
* ذكر الخبر عن سبب خلعه *
ذكر عن داود بن سليمان أن عبدالملك بن صالح لما توفى بالرقة نادى الحسين
بن على بن عيسى بن ماهان في الجند فصير الرجالة في السفن والفرسان على الظهر
ووصلهم وقوى ضعفاءهم ثم حملهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة وذلك في سنة
196 وذكر أحمد بن عبدالله أنه كان فيمن شهد مع عبدالملك الجزيرة لما انصرف
بهم الحسين بن على وذلك في رجب من سنة 196 وذكر أنه تلقاه الابناء وأهل
بغداد بالتكرمة والتعظيم وضربوا له القباب واستقبله القواد والرؤساء
والاشراف ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة فلما كان في جوف الليل
بعث إلى محمد يأمره بالركوب اليه فقال للرسول والله ما أنا بمغن ولا بمسامر
ولامضحك ولا وليت له عملا ولاجرى له على يدى مال فلاى شئ يريدنى في
هذه السنة انصرف فاذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله فانصرف الرسول
وأصبح الحسين فوافى باب الجسر واجتمع اليه الناس فأمر باغلاق الباب الذى
يخرج منه إلى قصر عبيد الله بن على وباب سوق يحيى وقال يا معشر الابناء إن
خلافة الله لاتجاوز بالبطر ونعمه لا تستصحب بالتجبر والتكبر وأن محمدا
يريد أن يوتغ أديانكم وينكث بيعتكم ويفرق جمعكم وينقل عزكم إلى غيركم وهو
صاحب الزواقيل بالامس وبالله إن طالت به مدة وراجعه من أمره قوة ليرجص
ـ 36 ـ
وبال ذلك عليكم وليعرفن ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم فاقطعوا
أثره قبل أن يقطع آثاركم وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم فوالله لاينصره منكم
ناصر إلا خذل ولا يمنعه مانع إلا قتل وما عند الله لاحد هوادة ولا يراقب على
الاستخفاف بعهوده والحنث بأيمانه ثم أمر الناس بعبور الجسر فعبروا حتى صاروا
إلى سكة باب خراسان واجتمعت الحربية وأهل الارباض مما يلى باب الشأم
وتسرعت خيول من خيول محمد من الاعراب وغيرهم إلى الحسين بن على فاقتتلوا
قتالا شديدا مليا من النهار وأمر الحسين من كان معه من قواده وخاصة أصحابه
بالنزول فنزلوا اليهم بالسيوف والرماح وصدقوهم القتال وكشوفهم حتى تفرقوا
عن باب الخلد قال فخلع الحسين بن على محمدا يوم الاحد لاحدى عشرة ليلة خلت
من رجب سنة 196 وأخذ البيعة لعبد الله المأمون من غد يوم الاثنين إلى الليل
إلى محمد يوم الثلاثاء فوثب بعد الوقعة التى كانت بين الحسين وبين أصحاب
محمد العباس بن موسى بن عيسى الهاشمى على محمد ودخل عليه فأخرجه من قصر
الخلد إلى قصر أبى جعفر فحبسه هناك إلى صلاة الظهر ثم وثب العباس بن موسى
ابن عيسى على أم جعفر فأمرها بالخروج من قصرها إلى مدينة أبى جعفر فأبت
فدعا لها بكرسى وأمرها بالجلوس فيه فقنعها بالسوط وساءها وأغلظ لها القول
فجلست فيه ثم أمر بها فأدخلت المدينة مع ابنها وولدها فلما أصبح الناس من الغد
طلبوا من الحسين بن على الارزاق وماج الناس بعضهم في بعض وقام محمد بن
أبى خالد بباب الشأم فقال أيها الناس والله ما أدرى بأى سبب يتأمر الحسين
ابن على علينا ويتولى هذا الامر دوننا ما هو بأكبرنا سنا ولا أكرمنا حسبا ولا
أعظمنا منزلة وإن فينا من لايرضى بالدنية ولا يقاد بالمخادعة وإنى أولكم نقض
عهده وأظهر التعبير عليه والانكار لفعله فمن كان رأيه رأيى فليعتزل معى وقام
أسد الحربى فقال يا معشر الحربية هذا يوم له ما بعده إنكم قد نمتم وطال نومكم
وتأخرتم فقدم عليكم غيركم وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره فاذهبوا
بذكر فكه وإطلاقه فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فرس فصاح بالناس
ـ 37 ـ
أسكتوا فسكتوا فقال أيها الناس هل تعتدون على محمد بقطع منه لارزاقكم قالوا
لا قال فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم قالوا ما علمنا قال فهل
عزل أحدا من قوادكم قالوا معاذ الله أن يكون فعل ذلك قال فما بالكم خذلتموه
وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره أما والله ما قتل قوم خيلفتهم قط إلا
سلط الله عليهم السيف القاتل والحتف الجارف انهضوا إلى خليفتكم
وادفعوا عنه وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به ونهضت الحربية ونهض معهم
عامة أهل الارباض في ا لمشتهرات والعدة الحسنة فقاتلوا الحسين بن على
وأصحابه قتالا شديدا منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس وأكثروا في
أصحابه الجراح وأسر الحسين بن على ودخل أسد الحربى على محمد فكسر
قيوده وأقعده في مجلس الخلافة فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الحرب
والجند ولا عليهم سلاح فأمرهم فأخذوا من السلاح الذى في الخزائن حاجتهم
ووعدهم ومناهم وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحا كثيرا ومتاعا من خز وغير
ذلك وأتى بالحسين بن على فلامه محمد على خلافه وقال ألم أقدم أباك على الناس
وأوله أعنة الخيل وأملا يده من الاموال وأشرف أقداركم في أهل خراسان
وأرفع منازلكم على غيركم من القواد قال بلى قال فما الذى استحققت به منك
أن تخلع طاعتى وتؤلب الناس على وتندبهم إلى قتالى قال الثقة بعفو أمير المؤمنين
وحسن الظن بصفحة وتفضله قال فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك وولاك
الطلب بثأرك ومن قتل من أهل بيتك ثم دعا له بخلعة فخلعها عليه وحمله على
مراكب وأمره بالمسير إلى حلوان وولاه ما وراء بابه * وذكر عن عثمان بن
سعيد الطائى قال كانت لى من الحسين بن على ناحية خاصة فلما رضى عنه محمد
ورد اليه قيادته ومنزلته عبرت اليه مع المهنئين فوجدته واقفا بباب الجسر فهنأته
ودعوت له ثم قلت له إنك قد أصبحت سيد العسكرين وثقة أمير المؤمنين فاشكر
العفو والاقامة ثم داعبته ومازحته ثم أنشأت أقول
هم قتلوه حين تم تمامه * وصار معزا بالندى والتمجد
ـ 38 ـ
أغر كأن البدر سنة وجهه * إذا جاء يمشى في الحديد المسرد
إذا جشأت نفس الجنان وهللت * مضى قدما بالمشرفى المهند
حليم لدى النادى جهول لدى الوغا * عكور على الاعدا قليل التزيد
فثارك أدركه من القوم إنهم * رموك على عمد بشنعا مزند
فضحك ثم قال ما أحرصنى على ذاك إن ساعدنى عمر وأيدت بفتح ونصر ثم
وقف على باب الجسر وهرب في نفر من خدمه ومواليه فنادى محمد في الناس
فركبوا في طلبه فأدركوه بمسجد كوثر فلما بصر بالخيل نزل وقيد فرسه وصلى
ركعتين وتحرم ثم لقيهم فحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم ويقتل فيهم ثم إن
فرسه عثر به وسقط وابتدره الناس طعنا وضربا وأخذوا رأسه وفى ذلك يقول
على بن جبلة وقيل الخزيمى
ألا قاتل الله الالى كفروا به * وفادوا برأس الهرثمى حسين
لقد أوردوا منه قناة صليبه * بشطب يمانى ورمح ردين
رجا في خلاف الحق عزا وإمرة * فألبسته التأميل خف حنين
وقيل إن محمدا لما صفح عن الحسين استوزره ودفع اليه خاتمه وقتل
الحسين بن على بن عيسى بن ماهان للنصف من رجب من هذه السنة في مسجد
كوثر وهو على فرسخ من بغداد في طريق النهر بين وجدد البيعة لمحمد يوم
الجمعة لست عشرة خلت من رجب من هذه السنة وكان حبس الحسين محمدا
في قصر أبى جعفر يومين * وفى الليلة التى قتل فيها الحسين بن على هرب الفضل
ابن الربيع ( وفى هذه السنة ) توجه طاهر بن الحسين حين قدم عليه هرثمة من
حلوان إلى الاهواز فقتل عامل محمد عليها وكان عامله عليها محمد بن يزيد
المهلبى بعد تقديم طاهر جيوشا أمامه اليها قبل انفصاله اليه لحربه
* ذكر الخبر عن مقتل محمد بن يزيد المهلبى ودخول طاهر إلى الاهواز *
ذكر عن يزيد بن الحارث قال لما نزل طاهر شلاشان وجه الحسين بن
عمر الرستمى إلى الاهواز وأمره أن يسير سيرا مقتصدا ولا يسير إلا بطلائع
ـ 39 ـ
ولا ينزل إلا في موضع حصين يأمن فيه على أصحابه فلما توجه أتت طاهرا عيونه
فأخبروه أن محمد بن يزيد المهلبى وكان عاملا لمحمد على الاهواز قد توجه في جمع
عظيم يريد نزول جندى سابور وهو حد ما بين الاهواز والجبل ليحمى الاهواز
ويمنع من أراد دخولها من أصحاب طاهر وإنه في عدة وقوة فدعا طاهر عدة من
أصحابه منهم محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخاراخذاه والحارث
ابن هشام وداود بن موسى وهادى بن حفص وأمرهم أن يكمشوا السير حتى
يتصل أولهم بآخر أصحاب الحسين بن عمر الرستمى فان احتاج إلى إمداد أمدوه
أو لقيه جيش كانوا ظهرا له فوجه تلك الجيوش فلم يلقهم أحد حتى شارفوا
الاهواز وبلغ محمد بن يزيد خبرهم فعرض أصحابه وقوى ضعفاءهم وحمل الرجالة
على البغال وأقبل حتى نزل سوق عسكر مكرم وصير العمران والماء وراء ظهره
وتخوف طاهر أن يعجل إلى أصحابه فأمدهم بقريش بن شبل وتوجه هو بنفسه
حتى كان قريبا منهم ووجه الحسن بن على المأمونى وأمره بمضامة قريش بن
شبل والحسين بن عمر الرستمى وسارت تلك العساكر حتى قاربوا محمد بن يزيد
بعسكر مكرم فجمع أصحابه فقال ما ترون أطاول القوم القتال وأماطلهم اللقاء أم
أناجزهم كانت لى أم على فوالله ما أرى أن أرجع إلى الاهواز فنتحصن بها ونعادى
طاهرا القتال ونبعث إلى البصرة فقال له بعض أصحابه ترجع إلى الاهواز فتفرض
بها الفروض وتستجيش بمن قدرت عليه وبايعك من قومك فقبل ما أشاروا
عليه وتابعه قومه فرجع حتى صار بسوق الاهواز وأمر طاهر قريش بن شبل
أن يتبعه وأن يعاجله قبل أن يتحصن بسوق الاهواز وأمر الحسن بن على
المأمونى والحسين بن عمر الرستمى أن يسيرا بعقبه فان احتاج إلى معونتهما
أعاناه ومضى قريش بن شبل يقفو محمد بن يزيد كلما ارتحل محمد بن يزيد من قرية
نزلها قريش حتى صاروا إلى سوق الاهواز وسبق محمد بن يزيد إلى المدينة
فدخلها واستند إلى العمران فصيره وراء ظهره وعبى أصحابه وعزم على
مواقعهم ودعا بالاموال فصبت بين يديه وقال لاصحابه من أحب منكم الجائزة
ـ 40 ـ
والمنزلة فليعرفنى أثره وأقبل قريش بن شبل حتى صار قريبا منه وقال لاصحابه
الزموا موضعكم ومصافكم وليكن أكثر ما قاتلتموه وأنتم مريحبون فقاتلوهم
بنشاط وقوة فلم يبق أحد من أصحابه إلا جمع بين يديه ما قدر عليه من الحجارة فلم
يعبر اليهم محمد بن يزيد حتى أوهنوهم بالحجارة وجرحوهم جرحات كثيرة بالنشاب
أو عبرت طائفة من أصحاب محمد بن يزيد فأمر قريش أصحابه أن ينزلوا اليهم
فنزلوا اليهم فقاتلوهم قتالا شديدا حتى رجعوا وتراد الناس بعضهم إلى بعض
والتفت محمد بن يزيد إلى نفر كانوا معه من مواليه فقال ما رأيكم قالوا فيماذا قال إنى
أرى من معى قد انهزم ولست آمن من خذلانهم ولا آمل رجعتهم وقد عزمت
على النزول والقتال بنفسى حتى يقضى الله ما أحب فمن أراد منكم الانصراف
فلينصرف فوالله لان تبقوا أحب إلى من أن تعطبوا وتهلكوا فقالوا والله
ما أنصفناك إذا تكون أعتقتنا من الرق ورفعتنا من الضعة ثم أغنيتنا بعد القلة
ثم نخذلك على هذه الحال بل نتقدم أمامك ونموت تحت ركابك فلعن الله الدنيا
والعيش بعدك ثم نزلوا فعرقبوا دوابهم وحملوا على أصحاب قريش حملة منكرة
فأكثروا فيهم القتل وشدخوهم بالحجارة وغير ذلك وانتهى بعد أصحاب طاهر إلى
محمد بن يزيد فطعنه بالرمح فصرعه وتبادروا اليه بالضرب والطعن حتى قتلوه فقال
بعض أهل البصرة يرثيه
من ذاق طعم الرقاد من فرح * فإننى قد أضر بى سهرى
ولى فتى الرشد فافتقدت به * قلبى وسمعى وعزنى بصرى
كان غياثا لدى المحول فقد * ولى غمام الربيع والمطر
وفى العيينى للامام ولم * يرهبه وقع المشطب الذكر
ساور ريب المنون داهية * لولا خضوع العباد للقدر
فامض حميدا فكل ذى أجل * يسعى إلى ما سعيت بالاثر
وقال بعض المهالبة وجرح في تلك الوقعة جراحات كثيرة وقطعت يده
فما لمت نفسى غير أنى لم اطق * حراكا وأنى كنت بالضرب مثخنا
ـ 41 ـ
ولو سملت كفاى قاتلت دونه * وضاربت عنه الطاهرى الملقنا
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 25
ولو سملت كفاى قاتلت دونه * وضاربت عنه الطاهرى الملقنا
فتى لايرى أن يخذل السيف في الوغا * إذا ادرع الهيجاء في النقع واكتنى
* وذكر عن الهيثم بن عدى قال لما دخل ابن أبى عيينة على طاهر فأنشده قوله
من آنسته البلاد لم يرم * منها ومن أوحشته لم يقم
حتى انتهى إلى قوله
ما ساء ظنى إلا لواحدة * في الصدر محصورة عن الكلم
فتبسم طاهر ثم قال أما والله لقد ساءنى من ذلك ما ساءك وآلمنى ما آلمك ولقد
كنت كارها لما كان غير أن الحتف واقع والمنايا نازلة ولابد من قطع الاواصر
والشكر للاقارب في تأكيد الخلافة والقيام بحق الطاعة فظننا أنه يريد محمد بن
يزيد بن حاتم * وذكر عمر بن أسد قال أقام طاهر بالاهواز بعد قتله محمد بن
يزيد بن حاتم وأنفذ عماله في كورها وولى على اليمامة والبحرين وعمان مما يلى الاهواز ومما
يلى عمل البصرة ثم أخذ على طريق البر متوجها إلى واسط وبها يومئذ السندى بن يحيى
ابن الحرشى والهيثم خليفة خزيمة بن خازم فجعلت المسالح والعمال تتقوض مسلحة
مسلحة وعاملا عاملا كلما قرب طاهر منهم تركوا أعمالهم وهربوا عنها حتى قرب
من واسط فنادى السندى بن يحيى والهيثم بن شعبة في أصحابهما فجمعاهم اليهما وهما
بالقتال وأمر الهيثم بن شعبة صاحب مراكبه أن يسرج له دوابه فقرب اليه فرسا
فأقبل يقسم طرفه بينها واستقبلته عدة فرأى المراكبى التغير والفزع في وجهه
فقال إن أردت الهرب فعليك بها فانها أبسط في الركض وأقوى على السفر
فضحك ثم قال قرب فرس الهرب فانه طاهر ولا عار علينا في الهرب منه فتركا
واسطا وهربا عنها ودخل طاهر واسطا وتخوف إن سبق الهيثم والسندى إلى فم الصلح
فيتحصنا به فوجه محمد بن طالوت وأمره أن يبادرهما إلى فم الصلح ويمنعهما من
دخولها إن أرادا ذلك ووجه قائدا من قواده يقال له أحمد بن المهلب نحو الكوفة
وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادى فلما بلغ العباس خبر أحمد بن المهلب خلع
محمدا وكتب بطاعته إلى طاهر وبيعته للمأمون ونزلت خيل طاهر فم النيل وغلب
ـ 42 ـ
على ما بين واسط والكوفة وكتب المنصور بن المهدى وكان عاملا لمحمد على
البصرة إلى طاهر بطاعته ورحل طاهر حتى نزل طرنايا فأقام بها يومين فلم يرها
موضعا للعسكر فأمر بجسر فعقد وخندق له وأنفذ كتبه بالتولية إلى العمال وكانت
بيعة المنصور بن المهدى بالبصرة وبيعة العباس بن موسى الهادى بالكوفة وبيعة
المطلب بن عبدالله بن مالك بالموصل للمأمون وخلعهم محمدا في رجب من سنة 196
وقيل ان الذى كان على الكوفة حين نزل طاهر من قبل محمد الفضل بن العباس
ابن موسى بن عيسى ولما كتب من ذكرت إلى طاهر بيعتهم للمأمون وخلعهم
محمدا أقرهم طاهر على أعمالهم وولى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على الهاشمى مكة
والمدينة ويزيد بن جرير البجلى اليمن ووجه الحارث بن هشام وداود بن موسى
إلى قصر ابن هبيرة ( وفى هذه السنة ) أخذ طاهر بن الحسين من أصحاب محمد
المدائنى ثم صار منها إلى صرصر فعقد جسرا ومضى إلى صرصر
* ذكر الخبر عن سبب دخوله المدائن ومصيره إلى صرصر *
* ذكر أن طاهرا لما وجه إلى قصر ابن هبيرة الحارث بن هشام وداود بن
موسى وبلغ محمدا خبر عامله بالكوفة وخلعه إياه وبيعته للمأمون وجه محمد بن
سليمان القائد ومحمد بن حماد البربرى وأمرهما أن يبيتا الحارث وداود بالقصر فقيل
لهما إن سلكتما الطريق الاعظم لم يخف ذلك عليهما ولكن اختصر الطريق إلى فم الجامع
فانه موضع سوق ومعسكر فانزلاه وبيتاهما إن أردتما ذلك وقد قربتما منهما فوجها
الرجال من الياسرية إلى فلم الجامع وبلغ الحارث وداود الخبر فركبا في خيل
مجرد وتهيآ للرجالة فعبرا من مخاضة في سوراء اليهم وقد نزلوا إلى جنبها فأوقعا بهم وقعة
شديدة ووجه طاهر محمد بن زياد ونصير بن الخطاب مددا للحارث وداود
فاجتمعت العساكر بالجامع وساروا حتى لقوا محمد بن سليمان ومحمد بن حماد في ما بين
نهر درقيط والجامع فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أهل بغداد وهرب محمد بن سليمان
حتى صار إلى قرية شاهى وعبر الفرات وأخذ على طريق البرية إلى الانبار ورجع
محمد بن حماد إلى بغداد وقال أبويعقوب الخزيمى في ذلك
ـ 43 ـ
هما عدوا بالنكث كى يصدعا به * صفا الحق فانفضا بجمع مبدد
وأفلتنا ابن البربرى مضمر * من الخيل يسمو للجياد ويهتدى
وذكر يزيد بن الحارث أن محمد بن حماد البربرى لما دخل بغداد وجه محمد
المخلوع الفضل بن موسى بن عيسى الهاشمى إلى الكوفة وولاه عليها وضم اليه
أبا السلاسل وإياس الحرابى وجمهورا النجارى وأمره بسرعة السير فتوجه
الفضل فلما عبر نهر عيسى عثر به فرسه فتحول منه إلى غيره وتطير وقال اللهم
إنى أسألك بركة هذا الوجه وبلغ طاهرا الخبر فوجه محمد بن العلاء وكتب إلى
الحارث بن هشام وداود بن موسى بالطاعة له فلقى محمد بن العلاء الفضل بقرية
الاعراب فبعث اليه الفضل إنى سامع مطيع لطاهر وانما كان مخرجى بالكيد
منى لمحمد فخل لى الطريق حتى أصبر اليه فقال له محمد لست أعرف ما تقول ولا أقبله
ولا أنكره فان أردت الامير طاهرا فارجع وراءك فخذ أسهل الطريق وأقصدها
فرجع وقال محمد لاصحابه كونوا على حذر فانى لست آمن مكر هذا فلم يلبث أن
كبر وهو يرى أن محمد بن العلاء قد أمنه فوجده على عدة وأهبة واقتتلوا كأشد
ما يكون من القتال وكبا بالفضل فرسه فقاتل عنه أبوالسلاسل حتى ركب وقال
أذكر هذا الموقف لامير المؤمنين وحمل أصحاب محمد بن العلاء على أصحاب الفضل
فهزموهم ولم يزالوا يقتلونهم إلى كؤثى وأسر في تلك الوقعة اسماعيل بن محمد القرشى
وجمهور النجارى وتوجه طاهر إلى المدائن وفيها جند كثير من خيول محمد
عليهم البرمكى قد تحصن بها والمدد يأتيه في كل يوم والصلات والخلع من قبل
محمد فلما قرب طاهر من المدائن وكان منها على رأس فرسخين نزل فصلى ركعتين
وسبح فأكثر التسبيح فقال اللهم إنا نسألك نصرا كنصرك المسلمين يوم المدائن
ووجه الحسن بن على المأمونى وقريش بن شبل ووجه الهادى بن حفص على
مقدمته وسار فلما سمع أصحاب البرمكى صوت طبوله أسرجوا الدواب وأخذوا
في تعبيتهم وجعل من في أوائل الناس ينضم إلى أواخرهم وأخذ البرمكى في
تسوية الصفوف فكلما سوى صفا انتقض واضطرب عليه أمرهم فقال اللهم
ـ 44 ـ
إنا نعوذ بك من الخذلان ثم التفت إلى صاحب ساقته فقال خل سبيل
الناس فإنى أرى جندا لاخير عندهم فركب بعضهم بعضا نحو بغداد فنزل
طاهر المدائن وقدم منها قريش بن شبل والعباس بن بخاراخذاه إلى الدرزيجان
وأحمد بن سعيد الحرشى ونصر بن منصور بن نصر بن مالك معسكران بنهر ديالى
فمنعا أصحاب البرمكى من الجواز إلى بغداد وتقدم طاهر حتى صار إلى الدرزيجان
حيال أحمد ونصر بن منصور فسير اليهما الرجال فلم يجر بينهما كثير قتال حتى انهزموا
وأخذ طاهر ذات اليسار إلى نهر صرصر فعقد بها جسرا ونزلها ( وفى هذه السنة )
خلع داود بن عيسى عامل مكة والمدينة محمدا وهو عامله يومئذ عليهما وبايع
للمأمون وأخذ البيعة بهما على الناس له وكتب بذلك إلى طاهر والمأمون ثم
خرج بنفسه إلى المأمون
* ذكر الخبر عن ذلك وكيف جرى الامر فيه *
ذكر أن الامين لما أفضت الخلافة اليه بعث إلى مكة والمدينة داود بن
عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبدالله بن عباس وعزل عامل الرشيد على
مكة وكان عامله عليها محمد بن عبدالرحمن بن محمد المخزومى وكان اليه الصلاة
بها وأحداثها والقضاء بين أهلها فعزل محمد عن ذلك كله بداود بن عيسى
سوى القضاء فانه أقره على القضاء فأقام داود واليا على مكة والمدينة لمحمد
وأقام للناس أيضا الحج سنة ثلاث وأربع وخمس وتسعين ومائة فلما دخلت سنة
196 بلغه خلع عبدالله المأمون أخاه وما كان فعل طاهر بقواد محمد وقد كان محمد
كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبدالله المأمون والبيعة لابنه موسى وبعث
محمد إلى الكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما وعلقهما في الكعبة فأخذهما فلما
فعل ذلك جمع داود حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في
الكتابين من الشهود وكان داود أحدهم فقال داود قد علمتم ما أخذ علينا وعليكم
الرشيد من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيه لتكونن مع
المظلوم منهما على الظالم ومع المبغى عليه على الباغى ومع المغدور به على الغادر
ـ 45 ـ
فقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغى والغدر على أخويه عبدالله المأمون
والقاسم المؤتمن وخلعهما وبايع لابنه الطفل رضيع صغير لم يفطم واستخرج
الشرطين من الكعبة عاصيا فحرقهما بالنار وقد رأيت خلعه وان أبايع لعبد الله
المأمون بالخلافة إذ كان مظلوما مبغيا عليه فقال له أهل مكة رأينا لرأيك ونحن
خالعوه معك فوعدهم صلاة الظهيرة وأرسل في فجاج مكة صائحا يصيح الصلاة
جامعة فلما جاء وقت صلاة الظهر وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة
خلت من رجب سنة 196 خرج داود بن عيسى فصلى بالناس صلاة الظهر وقد
وضع له المنبر بين الركن والمقام فصعد فجلس عليه وأمر بوجوه الناس
وأشرافهم فقربوا من المنبر وكان داود خطيبا فصيحا جهر الصوت فلما اجتمع
الناس قام خطيبا فقال الحمد لله مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن
يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على شئ قدير وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لاشريك له قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا
عبده ورسوله أرسله بالدين وختم به النبيين وجعله رحمة للعالمين صلى الله عليه
في الاولين والآخرين أما بعد يا أهل مكة فأنتم الاصل والفرع والعشيرة
والاسرة والشركاء في النعمة إلى بلدكم نفذ وفد الله وإلى قبلتكم يأتم المسلمون
وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون رحمة الله عليه وصلاته حين بايع
لابنيه محمد وعبدالله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصرن المظلوم منهما على
الظالم والمبغى عليه على الباغى والمغدور به على الغادر ألا وقد علمتم وعلمنا
أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغى والغدر وخالف الشروط التى أعطاها
من نفسه في بطن البيت الحرام وقد حل لنا ولكم خلعه من الخلافة وتصييرها
إلى المظلوم المبغى عليه المغدور به ألا وإنى أشهدكم أنى قد خلعت محمد بن هارون
من الخلافة كما خلعت قلنسوتى هذه من رأسى وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى
بها إلى بعض الخدم تحته وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء وأتى بقلنسوة
سوداء هاشمية فلبسها ثم قال قد بايعت لعبد الله عبدالله المأمون أمير المؤمنين
ـ 46 ـ
بالخلافة ألا فقوموا إلى البيعه لخليفتكم فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر
رجل فرجل فبايعه لعبدالله المأمون بالخلافة وخلع محمدا ثم نزل عن المنبر وحانت
صلاة العصر فصلى بالناس ثم جلس في ناحية المسجد وجعل الناس يبايعونه
جماعة بعد جماعة يقرأ عليهم كتاب البيعة ويصافحونه على كفه ففعل ذلك أياما
وكتب إلى سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفة على المدينة يأمره أن يفعل
بأهل المدينة مثل ما فعل هو بأهل مكة من خلع محمد والبيعة لعبد الله المأمون
فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود وهو بمكة رحل من فوره بنفسه
وجماعة من ولده يريد المأمون بمرو على طريق البصرة ثم على فارس ثم على
كرمان حتى صار إلى المأمون بمرو فأعلمه ببيعته ببركة مكة والمدينة إذ كانوا أول
من بايعه وكتب اليهم كتابا لينا لطيفا يعدهم فيه الخير وبسط أملهم وأمر أن
يكتب لداود عهد على مكة والمدينة وأعمالها من الصلاة والمعاون والجباية وزيد
له ولاية عك وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية وكتب له إلى الرى بمعونة خمسمائة
ألف درهم وخرج داود بن عيسى مسرعا مغذا مبادرا لادراك الحج ومعه ابن أخيه
العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس وقد عقد
المأمون للعباس بن موسى بن عيسى على ولاية الموسم فسار هو وعمه داود حتى نزلا بغداد
على طاهر بن الحسين فاكرمهما وقربهما وأحسن معونتهما ووجه معهما يزيد
ابن جرير بن يزيد بن خالد بن عبدالله القسرى وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن
وبعث معه خيلا كثيفة وضمن لهم يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن
عبدالله القسرى أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك أهل اليمن وأشرافهم
ليخلعوا محمدا ويبايعوا عبدالله المأمون فساروا جميعا حتى دخلوا مكة وحضر
الحج فحج بأهل الموسم العباس بن موسى بن عيسى فلما صدروا عن الحج انصرف
العباس حتى أتى طاهر بن الحسين وهو على حصار محمد وأقام داود بن عيسى
على عمله بمكة والمدينة ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن فدعا أهلها إلى خلع محمد
ـ 47 ـ
وبيعة عبدالله المأمون وقرأ عليهم كتابا من طاهر بن الحسين يعدهم العدل والانصاف
ويرغبهم في طاعة المأمون ويعلمهم ما بسط المأمون من العدل في رعيته فأجاب
أهل اليمن إلى بيعة المأمون واستبشروا بذلك وبايعوا للمأمون وخلعوا محمدا فسار
فيهم يزيد بن جرير بن يزيد بأحسن سيرة وأظهر عدلا وإنصافا وكتب بإجابتهم
وبيعتهم إلى المأمون وإلى طاهر بن الحسين ( وفى هذه السنة ) عقد محمد في رجب
وشعبان منها نحوا من أربعمائة لواء لقواد شتى وأمر على جميعهم على بن محمد بن
عيسى بن نهيك وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين فساروا فالتقوا بجللتا في رمضان
على أميال من النهروان فهزمهم هرثمة وأسر على بن محمد بن عيسى بن نهيك
وبعث به هرثمة إلى المأمون وزحف هرثمة فنزل النهروان ( وفى هذه السنة )
أستأمن إلى محمد بن طاهر جماعة كثيرة وشغب الجند على طاهر ففرق محمد
فيمن صار إليه من أصحاب طاهر مالا عظيما وقود رجالا وغلف لحالهم بالغالية
فسموا بذلك قواد الغالية
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الامر فيه *
ذكر عن يزيد بن الحارث قال أقام طاهر على نهر صرصر لما صار إليها
وشمر في محاربة محمد وأهل بغداد فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه فاشتد على
أصحابه ما كان محمد يعطى من الاموال والكسى فخرج من عسكره نحو من خمسة
آلاف رجل من اهل خراسان ومن التف إليهم فسر بهم محمد ووعدهم ومناهم
وأثبت أسماءهم في الثمانين قال فمكثوا بذلك أشهرا وقود جماعة من الحربية وغيرهم
ممن تعرض لذلك وطلبه وعقد لهم ووجههم إلى دسكرة الملك والنهروان ووجه
اليهم حبيب بن جهم النمرى الاعرابى في أصحابه فلم يكن بينهم كثير قتال وندب
محمد قوادا من قواد بغداد فوجههم إلى الياسرية والكوثرية وا لسفيانيين
وحمل اليهم الاطعمة وقواهم بالارزاق وصيرهم ردءا لمن خلفهم وفرق الجواسيس
في أصحاب طاهر ودس إلى رؤساء الجند الكتب بالاطماع والترغيب فشغبوا
على طاهر واستأمن كثير منهم إلى محمد ومع كل عشرة أنفس منهم طبل
ـ 48 ـ
فأرعدوا وأبرقوا وأجلبوا ودبوا حتى أشرفوا على نهر صرصر فعبى لطاهر
أصحابه كراديس ثم جعل يمر على كل كردوس منهم فيقول لايغرنكم كثرة
من ترون ولا يمنعكم استئمان من استأمن منهم فان النصر مع الصدق والثبات
والفتح مع الصبر ورب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ثم
أمرهم بالتقدم فتقدموا واضطربوا بالسيوف مليا ثم ان الله ضرب أكتاف أهل بغداد
فولوا منهزمين وأخلوا موضوع عسكرهم فانتهب أصحاب طاهر كل ما كان فيه من
سلاح ومال وبلغ الخبر محمدا فأمر بالعطاء فوضع وأخرج خزائنه وذخائره وفرق
الصلات وجمع أهل الارباض واعترض الناس على عينه فكان لايرى أحدا وسيما
حسن الرؤاء إلا خلع عليه وقوده وكان لايقود أحدا إلا غلفت لحيته بالغالية وهم
الذين يسمون قواد الغالية قال وفرق في قواده المحدثين لكل رجل منهم خمسمائة
درهم وقارورة غالية ولم يعط جند القواد وأصحابهم شيئا وأتت عيون طاهر
وجواسيسه طاهرا بذلك فراسلهم وكاتبهم ووعدهم واستمالهم وأغرى أصاغرهم
بأكابرهم فشغبوا على محمد يوم الاربعاء لست خلون من ذى الحجة سنة 196 فقال
رجل من أبناء أهل بغداد في ذلك :
قل للامين الله في نفسه * ما شتت الجند سوى الغاليه
وطاهر نفسى تقى طاهرا * برسله والعدة الكافيه
أضحى زمام الملك في كفه * مقاتلا للفئة الباغيه
ياناكثا أسلمه نكثه * عيوبه من خبثه فاشيه
قد جاءك الليث بشداته * مستكلبا في أسد ضاريه
فاهرب ولا مهرب من مثله * إلا إلى النار أو الهاويه
قال ولما شغب الجند وصعب الامر على محمد شاور قواده فقيل له تدارك القوم
فتلاف أمرك فان بهم قوام ملكك وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين وهم
ردوه عليك وهم من قد عرفت نجدتهم وبأسهم فلج في أمرهم وأمر بقتالهم فوجه
اليهم التنوخى وغيره من المستأمنة والاجناد الذين كانوا معه فعاجل القوم القتال
ـ 49 ـ
وراسلهم طاهر وراسلوه فأخذ رهائنهم على بذل الطاعة له وكتب اليهم فأعطاهم
الامان وبذل لهم الاموال ثم قدم فصار إلى البستان الذى على باب الانبار يوم الثلاثاء
لاثنتى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة فنزل البستان بقواده وأجناده وأصحابه ونزل
من لحق بطاهر من المستأمنة من قواد محمد وجنده في البستان وفى الارباض
وألحقهم جميعا بالثمانين في الارزاق وأضعف للقواد وأبناء القواد الخواص
وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الاموال ونقب أهل السجون السجون
وخرجوا منها وفتن الناس ووثب على أهل الصلاح الدعار والشطار فعز الفاجر
وذل المؤمن واحتل الصالح وساءت حال الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده
أمرهم وأخذه على أيدى سفهائهم وفساقهم واشتد في ذلك عليهم وغادى القتال وراحه
حتى تواكل الفريقان وخربت الدار ( وحج ) بالناس في هذه السنة العباس بن
موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على من قبل طاهر ودعا للمأمون بالخلافة وهو
أول موسم دعى له فيه بالخلافة بمكة والمدينة
* ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
ففى هذه السنة لحق القاسم بن هارون الرشيد ومنصور بن المهدى بالمأمون من
العراق فوجه المأمون القاسم إلى جرجان ( وفيها ) حاصر طاهر وهرثمة وزهير بن
المسيب محمد بن هارون ببغداد
ذكر الخبر عما آل اليه أمر حصارهم في هذه السنة وكيف كان الحصار فيها
ذكر محمد بن يزيد التميمى وغيره أن زهير بن المسيب الضبى نزل قصر رقة
كلواذى ونصب المجانيق و العرادات واحتفر الخنادق وجعل يخرج في الايام عند
اشتغال الجند بحرب طاهر فيرمى ب العرادات من أقبل وأدبر ويعشر أموال التجار
ويجبى السفن وبلغ من الناس كل مبلغ وبلغ أمره طاهرا وأتاه الناس فشكوا اليه
ما نزل بهم من زهير بن المسيب وبلغ ذلك هرثمة فأمده بالجند وقد كاد يؤخذ ( 4 7 )
ـ 50 ـ
فأمسك عنه الناس فقال شاعر من أهل الجانب الشرقى لم يعرف اسمه في زهير
وقتله الناس بالمجانيق
لا تقرب المنجنيق والحجرا * فقد رأيت القتيل إذ قبرا
باكر كى لايفوته خبر * راح قتيلا وخلف الخبرا
ماذا كان به من نشاط ومن * صحة جسم به إذا ابتكرا
أراد ألا يقال كان له * أمر فلم يدر من به أمرا
يا صاحب المنجنيق ما فعلت * كفاك لم تبقيا ولم تذرا
كان هواه سوى الذى قدرا * هيهات لن يغلب الهوى القدرا
ونزل هرثمة نهر بين وجعل عليه حائطا وخندقا وأعد المجانيق و العرادات وأنزل
عبيد الله بن الوضاح الشماسية ونزل طاهر البستان بباب الانبار فذكر عن الحسين
الخليع أنه قال لما تولى طاهر البستان بباب الانبار دخل محمدا أمر عظيم من دخوله
بغداد وتفرق ما كان في يده من الاموال وضاق ذرعا وتحرق صدرا فأمر
ببيع كل ما في الخزائن من الامتعة وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم
وحملها اليه لاصحابه وفى نفقاته وأمر حينئذ برمى الحربية بالنفط والنيران والمجانيق
و العرادات يقتل بها المقبل والمدبر ففى ذلك يقول عمرو بن عبدالملك العترى الوراق
يا رماة المنجنيق * كلكم غير شفيق
ما تبالون صديقا * كان أو غير صديق
ويلكم تدرون ما تر * مون مرار الطريق
رب خود ذات دل * وهى كالغصن الوريق
أخرجت من جوف دنيا * ها ومن عيش أنيق
لم تجد من ذاك بدا * أبرزت يوم الحريق
وذكر عن محمد بن منصور البارودى قال لما اشتدت شوكة طاهر على محمد
وهزمت عساكره وتفرق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن
قادم فلحق به فولاه ناحية البغيين والاسواق هنالك وشاطئ دجلة وما اتصل به أمامه
ـ 51 ـ
إلى جسور دجلة وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 25
إلى جسور دجلة وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من
الدور والدروب وأمده بالنفقات والفعلة والسلاح وأمر الحربية بلزومه على
النوائب ووكل بطريق دار الرقيق وباب الشأم واحدا بعد واحد وأمر بمثل
الذى أمر به سعيد بن مالك وكثر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد ففى
ذلك يقول العترى
من ذا أصابك يا بغداد بالعين * ألم تكونى زمانا قرة العين
ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم * وكان قربهم زينا من الزين
صاح الغراب بهم بالبين فافترقوا * ماذا لقيت بهم من لوعة البين
أستودع الله قوما ما ذكرتهم * إلا تحدر ماء العين من عينى
كانوا ففرقهم دهر وصدعهم * والدهر يصدع ما بين الفريقين
قال ووكل محمد عليا فراهمرد فيمن ضم اليه من المقاتلة بقصر صالح وقصر
سليمان بن أبى جعفر إلى قصور دجلة وما والاها فألح في إحراق الدور والدروب
وهدمها بالمجانيق و العرادات على يدى رجل كان يعرف ب السمرقندى فكان
يرمى بالمنجنيق وفعل طاهر مثل ذلك وأرسل إلى أهل الارباض من طريق الانبار
وباب الكوفة وما يليها وكلما أجابه أهل ناحية خندق عليهم ووضع مسالحه
وأعلامه ومن أبى اجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله وأحرق منزله فكان كذلك
يغدو ويروح بقواده وفرسانه ورجالته حتى أوحشت بغداد وخاف الناس أن
تبقى خرابا وفى ذلك يقول الحسين الخليع
أتسرع الرجلة أغذاذا * عن جانبى بغداد أم ماذا
ألم تر الفتنة قد ألفت * إلى أولى الفتنة شذاذا
وانتقضت بغداد عمرانها * عن رأى لاذاك ولا هذا
هدما وحرقا قد أبيد أهلها * عقوبة لاذت بمن لاذا
ماأحسن الحالات إن لم تعد * بغداد في القلة بغدادا
قال وسمى طاهر الارباض التى خالفه أهلها ومدينة أبى جعفر الشرقية وأسواق
ـ 52 ـ
الكرخ والخلد وما والاها دار النكث وقبض ضياع من لم ينجز اليه من بنى هاشم
والقواد والموالى وغلاتهم حيث كانت من عمله فذلوا وانكسروا وانقادوا
وذلت الاجناد وتواكلت عن القتال إلا باعة الطريق والعراة وأهل السجون
والاوباش والرعاع والطرارين وأهل السوق وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم
النهب وخرج الهرش والافارقة فكان طاهر يقاتلهم لايفتر عن ذلك ولايمله
ولاينى فيه فقال الخزيمى يذكر بغداد ويصف ما كان فيها
قالوا ولم يلعب الزمان ببغ * داد وتعثر بها عواثرها
إذ هى مثل العروس باديها * مهول للفتى وحاضرها
جنة دنيا ودار مغبطة * قل من النائبات وائرها
درت خلوف الدنيا لساكنها * وقل معسورها وعاسرها
وانفرجت بالنعيم وانتجعت * فيها بلذاتها حواضرها
فالقوم منها في روضة أنق * أشرق غب القطان زائرها
من غره العيش في بلهنية * لو أن دنيا يدوم عامرها
دار ملوك رست قواعدها * فيها وقرت بها منابرها
أهل العلى والثرى وأندية ال * فخر إذا عددت مفاخرها
أفراخ نعمى في إرث مملكة * شد عراها لها أكابرها
فلم يزل والزمان ذو غير * يقدح في ملكها أصاغرها
حتى تساقت كأسا مثملة * من فتنة لايقال عاثرها
وافترقت بعد ألفة شيعا * مقطوعة بينها أياصرها
ياهل رأيت الاملاك ما صنعت * إذ لم يزغها بالنصح زاجرها
أورد أملاكنا نفوسهم * هوة غى أعيت مصادرها
ما ضرها لو رفت بموثقها * واستحكمت في التقى بصائرها
ولم تسافك دماء شيعتها * وتبتعل فتية تكابرها
وأقنعتها الدنيا التى جمعت * لها ورغب النفوس ضائرها
ـ 53 ـ
مازال حوض الاملاك مسجورها * . . . بالهوى وساجرها
تبقى فضول الدنيا مكاثرة * حتى أبيحت كرها ذخائرها
تبيع ما جمع الابوة لل * أبناء لا أربحت متاجرها
يا هل رأيت الجنان زاهرة * يروق عين البصير زاهرها
وهل رأيت القصور شارعة * تكن مثل الدمى مقاصرها
وهل رأيت القرى التى غرس ال * أملاك مخضرة دسا كرها
محفوفة بالكروم والنخل وال * ريحان قد دميت محاجرها
فإنها أصبحت خلايا من ال * إنسان قد دميت محاجرها
قفرا خلاء تعوى الكلاب بها * ينكر منها الرسوم داثرها
وأصبح البؤس ما يفارقها * إلفا لها والسرور هاجرها
بزندورد والياسرية وال * شطين حيث انتهت معابرها
وبالرحى وا لخيزرانية ال * عليا التى أشرفت قناطرها
وقصر عبدويه عبرة وهدى * لكل نفس زكت سرائرها
فأين حراسها وحارسها * وأين مجبورها وجابرها
وأين خصيانها وحشوتها * وأين سكانها وعامرها
أين الجرادية الصقالب وال * أحبش تعدو هدلا مشافرها
ينصدع الجند عن مواكبها * تعدو بها سربا ضوامرها
بالسند والهند والصقالب وال * نوبة شيبت بها برابرها
طيرا أبابيل أرسلت عبثا * يقدم سودانها أحامرها
أين الظباء الابكار في روضة ال * ملك تهادى بها غرائرها
أين غضاراتها ولذتها * وأين محبورها وحابرها
بالمسك والعنبر اليمانى وال * أنجوج مشبوبة مجامرها
يرفلن في الخز والمجاسد وال * موشى محطومة مزامرها
فأين رقاصها وزامرها * يجبن حيث انتهت حناجرها
ـ 54 ـ
تكاد أسماعهم تسل إذا * عارض عيدانها مزامرها
أمست كجوف الحمار خالية * يسعرها بالجحيم ساعرها
كأنما أصبحت بساحتهم * عاد ومستهم صراصرها
لا تعلم النفس ما يبايتها * من حادث الدهر أو يباكرها
تضحى وتمسى درية غرضا * حيث استقرت بها شراشرها
لا سهم الدهر وهو يرشقها * محنطها مرة وباقرها
يابؤس بغداد دار مملكة * دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثم عاقبها * لما أحاطت بها كبائرها
بالخسف والقذف والحريق وبال * حرب التى أصبحت تساورها
كم قد رأينا من المعاصى بها * كالعاهر السوء . . .
حلت ببغداد وهى آمنة * داهية لم تكن تحاذرها
طالعها السوء من مطالعه * وأدركت أهلها جرائرها
رق بها الدين واستخف بذى ال * فضل وعز النساك فاجرها
وخطم العبد أنف سيده * بالرغم واستبعدت مخادرها
وصار رب الجيران فاسقهم * وابتز أمر الدروب ذاعرها
من ير بغداد والجنود بها * قد ربقت حولها عساكرها
كل طحون شهباء باسلة * تسقط أحبالها زماجرها
تلقى بغى الردى أوانسها * يرهقها للقاء طاهرها
والشيخ يعدو حزما كتائبه * يقدم أعجازها يعاورها
ولزهير بالقول ماسدة * مرقومة صلبة مكاسرها
كتائب الموت تحت ألوية * أبرح منصورها وناصرها
يعلم أن الاقدار واقعة * وقعا على ما أحب قادرها
فتلك بغداد ما يبنى من ال * دله في دورها عصافرها
محفوفة بالردى منطقة * بالصغر محصورة جبابرها
ـ 55 ـ
وبين شط الفرات منه إلى * دجلة حيث انتهت معابرها
كهادى السفراء نافرة * تركض من حولها أشاقرها
يحرقها ذا وذاك يهدمها * ويشتفى بالنهاب شاطرها
والكرخ أسواقها معطلة * يستن عيارها وعائرها
أخرجت الحرب من سواقطها * آساد غيل غلبا تساورها
من البوارى تراسها ومن ال * خوص إذا استلامت مغافرها
تغدو إلى الحرب في جواشنها ال * صوف إذا ما عدت أساورها
كتائب الهرش تحت رايته * ساعد طرارها مقامرها
لا الرزق تبغى ولا العطاء ولا * يحشرها للقاء حاشرها
في كل درب وكل ناحية * خطارة يستهل خاطرها
بمثل هام الرجال من فلق ال * صخر يزود المقلاع بائرها
كأنما فوق هامها عدف * من القطا الكدر هاج نافرها
والقوم من تحتها لهم زجل * وهى ترامى بها خواطرها
بل هى رأيت السيوف مصلتة * أشهرها في الاسواق شاهرها
والخيل تستن في أزقتها * بالترك مسنونة خناجرها
والنفط والنار في طرائقها * وهابيا للدخان عامرها
والنهب تعدو به الرجال وقد * أبدت خلاخيلها حرائرها
معصوصبات وسط الازقة قد * أبرزها للعيون ساترها
كل رقود الضحى مخبأة * لم تبد في أهلها محاجرها
بيضة خدر مكنونة برزت * للناس منشورة غدائرها
تعثر في ثوبها وتعجلها * كبة خيل زيعت حوافرها
تسأل أين الطريق والهة * والنار من خلفها تبادرها
لم تجتل الشمس حسن بهجتها * حتى اختلتها * حرب تباشرها
يا هل رأيت الثكلى مولولة * في الطرق تسعى والجهد باهرها
ـ 56 ـ
في إثر نعش عليه واحدها * في صدره طعنة يساورها
فرغاء ينقى الشنار مريدها * يهزها بالسنان شاجرها
تنظر في وجهه وتهتف بال * ثكل وعز الدموع خامرها
غرغر بالنفس ثم أسلمها * مطلولة لا يخاف ثائرها
وقد رأيت الفتيان في عرضة ال * معرك معفورة مناخرها
كل فتى مناع حقيقته * تشقى به في الوغا مساعرها
باتت عليه الكلاب تنهشه * مخضوبة من دم أظافرها
أما رأيت الخيول جائلة * بالقوم منكوبة دوائرها
تعثر بالاوجه الحسان من ال * قتلى وغلت دما أشاعرها
يطأن أكباد فتية نجد * يفلق هاماتهم حوافرها
أما رأيت النساء تحت المجا * نيق تعادى شعثا ضفائرها
عقائل القوم والعجائز وال * عنس لم تخير معاصرها
يحملن قوتا من الطحين على ال * أكتاف معصوبة معاجرها
وذات عيش ضنك ومقعسة * تشدخها صخرة تعاورها
تسأل عن أهلها وقد سلبت * وابتز عن رأسها غفائرها
ياليت ما وللدهر ذو دول * يرجى وأخرى تخشى بوادرها
هل ترجعن أرضنا كما غنيت * وقد تناهت بنا مصايرها
من مبلغ ذا الرئاستين رسا * لات تأتى للنصح شاعرها
بأن خير الولاة قد علم الن * اس إذا عددت مآثرها
خليفة الله من بريته ال * مأمون سائسها وجابرها
سمت إليه آمال أمته * منقادة برها وفاجرها
شاموا حيا العدل من مخايله * وأصحرت بالتقى بصائرها
وأحمدوا منك سيرة جلت ال * شك وأخرى صحت معاذرها
واستجمعت طاعة برفقك لل * مأمون نجديها وغائرها
ـ 57 ـ
وأنت سمع في العالمين له * ومقالة ما يكل ناظرها
فاشكر لذى العرش فضل نعمته * أوجبت فضل المزيد شاكرها
واحذر فداء لك الرعية وال * أجناد مأمورها وآمرها
لا تردن غمرة بنفسك لا * يصدر عنها بالرأى صادرها
عليك ضحضاحها فلا تلج ال * غمرة ملتجمة زواخرها
والقصد إن الطريق ذو شعب * أشأمها وعثها وجائرها
أصبحت في أمة أوائلها * قد فارقت هديها أواخرها
وأنت سرسورها وسائسها * فهل على الحق أنت قاسرها
أدب رجالا رأيت سيرتهم * خالف حكم الكتاب سائرها
وامدد إلى الناس كف مرحمة * تسد منهم بها مفاقرها
أمكنك العدل إذ هممت به * ووافقت مده مقادرها
وأبصر الناس قصد وجههم * وملكت أمة أخايرها
تشرع أعناقها إليك إذا * السادات يوما جمت عشائرها
كم عندنا من نصيحة لك في الل * ه وقربى عزت زوافرها
وحرمة قربت أياصرها * منك وأخرى هل أنت ذاكرها
سعى رجال في العلم مطلبهم * رائحها باكر وباكرها
دونك غراء كالوذيلة لا * تفقد في بلدة سوائرها
لا طمعا قلتها ولا بطرا * لكل نفس نفس تؤامرها
سيرها الله بالنصيحة وال * خشية فاستدمجت مرائرها
جاءتك تحكى لك الامور كما * ينشر بز التجار ناشرها
حملتها صاحبا أخا ثقة * يظل عجبا بها يحاضرها
( وفى هذه السنة ) استأمن الموكلون بقصر صالح من قبل محمد ( وفيها )
كانت الوقعة التى كانت على أصحاب طاهر بقصر صالح
ـ 58 ـ
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة *
ذكر عن محمد بن الحسين بن مصعب أن طاهرا لم يزل مصابرا محمدا وجنده
على ما وصفت من أمره حتى مل أهل بغداد من قتاله وأن على فراهمرد الموكل
بقصرى صالح وسليمان بن أبى جعفر من قبل محمد كتب إلى طاهر يسأله الامان
ويضمن له أن يدفع ما في يده من تلك الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق
و العرادات اليه وأنه قبل ذلك منه وأجابه إلى ما سأل ووجه اليه أبا العباس
يوسف بن يعقوب الباذغيسى صاحب شرطه فيمن ضم اليه من قواده وذوى
البأس من فرسانه ليلا فسلم اليه كل ما كان محمد وكله به من ذلك ليلة السبت للنصف
من جمادى الآخرة سنة 197 واستأمن اليه محمد بن عيسى صاحب شرطة محمد
وكان يقاتل مع الافارقة وأهل السجون والاوباش وكان محمد بن عيسى غير مداهن
في أمر محمد وكان مهيبا في الحرب فلما استأمن هذان إلى طاهر أشفى محمد على الهلاك
ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم وصار على باب أم جعفر يتوقع
ما يكون وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطرق والاجناد فاقتتلوا داخل قصر
صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار قال فقتل في داخل القصر أ بوالعباس يوسف
ابن يعقوب الباذغيسى ومن كان معه من القواد والرؤساء المعدودين وقاتل فراهمرد
وأصحابه خارجا من القصر حتى فل وانحاز إلى طاهر ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها
أشد على طاهر وأصابه منها ولا أكثر قتيلا وجريحا معقورا من أصحاب طاهر
من تلك الوقعة فأكثرت الحرب فيها القول من الشعر وذكر ما كان فيها من شدة
الحرب وقال فيها الغوغاء والرعاع وكان مما قيل في ذلك قول الخليع
أمين الله ثق بالل * ه تعط الصبر والنصره
كل الامر إلى الله * كلاك الله ذو القدره
لنا النصر بعون الل * ه والكرة لا الفره
وللمراق أعدائ * ك يوم السوء والدبره
وكاس تلفظ الموت * كريه طعمها مره
ـ 59 ـ
سقينا وسقيناهم * ولكن بهم الحره
كذاك الحرب أحيانا * علينا ولنا مره
فذكر عن بعض الابناء أن طاهرا بث رسله وكتب إلى القواد و الهاشميين
وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الامان والدخول في خلع
محمد والبيعة للمأمون فلحق به جماعة منهم عبدالله بن حميد بن قحطبة الطائى وإخوته
ولد الحسن بن قحطبة ويحيى بن على بن ماهان ومحمد بن أبى العاص وكاتبه قوم
من القواد و الهاشميين في السر وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه قال ولما كانت
وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب ووكل الامر إلى محمد بن عيسى
ابن نهيك وإلى الهرش فوضعنا مما يليهما من الدروب والابواب وكلاءهما بأبواب
المدينة والارباض وسوق الكرخ وفرض دجلة وباب المحول والكناسة فكان
لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من الملة
والذمة فكان منهم في ذلك مالم يبلغنا أن مثله كان في شئ من سائر بلاد الحروب
قال ولما طال ذلك بالناس وضاقت بغداد بأهلها وخرج عنها من كانت به قوة
بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم فأخذ طاهر أصحابه بخلاف
ذلك واشتد فيه وغلظ على أهل الريب وأمر محمد بن أبى خالد بحفظ الضعفاء
والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم فكان الرجل والمرأة إذا تخلص من أيدى
أصحاب الهرش وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وأمن وأظهرت المرأة
ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بز حتى قيل إن مثل أصحاب طاهر ومثل أصحاب
الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا مثل السور الذى قال الله تعالى ذكره ( فضرب
بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فلما طال على الناس
ما بلوا به ساءت حالهم وضاقوا به ذرعا وفى ذلك يقول بعض فتيان بغداد :
بكيت دما على بغداد لما * فقدت غضارة العيش الانيق
تبدلنا هموما من سرور * ومن سعة تبدلنا بضيق
أصابتها من الحساد عين * فأفنت أهلها بالمنجيق
فقوم أحرقوا بالنار قسرا * ونائحة تنوح على غريق
ـ 60 ـ
وصائحة تنادى واصباحا * وباكية لفقدان الشفيق
وحوراء المدامع ذات دل * مضمخة المجاسد بالخلوق
تفر من الحريق إلى انتهاب * ووالدها يفر إلى الحريق
وسالبة الغزالة مقلتيها * مضاحكها كلالاة البروق
حيارى كالهدايا مفكرات * عليهن القلائد في الحلوق
ينادين الشفيق ولا شفيق * وقد فقد الشقيق من الشقيق
وقوم خرجوا من ظل دنيا * متاعهم يباع بكل سوق
ومغترب قريب الدار ملقى * بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعا * فما يدرون من أى الفريق
فلا ولد يقيم على أبيه * وقد هرب الصديق بلا صديق
ومهما أنس من شئ تولى * فإنى ذاكر دار الرقيق
وذكر أن قائد من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة
والبأس خرج يوما إلى القتال فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم فقال لاصحابه
ما يقاتلنا إلا من أرى استهانة بأمرهم واحتقارا لهم فقيل له نعم هؤلاء الذين ترى
هم الآفة فقال أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم وأنتم في السلاح
الظاهر والعدة والقوة ولكم مالكم من الشجاعة والنجدة وما عسى أن يبلغ كيد
من أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهم فأوتر قوسه
وتقدم وأبصر بعضهم فقصد نحوه وفى يده بارية مقبرة وتحت إبطه مخلاة فيها
حجارة فجعل الخراسانى كلما رمى بسهم استتر منه العيار فوقع في باريته أو قريبا
منه فيأخذه فيجعله في موضع من باريته قد هيأه لذلك وجعله شبيها بالجعبة وجعل
كلما وقع سهم أخذه وصاح دانق أى ثمن النشابة دانق قد أحرزه ولم يزل تلك
حالة الخراسانى وحال العيار حتى أنفذ الخراسانى سهامه ثم حمل على العيار ليضربه
بسيفه فأخرج من مخلاته حجرا فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه ثم ثناه
بآخر فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه وكر راجعا وهو يقول ليس هؤلاء
ـ 61 ـ
بإنس قال فحدثت أن طاهرا حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراسانى من
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 25
بإنس قال فحدثت أن طاهرا حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراسانى من
الخروج إلى الحرب فقال بعض شعراء بغداد في ذلك
خرجت هذه الحروب رجالا * لا لقحطانها ولا لنزار
معشرا في جواشن الصفوف يغدو * ن إلى الحرب كالاسود الضوارى
وعليهم مغافر الخوص تجزي * هم عن البيض والتراس البوارى
ليس يدرون ما الفرار إذا الاب * طال عاذوا من القنا بالفرار
واحد منهم يشد على أل * فين عريان ماله من إزار
ويقول الفتى إذا طعن الطع * نة خذها من الفتى العيار
كم شريف قد أخملته وكم قد * رفعت من مقامر طرار
* ذكر الخبر عما كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع في ذلك *
* وعن السبب الذى من أجله فعل ذلك طاهر *
أما السبب في ذلك فإنه فيما ذكر كان أن طاهرا لما قتل من قتل في قصر
صالح من أصحابه ونالهم فيه من الجراح ما نالهم مضه ذلك وشق عليه لانه لم يكن
له وقعة إلا كانت له لا عليه فلما شق عليه أمر بالهدم والاحراق عند ذلك فهدم
دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشأم وباب الكوفة إلى الصراة
وأرجاء أبى جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة وجعل يبايت أصحاب
محمد ويدالجهم ويحوى في كل يوم ناحية من بعد ناحية ويخندق عليها المراصد
من المقاتلة وجعل أصحاب محمد ينقصون ويزيدون حتى لقد كان أصحاب طاهر
يهدمون الدار وينصرفون فتقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد ويكونون أضر
على أصحابهم من أصحاب طاهر تعديا فقال شاعر منهم وذكر أنه عمرو بن عبدالملك
الوراق العترى في ذلك
لنا كل يوم ثلمة لا نسدها * يزيدون فيما يطلبون وننقص
إذا هدموا دارا أخذنا سقوفها * ونحن لاخرى غيرها نتربص
وإن حرصوا يوما على الشر جهدهم * فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص
ـ 62 ـ
فقد ضيقوا من أرضنا كل واسع * وصار لهم أهل بها وتعرصوا
يثيرون بالطبل القنيص فإن بدا * لهم وجه صيد من قريب تقنصوا
لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها * علينا فما ندرى إلى أين نشخص
إذا حضروا قالوا بما يعرفونه * وإن يروا شيئا قبيحا تخرصوا
وما قتل الابطال مثل مجرب * رسول المنايا ليلة يتلصص
ترى البطل المشهور في كل بلدة * إذا ما رأى العريان يوما يبصبص
إذا ما رآه الشمرى مقزلا * على عقبيه للمخافة ينكص
يبيعك رأسا للصبى بدرهم * فإن قال إنى مرخص فهو مرخص
فكم قاتل منا لآخر منهم * بمقتله عنه الذنوب تمحص
تراه إذا نادى الامان مبارزا * ويغمزنا طورا وطورا يخصص
وقد رخصت فراؤنا في قتالهم * وما قتل المقتول إلا المرخص
وقال أيضا في ذلك
الناس في الهدم وفى الانتقال * قد عرض الناس بقيل وقال
يا أيها السائل عن شأنهم * عينك تكفيك مكان السؤال
قد كان للرحمن تكبيرهم * فاليوم تكبيرهم للقتال
اطرح بعينيك إلى جمعهم * وانتظر الروح وعد الليال
لم يبق في بغداد إلا امرؤ * حالفه الفقر كثير العيال
لا أم تحمى عن حماها ولا * خال له يحمى ولا غير خال
ليس له مال سوى مطرد * مطرده في كفه رأس مال
هان على الله فأجرى على * كفيه للشقوة قتل الرجال
إن صار ذا الامر إلى واحد * صار إلى القتل على كل حال
ما بالنا نقتل من أجلهم * سبحانك اللهم ياذا الجلال
وقال أيضا
ولست بتارك بغداد يوما * ترحل من ترحل أو أقاما
ـ 63 ـ
إذا ما العيش ساعدنا فلسنا * نبالى بعد من كان الاماما
قال عمرو بن عبدالملك العترى لما رأى طاهر أنهم لا يحلفون بالقتل والهدم
والحرق أمر عند ذلك بمنع التجارات وأن يحرزوا الدقيق وغيره من المنافع من
ناحيته إلى مدينة أبى جعفر والشرقية والكرخ وأمر بصرف سفن البصرة
وواسط بطربايا إلى الفرات ومنه إلى المحول الكبير وإلى الصراة ومنها إلى
خندق باب الانبار فما كان زهير بن المسيب يبذرقه إلى بغداد أخذ من كل سفينة
فيها حمولة ما بين الالف درهم إلى الالفين والثلاثة وأكثر وأقل وفعل عمال
طاهر وأصحابه ببغداد في جميع طرقها مثل ذلك وأشد فغلت الاسعار وصار الناس
في أشد الحصار فيئسوا كثير منهم من الفرج والروح واغتبط من كان خرج
منها وأسف على مقامه من أقام ( وفى هذه السنة ) استأمن ابن عائشة إلى طاهر
وكان قد قاتل مع محمد حينا بالياسرية ( وفيها ) جعل طاهر قوادا من قواده
بنواحى بغداد فجعل العلاء بن الوضاح الازدى في أصحابه ومن ضم اليه بالرباضة
على المحول الكبير وجعل نعيم بن الوضاح أخاه فيمن كان معه من الاتراك وغيرهم
مما يلى ربض أبى أيوب على شاطئ الصراة ثم غادى القتال وراوح أشهرا وصبر
الفريقان جميعا فكانت لهم فيها وقعة بالكناسة باشرها طاهر بنفسه قتل فيها بشر
كثير من أصحاب محمد فقال عمرو بن عبدالملك
وقعة يوم الاحد * صارت حديث الابد
كم جسد أبصرته * ملقى وكم من جسد
وناظر كانت له * منية بالرصد
أتاه سهم عائر * فشك جوف الكبد
وصائح يا والدى * وصائح يا ولدى
وكم غريق سابح * كان متين الجلد
لم يفتقده أحد * غير بنات البلد
وكم فقيد بئس * عز على المفتقد
ـ 64 ـ
كان من النظارة ال * أولى شديد الخرد
لو أنه عاين ما * عاينه لم يعد
لم يبق من كهل لهم * فات ولا من أمرد
وطاهر ملتهم * مثل التهام الاسد
خيم لا يبرح في ال * عرصة مثل اللبد
تقذف عيناه لدى ال * حرب بنار الوقد
فقائل قد قتلوا * ألفا ولما يزد
وقائل أكثر بل * مالهم من عدد
وهارب نحوهم * يرهب من خوف غد
هيهات لا تبصره م * من قد مضى من أحد
لا يرجع الماضى إلى ال * باقى طول الابد
قلت لمطعون وفي * ه روحه لم تؤد
من أنت يا ويلك يا * مسكين من محمد
فقال لا من نسب * دان ولا من بلد
لم أره قط ولم * أجد له من صفد
وقال لا للغى قا * تلت ولا للرشد
إلا لشئ عاجل * يصير منه في يدى
* وذكر عن عمرو بن عبدالملك ان محمدا أمر زريحا غلامه بتتبع الاموال
وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم وأمر الهرش بطاعته فكان يهجم على الناس في
منازلهم ويبيتهم ليلا ويأخذ بالظنة فجبى بذلك السبب أموالا كثيرة وأهلك خلقا
فهرب الناس بعلة الحج وفر الاغنياء فقال القراطيسى في ذلك
أظهروا الحج وما ينوونه * بل من الهرش يريدون الهرب
كم أناس اصبحوا في غبطة * وكل الهرش عليهم بالعطب
كل من راد زريح بيته * لقى الذل ووافاه الحرب
( وفيها ) كانت وقعة درب الحجارة
ـ 65 ـ
* ذكر الخبر عنها *
* ذكر أن هذه الوقعة كانت بحضرة درب الحجارة وكانت لاصحاب محمد
على أصحاب طاهر قتل فيها خلق كثير فقال في ذلك عمر بن عبدالملك العترى
وقعة السبت يوم درب الحجاره * قطعت قطعة من النظاره
ذاك من بعد ما تفانوا ولكن * أهلكتهم غوغاؤنا بالحجاره
قدم الشورجين . . عمدا * قال إنى لكم أريد الاماره
فتلقاه كل لص مريب * عمر السجن دهره بالشطاره
ما عليه شئ يواريه منه * أيره قائم كمثل المناره
فتولوا عنهم وكانوا قديما * يحسنون الضراب في كل غاره
هؤلاء مثل هؤلاك لدينا * ليس يرجون . حقا وجاره
كل من كان خاملا صار رأسا * من نعيم في عيشه وغضاره
حامل في يمينه كل يوم * مطردا فوق رأسه طياره
أخرجته من بيتها أم سؤ * طلب النهب أمه العياره
يشتم الناس ما يبالى بإفصا * ح لذى الشتم لايشير إشاره
ليس هذا زمان حر كريم * ذا زمان الانذال أهل الزعاره
كان فيما مضى القتال قتالا * فهو اليوم يا على تجاره
وقال أيضا بارية قد قيرت ظهرها * محمد فيها ومنصور
العز والامن أحاديثهم * وقولهم قد أخذ السور
وأى نفع لك في سورهم * وأنت مقتول وماسور
قد قتلت فرسانكم عنوة * وهدمت من دوركم دور
هاتوا لكم من قائد واحد * مهذب في وجهه نور
يا أيها السائل عن شأننا * محمد في القصر محصور
( وفيها ) أيضا كانت وقعة بباب الشماسية أسر فيها هرثمة
( 5 7 )
ـ 66 ـ
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان والى ما آل الامر فيه *
ذكر عن على بن زيد أنه قال كان ينزل هرثمة نهر بين وعليه حائط وخندق
وقد أعد المجانيق و العرادات وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية وكان يخرج
أحيانا فيقف بباب خراسان مشفقا من أهل العسكر كارها للحرب فيدعو الناس
إلى ما هو عليه فيشتمه ويستخف به فيقف ساعة ثم ينصرف وكان حاتم بن الصقر
من قواد محمد وكان قد وافق أصحابه العراة والعيارين أن يواقفوا عبيد الله بن
الوضاح ليلا فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لايعلم فأوقعوا به وقعة أزالوه عن
موضعه وولى منهزما فأصابوا له خيلا وسلاحا ومتاعا كثيرا وغلب على الشماسية
حاتم بن الصقر وبلغ الخبر هرثمة فأقبل في أصحابه لنصرته وليرد العسكر عنه
إلى موضعه فوافاه أصحاب محمد ونشب الحرب بينهم وأسر رجل من العراة هرثمة
ولم يعرفه فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل فقطع يده وخلصه فمر منهزما
وبلغ خبره أهل عسكره فتقوض بما فيه وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو
حلوان وحجز أصحاب محمد الليل عن الطلب وما كانوا فيه من النهب والاسر
فحدثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع أهله يومين وقويت العراة بما سار في أيديهم
وقيل في تلك الوقعة أشعار كثيرة فمن ذلك قول عمرو الوراق
عريان ليس بذى قميص * يغدو على طلب القميص
يغدو على ذى جوشن * يعمى العيون من البصيص
في كفه طرادة * حمراء تلمع كالفصوص
حرصا على طلب القتا * ل أشد من حرص الحريص
سلس القياد كأنما * يغدو على أكل الخبيص
ليثا مغيرا لم يزل * رأسا يعد من اللصوص
أجرى وأثبت مقدما * في الحرب من أسد رهيص
يدنو على سنن الهوا * ن وعيصه من شر عيص
ينجو إذا كان النجا * ء على أخف من القلوص
ـ 67 ـ
ما للكمى إذا بمق * تله تعرض من محيص
كم من شجاع فارس * قد باع بالثمن الرخيص
يدعو ألا من يشترى * رأس الكمى بكف شيص
وقال بعض أصحاب هرثمة
يفنى الزمان وما يفنى قتالهم * والدور تهدم والاموال تنتقص
والناس لا يستطيعون الذى طلبوا * لا يدفعون الردى عنهم وإن حرصوا
يأتوا بحديث لا ضياء له * في كل يوم لاولاد الزنى قصص
قال ولما بلغ طاهرا ما صنع العراة وحاتم بن الصقر بعبيد الله بن الوضاح وهرثمة
شتد ذلك عليه وبلغ منه وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية ووجه أصحابه
وعبأهم وخرج معهم إلى الجسر فعبروا اليهم وقاتلوهم أشد القتال وأمدهم بأصحابه
ساعة بعد ساعة حتى ردوا أصحاب محمد وأزالوهم عن الشماسية ورد المهاجر
عبيد الله بن الوضاح وهرثمة قال وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه
وا لخيزرانية بعد ظفر العراة ألفى ألف درهم فحرقها أصحاب طاهر كلها وكانت
السقوف مذهبة وقتلوا من العراة و المنتهبين بشرا كثيرا وفى ذلك يقول عمرو الوراق
ثقلان وطاهر بن الحسين * صبحونا صبيحة الاثنين
جمعوا جمعهم بليل ونادوا * اطلبوا اليوم ثأركم بالحسين
ضربوا طلبهم فثار إليهم * كل صلب القناة والساعدين
يا قتيلا بالقاع ملقى على الش * ط هواه بطئ الجبلين
ما الذى في يديك أنت إذا ما اص * طلح الناس أنت بالخلتين
أوزير أم قائد بل بعي * د أنت من ذين موضع الفرقدين
كم بصير غدا بعينين كى يب * صر ما حالهم فعاد بعين
ليس يخطون ما يريدون ما يع * مد راميهم سوى الناظرين
سائلى عنهم هم شر من أب * صرت في الناس ليس غير كذين
شر باق وشر ماض من النا * س مضى أو رأيت في الثقلين
ـ 68 ـ
قال وبلغ ذلك من فعل طاهر محمدا فاشتد عليه وغمه وأجزعه فذكر كاتب لكوثر
أن محمدا قال أو قيل على لسانه هذه الابيات
منيت بأشجع الثقلين قلبا * إذا ما طال ليس كما يطول
له مع كل ذى بدد رقيب * يشاهده ويعلم ما يقول
فليس بمغفل أمرا عنادا * إذا ما الامر ضيعه الغفول
( وفى هذه السنة ) ضعف أمر محمد وأيقن بالهلاك وهرب عبدالله بن خازم
ابن خزيمة من بغداد إلى المدائن فذكر عن الحسين بن الضحاك أن عبدالله بن خازم
ابن خزيمة ظهرت له التهمة من محمد والتحامل عليه من السفلة والغوغاء فهم على
نفسه وماله فلحق بالمدائن ليلا في السفن بعياله وولده فأقام بها ولم يحضر شيئا من
القتال وذكر غيره أن طاهرا كاتبه وحذره قبض ضياعه واستئصاله فحذره ونجا
من تلك الفتنة وسلم فقال بعض قرائبه في ذلك :
وما جبن ابن خازم من رعاع * وأوباش الطغام من الانام
ولكن خاف صولة ضيغمى * هصور الشد مشهور العرام
فذاع أمره في الناس ومشى تجار الكرخ بعضهم إلى بعض فقالوا ينبغى لنا أن
نكشف أمرنا لطاهر ونظهر له براءتنا من المعونة عليه فاجتمعوا وكتبوا كتابا
أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحب له لما يبلغهم من إيثاره طاعة الله والعمل
بالحق والاخذ على يد المريب وأنهم غير مستحلى النظر إلى الحرب فضلا عن القتال
وأن الذى يكون حزبه من جانبهم ليس منهم قد ضاقت بهم طرق المسلمين حتى إن
الرجل ولاهم بالكرخ دور ولا عقار وإنما هم بين طرار وسواط ونطاف وأهل
السجون إنما مأواهم الحمامات والمساجد والتجار منهم إنما هم باعة الطريق يتجرون
في محقرات تستقل المرأة في رحمه قلتبان ساعة قبل التخلص وحتى إن الشيخ ليسقط
لوجهه ضعفا وحتى إن الحامل الكيس في حجزته وكفه ليطر منه ومالنا بهم بدان
ولا طاقة ولا نملك لانفسنا معهم شيئا وإن بعضنا يرفع الحجر عن الطريق لما جاء
فيه من الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم فكيف لو اقتدرنا على من في اقامته
ـ 69 ـ
عن الطريق وتخليده السجن وتنفيته عن البلاد وجسم الشر والشغب ونفى الدعارة
والطر والسرق صلاح الدين والدنيا وحاش لله أن يحاربك منا أحد * فذكر أنهم
كتبوا بهذا قصة وأنفذوا قوما على الانسلال اليه بها فقال لهم أهل الرأى منهم والحزم
لا تظنوا أن طاهرا غنى عن هذا أو قصر عن إذكاء العيون فيكم وعليكم حتى كأنه
شاهدكم والرأى ألا تشهروا أنفسكم بهذا فانا لا نأمن إن رآكم أحد من السفلة أن
يكون به هلاككم وذهاب أموالكم والحزب في تعرضكم لهؤلاء السفلة أعظم من
طلبكم براءة الساحة عند طاهر خوفا بل لو كنتم من أهل الآثام والذنوب لكنتم
إلى صفحة وتغمده وغفره أقرب فتوكلوا على الله تبارك وتعالى وأمسكوا فأجابوهم
وأمسكوا وقال ابن أبى طالب المكفوف
دعوا أهل الطريق فعن قليل * تنالهم مخاليب الهصور
فتهتك حجب أفئدة شداد * وشيكا ما تصير إلى القبور
فإن الله مهلكهم جميعا * بأسباب التمنى والفجور
وذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والعراة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة
العباس وخرجت عصابة من أصحاب طاهر فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت ناحية لم
يقاتل فيها فصار ذلك الوجه بعد ذلك اليوم موضعا للقتال حتى كان الفتح منه وكان
أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار
أبى يزيد السرورى وخاف أهل الارباض في تلك النواحى مما يلى طريق باب الانبار
فذكر أن طاهر لما رأى ذلك وجه اليهم قائدا من أصحابه وكان مشتغلا بوجوه
كثيرة يقاتل منها أصحاب محمد فأوقع لهم فيها وقعة صعبة وغرق في الصراة بشر
كثيرة وقتل آخرون فقال في هزيمة طاهر في أول عمرو الوراق
نادى منادى طاهر عندنا * يا قوم كفوا واجلسوا في البيوت
فسوف يأتيكم غد فاحذروا * . . . . .
فثارت الغوغاء في وجهه * بعد انتصاف الليل قبل القنوت
في يوم سبت تركوا جمعه * في ظلمة الليل سمودا خفوت
ـ 70 ـ
وقال في الوقعة التى كانت على أصحاب محمد
كم قتيل ما رأينا * ما سألناه لايش
دراعا يلقاه عريا * ن بجهل وبطيش
إن تلقاه برمح * يتلقاه بفيش
حبشيا يقتل النا * س على قطعة خيش
مرتدا بالشمس راض * بالمنى من كل عيش
يحمل الحملة لا يقتل إلا رأس جيش
كعلى أفراهمرد * أو علاء أو قريش
احذر الرمية ياطا * هر من كف الحبيشى
وقال أيضا عمرو الوراق في ذلك
ذهبت بهجة بغدا * د وكانت ذات بهجه
فلها في كل يوم * رجة من بعد رجه
ضجت الارض إلى * الله من المنكر ضجه
أيها المقتول ما أن * ت على دين المحجه
ليت شعرى ما الذى نل * ت وقد أدلجت دلجه
إلى الفردوس وجه * ت أم النار توجه
حجر أرداك أم أر * ديت قسرا بالازجه
إن تكن قاتلت برا * فعلينا ألف حجه
وذكر عن على بن يزيد أن بعض الخدم حدثه أن محمدا أمر ببيع ما بقى في
الخزائن التى كانت أنهبت فكم ولاتها ما فيها ليسرق فتضايق على محمد أمره وفقد
ما كان عنده وطلب الناس الارزاق فقال يوما وقد ضجر مما يرد عليه وددت
أن الله عزوجل قتل الفريقين جميعا وأراح الناس منهم فما منهم إلا عدو ممن معنا
ومما علينا أما هؤلاء فيريدون مالى وأما أولئك فيريدون نفسى وذكرت أبياتا
قيل إنه قالها
ـ 71 ـ
تفرقوا ودعونى * يا معشر الاعوان
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 25
تفرقوا ودعونى * يا معشر الاعوان
فكلكم ذو وجوه * كخلقة الانسان
وما أرى غير إفك * وترهات الامانى
ولست أملك شيئا * فسائلوا خزانى
فالويل لى مادهانى * من ساكن البستان
قال وضعف أمر محمد وانتشر جنده وارتاع في عسكره وأحس من طاهر
بالعلو عليه وبالظفر به ( وحج الناس ) في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى
بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك وكان على مكة في هذه السنة
داود بن عيسى
* ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من خلاف خزيمة بن خازم محمد بن هارون ومفارقته إياه
واستئمانه إلى طاهر بن الحسين ودخول هرثمة الجانب الشرقى
ذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الامر في مصيره والدخول في طاعة طاهر
ذكر أن السبب في ذلك كان أن طاهرا كتب إلى خزيمة يذكر له أن الامر
إن يقطع بينه وبين محمد لم يكن له أثر في نصرته ولم يقصر في أمره فلما وصل كتابه
اليه شاور ثقات أصحابه وأهل بيته فقالوا له نرى والله أن هذا الرجل أخذ بقفا
صاحبنا فاحتل لنفسك ولنا فكتب إلى طاهر بطاعته وأخبره أنه لو كان هو البازل
في الجانب الشرقى مكان هرثمة لكان يحمل نفسه له على كل هول وأعلمه قلة ثقته
بهرثمة ويناشده ألا بحمله على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه وإدخال
هرثمة اليه ليقطع الجسور ويتبع هو أمرا يؤثر رأيه ورضاه وأنه لم يضمن له
ذلك فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف فكتب طاهر إلى
هرثمة يلومه ويعجزه ويقول جمت الاجناد وأتلفت الاموال وأقطعتها دون
ـ 72 ـ
أمير المؤمنين ودونى وفى مثل حاجتى إلى الكلف والنفقات وقد وقفت على قوم
هينة شوكتهم يسير أمرهم وقوف المحجم الهائب ان في ذلك جرما فاستعد للدخول
فقد أحكمت الامر على دفع العسكر وقطع الجسور وأرجوا ألا يختلف عليك في ذلك
اثنان إن شاء الله قال وكتب اليه هرثمة أنا عارف ببركة رأيك ويمن مشورتك
فمر بما أحببت فلن أخالفك قال فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة وقد ذكر أن
طاهرا لما كاتب خزيمة كتب أيضا إلى محمد بن على بن عيسى بن هامان بمثل ذلك
قيل فلما كانت ليلة الاربعاء لثمان بقين من المحرم سنة 198 وثب خزيمة بن خازم
ومحمد بن على بن عيسى على جسر دجلة فقطعناه وركزا أعلامهما عليه وخلعا محمدا
ودعوا لعبد الله المأمون وسكن أهل عسكر المهدى ولزموا منازلهم وأسواقهم
في يومهم ذلك ولم يدخل هرثمة حتى مضى اليه نفر يسير غيرهما من القواد فحلفوا
له أنه لايرى منهم مكروها فقبل ذلك منهم فقال حسين الخليع في قطع خزيمة الجسر
علينا جميعا من خزيمة منة * بها أخمد الرحمن ثائرة الحرب
تولى أمور المسلمين بنفسه * فذب وحامى عنهم أشرف الذب
ولولا أ بوالعباس ما انفك دهرنا * يبيت على عتب ويغدو على عتب
خزيمة لم ينكر له مثل هذه * إذا اضطربت شرق البلاد مع الغرب
أناخ بجسرى دجلة القطع والقنا * شوارع والارواح في راحة العضب
وأم المنايا بالمنايا مخيلة * تفجع عن خطب وتضحك عن خطب
فكانت كنار ماكرتها سحابة * فأطفأت اللهب الملفف باللهب
وما قتل نفس في نفوس كثيرة * إذا صارت الدنيا إلى الامن والخصب
بلاء أبى العباس غير مكفر * إذا فزع الكرب المقيم إلى الكرب
فذكر عن يحيى بن سلمة الكاتب أن طاهرا غدا يوم الخميس على المدينة
الشرقية وأرباضها والكرخ وأسواقها وهدم قنطرتى الصراة العتيقة والحديثة
واشتد عندهما القتال واشتد طاهر على أصحابه وباشر القتال بنفسه وقاتل من
كان معه بدار الرقيق فهزموهم حتى ألحقهم بالكرخ وقاتل طاهر بباب الكرخ
ـ 73 ـ
وقصر الوضاح فهزمهم أصحاب محمد وردوا على وجوههم ومر طاهر لا يلوى
على أحد حتى دخل قسرا بالسيف وأمر مناديه فنادى بالامان لمن لزم منزله
ووضع بقصر الوضاح وسوق الكرخ والاطراف قوادا وجندا في كل موضع
على قدر حاجته منهم وقصد إلى مدينة أبى جعفر فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر
الخلد من لدن باب الجسر إلى باب خراسان وباب الشأم وباب الكوفة وباب
البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة بالخيول والعدة والسلاح وثبت على
قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والافارقة فنصب المجانيق خلف السور على
المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورمى وخرج محمد بأمه وولده إلى مدينة
أبى جعفر وتفرق عنه عامة جنده وخصانه وجواريه في السكك والطرق لا يلوى
منهم أحد على أحد وتفرق الغوغاء والسفلة وفى ذلك يقول عمرو الوراق
ياطاهر الظهر الذى * مثاله لم يوجد
ياسيد بن السيد ب * ن السيد بن السيد
رجعت إلى أعمالها الا * ولى عراة محمد
من بين نطاف وس * واط وبين مقرد
ومجرد يأوى إلى * عيارة ومجرد
ومقيد نقب السجو * ن فعاد غير مقيد
ومسود بالنهب سا * د وكان غير مسود
ذلوا لعزك واستكا * نوا بعد طول تمرد
وذكر عن على بن يزيد أنه قال كنت يوما عند عمرو الوراق أنا وجماعة
فجاء رجل فحدثنا وقعة طاهر بباب الكرخ وانهزام الناس عنه فقال عمرو
ناولنى قدحا وقال في ذلك
خذها فللخمرة أسماء * لها دواء ولها داء
يصلحها الماء إذا صفقت * يوما وقد يفسدها الماء
وقائل كانت لهم وقعة * في يومنا هذا وأشياء
ـ 74 ـ
قلت له أنت أمرؤ جاهل * فيك عن الخيرات إبطاء
اشرب ودعنا من أحاديثهم * يصطلح الناس إذا شاؤا
قال ودخل علينا آخر فقال قاتل فلان العراة وأقدم فلان وانتهب فلان
قال فقال أيضا
أى دهر نحن فيه * مات فيه الكبراء
هذه السفلة والغو * غاء فينا أمناء
ما لنا شئ من الاش * ياء إلا ما يشاء
ضجت الارض وقد ض * جت إلى الله السماء
رفع الدين وقد ها * نت على الله الدماء
يا أبا موسى لك الخي * رات قد حان اللقاء
هاكها صرفا عقارا * قد أتاك الندماء
وقال أيضا عمرو الوراق في ذلك
إذا ما شئت أن تغض * ب جنديا وتستأمر
فقل يا معشر الاجنا * د قد جاءكم طاهر
قال وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه وحصره طاهر وأخذ عليه
الابواب ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما فذكر عن الحسين
ابن أبى سعيد أن طارقا الخادم وكان من خاصة محمد وكان المأمون بعد مقدمه
أخبره أن محمدا سأله يوما من الايام وهو محصورا أو قال في آخر يوم من أيامه
ان يطعمه شيئا قال فدخلت المطبخ فلم أجد شيئا فجئت إلى حمرة العطارة وكانت
جارية الجوهر فقلت لها إن أمير المؤمنين جائع فهل عندك شئ فانى لم أجد في المطبخ
شيئا فقالت لجارية لها بنان أى شئ عندك فجاءت بدجاجة ورغيف فأتيته
بهما فأكل وطلب ماء يشربه فلم يوجد في خزانة الشراب فأمسى وقد كان عزم
على لقاء هرثمة فما شرب ماء حتى أتى عليه وذكر عن محمد بن راشد أن إبراهيم
ابن المهدى أخبره أنه كان نازلا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصر بباب
ـ 75 ـ
الذهب لما حصره طاهر قال فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من الضيق
الذى هو فيه فصار إلى قصر القرار في قرن الصراة أسفل من قصر الخلد في جوف
الليل ثم أرسل إلى فصرت اليه فقال يا إبراهيم أما ترى طيب هذه الليلة وحسن
القمر في السماء وضوئه في الماء ونحن حينئذ في شاطئ دجلة فهل لك في الشرب
فقلت شأنك جعلنى الله فداك فدعا برطل نبيذ فشربه ثم أمر فسقيت مثله قال فابتدأت
أغنيه من غير أن يسألنى لعلمى بسوء خلقه فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه فقال لى
ما تقول فيمن يضرب عليك فقلت ما أحوجنى إلى ذلك فدعا بجارية متقدمة عنده
يقال لها ضعف فتطيرت من اسمها ونحن في تلك الحال التى هو عليها فلما صارت
بين يديه قال تغنى فغنت بشعر النابغة الجعدى
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم
قال فاشتد ما غنت به عليه وتطاير منه وقال غنى غير هذا فتغنت
أبكى فراقهم عينى وأرقها * إن التفرق للاحباب بكاء
مازال يعدو عليهم ريب دهرهم * حتى تفانوا وريب الدهر عداء
فقال لها لعنك الله أما تعرفين من الغناء شيئا غير هذا قالت يا سيدى ما تغنيت
إلا بما ظننت أنك تحبه وما أردت ما تكرهه وما هو إلا شئ جاءنى ثم أخذت
في غناء آخر
أما ورب السكون والحرك * إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل النعيم من ملك * عان بحب الدنيا إلى ملك
وملك ذى العرش دائم أبدا * ليس بفان ولا بمشترك
فقال لها قومى غضب الله عليك قال فقامت وكان له قدح بلور حسن الصنعة
وكان محمد يسميه زب رباح وكان موضوعا بين يديه فقامت الجارية منصرفة
فتعثرت بالقدح فكسرته قال إبراهيم والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط
إلا رأينا ما نكره في مجلسنا ذلك فقال لى ويحك يا إبراهيم ما نرى ما جاءت به هذه
ـ 76 ـ
الجارية ثم ما كان من أمر القدح والله ما أظن أمرى إلا وقد قرب فقلت يطيل
الله عمرك ويعز ملكك ويديم لك ويكبت عدوك فما استتم الكلام حتى سمعنا
صوتا من دجلة قضى الامر الذى فيه تستفتيان فقال يا إبراهيم ما سمعت ما سمعت
قلت لا والله ما سمعت شيئا وقد كنت سمعت قال تسمع حسا قال فدنوت من
الشط فلم أر شيئا ثم عاودنا الحديث فعاد الصوت قضى الامر الذى فيه تستفتيان
فوثب من مجلسه ذلك مغتما ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة فما كان بعد هذا
إلا ليلة أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله وذلك يوم الاحد لست أو لاربع
خلون من صفر سنة 198 وذكر عن أبى الحسن المدائنى قال لما كان ليلة الجمعة
لسبع بقين من المحرم سنة 198 دخل محمد بن هارون مدينة السلام هاربا من
القصر الذى كان يقال له الخلد مما كان يصل اليه من حجارة المنجنيق وأمر بمجالسه
وبسطه أن تحرق فأحرقت ثم صار إلى المدينة وذلك لاربع عشرة شهرا منذ ثارت
الحرب مع طاهر إلا اثنى عشر يوما ( وفى هذه السنة ) قتل محمد بن هارون
* ذكر الخبر عن مقتله *
ذكر عن محمد بن عيسى الجلودى أنه قال لما صار محمد إلى المدينة وقر فيها
وعلم قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار وخافوا أن يظفر بهم دخل على
محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الاغلب الافريقى وقواده فقالوا قد
آلت حالك وحالنا إلى ما ترى وقد رأينا رأيا نعرضه عليك فانظر فيه واعتزم
عليه فانا نرجو أن يكون صوابا ويجعل الله فيه الخيرة إن شاء الله قال ما هو قالوا
قد تفرق عنك الناس وأحاط بك عدوك من كل جانب وقد بقى من خيلك معك
ألف فرس من خيارها وجيادها فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الابناء
سبعمائة رجل فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلا على باب من هذه الابواب
فان الليل لاهله ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشأم
فتفرض الفروض وتجبى الخراج وتصير في مملكة واسعة وملك جديد فيسارع
اليك الناس وينقطع عن طلبك الجنود وإلى ذاك ماقد أحدث الله عزوجل في
ـ 77 ـ
مكر الليل والنهار أمورا فقال لهم نعم ما رأيتم واعتزم على ذلك وخرج الخبر إلى
طاهر فكتب إلى سليمان بن أبى جعفر وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى السندى
ابن شاهك والله لئن تقروه وتردوه عن هذا الرأى لاتركت لكم ضيعة إلا قبضتها
ولا تكون لى همة إلا أنفسكم فدخلوا على محمد فقالوا قد بلغنا الذى عزمت عليه
فنحن نذكرك الله في نفسك ان هؤلاء صعاليك وقد بلغ الامر إلى ما ترى من الحصار
وضاق عليهم المذهب وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك
وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها ولسنا نأمن
إذا برزوا بك وحصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيرا ويأخذوا رأسك
فيتقربوا بك ويجعلوك سبب أمانهم وضربوا له فيه الامثال قال محمد بن عيسى الجلودى
وكان أبى وأصحابه قعودا في رواق البيت الذى محمد وسليمان وأصحابه فيه قال فلما سمعوا
كلامهم ورأوا أنه قد قبله مخافة أن يكون الامر على ما قالوا له هموا أن يدخلوا عليهم
فيقتلوا سليمان وأصحابه ثم بدا لهم وقالوا حرب من داخل وحرب من خارج
فكفوا وأمسكوا قال محمد بن عيسى فلما نكت ذلك في قلب محمد ووقع في نفسه
ما وقع منه أضرب عما كان عزم عليه ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من
الامان والخروج فأجاب سليمان والسندى ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من ذلك فقالوا
إنما غايتك اليوم السلامة واللهو وأخوك يتركك حيث أحببت ويفردك في موضع
ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى وليس عليك منه بأس ولا مكروه
فركن إلى ذلك وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة قال محمد بن عيسى وكان أبى وأصحابه
يكرهون الخروج إلى هرثمة لانهم كانوا من أصحابه وقد عرفوا مذاهبه وخافوا أن
يجفوهم ولا يخصهم ولا يجعل لهم مراتب فدخلوا على محمد فقالوا له إذا أبيت أن تقبل
منا ما أشرنا عليك به وهو الصواب وقبلت من هؤلاء المداهنين فالخروج إلى طاهر خير
لك من الخروج إلى هرثمة قال محمد بن عيسى فقال لهم ويحكم أنا أكره طاهرا
وذلك أنى رأيت في منامى كأنى قائم على حائط من آجر شاهق في السماء عريض
الاساس وثيق لم أر حائطا يشبهه في الطول والعرض والوثاقة وعلى سوادى
ـ 78 ـ
ومنطقى وسيفى وقلنسوتى وخفى وكان طاهرا في أصل ذلك الحائط فما زال يضرب
أصله حتى سقط الحائط وسقطت وندرت قلنسوتى من رأسى وأنا أتطير من
طاهر وأستوحش منه وأكره الخروج اليه لذلك وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد
وأنا به أشد أنسا وأشد ثقة وذكر عن محمد بن اسماعيل عن حفص بن أرميائيل أن
محمدا لما أراد أن يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى وكان له جسر
في ذلك الموضع أمر أن يفرش في ذلك المجلس ويطيب قال فمكثت ليلتى أنا
وأعوانى نتخذ الروائح والطيب ونكث التفاح والرمان والاترج ونضعه في
البيوت فسهرت ليلتى أنا وأعوانى ولما صليت الصبح دفعت إلى عجوز قطعة بخور
من عنبر فيها مائة مثقال كالبطيخة وقلت لها إنى سهرت ونعست نعاسا شديدا
ولابد لى من نومة فاذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد أقبل على الجسر فضعى هذا
العنبر على الكانون وأعطيتها كانونا من فضة صغيرا عليه جمر وأمرتها أن تنفخ
حتى تحرقها كلها ودخلت فنمت فما شعرت إلا وبالعجوز قد جاءت فزعة
حتى أيقظتنى فقالت لى قم يا حفص فقد وقعت في بلاء قلت وما هو قلت نظرت
إلى رجل مقبل على الجسر منفرد شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين وبين يديه جماعة
وخلفه جماعة فلم أشك أنه هو فأحرقت العنبرة فلما جاء فاذا هو عبدالله بن موسى
وهذا أمير المؤمنين قد أقبل قال فشتمها وعنفتها قال وأعطيتها أخرى مثل تلك
لتحرقها بين يديه ففعلت وكان هذا من أوائل الادبار وذكر على بن يزيد قال لما
طال الحصار على محمد فارقه سليمان بن أبى جعفر وابراهيم بن المهدى ومحمد بن
عيسى بن نهيك ولحقوا جميعا بعسكر المهدى ومكث محمد محصورا في المدينة يوم
الخميس ويوم الجمعة والسبت وناظر محمد أصحابه ومن بقى معه في طلب الامان
وسألهم عن الجهة في النجاة من طاهر فقال له السندى والله ياسيدى لئن ظفر بنا
المأمون لعلى رغم منا وتعس جدودنا وما أرى فرجا إلا هرثمة قال له وكيف
بهرثمة وقد أحاط الموت بى من كل جانب وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر
وقالوا لو حلفت له بما يتوثق به منك أنك مفوض اليه ملكك فلعله كان سيركن
ـ 79 ـ
اليك فقال لهم أخطأتهم وجه الرأى وأخطأت في مشاورتكم هل كان عبدالله
أخى لو جهد نفسه وولى الامور برأيه بالغا عشر ما بلغه له طاهر وقد محصته
وبحثت عن رأيه فما رأيته يميل إلى غدر به ولا طمع فيما سواه ولو أجاب إلى
طاعتى وانصرف إلى ثم ناصبنى أهل الارض ما اهتممت بأمر ولوددت أنه أجاب
إلى ذلك فمنحته خزائنى وفوضت اليه أمرى ورضيت أن أعيش في كنفه ولكنى
لا أطمع في ذلك منه فقال له السندى صدقت يا أمير المؤمنين فبادر بنا إلى هرثمة
فانه يرى ألا سبيل عليك إذا خرجت اليه من الملك وقد ضمن إلى أنه مقاتل دونك
إن هم عبدالله بقتلك فاخرج ليلا في ساعة قد نوم الناس فيها فانى أرجو أن يغبى
على الناس أمرنا وقال أبوالحسن المدائنى لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة وأجابه إلى ما
أراد اشتد ذلك على طاهر وأبى أن يرفه عنه ويدعه يخرج وقال هو في حيزى
والجانب الذى أنا فيه وأنا أخرجته بالحصار والحرب حتى صار إلى طلب الامان
ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دونى فيكون الفتح له ولما رأى هرثمة والقواد
ذلك اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم فصار اليهم طاهر وخاصة قواده وحضرهم
سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندى بن شاهك وأداروا الرأى
بينهم ودبروا الامر وأخبروا طاهرا انه لا يخرج اليه أبدا وانه إن لم يجب إلى
ما سأل لم يؤمن أن يكون الامر في أمره مثله في أيام الحسين بن على بن عيسى
ابن ماهان فقالوا له يخرج ببدنه إلى هرثمة اذ كان يأمن به ويثق بناحيته وكان
مستوحشا منك ويدفع اليك الخاتم والقضيب والبردة وذلك الخلافة ولا تفسد
هذا الامر واغتنمه إذ يسره الله فأجاب إلى ذلك ورضى به ثم قيل إن الهرش
لما علم بالخبر أراد التقرب إلى طاهر فخبره ان الذى جرى بينهم وبينه مكر وان
الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرثمة فقبل طاهر ذلك منه وظن أنه
كما كتب به اليه فاغتلظ وكمن حول قصر أم جعفر وقصور الخلد كمناء بالسلاح
ومعهم العتل والفؤوس وذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 وفى
الشهر السريانى خمسة وعشرون من ايلول فذكر الحسن بن أبى سعيد قال أخبرنى
ـ 80 ـ
طارق الخادم قال لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة عطش قبل خروجه فطلبت له
في خزانة شرابه ماء فلم أجده قال وأمسى فبادر يريد هرثمة للوعد الذى كان بينه
وبينه ولبس ثياب الخلافة دراعة وطيلسانا والقلنسوة الطويلة وبين يديه شمعة
فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة قال اسقنى من جباب الحرس فناولته
كوزا من ماء فعافه لزهو كته فلم يشرب منه وصار إلى هرثمة فوثب به طاهر
وأكمن له نفسه في الخلد فلما صار إلى الحراقة خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة
بالسهام والحجارة فمالوا ناحية الاء وانكفأت الحراقة فغرق محمد وهرثمة ومن
كان فيها فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى وظن أن غرقه انما كان حيلة من
هرثمة فعبر دجلة حتى صار إلى قرب الصراة وكان على المسلحة ابراهيم بن جعفر البلخى
ومحمد بن حميد هو ابن أخى شكلة أم ابراهيم بن المهدى وكن طاهر ولاه وكان
إذا ولى رجلا من أصحابه خراسانيا ضم اليه قوما فعرفه محمد بن حميد وهو المعروف
بالطاهرى وكان طاهر يقدمه في الولايات فصاح بأصحابه فنزلوا فأخذوه فبادر
محمدا لما فاخذ بساقيه فجذبه وحمل على برذون وألقى عليه أزار من أزر
الجند غير مفتول وصار به إلى منزل ابراهيم بن جعفر البلخى وكان ينزل بباب
الكوفة وأردف رجلا خلفه يمسكه لئلا يسقط كما يفعل بالاسير فذكر عن الحسن
ابن أبى سعيد أن خطاب بن زياد حدثه ان محمدا وهرثمة لما غرقا بادر طاهر
إلى بستان مؤنسة بإزاء باب الانبار موضع معسكره لئلا يتهم بغرق هرثمة قال
فلما انتهى طاهر ونحن معه في الموكب والحسن بن على المأمونى والحسن
الكبير الخادم للرشيد إلى باب الشأم لحقنا محمد بن حميد فترجل ودنا من
طاهر فأخبره انه قد أسر محمدا ووجه به إلى باب الكوفة إلى منزل ابراهيم
البلخى قال فالتفت الينا طاهر فأخبرنا الخبر وقال ما تقولون فقال له المأمونى مكن
أى لا تفعل فعل حسين بن على قال فدعا طاهر بمولى له يقال له قريش الدندانى
فأمره بقتل محمد قال وأتبعه طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع وأما المدائنى
فانه ذكر عن محمد بن عيسى الجلودى قال لما تهيأ للخروج وكان بعد عشاء
ـ 81 ـ
الآخرة من ليلة الاحد خرج إلى صحن القصر فقعد على كرسى وعليه ثياب
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 25
الآخرة من ليلة الاحد خرج إلى صحن القصر فقعد على كرسى وعليه ثياب
بيض وطيلسان أسود فدخلنا عليه فقمنا بين يديه بالاعمدة قال فجاء كتلة الخادم
فقال يا سيدى أبوحاتم يقرئك السلام ويقول يا سيدى وافيت للميعاد لحملك
ولكنى أرى ألا تخرج الليلة فانى رأيت في دجلة على الشط أمرا قد رابنى
وأخاف أن أغلب فتؤخذ من يدى أو تذهب نفسك ولكن أقم بمكانك حتى
أرجع ثم أستعد ثم آتيك القابلة فأخرجك فان حوربت حاربت دونك ومعى
عدتى قال فقال له محمدا ارجع اليه فقل له لا تبرح فانى خارج اليك الساعة
لا محالة ولست أقيم إلى غد قال وقلق وقال قد تفرق عنى الناس ومن على بابى
من الموالى والحرس ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن
يدخل على فيأخذنى ودعا بفرس له أدهم محذوف أغر محجل كان يسميه الزهرى
ثم دعا بابنيه فضمهما اليه وشمهما وقبلهما وقال أستودكما الله ودمعت عيناه
وجعل يمسح دموعه بكمه ثم قام فوثب على الفرس وخرجنا بين يديه إلى باب
القصر حتى ركبنا دوابنا وبين يديه شمعة واحدة فلما صرنا إلى الطاقات مما يلى
باب خراسان قال لى أبى يا محمد ابسط يدك عليه فانى أخاف أن يضربه إنسان
بالسيف فان ضرب كان الضرب بك دونه قال فألقيت عنان فرسى بين معرفته
وبسطت يدى عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان فأمرنا به ففتح ثم خرجنا إلى
المشرعة فاذا حراقة هرثمة فرقى اليها فجعل الفرس يتلكأ وينفر وضربه بالسوط
وحمله عليها حتى ركبها في دجلة فنزل في الحراقة وأخذنا الفرس ورجعنا إلى
المدينة فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق وسمعنا الواعية فصعدنا على القبة التى على
الباب فوقفنا فيها نسمع الصوت * فذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه
قال كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا
إعظاما وجثى هرثمة على ركبتيه وقال له يا سيدى ما أقدر على القيام لمكان النقرس
الذى بى ثم احتضنه وصيره في حجره ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه ويقول
يا سيدى ومولاى وابن سيدى ومولاى قال وجعل يتصفح وجوهنا قال ونظر إلى
( 6 7 )
ـ 82 ـ
عبيد الله بن الوضاح فقال له أيهم أنت قال أنا عبيد الله بن الوضاح قال نعم فجزاك الله خيرا
فما أشكرنى لما كان منك من أمر الثلج ولو قد لقيت أخى أبقاه الله لم أدع أن
أشكرك عنده وسألته مكافأتك عنى قال فبينا نحن كذلك وقد أمر هرثمة بالحراقة
أن تدفع إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا
بالسكان فبعض يقطع السكان وبعض ينقب الحراقة وبعض يرمى بالآجر
والنشاب قال فنقبت الحراقة فدخلها الماء فغرقت وسقط هرثمة إلى الماء فأخرجه
ملاح وخرج كل واحد منا على حيله ورأيت محمدا حين صار إلى تلك الحال قد
شق عليه ثيابه ورمى بنفسه إلى الماء قال فخرجت إلى الشط فعلقنى رجل من
أصحاب طاهر فمضى بى إلى رجل قاعد على كرسى من حديد على شط دجلة في
ظهر قصر أم جعفر بين يديه نار توقد فقال بالفارسية هذا رجل خرج من الماء
ممن غرق من أهل الحراقة فقال لى من أنت قلت من أصحاب هرثمة أنا أحمد بن
سلام صاحب شرطة مولى أمير المؤمنين قال كذبت فاصدقنى قال قلت قد صدقتك
قال فما فعل المخلوع قلت قد رأيته حين شق عليه ثيابه وقذف بنفسه في الماء قال
قدموا دابتى فقدموا دابته فركب وأمر بى أن أجنب قال فجعل في عنقى حبل
وجنبت وأخذ في درب الرشدية فلما انتهى إلى مسجد أسد بن المرزبان انبهرت
من العدو فلم أقدر أن أعدو فقال الذى بجنبى قد قام هذا الرجل وليس يعد
وقال أنزل فحذ رأسه فقلت له جعلت فداك لم تقتلنى وأنا رجل على من الله نعمة
ولم أقدر على العدو وأنا أفدى نفسى بعشرة آلاف درهم قال فلما سمع ذكر العشرة
آلاف درهم قلت تحبسنى عندك حتى تصبح وتدفع إلى رسولا حتى أرسله إلى
وكيلى في منزلى في عسكر المهدى فان لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقى قال
قد أنصفت فأمر بحملى فحملت ردفا لبعض أصحابه فمضى بى إلى دار صاحبه دار
أبى صالح الكاتب فأدخلنى الدار وأمر غلمانه أن يحتفظوا بى وتقدم اليهم وأوعز
وتفهم منى خبر محمد ووقوعه في الماء ومضى إلى طاهر ليخبره خبره فإذا هو
إبراهيم البلخى قال فصيرنى غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بوار ووسادتان
ـ 83 ـ
أو ثلاث وفى رواية حصر مدرجة قال فقعدت في البيت وصيروا فيه سراجا
وتوثقوا من باب الدار وقعدوا يتحدثون قال فلما ذهب من الليل ساعة إذا نحن
بحركة الخيل فدقوا الباب ففتح لهم فدخلوا وهم يقولون يسر زبيدة قال فأدخل
على رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثم بها وعلى كتفيه خرقة خلقه فصيروه
معى وتقدموا إلى من في الدار في حفظه وخلفوا معهم قوما آخرين أيضا منهم
قال فلما استقر في البيت حسر العمامة عن وجهه فاذا هو محمد فاستعبرت
واسترجعت فيما بينى وبين نفسى قال وجعل ينظر إلى ثم قال أيهم أنت قال قلت
أنا مولاك ياسيدى قال وأى الموالى قلت أحمد بن سلام صاحب المظالم فقال
وأعرفك بغير هذا كنت تأتينى بالرقة قال قلت نعم قال كنت تأتينى وتلطفنى
كثيرا لست مولاى بل أنت أخى ومنى ثم قال يا أحمد قلت لبيك ياسيدى قال ادن
منى وضمنى إليك فإنى أجد وحشة شديدة قال فضممته إلى فإذا قلبه يخفق خفقا
شديدا كاد أن يفرج عن صدره فيخرج قال فلم أزل أضمه إلى وأسكنه قال ثم قال
يا أحمد ما فعل أخى قال قلت هو حى قال قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه كان
يقول قد مات شبه المعتذر من محاربته قال قلت بل قبح الله وزراءك قال لا تقل
لوزرائى إلا خيرا فما لهم ذنب ولست بأول من طلب أمرا فلم يقدر عليه قال ثم
قال يا أحمد ما تراهم يصنعون بى أتراهم يقتلونى أو يفون لى بأيمانهم قال قلت بل
يفون لك يا سيدى قال وجعل يضم على نفسه الخرقة التى على كتفيه ويضمها
ويمسكها بعضده يمنة ويسرة قال فنزعت مبطنة كانت على ثم قلت ياسيدى ألق
هذه عليك قال ويحك دعنى هذا من الله عزوجل لى في هذا الموضع خير قال
فبينا نحند كذلك إذ دق باب الدار ففتح فدخل علينا رجل عليه سلاحه فتطلع في
وجهه مستثبتا له فلما أثبته معرفة انصرف وغلق الباب وإذا هو محمد بن حميد
الطاهرى قال فعلمت أن الرجل مقتول قال وكان بقى على من صلاتى الوتر فخفت
أن أقتل معه ولم أوتر قال فقمت أوتر فقال لى يا أحمد لا تتباعد منى وصل إلى
جانبى أجد وحشة شديدة قال فاقتربت منه فلما انتصف الليل أو قارب سمعت
ـ 84 ـ
حركة الخيل ودق الباب ففتح فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسللة
فلما رآهم قام قائما وقال إنا لله وإنا إليه راجعون ذهبت والله نفسى في سبيل الله
أما من حيلة أما من مغيث أما من أحد من الابناء قال وجاءوا حتى قاموا على
باب البيت الذى نحن فيه فأحجموا عن الدخول وجعل بعضهم يقول لبعض تقدم
ويدفع بعضهم بعضا قال فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت
وقام محمد فأخذه بيده وسادة وجعل يقول ويحكم إنى ابن عم رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنا ابن هارون وأنا أخو المأمون الله الله في دمى قال فدخل عليه رجل
منهم يقال له خمارويه غلام لقريش الدندانى مولى طاهر فضربه بالسيف ضربة
وقعت على مقدم رأسه وضرب محمد وجهه بالوسادة التى كانت في يده واتكأ
عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه قتلنى قتلنى بالفارسية قال فدخل منهم
جماعة فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته وركبوه فذبحوه ذبحا من قفاه
وأخذوا رأسه فمضوا به إلى طاهر وتركوا جثته قال ولما كان في وقت السحر
جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جل وحملوها قال فأصبحت فقيل لى هات العشرة
آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك قال فبعثت إلى وكيلى فأتانى فأمرته فأتانى بها
فدفعتها إليه قال وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس وخرج إلى دجلة يوم الاحد
وذكر عن أحمد بن سلام في هذه القصة أنه قال قلت لمحمد لما دخل على البيت
وسكن لاجزى الله وزراءك خيرا فانهم أوردوك هذا المورد فقال لى يا أخى
ليس بموضع عتاب ثم قال أخبرنى عن المأمون أخى أحى هو قلت نعم هذا القتال
عمن إذا هو إلا عنه قال فقال لى أخبرنى يحيى أخو عامر بن اسماعيل بن عامر وكان
يلى الخبر في عسكر هرثمة أن المأمون مات فقلت له كذب قال ثم قلت له هذا الازار
الذى عليك إزار غليظ فالبس إزارى وقميصى هذا فانه لين فقال لى من كانت حاله
مثل حالى فهذا له كثير قال فلقنته ذكر الله والاستغفار فجعل يستغفر قال وبينا
نحن كذلك إذ هدة تكاد الارض ترجف منها وإذا أصحاب طاهر قد دخلوا الدار
وأرادوا البيت وكان في الباب ضيق فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت فما
ـ 85 ـ
وصلوا إليه حتى عرقبوه ثم هجموا عليه فحزوا رأسه واستقبلوا به طاهرا وحملوا
جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره إذ أقبل عبدالسلام بن العلاء صاحب حرس هرثمة
فأذن له وكان عبر إليه على الجسر الذى كان بالشماسية فقال له أخوك يقرئك
السلام فما خبرك قال يا غلام هات الطس فجاؤا به وفيه رأس محمد فقال هذا خبرى
فاعلمه فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الانبار وخرج من أهل بغداد للنظر
إليه ما لا يحصى عددهم وأقبل طاهر يقول رأس المخلوع محمد * وذكر محمد بن
عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قملة فقال ما هذا فقالوا شئ يكون في ثياب
الناس فقال أعوذ بالله من زوال النعمة فقتل من يومه * وذكر عن الحسن بن
أبى سعيد أن الجندين جند طاهر وجند أهل بغداد ندموا على قتل محمد لما كانوا
يأخذون من الاموال * وذكر عنه أنه ذكر أن الخزانة التى كان فيها رأس محمد
ورأس عيسى بن ماهان ورأس أبى السرايا كانت اليه قال فنظرت في رأس محمد
فاذا فيه ضربة في وجهه وشعر رأسه ولحيته صحيح لم ينجاب منه شئ ولونه على
حاله قال وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى وهو
من سعف مبطن مع محمد بن الحسن بن مصعب ابن عمه فأمر له بألف ألف
درهم فرأيت ذا الرئاستين وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون فلما
رآه سجد قال الحسن فأخبرنى ابن أبى حمزة قال حدثنى على بن حمزة العلوى قال
قدم جماعة من آل أبى طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة
ونحن بالحضرة فوصلهم ووصلنا وكتب إلى المأمون بالاذن لنا أو ولبعضنا فخرجنا
إلى مرو وانصرفنا إلى المدينة فهنؤنا بالنعمة ولقينا من بها من أهلها وسائر أهل
المدينة فوصفنا لهم قتل محمد وأن طاهر بن الحسين دعا مولى له يقال له قريش
الدندانى وأمره بقتله قال فقال لنا شيخ منهم كيف قلت فأخبرته فقال الشيخ
سبحان الله كنا نرى هذا أن قريشا يقتله فذهبنا إلى القبيلة فوافق الاسم الاسم *
وذكر عن محمد بن أبى الوزير أن على بن محمد بن خالد بن برمك أخبره أن
إبراهيم بن المهدى لما بلغه قتل محمد استرجع وبكى طويلا ثم قال
ـ 86 ـ
عوجا بمغنى طلل داثر * بالخلد ذات الصخر والآجر
والمرمر المسنون يطلى به * والباب باب الذهب الناضر
عوجا بها فاستيقنا عندها * على يقين قدرة القادر
وأبلغنا عنى مقالا إلى ال * مولى على المأمور والآمر
قولا له يا ابن ولى الهدى * طهر بلاد الله من طاهر
لم يكفه أن حز أوداجه * ذبح الهدايا بمدى الجازر
حتى أتى يسحب أوصاله * في شطن يفنى مدى الشابر
قد برد الموت على جنبه * وطرفه منكسر الناظر
قال وبلغ ذلك المأمون فاشتد عليه * وذكر عن المدائنى أن طاهرا كتب إلى
المأمون بالفتح أما بعد فالحمد لله المتعالى ذى العزة والجلال والملك والسلطان الذى
إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون لا إله إلا هو الرحمن الرحيم كان فيما
قدر الله فأحكم ودبر فأبرم انتكاث المخلوع ببيعته وانتقاضه بعهده وارتكاثه في
فتنة وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه وما الله بظلام للعبيد وقد كتبت إلى
أمير المؤمنين أطال الله بقاءه في إحاطة جند الله بالمدينة والخلد وأخذهم بأفواهها
وطرقها ومسالكها في دجلة نواحى أزقة مدينة السلام وانتظام المسالح حواليها
وحدرى السفن والزواريق ب العرادات والمقاتلة إلى ماواجه الخلد وباب خراسان
تحفظا بالمخلوع وتخوفا من أن يروغا مراعا ويسلك مسلكا يجد به السبيل إلى إثارة
فتنة وإحياء ثائرة أو يهاج قتالا بعد أن حصره الله عزوجل وخذله ومتابعة
الرسل بما يعرض عليه هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين ويسألنى من تخلية
الطريق له في الخروج إليه واجتماعى وهرثمة بن أعين لنتناظر في ذلك وكراهتى
ما أحدث وراءه من أمره بعد إرهاق الله إياه وقطعه رجاءه من كل حيلة ومتعلق
وانقطاع المنافع عنه وحيل بينه وبين الماء فضلا عن غيره حتى هم به خدمه وأشياعه
من أهل المدينة ومن نجا معه إليها وتحزبوا على الوثوب به للدفع عن أنفسهم
والنجاة بها وغير ذلك مما فسرت لامير المؤمنين أطال الله بقاءه مما أرجو أن
ـ 87 ـ
يكون قد أتاه وإنى أخبر أمير المؤمنين أنى رويت فيما دبر هرثمة بن أعين مولى
أمير المؤمنين في المخلوع وما عرض عليه وأجابه إليه فوجدت الفتنة في تخلصه
من موضعه الذى قد أنزل الله فيه بالذلة والصغار وصيره فيه إلى الضيق والحصار
تزداد ولا يزيد أهل التربص في الاطراف إلا طمعا وانتشارا وأعلمت ذلك هرثمة
ابن أعين وكراهتى ما أطعمه فيه وأجابه إليه فذكر أنه لايرى الرجوع عما أعطاه
فصادرته بعد يأس من انصرافه عن رأيه على أن يقدم المخلوع رداء رسول الله
صلى الله عليه وسلم وسيفه وقضيبه قبل خروجه ثم أخلى له طريق الخروج إليه
كراهة أن يكون بينى وبينه اختلاف نصير منه إلى أمر يطمع الاعداء فينا أو
فراق القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك وعلى أن
نجتمع لميعادنا عشية السبت فتوجهت في خاصة ثقاتى الذين اعتمدت عليهم وأثق
بهم بربط الجأش وصدق البأس وصحة المناصحة حتى طالعت جميع أمر كل من
كنت وكلت بالمدينة والخلد برا وبحرا والتقدمة اليهم في التحفظ والتيقظ والحراسة
والحذر ثم انكفأت إلى باب خراسان وكنت أعددت حراقات وسفنا سوى العدة
التى كانت لاركبها بنفسى لوقت ميعادى بينى بوين هرثمة فنزلتها في عدة ممن ركب معى
من خاصة ثقاتى وشاكريتى وصيرت عدة منهم فرسانا ورجالة بين باب خراسان
والمشرعة وعلى الشط وأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب باب خراسان معدا
مستعدا وقد خاتلنى بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج اليه اذا وافى المشرعة ليحمله
قبل أن أعلم أو يبعث إلى بالرداء والسيف والقضيب على ما كان فارقنى عليه من
ذلك فلما وافى خروج المخلوع على من وكلت بباب خراسان نهضوا عند طلوعه
عليهم ليعرفوا الطابع لامرى كان أتاهم وتقدمى اليهم ألا يدعوا أحدا يجوزهم الا
بأمرى فبادرهم نحو المشرعة وقرب هرثمة اليه الحراقة فسبق الناكث أصحابى
اليها وتأخر كوثر فظفر به قريش مولاى ومعه الرداء والقضيب والسيف فأخذه
وما معه فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوا من ارادة أصحابى منع مخلوعهم من
الخروج فبادر بعضهم حراقة هرثمة فتكفأت بهم حتى أغرقت في الماء ورسبت
ـ 88 ـ
فانصرف بعضهم إلى المدينة ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحراقة في دجلة
متخلصا إلى الشط نادما على ما كان من خروجه ناقضا للعهد داعيا بشعاره فابتدره
عدة من أوليائى الذين كنت وكلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصراة
فأخذوه عنوة قهرا بلا عهد ولا عقد فدعا بشعاره وعاد في نكثه فعرض عليهم
مائة حبة ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم فأبوا الا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله
وصيانة لدينهم وايثارا للحق الواجب عليهم فتعلقوا به قد أسلمه وأفرده كل
يرغبه ويريد أن يفوز بالحظوة عندى دون صاحبه حتى اضطروا فيما بينهم وتناولوه
بأسيافهم منازعة فيه وتشاحا عليه إلى أن أتيح له مغيظا لله ودينه ورسوله
وخليفته فأوتى عليه وأتانى الخبر بذلك فأمرت بحمل رأسه إلى فلما أتيت به
تقدمت إلى من كنت وكلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من في المسالح في
لزوم مواضعهم والاحتفاظ بما يليهم إلى أن يأتيهم أمرى ثم انصرفت فأعظم
الله لامير المؤمنين الصنع والفتح عليه وعلى الاسلام به وفيه فلما أصبحت هاج
الناس واختلفوا في المخلوع فمصدق بقتله ومكذب وشاك وموقن فرأيت
أن أطرح عنهم الشبهة في أمره فمضيت برأسه لينظروا اليه فيصح بعينهم
وينقطع بذلك بعل قلوبهم ودخل التياث ا لمستشرفين للفساد وا لمستوفزين للفتنة
وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها وأعطى أهلها الطاعة واستقام لامير المؤمنين
شرقى ما يلى مدينة السلام وغربيه وأرباعه وأرباضه ونواحيه وقد وضعت
الحرب أوزارها وتلافى بالسلام والاسلام أهله وبعد الله الدغل عنهم وأصارهم ببركة
أمير المؤمنين إلى الامن والسكون والدعة والاستقامة والاغتباط والصنع من الله جل
وعز والخيرة والحمد لله على ذلك فكتبت إلى أمير المؤمنين حفظه الله وليس
قبلى داع إلى فتنة ولا متحرك ولا ساع في فساد ولا أحد إلا سامع مطيع باخع
حاضر قد أذاقه الله حلاوة أمير المؤمنين ودعة ولايته فهو يتقلب في ظلها يغدو
في متجره ويروح في معايشه والله ولى ما صنع من ذلك والمتمم له والمان بالزيادة
فيه برحمته وأنا أسأل الله ان يهنئ أمير المؤمنين نعمته ويتابع له فيها مزيده
ـ 89 ـ
ويوزعه عليها شكره وأن يجعل منته لديه متواليا دائما متواصلا حتى يجمع الله
له خير الدنيا والآخرة ولاوليائه وأنصار حقه ولجماعة المسلمين ببركته وبركة
ولايته ويمن خلافته إنه ولى ذلك منهم وفيه انه سميع لطيف لما يشاء وكتب
يوم الاحد لاربع بقين من المحرم سنة 198 وذكر عن محمد المخلوع أنه قبل
مقتله وبعد ما صار في المدينة ورأى الامر قد تولى عنه وأنصاره يتسللون
فيخرجون إلى طاهر قعد في الجناح الذى كان عمله على باب الذهب وكان تقدم
في بنائه قبل ذلك وأمر بإحضار كل من كان معه في المدينة من القواد والجند
فجمعوا في الرحبة فأشرف عليهم وقال الحمد لله الذى يرفع ويضع ويعطى ويمنع
ويقبض ويبسط واليه المصير أحمده على نوائب الزمان وخذلان الاعوان وتشتت
الرجال وذهاب الاموال وحلول النوائب وتوفد المصائب حمدا يدخر لى به
أجزل الجزاء ويرفدنى أحسن العزاء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك
له كما شهد لنفسه وشهدت له ملائكته وأن محمدا عبده الامين ورسوله إلى
المسلمين صلى الله عليه وسلم آمين رب العالمين أما بعد يا معشر الابناء وأهل
السبق إلى الهدى فقد علمتم غفلتى كانت أيام الفضل بن الربيع وزير على ومشير
فمادت به الايام بما لزمنى به من الندامة في الخاصة والعامة إلى أن نبهتمونى
فانتبهت وا ستعنتمونى في جميع ما كرهتم من نفسى وفيكم فبذلت لكم ما حواه
ملكى ونالته مقدرتى مما جمعته وورثته عن آبائى فقودت من لم يجز واستكفيت
من لم يكف واجتهدت علم الله في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه واجتهدتم
علم الله في مساءتى في كل ما قدرتم عليه من ذلك توجيهى اليكم على بن عيسى
شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم فكان منكم ما يطول ذكره
فغفرت الذنب وأحسنت واحتملت وعزيت نفسى عند معرفتى بشذوذ الظفر
وحرصى على مقامكم مسلحة بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم ومن على
يدى أبيه كان فخركم وبه تمت طاعتكم عبد الله بن حميد بن قحطبة فصرتم
من التألب عليه إلى مالا طاقة له به ولا صبر عليه يقودكم رجل منكم وأنتم
ـ 90 ـ
عشرون ألفا إلى عامين وعلى سيدكم متوثبين مع سعيد الفرد سامعين له مطيعين
ثم وثبتم مع الحسين على فخلعتمونى وشتمتمونى وا نتهبتمونى وحبستمونى
وقيدتمونى وأشياء منعتمونى من ذكرها حقد قلوبكم وتلكى طاعتكم أكبر وأكثر
فالحمد لله حمد من أسلم لامره ورضى بقدره والسلام ( وقيل ) لما قتل محمد
وارتفعت الثائرة وأعطى الامان الابيض والاسود وهدأ الناس ودخل طاهر المدينة
يوم الجمعة فصلى بالناس وخطبهم خطبة بليغة نزع فيها من قوارع القرآن فكان
مما حفظ من ذلك أن قال الحمد لله مالك الملك يوتى الملك من يشاء وينزع الملك
ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير في
آى من القرآن أتبع بعضها بعضا وحض على الطاعة ولزوم الجماعة ورغبهم في
التمسك بحبل الطاعة وانصرف إلى معسكره * وذكر أنه لما صعد المنبر يوم الجمعة
وحضره من بنى هاشم والقواد وغيرهم جماعة كثيرة قال الحمد لله مالك الملك يؤتيه
من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير لا
يصلح عمل المفسدين ولايهدى كيد الخائنين ان ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا
ولا كيدنا بل اختار الله الخلافة إذ جعلها عمادا لدينه وقواما لعباده وضبط
الاطراف وسد الثغور وإعداد العدة وجمع الفئ وإنفاذ الحكم ونشر العدل
وإحياء السنة بعد إذبال البطالات والتلذذ بموبق الشهوات والمخلد إلى الدنيا
مستحسن لداعى غرورها محتلب درة نعمتها ألف لزهرة روضتها كلف برونق
نهجتها وقد رأيتم من وفاء موعود الله عزوجل لمن بغى عليه وما أحل به من بأسه
ونقمته لما نكب عن عهده وارتكب معصيته وخالف أمره وغيره ناهيه وعظته
مردية فتمسكوا بدقائق عصم الطاعة واسلكوا مناحى سبيل الجماعة واحذروا
مصارع أهل الخلاف والمعصية الذين قدحوا زناد الفتنة وصدعوا شعب الالفة
فأعقبهم الله خسار الدنيا والآخرة ولما فتح طاهر بغداد كتب إلى أبى اسحاق
المعتصم وقد ذكر بعضهم أنه إنما كتب بذلك إلى ابراهيم بن المهدى وقال الناس
كتبه إلى أبى اسحاق المعتصم أما بعد فانه عزيز على أن أكتب إلى رجل من أهل
ـ 91 ـ
بيت الخلافة بغير التأمير ولكنه بلغنى أنك تميل بالرأى وتصغى بالهوى إلى
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 25
بيت الخلافة بغير التأمير ولكنه بلغنى أنك تميل بالرأى وتصغى بالهوى إلى
الناكث المخلوع وإن كان كذلك فكثير ما كتبت به اليك وإن كان غير ذلك
فالسلام عليك أيها الامير ورحمة الله وبركاته وكتب في أسفل الكتاب هذه الابيات
ركوبك الامر مالم تبل فرصته * جهل ورأيك بالتغرير تغرير
أقبح بدنيا ينال المخطئون بها * حظ المصيبين والمغرور مغرور
( وفى هذه السنة ) وثب الجند بعد مقتل محمد طاهر فهرب منهم وتغيب
أياما حتى أصلح أمرهم
* ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به وإلى ما آل أمره وأمرهم *
ذكر عن سعيد بن حميد أنه ذكر أن أباه حدثه أن أصحاب طاهر بعد مقتل محمد
بخمسة أيام وثبوا به ولم يكن في يديه مال فضاق به أمره وظن أن ذلك عن
مواطأة من أهل الارباض إياهم وأنهم معهم عليه ولم يكن تحرك في ذلك من أهل
الارباض أحد فاشتدت شوكة أصحابه وخشى على نفسه فهرب من البستان
وانتهبوا بعض متاعه ومضى إلى عاقرقوف وكان قد أمر بحفظ أبواب المدينة
وباب القصر على أم جعفر وموسى وعبدالله ابنى محمد ثم أمر بتحويل زبيدة
وموسى وعبد الله ابنى محمد معها من قصر أبى جعفر إلى قصر الخلد
فحولوا ليلة الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ربيع الاول ثم مضى بهم من ليلتهم
في حراقة إلى همينيا على الغربى من الزاب الاعلى ثم أمر بحمل موسى وعبدالله
إلى عمهما بخراسان على طريق الاهواز وفارس قال ولما وثب الجند بطاهر
وطلبوا الارزاق أحرقوا باب الانبار الذى على الخندق وباب البستان وشهروا
السلاح وكانوا كذلك يومهم ومن الغد ونادوا موسى يا منصور وصوب الناس
إخراج طاهر موسى وعبدالله وقد كان طاهر انحاز ومن معه من القواد وتعبأ
لقتالهم ومحاربتهم فلما بلغ ذلك القواد والوجوه صاروا اليه واعتذروا وأحالوا
على السفهاء والاحداث وسألوه الصفح عنهم وقبول عذرهم والرضى عنهم وضمنوا
له ألا يعود والمكروه له ما أقام معهم فقال لهم طاهر والله ما خرجت عنكم إلا لوضع
ـ 92 ـ
سيفى فيكم وأقسم بالله لئن عدتم لمثلها لاعودن إلى رأيى فيكم ولاخرجن إلى
مكروهكم فكسرهم بذلك وأمرهم برزق أربعة أشهر فقال في ذلك بعض الابناء
آلى الامير وقوله وفعاله * حق بجمع معاشر الذعار
إن هاج هائجهم وشغب شاغب * من كل ناحية من الاقطار
ألا يناظر معشرا من جمعهم * إمهال ذى عدل وذى إنظار
حتى ينيخ عليهم بعظيمة * تدع الديار بلاقع الآثار
فذكر عن المدائنى أن الجند لما شغبوا وانحاز طاهر ركب اليه سعيد بن مالك
اين قادم ومحمد بن أبى خالد وهبيرة بن خازم في مشيخة من أهل الارباض
فخلفوا بالمغلظة من الايمان أنه لم يتحرك في هذه الايام أحد من أبناء الارباض
ولا كان ذلك عن رأيهم ولا أوردوه وضمنوا له صلاح نواحيهم من الارباض
وقيام كل انسان منهم في ناحيته بكل ما يجب عليه حتى لا يأتيه من ناحية أمر
يكرهه وأتاه عميرة أبوشيخ بن عميرة الاسدى وعلى بن يزيد في مشيخة من الابناء
فلقوه بمثل ما لقبه به ابن أبى خالد وسعيد بن مالك وهبيرة وأعلموه حسن رأى
من خلفهم من الابناء ولين طاعتهم له وأنهم لم يدخلوا في شئ مما صنع أصحابه في
البستان فطابت نفسه الا أنه قال لهم إن القوم يطلبون أرزاقهم وليس عندى مال
فضمن لهم سعيد بن مالك عشرين ألف دينار وحملها اليه فطابت بها نفسه وانصرف
إلى معسكره بالبستان وقال طاهر لسعيد إنى أقبلها منك على أن تكون على دينا
فقال له بل هى انما صلة وقليل لغلامك وفيما أوجب الله من حقك فقبلها منه
وأمر للجند برزق أربعة أشهر فرضوا وسكنوا ( قال المدائنى ) وكان مع محمد رجل
يقال له السمرقندى وكان يرمى عن مجانيق كانت في سفن من باطن دجلة وربما
كان يشتد أمر أهل الارباض على من بإزائهم من أصحاب محمد في الخنادق فكان
يبعث اليه فيجئ به فيرميهم وكان راميا لم يكن حجره يخطئ ولم يقتل الناس يومئذ
بالحجارة كما قيل فلما قتل محمد قطع الجسر وأحرقت المجانيق التى كانت في دجلة يرمى
عنها فأشفق على نفسه وتخوف من بعض من وتره أن يطلبه فاستخفى وطلبه
ـ 93 ـ
الناس فتكارى بغلا وخرج إلى ناحية خراسان هاربا فمضى حتى إذا كان في بعض
الطريق استقبله رجل فعرفه فلما جازه قال الرجل للمكارى ويحك أين تذهب مع
هذا الرجل والله لئن ظفر بك معه لتقتلن وأهون ما هو مصيبك أن تحبس قال
إنا لله وإنا اليه راجعون قد والله عرفت اسمه وسمعت به قتله الله فانطلق المكارى
إلى أصحابه أو مسلحة انتهى اليها فأخبرهم خبره وكانوا من أصحاب كندغوش من
أصحاب هرثمة فأخذوه وبعثوا به إلى هرثمة وبعث به هرثمة إلى خزيمة بن خازم
بمدينة السلام فدفعه خزيمة إلى بعض من وتره فأخرجه إلى شاطئ دجلة من
الجانب الشرقى فصلب حيا * فذكروا أنه لما أرادوا شده على خشبته اجتمع
خلق كثير فجعل يقول قبل أن يشدوه أنتم بالامس تقولون لا قطع الله ياسمرقندى
يدك واليوم قد هيأتم حجارتكم ونشابكم لترمونى فلما رفعت الخشبة أقبل الناس
عليه رميا بالحجارة والنشاب وطعنا بالرماح حتى قتلوه وجعلوا يرمونه بعد موته
ثم أحرقوه من غد وجاؤا بنار ليحرقوه بها وأشعلوها فلم تشتعل وألقوا عليه
قصبا وحطبا فأشعلوها فيه فاحترق بعضه وتمزقت الكلاب بعضه وذلك يوم
السبت لليلتين خلتا من صفر
* ذكر الخبر عن صفة محمد بن هارون وكنيته وقدر ما ولى ومبلغ عمره *
( قال ) هشام بن محمد وغيره ولى محمد بن هارون وهو أبوموسى يوم الخميس
لاحدى عشرة بقيت من جمادى الاولى سنة 193 وقتل ليلة الاحد لست بقين
من صفر سنة 197 وأمه زبيدة ابنة جعفر الاكبر بن أبى جعفر فكانت خلافته
أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام وقد قيل كانت كنيته أبا عبدالله * وأما محمد
ابن موسى الخوارزمى فانه ذكر عنه أنه قال أتت الخلافة محمد بن هارون للنصف
من جمادى الآخرة سنة 193 وحج بالناس في هذه السنة التى ولى فيها داود بن
عيسى بن موسى وهو على مكة وأ بوالبخترى على ولايته وبعد ولايته بعشرة
أشهر وخمسة أيام وجهه عصمة بن أبى عصمة إلى ساوة وعقد ولايته لابنه موسى
بولاية العهد لثلاث خلون من شهر ربيع الاول وكان على شرطه على بن
ـ 94 ـ
عيسى بن ماهان وحج بالناس سنة 194 على بن الرشيد وعلى المدينة اسماعيل بن
العباس بن محمد وعلى مكة داود بن عيسى وكان بين أن عقد لابنه إلى التقاء
على بن عيسى بن ماهان وطاهر بن الحسين وقتل على بن عيسى بن ماهان
سنة 195 ستة وثلاثة أشهر وتسعة وعشرين يوما قال وقتل المخلوع ليلة الاحد لخمس
بقين من المحرم قال فكانت ولايته مع الفتنة أربع سنين وسبعة أشهر وثلاثة أيام ولما
قتل محمد ووصل خبره إلى المأمون في خريطة من طاهر يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة
خلت من صفر سنة 198 وأظهر المأمون الخبر وأذن للقواد فدخلوا عليه وقام الفضل بن
سهل فقرأ الكتاب بالخبر فهنئ بالظفر ودعوا الله له وورد الكتاب من المأمون بعد قتل
محمد على طاهر وهرثمة بخلع القاسم بن هارون فأظهرا ذلك ووجها كتبهما به وقرئ
الكتاب بخلعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الاول سنة 197 وكان عمر
محمد كله فيما بلغنى ثمانيا وعشرين سنة وكان سبطا أنزع أبيض صغير العينين أقنى
جميلا عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين وكان مولده بالرصافة وذكر إن
طاهرا قال حين قتله
قتلت الخليفة في داره * وأنهيت بالسيف أمواله
وقال أيضا
ملكت الناس قسرا واقتدارا * وقتلت الجبابرة الكبارا
ووجهت الخلافة نحو مرو * إلى المأمون تبتدر ابتدارا
* ذكر ما قيل في محمد بن هارون ومرثيته *
فما قيل في هجائه
لم نبكيك لماذا للطرب * يا أبا موسى وترويج اللعب
ولترك الخمس في أوقاتها * حرصا منك على ماء العنب
وشنيف أنا لا أبكى له * وعلى كوثر لا أخشى العطب
لم يكن تعرف ما حد الرضى * لا ولا تعرف ما حد الغضب
لم تكن تصلح للملك ولم * تعطك الطاعة بالملك العرب
ـ 95 ـ
أيها الباكى عليه لا بكت * عين من أبكاك إلا للعجب
لم نبكيك لما عرضتنا * للمجانيق وطورا للسلب
ولقوم صيرونا أعبدا * لهم يبدو على الرأس الذنب
في عذاب وحصار مجهد * سدد الطرق فلا وجه طلب
زعموا أنك حى حاشر * كل من قال هذا قد كذب
ليت من قد قاله في وحدة * من جميع ذاهب حيث ذهب
أوجب الله علينا قتله * فإذا ما أوجب الامر وجب
كان والله علينا فتنة * غضب الله عليه وكتب
وقال عمرو بن عبدالملك الوراق يبكى بغداد ويهجو طاهرا ويعرض به
من ذا أصابك يا بغداد بالعين * ألم تكونى زمانا قرة العين
ألم يكن فيك أقوام لهم شرف * ب الصالحات و بالمعروف يلقونى
ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم * وكان قرهم زينا من الزين
صاح الزمان بهم بالبين فانقرضوا * ما ذا الذى فجعتنى لوعة البين
أستودع الله قوما ما ذكرتهم * إلا تحدر ماء العين من عينى
كانوا ففرقهم دهر وصدعهم * والدهر يصدع ما بين الفريقين
كم كان لى مسعد منهم على زمنى * كم كان منهم على المعروف من عون
لله در زمان كان يجمعنا * أين الزمان الذى ولى ومن أين
يا من يخرب بغداد ليعمرها * أهلكت نفسك ما بين الطريقين
كانت قلوب جميع الناس واحدة * عينا وليس لكون العين كالدين
لما أشتهم فرقتهم فرقا * والناس طرا جميعا بين قلبين
وذكر عمر بن شبة أن محمد بن أحمد الهاشمى حدثه أن لبابة ابنة على بن المهدى قالت
أبكيك لا للنعيم والانس * بل للمعالى والرمح والترس
أبكى على هالك فجعت به * أرملنى قبل ليلة العرس
وقد قيل إن هذا الشعر لابنة عيسى بن جعفر وكانت مملكة بمحمد وقال الحسين
ـ 96 ـ
ابن الضحاك الاشقر مولى باهلة يرثى محمدا وكان من ندمائه وكان لا يصدق بقتله
ويطمع في رجوعه
يا خير أسرته وإن زعموا * إنى عليك لمثبت أسف
الله يعلم أن لى كبدا * حرى عليك ومقلة تكف
ولئن شجيت بما رزيت به * إنى لاضمر فوق ما أصف
هلا بقيت لسد فاقتنا * أبدا وكان لغيرك التلف
فلقد خلفت خلائفا سلفوا * ولسوف يعوز بعدك الخلف
لابات رهطك بعد هفوتهم * إنى لرهطك بعدها شنف
هتكوا بحرمتك التى هتكت * حرم الرسول ودونها السجف
وثبت أقاربك التى خذلت * وجميعها بالذل معترف
لم يفعلوا بالشط إذ حضروا * ما تفعل الغيرانة الانف
تركوا حريم أبيهم نفلا * و المحصنات صوارخ هتف
أبدت مخلخلها على دهش * أبكارهن ورنت النصف
سلبت معاجرهن واجتليت * ذات النقاب ونوزع الشنف
فكأنهن خلال منتهب * در تكشف دونه الصدف
ملك تخون ملكه قدر * فوهى وصرف الدهر مختلف
هيهات بعدك أن يدوم لنا * عز وأن يبقى لنا شرف
لا هيبوا صحفا مشرفة * للغادرين تحتها الجدف
أفبعد عهد الله تقتله * والقتل بعد أمانة سرف
فستعرفون غدا بعاقبة * عز الاله فأوردوا وقفوا
يامن يخون نومه أرق * هدت الشجون وقلبه لهف
قد كنت لى أملا غنيت به * فمضى وحل محله الاسف
مرج النظام وعاد منكرنا * عرفا وأنكر بعدك العرف
فالشمل منتشر لفقدك وال * دنيا سدى والبال منكثف
ـ 97 ـ
وقال أيضا يرثيه :
إذا ذكر الامين نعى الامينا * وإن رقد الخلى حمى الجفونا
وما برحت منازل بين بصرى * وكلواذى تهيج لى شجونا
عراص الملك خاوية تهادى * بها الارواح تنسجها فنونا
تخون عز ساكنها زمان * تلعب بالقرون الاولينا
فشتت شملهم بعد اجتماع * وكنت بحسن ألفتهم ضنينا
فلم أر بعدهم حسنا سواهم * ولم ترهم عيون الناظرينا
فوا أسفا وإن شمت الاعادى * وآه على أمير المؤمنينا
أضل العرف بعدك متبعوه * ورفه عن مطايا الراغبينا
وكن إلى جنابك كل يوم * يرحن على السعود ويغتدينا
هو الجبل الذى هوت المعالى * لهدته وريع الصالحونا
ستندب بعدك الدنيا جوارا * وتندب بعدك الدين المصونا
فقد ذهب بشاشة كل شئ * وعاد الدين مطروحا مهينا
تعقد عز متصل بكسرى
وملته وذل المسلمونا
وقال أيضا يرثيه :
أسفا عليك سلاك أقرب قربة * منى وأحزانى عليك تزيد
وقال عبدالرحمن بن أبى الهداهد يرثى محمدا :
يا غرب جودى قد بت من وذمه * فقد فقدنا العزيز من ديمه
ألوت بدنياك كف نائبة * وصرت مغضى لنا على نقمه
أصبح للموت عندنا علم * يضحك سن المنون من علمه
ما استنزلت درة المنون على * أكرم من حل في ثرى رحمه
خليفة الله في بريته * تقصر أيدى الملوك عن شيمه
يفتر عن وجهه سنا قمر * ينشق عن نوره دجى ظلمه
زلزلت الارض من جوانبها * إذا أولغ السيف من نجيع دمه
( 7 7 )
ـ 98 ـ
من سكتت نفسه لمصرعة * من عمم الناس أو ذوى رحمه
رأيته مثل ما رآه به * حتى تذوق الامر من سقمه
كم قد رأينا عزيز مملكة * ينقل عن أهله وعن خدمه
يا ملكا ليس بعده ملك * لخاتم الانبياء في أممه
جادى وحى الذى أقمت به * سح عزيز الوكيف من ديمه
لو أحجم الموت عن أخى ثقة * أسوى في العز مستوى قدمه
أو ملك لاترام سطوته * إلا مرام الشتم في أجمه
خلدك العز ما سرى سدف * أو قام طفل العشى في قدمه
أصبح ملك إذا اتزرت به * يقرع سن الشقاة من ندمه
أثر ذوى العرش في عداك كما * أثر في عاده وفى إرمه
لا يبعد الله صيورة تليت * لخير داع دعاه في حرمه
ما كنت إلا كحلم ذى حلم * أولج باب السرور في حلمه
حتى إذا أطلقته رقدته * عاد إلى ما اعتراه من عدمه
وقال أيضا يرثيه :
أقول وقد دنوت من الفرار * سقيت الغيث يا قصر القرار
رمتدك يد الزمان بسهم عين * فصرت ملوحا بدخان نار
أبن لى عن جميعك أين حلوا * وأين زمرهم بعد المزار
وأين محمد وابناه مالى * أرى أطلالهم سود الديار
كأن لم يؤنسوا بأنيس ملك * يصون على الملوك بخير جار
إمام كان في الحدثان عونا * لنا والغيث يمنح بالقطار
لقد ترك الزمان بنى أبيه * وقد غمرتهم سود البحار
أضاعوا شمسهم فجرت بنحس * فصاروا في الظلام بلا نهار
وأجلوا عنهم قمرا منيرا * وداستهم خيول بنى الشرار
ولو كانوا لهم كفؤا ومثلا * إذا ما توجوا تيجان عار
ـ 99 ـ
ألا بان الامام ووارثاه * لقد ضرما الحشا منا بنار
وقالوا الخلد بيع فقلت ذلا * يصير ببائعيه إلى صغار
كذاك الملك يتبع أوليه * إذا قطع القرار من القرار
وقال مقدس بن صيفى يرثيه :
خليلى ما أتتك به الخطوب * فقد أعطتك طاعته النحيب
تدلت من شماريخ المنايا * منايا ما تقوم لها القلوب
خلال مقابر البستان قبر * يجاور قبره أسد غريب
لقد عظمت مصيبته على من * له في كل مكرمة نصيب
على أمثاله العبرات تذرى * وتهتك في مآتمه الجيوب
وما اذحرت زبيدة عنه دمعا * تخص به النسيبة والنسيب
دعوا موسى ابنه لبكاء دهر * على موسى ابنه دخل الحزيب
رأيت مشاهد الخلفاء منه * خلاء ما بساحتها مجيب
لينهك أننى كهل عليه * أذوب وفى الحشا كبد تذوب
أصيب به البعيد فخر حزنا * وعاين يومه فيه المريب
أنادى من بطون الارض شخصا * يحركه النداء فما يجيب
لئن نعت الحروب إليه نفسا * لقد فجعت بمصرعه الحروب
وقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أم جعفر
لخير إمام قام من خير عنصر * وأفضل سام فوق أعواد منبر
لوارث علم الاولين وفهمهم * وللملك المأمون من أم جعفر
كتبت وعينى مستهل دموعها * إليك ابن عمى من جفونى ومحجرى
وقد مسنى ضر وذل كآبة * وأرق عينى يا ابن عمى تفكرى
وهمت لما لاقيت بعد مصابه * فأمرى عظيم منكر حد منكر
سأشكوا الذى لا فيته بعد فقده * إليك شكاة المستهام المقهر
وأرجو لما قد مر بى مذ فقدته * فأنت لبثى خير رب مغير
ـ100ـ
أتى طاهر لا طهر الله طاهرا * فما طاهر فيما أتى بمطهر
فأخرجنى مكشوفة الوجه حاسرا * وأنهب أموالى وأحرق آدرى
يعز على هارون ماقد لقيته * وما مر بى من ناقص الخلق أعور
فإن كان ما أسدى بأمر أمرته * صبرت لامر من قدير مقدر
تذكر أمير المؤمنين قرابتى * فديتك من ذى حرمة متذكر
وقال أيضا يرثه :
سبحان ربك رب العزة الصمد * ماذا أصابنا به في صبحة الاحد
وما أصيب به الاسلام قاطبة * من التضعضع في ركنيه والاولاد
من لم يصب بأمير المؤمنين ولم * يصبح بمهلكة والهم في صعد
فقد أصبت به حتى تبين في * عقلى ودينى وفى دنياى وجسدى
ياليلة يشتكى الاسلام مدتها * والعالمون جميعا آخر الابد
غدرت بالملك الميمون طائره * وبالامام و بالضرغامة الاسد
سارت إليه المنايا وهى ترهبه * فواجهته بأوغاد ذوى عدد
بشورجين وأغتام يقودهم * قريش بالبيض في قمص من الزرد
فصادفوه وحيدا لا معين له * عليهم غائب الانصار بالمدد
فجرعوه المنايا غير ممتنع * فردا فيالك من مستسلم فرد
يلقى الوجوه بوجه غير مبتذل * أبهى وأنقى من القوهية الجدد
واحسرتا وقريش قد أحاط به * والسيف مرتعد في كف مرتعد
فما تحرك بل مازال منتصبا * منكس الرأس لم يبدى ولم يعد
حتى إذا السيف وافى وسط مفرقه * أذرته عنه يداه فعل متئد
وقام فاعتلقت كفاه لبته * كضيغم شرس مستبسل لبد
فاجتره ثم أهوى فاستقل به * للارض من كف ليث مخرج حرد
فكاد يقتله لو لم يكاثره * وقام منفلتا منه ولم يكد
هذا حديث أمير المؤمنين وما * نقصت من أمره حرفا ولم أزد
ـ101ـ
لازلت أندبه حتى الممات وإن * أخنى عليه الذى أخنى على لبد
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 25
لازلت أندبه حتى الممات وإن * أخنى عليه الذى أخنى على لبد
* وذكر عن الموصلى أنه قال لما بعث طاهر برأس محمد إلى المأمون بكى
ذو الرئاستين وقال سل علينا سيوف الناس وألسنتهم أمرناه أن يبعث به أسيرا
فبعث به عقيرا وقال له المأمون قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار منه فكتب
الناس فأطالوا وجاء أحمد بن يوسف بشبر من قرطاس فيه أما بعد فان المخلوع
كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة وقد فرق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة
بمفارقته عصم الدين وخروجه من الامر الجامع للمسلمين يقول الله عزوجل
حين اقتص علينا نبأ ابن نوح إنه ليس من أهلك " إنه عمل غير صالح " فلا طاعة
لاحد في معصية الله ولا قطيعة إذا كانت القطيعة في جنب الله وكتابى إلى أمير
المؤمنين وقد قتل الله المخلوع ورداه رداء نكثه وأحصد لامير المؤمنين أمره وأنجز
له وعده وما ينتظر من صادق وعده حين رد به الالفة بعد فرقتها وجمع الامة
بعد شتاتها وأحيا به أعلام الاسلام بعد دروسها
* ذكر الخبر عن بعض سير المخلوع محمد بن هارون *
ذكر عن حميد بن سعيد قال لما ملك محمد وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته طلب
الخصيان وابتاعهم وغالى بهم وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وقوام طعامه وشرابه
وأمره ونهيه وفرض لهم فرضا سماهم الجرادية وفرضا من الحبشان سماهم الغرابية
ورفض النساء الحرائر والاماء حتى رمى بهن ففى ذلك يقول بعضهم
ألا يا مزمن المثوى بطوس * عزيبا ما يفادى بالنفوس
لقد أبقيت للخصيان بعلا * تحمل منهم شؤم البسوس
فأما نوفل فالشأن فيه * وفى بدر فيالك من جليس
وما العصمى بشار لديه * إذا ذكروا بذى سهم خسيس
وما حسن الصغير أخس حالا * لديه عند محترق الكؤس
لهم من عمره شطر وشطر * يعاقر فيه شرب الخندريس
وما للغانيات لديه حظ * سوى التقطيب بالوجه العبوس
ـ102ـ
إذا كان الرئيس كذا سقما * فكيف صلاحنا بعد الرئيس
فلو علم المقيم بدار طوس * لعز على المقيم بدار طوس
قال حميد ولما ملك محمد وجه إلى جميع البلدان في طلب الملهين وضمهم اليه
وأجرى لهم الارزاق ونافس في ابتياع فره الدواب وأخذ الوحوش والسباع
والطير وغير ذلك واحتجب عن اخوته وأهل بيته وقواده واستخف بهم وقسم
ما في بيوت الاموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه وحمل
اليه ما كان في الرقة من الجوهر والخزائن والسلاح وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته
ومواضع خلوته ولهوه ولعبه بقصر الخلد وا لخيزرانية وبستان موسى وقصر عبدويه
وقصر المعلى ورقة كلواذى وباب الانبار ونبارى والهوب وأمر بعمل خمس
حرافات في دجلة على خلقة الاسد والفيل والعقاب والحية والفرس وأنفق في عملها
مالا عظيما فقال أبونواس يمدحه
سخر الله للامين مطايا * لم تسخر لصاحب المحراب
فاذا ما ركابه سرن برا * سار في الماء راكبا ليث غاب
أسدا باسطا ذراعيه يهوى * أهوب الشدق كالح الانياب
لايعانيه باللجام ولا السو * ط ولا غمز رجله في الركاب
عجب الناس إذ رأوك على صو * رة ليث تمر مر السحاب
سبحوا إذ رأوك سرت عليه * كيف لو أبصروك فوق العقاب
ذات زور ومنسر وجناح * ين تشق العباب بعد العباب
تسبق الطير في السماء إذا ما اس * تعجلوها بجيئة وذهاب
بارك الله للامير وأبقا * ه وأبقى له رداء الشباب
ملك تقصر المدائح عنه * هاشمى موفق للصواب
* وذكر عن الحسين بن الضحاك قال ابتنى الامير سفينة عظيمة أنفق عليها
ثلاثة آلاف ألف درهم واتخذ أخرى على خلقه شئ يكون في البحر يقال له الدلفين
فقال في ذلك أبونواس الحسن بن هانى
ـ103ـ
قد ركب الدلفين بدر الدجى * مقتحما في الماء قد لججا
فأشرقت دجلة في حسنه * وأشرق السكان واستبهجا
لم تر عينى مثله مركبا * أحسسن إن سار وإن أحنجا
إذا استحثته مجاديفه * أعنق فوق الماء أو هملجا
خص به الله الامين الذى * أضحى بتاج الملك قد توجا
* وذكر عن أحمد بن اسحاق بن برصوما المغنى الكوفى أنه قال كان العباس
ابن عبدالله بن جعفر بن أبى جعفر من رجالات بنى هاشم جلدا وعقلا وصنيعا
وكان يتخذ الخدم وكان له خادم من أثر خدمه عنده يقال له منصور فوجد الخادم
عليه فهرب إلى محمد وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار فقبله محمد أحسن
قبول وحظى عنده حظوة عجيبة قال فركب الخادم يوما في جماعة خدم كانوا لمحمد
يقال لهم السيافة فمر بباب العباس بن عبدالله يريد بذلك أن يرى خدم العباس
هيئته وحاله التى هو عليها وبلغ ذلك الخبر العباس فخرج محضرا في قميص حاسرا
في يده عمود عليه كيمخت فلحقه في سويقة أبى الورد فعلق بلجامه ونازعه أولئك الخدم
فجعل لايضرب أحدا منهم الا أوهنه حتى تفرقوا عنه وجاء به يقوده حتى أدخله داره
وبلغ الخبر محمدا فبعث إلى داره جماعة فوقفوا احيالها وصف العباس غلمانه ومواليه على
سور داره ومعهم الترسة والسهام فقال أحمد بن اسحاق فخفنا والله النار أن تحرق منازلنا
وذلك أنهم أرادوا أن يحرقوا دار العباس قال وجاء رشيد الهارونى فاستأذن عليه
فدخل اليه فقال ما تصنع أتدرى ما أنت فيه وما قد جاءك لو أذن لهم لا قتلعوا دارك
بالاسنة ألست في الطاعة قال بلى قال فقم فاركب قال فخرج في سواده فلما صار
على باب داره قال يا غلام هلم دابتى فقال رشيد لا ولا كرامة ولكن تمضى
راجلا قال فمضى فلما صار إلى الشارع نظر فإذا العالمون قد جاؤا وجاءه الجلودى
والافريقى وأبوالبط وأصحاب الهرش قال فجعل ينظر اليهم وأنا أراه راجلا
ورشيد راكب قال وبلغ أم جعفر الخبر فدخلت على محمد وجعلت تطلب إلى
محمد فقال لها نفيت من قرابتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم أقتله وجعلت
ـ104ـ
تلح عليه فقال لها والله إنى لاظننى سأسطو بك قال فكشفت شعرها فقالت
ومن يدخل على وأنا حاسر قال فبينا محمد كذلك ولم يأت العباس بعد إذ قدم
صاعد الخادم عليه بقتل على بن عيسى بن ماهان فاشتغل بذلك وأقام العباس في
الدهليز عشرة أيام ونسيه ثم ذكره فقال يحبس في حجرة من حجر داره ويدخل
عليه ثلاثة رجال من مواليه من مشايخهم يخدمونه ويجعل له وظيفة في كل يوم
ثلاثة ألوان قال فلم يزل على هذه الحال حتى خرج حسين بن على بن عيسى بن
ماهان ودعا إلى المأمون وحبس محمدا قال فمر إسحاق بن عيسى بن على ومحمد بن
محمد المعبدى بالعباس بن عبدالله وهو في منظره فقالا له ما قعودك اخرج إلى
هذا الرجل يعنيان حسين بن على قال فخرج فأتى حسينا ثم وقف عند باب الجسر
فما ترك لام جعفر شيئا من الشتم إلا قاله وإسحاق بن موسى يأخذ البيعة للمأمون
قال ثم لم يكن إلا يسيرا حتى قتل الحسين وهرب العباس إلى نهر بين إلى هرثمة
ومضى ابنه الفضل بن العباس إلى محمد فسعى اليه بما كان لابيه ووجه محمد إلى
منزله فأخذ منه أربعة آلاف ألف درهم وثلثمائة ألف دينار وكانت في قماقم في
بئر وأنسوا قمقمين من تلك القماقم فقال ما بقى من ميراث أبى سوى هذين القمقمين
وفيها سبعون ألف دينار فلما انقضت الفتنة وقتل محمد رجع إلى منزله فأخذ
القمقمين وجعلهما . . . وحج في تلك السنة وهى 198 قال أحمد بن إسحاق وكان
العباس بن عبدالله يحدث بعد ذلك فيقول قال لى سليمان بن جعفر ونحن في دار
المأمون أما قتلت ابنك بعد فقلت يا عم جعلت فداك ومن يقتل ابنه فقال لى اقتله
فهو الذى سعى بك وبمالك فأفقرك * وذكر عن أحمد بن إسحاق بن برصوما قال
لما حصر محمد وضغطه الامر قال ويحكم ما أحد يستراح اليه فقيل له بلى رجل
من العرب من أهل الكوفة يقال له وضاح بن حبيب بن بديل التميمى وهو بقية
من بقايا العرب وذو رأى أصيل قال فأرسلوا اليه قال فقدم علينا فلما صار اليه
قال له إنى قد خبرت بمذهبك ورأيك فأشر علينا في أمرنا قال له يا أمير المؤمنين
قد بطل الرأى اليوم وذهب ولكن استعمل الاراجيف فإنها من آلة الحرب
ـ105ـ
فنصب رجلا كان ينزل دجيلا يقال له بكير بن المعتمر فكان اذا نزلت بمحمد
نازلة وحادثة هزيمة قال له هات فقد جاءنا نازلة فيضع له الاخبار فاذا مشى
الناس تبينوا بطلانها قال أحمد بن اسحاق كأنى أنظر إلى بكير بن المعتمر شيخ عظيم
الخلق * وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان الكتاب قال حدثنا ابراهيم بن الجراح
قال حدثنى كوثر قال أمر محمد بن زبيدة يوما أن يفرش له على دكان في الخلد
فبسط له عليه بساط زرعى وطرحت عليه نمارق وفرش مثله وهئ له من آنية
الفضة والذهب والجوهر أمر عظيم وأمر قيمة جواريه أن تهئ له مائة جارية
صانعة فتصعد اليه عشرا عشرا بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد فأصعدت
اليه عشرا فلما استوين على الدكان اندفعن فغنين
هم قتلوه كى يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مراز به
قال فتأفف من هذا ولعنها ولعن الجوارى فأمر بهن فأنزلن ثم لبث هنيهة
وأمرها أن تصعد عشرا فلما استوين على الدكان اندفعن فغنين
من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنه * يلطمن قبل تبلج الاسحار
قال فضجر وفعل مثل فعلته الاولى وأطرق طويلا ثم قال أصعدى عشرا
فأصعدتهن فلما وقفن على الدكان اندفن يغنين بصوت واحد
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم
قال فقام من مجلسه وأمر بهدم ذلك المكان تطيرا مما كان * وذكر عن محمد
ابن عبدالرحمن الكندى قال حدثنى محمد بن دينار قال كان محمد المخلوع قاعدا
يوما وقد اشتد عليه الحصار فاشتد اغتمامه وضاق صدره فدعا بندمائة والشراب
ليتسلى به فأتى به وكانت له جارية يتحظاها من جواريه فأمرها أن تغنى وتناول
كأسا ليشربه فحبس الله لسانها عن كل شئ فغنت
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم
فرماها بالكأس الذى في يده وأمر بها فطرحت للاسد ثم تناول كأسا أخرى
ـ106ـ
ودعا بأخرى فغنت
هم قتلوه كى يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فرمى وجهها بالكأس ثم تناول كأسا أخرى ليشربها وقال لاخرى غنى فغنت
قومى هم قتلوا أميم أخى
قال فرمى وجهها بالكأس ورمى الصينية برجله وعاد إلى ما كان فيه من
همه وقتل بعد ذلك بأيام يسيرة . وذكر عن أبى سعيد أنه قال ماتت فطيم وهى
أم موسى بن محمد بن هارون المخلوع فجزع عليها جزعا شديدا وبلغ أم جعفر
فقالت احملونى إلى أمير المؤمنين قال فحملت اليه فاستقبلها فقال يا سيدتى ماتت
فطيم فقالت
نفسى فداؤك لايذهب بك اللهف * ففى بقائك ممن قد مضى خلف
عوضت موسى فهانت كل مرزئة * ما بعد موسى على مفقود أسف
وقالت أعظم الله أجرك ووفر صبرك وجعل العزاء عنها ذخرك * وذكر
عن إبراهيم بن إسماعيل بن هانئ ابن أخى أبى نواس قال حدثنى أبى قال هجا عمك
أبونواس مضر في قصيدته التى يقول فيها
أما قريش فلا افتخار لها * إلا التجارات من مكاسبها
وإنها إن ذكرت مكرمة * جاءت قريش تسعى بغالبها
إن قريشا إذا هى انتسبت * كان لها الشطر من مناسبها
قال يريد أن أكرمها تغالب قال فبلغ ذلك الرشيد في حياته فأمر بحبسه
فلم يزل محبوسا حتى ولى محمد فقال يمدحه وكان انقطاعه اليه أيام إمارته فقال
تذكر أمين الله والعهد يذكر * مقامى وإنشاديك والناس حضر
ونثرى عليك الدر يادر هاشم * فيامن رأى درا على الدر ينثر
أبوك الذى لم يملك الارض مثله * وعمك موسى عد له المتخير
وجدك مهدى الهدى وشقيقه * أبوأمك الادنى أبوالفضل جعفر
وما مثل منصوريك منصور هاشم * ومنصور قحطان إذا عد مفخر
ـ107ـ
فمن ذا الذى يرمى بسهميك في العلى * وعبد مناف والداك وحمير
قال فغنت بهذه الابيات جارية بين يدى محمد فقال لها لمن الابيات فقيل
له لابى نواس فقال وما فعل فقيل له محبوس فقال ليس عليه بأس قال فبعث
اليه إسحاق بن فراشة وسعيد بن جابر أخا محمد من الرضاعة فقال إن أمير المؤمنين
ذكرك البارحة فقال ليس عليه بأس فقال أبياتا وبعث بها اليه وهى هذه الابيات
أرقت وطار عن عينى النعاس * ونام السامرون ولم يؤاسوا
أمين الله قد ملكت ملكا * عليك من التقى فيه لباس
ووجهك يستهل ندى فيحيا * به في كل ناحية أناس
كأن الخلق في تمثال روح * له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إن السجن بأس * قد أرسلت ليس عليك باس
فلما أنشده قال صدق على به فجئ به في الليل فكسرت قيوده وأخرج حتى أدخل
عليه فأنشأ يقول
مرحبا مرحبا بخير إمام * صيغ من جوهر الخلافة نحتا
يا أمين الاله يكلاك الل * ه مقيما ظاعنا حيث سرتا
إنما الارض كلها دار * فلك الله صاحب حيث كنتا
قال فخلع عليه وخلى سبيله وجعله في ندمائه * وذكر عن عبدالله بن عمرو
التميمى قال حدثنى أحمد بن إبراهيم الفارسى قال شرب أبونواس الخمر فرفع ذلك
إلى محمد في أيامه فأمر بحبسه فحبسه الفضل بن الربيع ثلاثة أشهر ثم ذكره محمد
فدعا به وعنده بنو هاشم وغيرهم ودعا له بالسيف والنطع يهدده بالقتل فأنشده
أبونواس هذه الابيات
تكر أمين الله والعهد يذكر
الشعر الذى ذكرناه قبل وزاد فيه
تحسنت الدنيا بحسن خليفة * هو البدر إلا أنه الدهر مقمر
إمام يسوس الناس سبعين حجة * عليه له منها لباس ومئزر
ـ108ـ
يشير إليه الجود من وجناته * وينظر من أعطافه حين ينظر
أيا خير مأمول يرجى أنا أمرؤ * رهين أسير في سجونك مقفر
مضى أشهر لى مذ حبست ثلاثة * كأنى قد أذنبت ماليس يغفر
فإن كنت لم أذنب ففيم تعقبى * إن كنت ذا ذنب فعفوك أكثر
قال فقال له محمد فان شربتها قال دمى لك حلال يا أمير المؤمنين فأطلقه
قال فكان أبونواس يشمها ولا يشربها وهو قوله * لا أذوق المدام إلا شميما *
وذكر عن مسعود بن عيسى العبدى قال أخبرنى يحيى بن المسافر القرقسائى قال
أخبرنى دحيم غلام أبى نواس أن أبا نواس عتب عليه محمد في شرب الخمر
فطبق به وكان للفضل بن الربيع خال يستعرض أهل السجون ويتعاهدهم ويتفقدهم
ودخل في حبس الزنادقة فرأى فيه أبا نواس ولم يكن يعرفه فقال له يا شاب
أنت مع الزنادقة قال معاذ الله قال فلعلك ممن يعبد الكبش قال أنا آكل الكبش
بصوفه قال فلعلك ممن يعبد الشمس قال إنى لاتجنب القعود فيها بغضا لها قال
فبأى جرم حبست قال حبست بتهمة أنا منها برئ قال ليس إلا هذا قال والله
لقد صدقتك قال فجاء إلى الفضل فقال له يا هذا لا تحسنون جوار نعم الله عز
وجل أيحبس الناس بالتهمة قال وما ذاك فاخبره بما ادعى من جرمه فتبسم الفضل
ودخل على محمد فأخبره بذلك فدعا به وتقدم اليه أن يجتنب الخمر والسكر إن قال
نعم قيل له فبعهد الله قال نعم قال فأخرج فبعث اليه فتيان من قريش فقال لهم
إنى لا أشرب قالوا وإن لم تشرب فآنسنا بحديثك فأجاب فلما دارت الكأس
بينهم قالوا ألم ترتح لها قال لا سبيل والله إلى شربها فأنشأ يقول
أيها الرائحان باللوم لوما * لا أذوق المدام إلا شميما
نالنى بالملام فيها إمام * لا أرى في خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواى فإنى * لست إلا على الحديث نديما
إن حظى منها إذا هى دارت * أن أراها وأن أشم النسيما
فكأنى وما أحسن منها * قعدى يزين التحكيما
ـ109ـ
كل عن حملة السلاح إلى الحر * ب فأوصى المطيق ألا يقيما
وذكر عن أبى الورد السبعى أنه قال كنت عند الفضل بن سهل بخراسان فذكر
الامين فقال كيف لا يستحل قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه
ألا سقنى خمرا وقل لى هى الخمر * ولا تسقنى سرا إذا أمكن الجهر
قال فبلغت القصة محمدا فأمر الفضل بن الربيع فأخذ أبا نواس فحبسه * وذكر
كامل بن جامع عن بعض أصحاب أبى نواس ورواته قال كان أبونواس قال أبياتا
بلغت الامين في آخرها
وقد زادنى تيها على الناس أننى * أرانى أغناهم إذا كنت ذا عسر
ولو لم أنل فخرا لكانت صيانتى * فمى عن جميع الناس حسبى من الفخر
ولا يطمعن في ذاك منى طامع * ولا صاحب التاج المحجب في القصر
قال فبعث اليه الامين وعنده سليمان بن أبى جعفر فلما دخل عليه قال يا عاض
بظر أمه العاهرة يا ابن اللخناء وشتمه أقبح الشتم أنت تكسب بشعرك أوساخ
أيدى اللئام ثم تقول ولا صاحب التاج المحجب في القصر أما والله لا نلت منى شيئا
أبدا فقال له سليمان بن أبى جعفر والله يا أمير المؤمنين وهو من كبار الثنوية فقال
محمد هل يشهد عليه بذلك شاهد فاستشهد سليمان جماعة فشهد بعضهم أنه شرب في
يوم مطير ووضع قدحه تحت السماء فوقع فيه القطر وقال يزعمون أنه نزل مع كل
قطرة ملك فكم ترى انى أشرب الساعة من الملائكة ثم شرب ما في القدح فأمر
محمد بحبسه فقال أبونواس في ذلك
يا رب إن القوم قد ظلمونى * وبلا اقتراف تعطل حبسونى
وإلى الجحود بما عرفت خلافه * منى إليه بكيدهم نسبونى
ما كان إلا الجرى في ميدانهم * في كل جرى والمخافة دينى
لا العذر يقبل لى فيفرق شاهدى * منهم ولا يرضون حلف يمينى
ولكان كوثر كان أولى محبسا * في دار منقصة ومنزل هون
أما الامين فلست أرجو دفعه * عنى فمن لى اليوم بالمأمون
ـ110ـ
قال وبلغت المأمون أبياته فقال والله لئن لحقته لاغنيته غنى لا يؤمله قال فمات
قبل دخول المأمون مدينة السلام قال ولما طال حبس أبى نواس قال في حبسه
فيما ذكر عن دعامة
احمدوا الله جميعا * يا جميع المسلمينا
ثم قولوا لا تملوا * ربنا أبق الامينا
صير الخصيان حتى * صير التعنين دينا
فاقتدى الناس جميعا * بأمير المؤمنينا
قال وبلغت هذه الابيات أيضا المأمون وهو بخراسان فقال إنى لا توكفه أن
يهرب إلى وذكر يعقوب بن إسحاق عمن حدثه عن كوثر خادم المخلوع أن محمدا
أرق ذات ليلة وهو في حربه مع طاهر فطلب من يسامره فلم يقرب إليه أحد
من حاشيته فدعا حاجبه فقال ويلك قد خطرت بقلبى خطرات فأحضرنى شاعرا
ظريفا أقطع به بقية ليلتى فخرج الحاجب فاعتمد أقرب من بحضرته فوجد أبا نواس
فقال له أجب أمير المؤمنين فقال له لعلك أردت غيرى قال لم أرد أحدا سواك
فأتاه به فقال من أنت قال خادمك الحسن بن هانئ وطليقك بالامس قال لا ترع
أنه عرضت بقلبى أمثال أحببت أن تجعلها في شعر فان فعلت ذلك أجزت حكمك
فيما تطلب فقال وما هى يا أمير المؤمنين قال قولهم عفا الله عما سلف وبئس والله
ما جرى فرسى واكسرى عودا على أنفك وتمنعى أشهى لك قال فقال أبونواس
حكمى أربع وصائف مقدودات فأمر بإحضارهن فقال
فقدت طول اعتلالك * وما أرى في مطالك
لقد أردت جفائى * وقد أردت وصالك
ما ذا أردت بهذا * تمنعى أشهى لك
وأخذ بيد وصيفة فعزلها ثم قال
قد صحت الايمان من حلفك * وصحت حتى مت من خلفك
بالله ياسنى احنثى مرة * ثم اكسرى عودا على أنفك
ـ111ـ
ثم عزل الثانية ثم قال
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 24
ثم عزل الثانية ثم قال
فديتك ماذا الصلف * وشتمك أهل الشرف
صلى عاشقا مدنفا * قد أعتب مما اقترف
ولا تذكرى ما مضى * عفا الله عما سلف
ثم عزل الثالثة وقال
وباعثات إلى في الغلس * أن ائتنا واحترس من العسس
حتى إذا نوم العداة ولم * أخش رقيبا ولا سنا قبس
ركبت مهرى وقد طربت إلى * حور حسان نواعم لعس
فجئت والصبح قد نهض له * فبئس والله ما جرى فرسى
فقال خذهن لا بارك الله لك فيهن وذكر عن الموصلى عن حسين خادم الرشيد
قال لما صارت الخلافة إلى محمد هيئ له منزل من منازله على الشط بفرش أجود
ما يكون من فرش الخلافة وأسواه فقال ياسيدى لم يكن لابيك فرش يباهى به
الملوك والوفود الذين يردون عليه أحسن من هذا فأحببت أن أفرشه لك قال
فأحببت أن يفرش لى في أول خلافتى المردراج وقال مزقوه قال فرأيت والله
الخدم والفراشين قد صيروه ممزقا وفرقوه وذكر عن محمد بن الحسن قال
حدثنى أحمد بن محمد البرمكى ان ابراهيم بن المهدى غنى محمد بن زبيدة
هجرتك حتى قيل لا يعرف القلى * وزرتك حتى قيل ليس له صبر
فطرب محمد وقال أورقوا زورقه ذهبا وذكر عن على بن محمد بن اسماعيل
عن مخارق قال انى لعند محمد بن زبيدة يوما ماطرا وهو مصطبح وأنا جالس
بالقرب منه وأنا أغنى وليس معه أحد وعليه جبة وشى لا والله ما رأيت أحسن
منها فأقبلت أنظر اليها فقال كأنك استحسنتها يا مخارق قلت نعم يا سيدى عليك
لان وجهك حسن فيها فأنا أنظر اليه وأعوذك قال يا غلام فأجابه الخادم قال
فدعا بجبة غير تلك فلبسها وخلع التى عليه على ومكثت هنيهة ثم نظرت اليه
فعاودنى بمثل ذلك الكلام وعاودته فدعا بأخرى حتى فعل ذلك بثلاث جبات
ـ112ـ
ظاهرت بينها قال فلما رآها على ندم وتغير وجهه وقال يا غلام اذهب إلى
الطباخين فقل لهم يطبخوا لنا مصلية ويجدوا صنعتها وأتنى بها الساعة فما هو إلا
أن ذهب الغلام حتى جاء الخوان وهو لطيف صغير في وسطه غضارة ضخمة
ورغيفان فوضعت بين يديه فكسر لقمة فأهوى بها إلى الصحيفة ثم قال كل
يا مخارق قلت يا سيدى أعفنى من الاكل قال لست أعفيك فكل فكسرت لقمة ثم
تناولت شيئا فلما وضعته في فمى قال لعنك الله ما أشرهك نغصتها على وأفسدتها
وأدخلت يدك فيها ثم رفع للغضارة بيده فاذا هى في حجرى وقال قم لعنك الله
فقمت وذاك الودق والمرق يسيل من الجباب فخلعتها وأرسلت بها إلى منزلى
ودعوت القصارين والوشائين فجهدت جهدى أن تعود كما كانت فما عادت
( وذكر ) عن البحترى أبى عبادة عن عبيد الله بن أبى غسان قال كنت عند محمد
في يوم شات شديد البرد وهو في مجلس له مفرد مفروش بفرش قلما رأيت
أرفع قيمة مثله ولا أحسن وأنا في ذلك اليوم طاو ثلاثة أيام ولياليهن إلا من النبيذ
والله لا أستطيع أن أتكلم ولا أعقل فنهض نهضة البول فقلت لخادم من خدم
الخاصة ويلك قد والله مت فهل من حيلة إلى شئ تلقيه في جوفى يبرد عنى ما أنا
فيه فقال دعنى حتى أحتال لك وأنظر ما أقول وصدق مقالتى فلما رجع محمد وجلس
نظر الخادم إلى نظرة فتبسم فرآه محمد فقال مم تبسمت قال لا شئ ياسيدى
فغضب قال البحترى فقال شئ في عبيد الله بن أبى غسان لا يستطيع أن يشم رائحة
البطيخ ولا يأكله ويجزع منه جزعا شديدا فقال يا عبيد الله هذا فيك قال قلت
إى والله يا سيدى ابتليت به قال ويحك مع طيب البطيخ وطيب ريحه قال فقلت أنا
كذا قال فتعجب ثم قال على ببطيخ فأتى منه بعدة فلما رأيته أظهرت القشعريرة منه
وتنحيت قال خذوه وضعوا البطيخ بين يديه قال فأقبلت أريه الجزع والاضطراب
من ذلك وهو يضحك ثم قال كل واحدة قال فقلت يا سيدى تقتلنى وترمى بكل
شئ في جوفى وتهيج على العلل الله الله في قال كل بطيخة ولك فرش هذا البيت
على عهد الله بذلك وميثاقه قلت ما أصنع بفرش بيت وأنا أموت إن أكلت
ـ113ـ
قال فتأبيت وألح على وجاء الخادم بالسكاكين فقطعوا بطيخة فجعلوا يحشونها
في فمى . وأنا أصرخ وأضطرب وأنا مع ذلك أبلع وأنا أريه أنى بكره أفعل ذلك
وألطم رأسى وأصيح وهو يضحك فلما فرغت تحول إلى بيت آخر ودعا الفراشين
فحملوا فرش ذلك البيت إلى منزلى ثم عاودنى في فرش ذلك البيت في بطيخة
أخرى ثم فعل كفعله الاول وأعطانى فرش البيت حتى أعطانى فرش ثلاثة
أبيات وأطعمنى ثلاث بطيخات قال وحسنت والله حالى واشتد ظهرى قال
وكان منصور بن المهدى يريه أنه ينصح له فجاء وقد قام محمد يتوضأ وعلمت أن
محمدا سيعفينى بشر ندامة على ما خرج من يديه فأقبل على منصور ومحمد غائب
عن المجلس وقد بلغه الخبر فقال يا ابن الفاعلة تخدع أمير المؤمنين فتأخذ متاعه
والله لقد هممت أفعل وأفعل فقلت يا سيدى قد كان ذاك وكان السبب فيه كذا
وكذا فان أحببت أن تقتلنى فتأثم فشأنك وإن تفضلت فأهل لذلك أنت ولست
أعود قال فإنى أتفضل عليك قال وجاء محمد فقال افرشوا لنا على تلك البركة
ففرشوا له عليها فجلس وجلسنا وهى مملوءة ماء فقال يا عم اشتهيت أن أصنع شيئا
أرمى بعبيد الله إلى البركة وتضحك منه قال يا سيدى إن فعلت هذا قتلته لشدة
برد الماء وبرد يومنا هذا ولكنى أدلك على شئ خيرت به طيب قال ما هو قال
تأمر به يشد في تحت ويطرح على باب المتوضأ ولا يأتى باب المتوضأ أحد
إلا بال على رأسه قال طيب والله ثم أتى بتخت فأمر فشددت فيه ثم أمر
فحملت وألقيت على باب المتوضأ وجاء الخدم فأرخوا الرباط عنى وأقبلوا
يرونه أنهم يبولون على وأنا أصرخ فمكث بذلك ما شاء الله وهو يضحك
ثم أمر بى فحللت وأريته أنى تنظفت وأبدلت ثيابى وجاوزت عليه *
وذكر عن عبدالله بن العباس بن الفضل بن الربيع عن أبيه وكان حاجب المخلوع
قال كنت قائما على رأسه فأتى بغداء فتغدى وحده وأكل أكلا عجيبا وكان يوما
يعد للخلفاء قبله على هيئة ما كان يهيأ لكل واحد منهم يأكل من كل طعام ثم يؤتى
بطعامه قال فأكل حتى فرغ ثم رفع رأسه إلى أبى العنبر خادم كان لامه فقال اذهب
( 8 7 )
ـ114ـ
إلى المطبخ فقل لهم يهيئون لى بزماورد ويتركونه طوالا لايقطعونه ويكون
حشوه شحوم الدجاج والسمن والبقل والبيض والجبن والزيتون والجوز
ويكثرون منه ويعجلونه فما مكث إلا يسيرا حتى جاؤا به في خوان مربع وقد
جعل عليه البزماورد الطوال على هيئة القبة العبد صمدية حتى صير أعلاها
بزماوردة واحدة فوضع بين يديه فتناول واحدة فأكلها ثم لم يزل كذلك حتى لم يبق
على الخوان شيئا * وذكر عن على بن محمد أن جابر بن مصعب حدثه قال حدثنى
مخارق قال مرت بى ليلة مامرت بى مثلها قط إنى لفى منزل بعد ليل إذ أتانى رسول
محمد وهو خليفة فركض بى ركضا فانتهى بى إلى داره فأدخلت فاذا ابراهيم بن
المهدى قد أرسل اليه كما أرسل إلى فوافينا جميعا فانتهى إلى باب مفض إلى
صحن فاذا الصحن مملوء شمعا من شمع محمد العظام وكأن ذلك الصحن في نهار وإذا
محمد في كرج وإذا الدار مملوءة وصائف وخدما وإذا اللعابون يلعبون ومحمد
وسطهم في الكرج يرقص فيه فجاءنا رسول يقول قال لكما قوما في هذا الموضع على
هذا الباب مما يلى الصحن ثم ارفعا أصواتكما معبرا ومقصرا عن السور ناى واتبعاه
في لحنه قال وإذا السورناى والجوارى واللعابون في شئ واحد
* هذى دنانير تنسانى وأذكرها * تتبع الزمار قال فوالله ما زلت وابراهيم
قائمين نقولها نشق بها حلوقنا حتى انفلق الصبح ومحمد في الكرج ما يسأمه ولا
يمله حتى أصبح يدنو منا أحيانا نراه واحيانا يحول بيننا وبينه الجوارى والخدم
وذكر الحسين بن فراس مولى بنى هاشم قال غزا الناس في زمان محمد على أن
يرد عليهم الخمس فرد عليهم فأصاب الرجل ستة دنانير وكان ذلك مالا عظيما وذكر
عن ابن الاعرابى قال كنت حاضر الفضل بن الربيع وأتى بالحسن بن هانئ فقال
رفع إلى أمير المؤمنين انك زنديق فجعل يبرأ من ذلك ويحلف وجعل الفضل يكرر
عليه وسأل أن يكلم الخليفة فيه ففعل وأطلقه فخرج وهو يقول
أهلى أتيتكم من القبر * والناس محتبسون للحشر
لولا أ بوالعباس ما نظرت * عينى إلى ولد ولا وفر
فالله ألبسنى به نعما * شغلت حسابتها يدى شكرى
ـ115ـ
لقيتها من مفهم فهم * فمددتها بأنامل عشر
وذكر عن الرياشى أن أبا حبيب الموشى حدثه قال كنت مع مؤنس بن عمران
ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد فقال لى مؤنس لو دخلنا على أبى نواس فدخلنا
عليه السجن فقال لمؤنس يا أبا عمران أين تريد قال أردت أبا العباس الفضل بن
الربيع قال فتبلغه رقعة أعطيكها قال نعم قال فأعطاه رقعة فيها
ما من يد في الناس واحدة * إلا أ بوالعباس مولاها
نام الثقات على مضاجعهم * وسرى إلى نفسى فأحياها
قد كنت خفتك ثم أمننى * من أن أخافك خوفك الله
فعفوت عنى عفو مقتدر * وجبت له نقم فألغاها
قال فكانت هذه الابيات سببب خروجه من الحبس وذكر عن محمد بن خلاد
الشرورى قال حدثنى أبى قال سمع محمد شعر أبى نواس وقوله * ألا اسقنى خمرا
وقل لى هى الخمر وقوله
اسقينا يا ذفافه * مرة الطعم سلافه
ذل عندى من قلاها * لرجاء أو مخافه
مثل ما ذلت وضاعت * بعد هارون الخلافه
قال ثم أنشد له
فجاء بها زيتية ذهبية * فلم نستطع دون السجود لها صبرا
قال فحبسه محمد على هذا وقال إيه أنت كافر وأنت زنديق فكتب في ذلك
إلى الفضل بن الربيع
أنت يا ابن الربيع علمتنى الخي * ر وعودتنيه والخير عاده
فارعوى باطلى وأقصر جه * لى وأظهرت رهبة وزهادة
لو ترانى شبهت بى الحسن البص * رى في حال نسكه وقتاده
بركوع أزينه بسجود * واصفرار مثل اصفرار الجراده
فادع بى لاعدمت تقويم مثلى * فتأمل بعينك السجاده
ـ116ـ
لو رآها بعض المرائين يوما * لاشتراها يعدها للشهاده
* خلافة المأمون عبدالله بن هارون *
( وفى هذه السنة ) وضعت الحرب بين محمد وعبدالله ابنى هارون الرشيد
أوزارها واستوثق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبد الله المأمون بالطاعة
( وفيها ) خرج الحسن الهرش وذى الحجة منها يدعو إلى الرضى من آل محمد
بزعمه في سفلة الناس وجماعة كثيرة من الاعراب حتى أتى النيل فجبى الاموال وأغار
على التجار وانتهب القرى واستاق المواشى ( وفيها ) ولى المأمون كل ما كان طاهر
ابن الحسين افتتحه من كور الجبال وفارس والاهواز والبصرة والكوفة
والحجاز واليمن الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل وذلك بعد مقتل محمد المخلوع
ودخول الناس في طاعة المأمون ( وفيها ) كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين وهو
مقيم ببغداد بتسليم جميع ما بيده من الاعمال في البلدان كلها إلى خلفاء الحسن بن
سهل وأن يشخص عن ذلك كلها إلى الرقة وجعل اليه حرب نصر بن شبث وولاه
الموصل والجزيرة والشأم والمغرب ( وفيها ) قدم على بن أبى سعيد العراق خليفة
للحسن بن سهل على خراجها فدافع طاهر عليا بتسليم الخراج اليه حتى وفى الجند
أرزاقهم فلما وفاهم سلم اليه العمل ( وفيها ) كتب المأمون إلى هرثمة يأمره
بالشخوص إلى خراسان ( وحج ) بالناس في هذه السنة العباس بن موسى
ابن عيسى بن موسى بن محمد بن على
* ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث المشهورة *
فمن ذلك قدوم الحسن بن سهل فيها بغداد من عند المأمون واليه الحرب والخراج
فلما قدمها فرق عماله في الكور والبلدان ( وفيها ) شخص طاهر إلى الرقة في
جمادى الاولى ومعه عيسى بن محمد بن أبى خالد ( وفيها ) شخص أيضا هرثمة
ـ117ـ
إلى خراسان ( وفيها ) خرج أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهرش فقتله في
المحرم ( وفيها ) خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ابراهيم بن الحسن
ابن الحسن بن على بن أبى طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة
يدعوو إلى الرضى من آل محمد والعمل بالكتاب والسنة وهو الذى يقال له ابن
طباطبا وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبا السرايا واسمه
السرى بن منصور وكان يذكر أنه من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود
ابن عامر بن عمرو بن أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان
* ذكر الخبر عن سبب خروج محمد بن ابراهيم ابن طباطبا *
( اختلف ) في ذلك فقال بعضهم كان سبب خروجه صرف المأمون
طاهر بن الحسين عما كان اليه من أعمال البلدان التى افتتحها وتوجيهه إلى ذلك
الحسن بن سهل فلما فعل ذلك تحدث الناس بالعراق بينهم ان الفضل بن سهل
قد غلب على المأمون وأنه قد أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قواده
من الخاصة والعامة وأنه يبرم الامور على هواه ويستبد بالرأى دونه فغضب
لذلك بالعراق من كان بها من بنى هاشم ووجوه الناس وأنفوا من غلبة الفضل بن
سهل على المأمون واجترأوا على الحسن بن سهل بذلك وهاجت الفتن في الامصار
فكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا الذى ذكرت وقيل كان سبب خروجه ان
أبا السرايا كان من رجال هرثمة فمطله بأرزاقه وأخره بها فغضب أ بوالسرايا من ذلك
ومضى إلى الكوفة فبايع محمد بن أبراهيم وأخذ الكوفة واستوثق له أهلها بالطاعة
وأقام محمد بن ابراهيم بالكوفة وأتاه الناس من نواحى الكوفة والاعراب وغيرهم
( وفيها ) وجه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في أصحابه إلى الكوفة وكان عامل
الكوفة يومئذ حين دخلها ابن طباطبا سليمان بن أبى جعفر المنصور من قبل الحسن
ابن سهل وكان خليفة سليمان بن أبى جعفر بها خالد بن محجل الضبى فلما بلغ الخبر
الحسن بن سهل عنف سليمان وضعفه ووجه زهير بن المسيب في عشرة آلاف فارس
وراجل فلما توجه اليهم وبلغهم خبر شخوصه اليهم تهيؤا للخروج اليه فلم تكن
ـ118ـ
له قوة على الخروج فأقاموا حتى إذا بلغ زهير قرية شاهى خرجوا فأقاموا حتى اذا
بلغ القنطرة زهير فنزل عشية الثلاثاء صعنبا ثم واقعهم من الغد فهزموه واستباحوا
عسكره وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودواب وغير ذلك يوم الاربعاء فلما
كان من غد اليوم الذى كانت فيه الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيب وذلك
يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة 199 مات محمد بن ابراهيم بن طباطبا فجاءة
فذكر أن أبا السرايا سمه وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن ابن طباطبا لما أحرز
ما في عسكر زهير من المال والسلاح والدواب وغير ذلك منعه أبا السرايا وحظره
عليه وكان الناس له مطيعين فعلم أبا السرايا أنه لا أمر له معه فسمه فلما مات ابن
طباطبا أقام أ بوالسرايا مكانه غلاما أمرد حدثا يقال له محمد بن محمد بن زيد بن
على بن الحسين بن على بن أبى طالب فكان أ بوالسرايا هو الذى ينفذ الامور
ويولى من رأى ويعزل من أحب واليه الامور كلها ورجع زهير من يومه الذى
هزم فيه إلى قصر ابن هبيرة فأقام به وكان الحسن بن سهل قد وجه عبدوس بن
محمد بن أبى خالد المرور ذى إلى النيل حين وجه زهير إلى الكوفة فخرج بعد
ما هزم زهير عبوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل حتى بلغ الجامع هو وأصحابه
وزهير مقيم بالقصر فتوجه أ بوالسرايا إلى عبدوس فواقعه بالجامع يوم الاحد
لثلاث عشرة بقيت من رجب فقتله وأسر هارون بن محمد بن أبى خالد واستباح
عسكره وكان عبدوس فيما ذكر في أربعة آلاف فارس فلم يفلت منهم أحد كانوا
بين قتيل وأسير وانتشر الطالبيون في البلاد وضرب أ بوالسرايا الدراهم بالكوفة
ونقش عليها إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ولما
بلغ زهير قتل أبى السرايا عبدوسا وهو بالقصر انحاز بمن معه إلى نهر الملك ثم
إن أبا السرايا أقبل حتى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه وكانت طلائعه تأتى كوثى
ونهر الملك فوجه أبو السرايا جيوشا إلى البصرة وواسط فدخلوهما وكان بواسط
ونواحيها عبدالله بن سعيد الحرشى واليا عليها من قبل الحسن بن سهل فواقعه
جيش أبى السرايا قريبا من واسط فهزموه فانصرف راجعا إلى بغداد وقد قتل
ـ119ـ
من أصحابه جماعة وأسر جماعة فلما رأى الحسن بن سهل أن أبا السرايا ومن معه
لا يلقون له عسكرا إلا هزموه ولا يتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها ولم يجد فيمن
معه من القواد من يكفه حربه اضطر إلى هرثمة وكان هرثمة حين قدم عليه الحسين
ابن سهل العراق واليا عليها من قبل المأمون سلم له ما كان بيده من الاعمال وتوجه
نحو خراسان مغاضبا للحسن فسار حتى بلغ حلوان فبعث إليه السندى وصالحا
صاحب المصلى يسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبى السرايا فامتنع وأبى
وانصرف الرسول إلى الحسن بإبائه فأعاد إليه السندى بكتب لطيفة فأجاب وانصرف
إلى بغداد فقدمها في شعبان فتهيأ للخروج إلى الكوفة وأمر الحسن بن سهل على
ابن أبى سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة فتهيؤا لذلك وبلغ الخبر
أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة فوجه إلى المدائن فدخلها أصحابه في رمضان
وتقدم هو بنفسه وبمن معه حتى نزل نهر صرصر مما يلى طريق الكوفة في شهر
رمضان وكان هرثمة لما احتبس قدومه على الحسن ببغداد أمر المنصور بن
المهدى أن يخرج فيعسكر بالياسرية إلى قدم هرثمة فخرج فعسكر فلما قدم هرثمة
خرج فعسكر ب السفينيين بين يدى منصور ثم مضى حتى عسكر بنهر صرصر بإزاء
أبى السرايا والنهر بينهما وكان على بن أبى سعيد معسكرا بكلواذى فشخص يوم
الثلاثاء بعد الفطر بيوم ووجه مقدمته إلى المدائن فقاتل بها أصحاب أبى السرايا
غداة الخميس إلى الليل قتالا شديدا فلما كان الغد غدا وأصحابه على القتال فانكشف
أصحاب أبى السرايا وأخذ ابن أبى سعيد المدائن وبلغ الخبر أبا السرايا وأخذ ابن
أبى سعيد المدائن فلما كان ليلة السبت لخمس خلون من شوال رجع أ بوالسرايا
من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة فنزل به وأصبح هرثمة فجد في طلبه فوجد
جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم وبعث برؤسهم إلى الحسن بن سهل ثم صار هرثمة
إلى قصر ابن هبيرة فكانت بينه وبين أبى السرايا وقعة قتل فيها من أصحاب أبى
السرايا خلق كثير فانحاز أبو السرايا إلى الكوفة فوثب محمد بن محمد ومن معه من
الطالبيين على دور بنى العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة فانتهبوها وخربوها
ـ120ـ
وأخرجوهم من الكوفة وعملوا في ذلك عملا قبيحا واستخرجوا الودائع التى
كانت لهم عند الناس فأخذوها وكان هرثمة فيما ذكر يخبر الناس أنه يريد الحج
فكان قد حبس من يريد الحج من خراسان والجبال والجزيرة وحاج بغداد
وغيرهم فلم يدع أحدا يخرج رجاء أن يأخذ الكوفة ووجه أ بوالسرايا إلى مكة
والمدينة من يأخذهما ويقيم الحج للناس وكان الوالى على مكة والمدينة داود بن
عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس وكان الذى وجهه أ بوالسرايا
إلى مكة حسين بن حسن الافطس بن على بن أبى طالب والذى وجهه إلى المدينة
محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب فدخلها ولم
يقاتله بها أحد ومضى حسين بن حسن يريد مكة فلما قرب منها وقف هنيهة لمن فيها
وكان داود بن عيسى لما بلغه توجيه أبى السرايا حسين بن حسن إلى مكة لاقامة
الحج للناس جمع موالى بنى العباس وعبيد حوائطهم وكان مسرور الكبير الخادم
قد حج في تلك السنة في مائتى فارس من أصحابه فتعبأ لحرب من يريد دخول مكة
وأخذها من الطالبيين فقال له داود لا أستحل القتال في الحرم والله لئن دخلوا من
هذا الفج لاخرجن من هذا الفج الآخر فقال له مسرور تسلم ملكك وسلطانك
إلى عدوك ومن لا يأخذ فيك لومة لائم في دينك ولا حرمك ولامالك قال له داود
أى ملك لى والله لقد أقمت معهم حتى شيخت فما ولونى ولاية حتى كبرت سنى وفنى
عمرى فولونى من الحجاز مافيه القوت إنما هذا الملك لك وأشباهك فقاتل إن شئت
أودع فانحاز داود من مكة إلى ناحية المشاش وقد شد أثقاله على الابل فوجه بها
في طريق العراق وافتعل كتابا من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة
الموسم فقال له اخرج فصل بالناس الظهر والعصر بمنى والمغرب والعشاء وبت
بمنى وصل بالناس الصبح ثم اركب دوابك فانزل طريق عرفة وخذ على يسارك في
شعب عمرو حتى تأخذ طريق المشاش حتى تلحقنى ببستان ابن عامر ففعل ذلك
وافترق الجمع الذى كان داود بن عيسى معهم بمكة من موالى بنى العباس وعبيد
ـ121ـ
الحوائط وقت ذلك في عضد مسرور الخادم وخشى إن قاتلهم أن يميل أكثر
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 25
الحوائط وقت ذلك في عضد مسرور الخادم وخشى إن قاتلهم أن يميل أكثر
الناس معهم فخرج في أثر داود راجعا إلى العراق وبقى الناس بعرفة فلما زالت
الشمس وحضرت الصلاة تدافعها قوم من أهل مكة فقال أحمد بن محمد بن الوليد
الردمى وهو المؤذن وقاضى الجماعة والامام بأهل المسجد الحرام إذا لم تحضر الولاة
لقاضى مكة محمد بن عبدالرحمن المخزومى تقدم فاخطب بالناس وصل بهم الصلاتين
فإنك قاضى البلد قال فلمن أخطب وقد هرب الامام وأطل هؤلاء القوم على
الدخول قال لا تدع لاحد قال له محمد بل أنت فتقدم واخطب وصل بالناس
فأبى حتى قدموا رجلا من عرض أهل مكة فصلى بالناس الظهر والعصر بلا خطبة
ثم مضوا فوقفوا جميعا بالموقف من عرفة حتى غربت الشمس فدفع الناس لانفسهم
من عرفة بغير إمام حتى أتوا مزدلفة فصلى بهم المغرب والعشاء رجل أيضا من
عرض الناس وحسين بن حسن يتوقف بسرف يرهب أن يدخل مكة فيدفع
عنها ويقاتل دونها حتى خرج اليه قوم من أهل مكة ممن يميل إلى الطالبيين ويتخوف
من العباسيين فأخبروه أن مكة ومنى وعرفة قد خلت ممن فيها من السلطان وأنهم
قد خرجوا متوجهين إلى العراق فدخل حسين بن حسن مكة قبل المغرب من يوم
عرفة وجميع من معه لا يبلغون عشرة فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة
ومضوا إلى عرفة في الليل فوقفوا بها ساعة من الليل ثم رجع إلى مزدلفة فصلى
بالناس الفجر ووقف على قزح ودفع بالناس منه وأقام بمنى أيام الحج فلم يزل
مقيما بها حتى انقضت سنة 199 وأقام محمد بن سليمان بن داود الطالبى بالمدينة
السنة أيضا فانصرف الحاج ومن كان شهد مكة والموسم على أن أهل الموسم قد
أفاضوا من عرفة بغير إمام وقد كان هرثمة لما تخوف أن يفوته الحج وقد نزل
قرية شاهى واقع أبا السرايا وأصحابه في المكان الذى واقعه فيه زهير فكانت
الهزيمة على هرثمة في أول النهار فلما كان آخر النهار كانت الهزيمة على أصحاب أبى
السرايا فلما رأى هرثمة أنه لم يصر إلى ما أراد أقام بقرية شاهى وود الحاج وغيرهم
وبعث إلى المنصور بن المهدى فأتاه بقرية شاهى وصار يكاتب رؤساء أهل الكوفة
ـ122ـ
وقد كان على بن أبى سعيد لما أخذ المدائن توجه إلى واسط فأخذها ثم إنه توجه
إلى البصرة فلم يقدر على أخذها حتى انقضت سنة 199
* ثم دخلت سنة مائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فما كان فيها من ذلك هرب أبى السرايا من الكوفة ودخول هرثمة اليها : ذكر أن
أبا السرايا هرب هو ومن معه من الطالبيين من الكوفة ليلة الاحد لاربع عشرة
ليلة بقية من المحرم من سنة 200 حتى أتى القادسية ودخل منصور بن المهدى
وهرثمة الكوفة صبيحة تلك الليلة وآمنوا أهلها ولم يعرضوا لاحد منهم فأقاموا بها يومهم
إلى العصر ثم رجعواإلى معسكرهم وخلفوا بها رجلا منهم يقال له غسان بن أبى الفرج
أ بوابراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خراسان فنزل في الدار التى كان فيها
محمد بن محمد وأ بوالسرايا ثم ان أبا السرايا خرج من القادسية هو ومن معه حتى
أتوا ناحية واسط وكان بواسط على بن أبى سعيد وكانت البصرة بيد العلويين
بعد فجاء أ بوالسرايا حتى عبر دجلة أسفل من واسط فأتى عبدسى فوجد بها
مالا كان حمل من الاهواز فأخذه ثم مضى حتى أتى السوس فنزلها ومن معه وأقام
بها أربعة أيام وجعل يعطى الفارس ألفا والراجل خمسمائة فلما كان اليوم الرابع
أتاهم الحسن ابن على الباذغيسى المعروف بالمأمونى فأرسل اليهم اذهبوا حيث
شئتم فانه لاحاجة لى في قتالكم واذا خرجتم من عملى فلست أتبعكم فأبى أ بوالسرايا
الا القتال فقاتهلم فهزمهم الحسن واستباح عسكرهم وجرح أ بوالسرايا جراحة
شديدة فهرب واجتمع هو ومحمد بن محمد و أبوالشوك وقد تفرق أصحابهم فأخذوا
ناحية طريق الجزيرة يريدون منزل أبى السرايا برأس العين فلما انتهوا إلى جلولاء
عثر بهم فأتاهم حماد الكندغوش فأخذهم فجاء بهم إلى الحسن بن سهل وكان مقيما
بالنهروان حين طردته الحربية فقدم بأبى السرايا فضرب عنقه يوم الخميس لعشر
خلون من ربيع الاول وذكر أن الذى تولى ضرب عنقه هارون بن محمد بن
ـ123ـ
أبى خالد وكان أسيرا في يدى أبى السرايا وذكر أنه لم يروا أحدا عند القتل أشد
جزعا من أبى السرايا كان يضطرب بيديه ورجليه ويصيح أشد ما يكون من
الصياح حتى جعل في رأسه حبل وهو في ذلك يضطرب ويلتوى ويصيح حتى
ضربت عنقه ثم بعث برأسه فطيف به في عسكر الحسن بن سهل وبعث بجسده إلى
بغداد فصلب نصفين على الجسر في كل جانب نصف وكان بين خروجه بالكوفة
وقتله عشرة أشهر وكان على بن أبى سعيد حين عبر أ بوالسرايا توجه اليه فلما
فاته توجه إلى البصرة فافتتحها والذى كان بالبصرة من الطالبيين زيد بن موسى
ابن جعفر بن محمد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب ومعه جماعة من أهل
بيته وهو الذى يقال له زيد النار وانما سمى زيد النار لكثرة ما حرق من الدور
بالبصرة من دور بنى العباس وأتباعهم وكان اذا أتى برجل من المسودة كان
عقوبته عنده أن يحرقه بالنار وانتهبوا بالبصرة أموالا فأخذه على بن أبى سعيد
أسيرا وقيل انه طلب الامان فآمنه وبعث على بن أبى سعيد ممن كان معه من القواد
عيسى بن يزيد الجلودى وورقاء بن جميل وحمدويه بن على بن عيسى بن ماهان
وهارون بن المسيب إلى مكة والمدينة واليمن وأمرهم بمحاربة من بها من الطالبيين
وقال التميمى في قتل الحسن بن سهل أبا السرايا
ألم تر ضربة الحسن بن سهل * بسيفك يا أمير المؤمنينا
أدارت مرو رأس أبى السرايا * وأبقت عبرة للعابرينا
وبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد حين قتل أ بوالسرايا إلى المأمون بخراسان
( وفى هذه السنة ) خرج ابراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن حسين
ابن على بن أبى طالب باليمن
* ( ذكر الخبر عنه وعن أمره ) *
وكان ابراهيم بن موسى فيما ذكر وجماعة من أهل بيته بمكة حين خرج
أ بوالسرايا وأمره وأمر الطالبيين بالعراق ما ذكر وبلغ ابراهيم بن موسى خبرهم
فخرج من مكة مع من كان معه من أهل بيته يريد اليمن ووالى اليمن يومئذ المقيم
ـ124ـ
بها من قبل المأمون اسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبدالله
ابن عباس فلما سمع بإقبال ابراهيم بن موسى العلوى وقربه من صنعاء خرج منصرفا
عن اليمن في الطريق النجدية بجميع من في عسكره من الخيل والرجل وخلى
لابراهيم بن موسى بن جعفر اليمن وكره قتاله وبلغه ما كان من فعل عمه داود بن
عيسى بمكة والمدينة ففعل مثل فعله وأقبل يريد مكة حتى نزل المشاش فعسكر
هناك وأراد دخول مكة فمنعه من كان بها من العلويين وكانت أم اسحاق بن موسى
ابن عيسى متوارية بمكة من العلويين وكانوا يطلبونها فتوارت منهم ولم يزل اسحاق
ابن موسى معسكرا بالمشاش وجعل من كان بمكة مستخفيا يتسللون من رؤوس
الجبال فأتوا بها ابنها في عسكره وكان يقال لابراهيم بن موسى الجزار لكثرة
من قتل باليمن من الناس وسبى وأخذ من الاموال ( وفى هذه السنة ) في أول
يوم من المحرم منها بعد ما تفرق الحاج من مكة جلس حسين بن حسن الافطس
خلف المقام على نمرقة مثنية فأمر بثياب الكعبة التى عليها فجردت منها حتى لم يبق
عليها من كسوتها شيئا وبقيت حجارة مجردة ثم كساها ثوبين من قز رقيق كان
أ بوالسرايا وجه بها معه مكتوب عليها أمر به الاصفر بن الاصفر أ بوالسرايا
داعية آل محمد لكسوة بيت الله الحرام وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد
العباس ليطهر من كسوتهم وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة ثم أمر حسين بن
حسن بالكسوة التى كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه من العلويين وأتباعهم
على قدر منازلهم عنده وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه ولم يسمع
بأحد عنده وديعة لاحد من ولد العباس وأتباعهم إلا هجم عليه في داره فان وجد
من ذلك شيئا أخذه وعاقب الرجل وان لم يجد عنده شيئا حبسه وعذبه حتى يفتدى
نفسه بقدر طوله ويقر عند الشهود أن ذلك للمسودة من بنى العباس وأتباعهم
حتى عم هذا خلقا كثيرا وكان الذى يتولى العذاب لهم رجلا من أهل الكوفة
يقال له محمد بن مسلمة كان ينزل في دار خالصة عند الحناطين فكان يقال لها
دار العذاب وأخافوا الناس حتى هرب منهم خلق كثير من أهل النعم
ـ125ـ
فتعقبوهم بهدم دورهم حتى صاروا من أمر الحرم وأخذ أبناء الناس في أمر
عظيم وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الذى في رؤوس أساطين المسجد فيخرج من
الاسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال ذهب أو نحو حتى عم ذلك أكثر
أساطين المسجد الحرام وقلعوا الحديد الذى على شبابيك زمزم ومن خشب الساج
فبيع بالثمن الخسيس فلما رأى حسين بن حسن ومن معه من أهل بيته تغير الناس
لهم بسيرتهم وبلغهم أن أبا السرايا قد قتل وأنه قد طرد من الكوفة والبصرة
وكور العراق من كان بها من الطالبيين ورجعت الولاية بها لولد العباس اجتمعوا
إلى محمد بن جعفر بن محمد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب وكان شيخا وداعا
محببا في الناس مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة وكان يروى
العلم عن أبيه جعفر بن محمد وكان الناس يكتبون عنه وكان يظهر سمتا وزهدا
فقالوا له قد تعلم حالك في الناس فأبرز شخصك نبايع لك بالخلافة فإنك إن فعلت
ذلك لم يختلف عليك رجلان فأبى ذلك عليهم فلم يزل به ابنه على بن محمد بن جعفر
وحسين بن حسن الافطس حتى غلبا الشيخ على رأيه فأجابهم فأقاموه يوم
صلاة الجمعة بعد الصلاة لست خلون من ربيع الآخر فبايعوه بالخلافة وحشروا
اليه الناس من أهل مكة و المجاورين فبايعوه طوعا وكرها وسموه بإمرة المؤمنين
فأقام بذلك أشهرا وليس له من الامر الا اسمه وابنه على وحسين بن حسن وجماعة
منهم أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح ما كانوا فعلا فوثب حسين بن حسن على امرأة
من قريش من بنى فهر وزوجها رجل من بنى مخزوم وكان لها جمال بارع فأرسل
اليها لتأتيه فامتنعت عليه فأخاف زوجها وأمر بطلبه فتوارى منه فأرسل ليلا جماعة
من أصحابه فكسروا باب الدار واغتصبوا نفسها وذهبوا بها إلى حسين فلبثت
عنده إلى قرب خروجه من مكة فهربت منه ورجعت إلى أهلها وهم يقاتلون بمكة
ووثب على بن محمد بن جعفر على غلام من قريش ابن قاض بمكة يقال له اسحاق
ابن محمد وكان جميلا بارعا في الجمال فاقتحم عليه بنفسه نهارا جهارا في داره على الصفا
مشرفا على المسعى حتى حمله على فرسه في السرج وركب على بن محمد على عجز الفرس
ـ126ـ
وخرج به يشق السوق حتى أتى بئر ميمون وكان ينزل في دار داود بن عيسى
في طريق منى فلما رأى ذلك أهل مكة ومن بها من المجاورين خرجوا فاجتمعوا
في المسجد الحرام وغلقت الدكاكين ومال معهم أهل الطواف بالكعبة حتى أتوا
محمد بن جعفر بن محمد وهو نازل دار داود فقالوا والله لنخلعنك ولنقتلنك أو تردن
الينا هذا الغلام الذى ابنك أخذه جهرة فأغلق باب الدار وكلمهم من الشباك الشارع
في المسجد فقال والله ما علمت وأرسل إلى حسين بن حسن يسأله أن يركب إلى ابنه على
فيستنقذ الغلام منه فأبى ذلك حسين وقال والله إنك لتعلم أنى لا أقوى على ابنك ولو
جئته لقاتلنى وحاربنى في أصحابه فلما رأى ذلك محمد قال لاهل مكة آمنونى حتى أركب
اليه وآخذ الغلام منه فآمنوه وأذنوا له في الركوب فركب بنفسه حتى صار إلى ابنه
فأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله قال فلم يلبثوا الا يسيرا حتى أقبل إسحاق بن موسى
ابن عيسى العباس مقبلا من اليمن حتى نزل المشاش فاجتمع العلويين إلى محمد بن جعفر
ابن محمد فقالوا له يا أمير المؤمنين هذا إسحاق بن موسى مقبلا الينا في الخيل والرجال
وقد رأينا أن نخندق خندقا بأعلى مكة وتبرز شخصك ليراك الناس ويحاربوا
معك وبعثوا إلى من حولهم من الاعراب ففرضوا لهم وخندقوا على مكة ليقاتلوا
اسحاق بن موسى من ورائه فقاتلهم اسحاق أياما ثم ان اسحاق كره القتال والحرب
وخرج يريد العراق فلقيه ورقاء بن جميل في أصحابه ومن كان معه من أصحاب
الجلودى فقالوا لاسحاق ارجع معنا إلى مكة ونحن نكفيك القتال فرجع معهم حتى
أتوا مكة فنزلوا المشاش واجتمع إلى محمد بن جعفر من كان معه من غوغائها ومن
سودان أهل المياه ومن فرض له من الاعراب فعبأهم ببئر ميمون وأقبل اليهم
اسحاق بن موسى وورقاء بن جميل بمن معه من القواد والجند فقاتلهم ببئر ميمون
فوقعت بينهم قتلى وجراحات ثم رجع اسحاق وورقاء إلى معسكرهم ثم عاودهم بعد
ذلك بيوم فقاتلهم فكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه فلما رأى ذلك محمد
بعث رجالا من قريش فيهم قاضى مكة يسألون لهم الامان حتى يخرجوا من مكة
ويذهبوا حيث شاءوا فاجابهم اسحاق وورقاء بن جميل إلى ذلك وأجلوهم ثلاثة أيام
ـ127ـ
فلما كان في اليوم الثالث دخل اسحاق وورقاء إلى مكة في جمادى الآخرة وورقاء
الوالى على مكة للجلودى وتفرق الطالبيون من مكة فذهب كل قوم ناحية فأما
محمد بن جعفر فاخذ ناحية جدة ثم خرج الجحفة فعرض له رجل من
موالى بنى العباس يقال له محمد بن حكيم بن مروان قد كان الطالبيون انتهبوا
داره بمكة وعذبوه عذابا شديدا وكان يتوكل لبعض العباسيين بمكة لآل جعفر
ابن سليمان فجمع عبيد الحوائط من عبيد العباسيين حتى لحق محمد بن جعفر
بين جدة وعسفان فانتهب جميع ما معه مما خرج به من مكة وجرده حتى تركه في
سراويل وهم بقتله ثم طرح عليه بعد ذلك قميصا وعمامة ورداء ودريهمات يتسبب
بها فخرج محمد بن جعفر حتى أتى بلاد جهينة على الساحل فلم يزل مقيما هنالك حتى
انقضى الموسم وهو في ذلك يجمع الجموع وقد وقع بينه وبين هارون بن المسيب
والى المدينة وقعات عند الشجرة وغيرها وذلك أن هارون بعث ليأخذه فلما رأى
ذلك أتاه بمن اجتمع اليه حتى بلغ الشجرة فخرج اليه هارون فقاتله فهزم محمد بن
جعفر وفقئت عينه بنشابة وقتل من أصحابه بشر كثير فرجع حتى أقام بموضعه
الذى كان فيه ينتظر ما يكون من أمر الموسم فلم يأته من كان وعده فلما رأى ذلك
وانقضى الموسم طلب الامان من الجلودى ومن رجاء ابن عم الفضل ابن سهل وضمن
له رجاء على المأمون وعلى الفضل بن سهل ألا يهاج وأن يوفى له بالامان فقبل ذلك
ورضيه ودخل به إلى مكة يوم الاحد بعد النفر الاخير بثمانية أيام لعشر بقين من
ذى الحجة فأمر عيسى بن يزيد الجلودى ورجاء بن أبى الضحاك ابن عم الفضل بن سهل
بالمنبر فوضع بين الركن والمقام حيث كان محمد بن جعفر بويع له فيه وقد جمع الناس من
القريشيين وغيرهم فصعد الجلودى رأس المنبر وقام محمد بن جعفر تحته بدرجة وعليه
قباء أسود وقلنسوة سوداء وليس عليه سيف ليخلع نفسه ثم قام محمد فقال أيها الناس
من عرفنى فقد عرفنى ومن لم يعرفنى فأنا محمد بن جعفر بن محمد بن على بن حسين
ابن على بن أبى طالب فإنه كان لعبد الله عبدالله أمير المؤمنين في رقبتى بيعة بالسمع
والطاعة طائعا غير مكروه وكنت أحد الشهود الذين شهدوا في الكعبة في الشرطين
ـ128ـ
لهارون الرشيد على ابنيه محمد المخلوع وعبدالله المأمون أمير المؤمنين ألا وقد
كانت فتنة غشيت عامة الارض منا ومن غيرنا وكان نمى إلى خبر أن عبدالله
عبدالله المأمون أمير المؤمنين كان توفى فدعانى ذلك إلى أن بايعوا لى بإمرة
المؤمنين واستحللت قبول ذلك لما كان على من العهود والمواثيق في بيعتى
لعبد الله عبدالله الامام المأمون ف بايعتمونى أو من فعل منكم ألا وقد بلغنى وصح
عندى أنه حى سوى ألا وإنى أستغفر الله مما دعوتكم اليه من البيعة وقد خلعت
نفسى من بيعتى التى بايعتمونى عليها كما خلعت خاتمى هذا من أصبعى وقد صرت
كرجل من المسلمين فلا بيعة لى في رقابهم وقد أخرجت نفسى من ذلك وقد رد
الله الحق إلى الخليفة المأمون عبدالله عبدالله المأمون أمير المؤمنين والحمد لله رب
العالمين والصلاة على محمد خاتم النبيين والسلام عليكم أيها المسلمون ثم نزل فخرج به
عيسى بن يزيد الجلودى إلى العراق واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى في
سنة 201 وخرج عيسى ومحمد بن جعفر حتى سلمه إلى الحسن بن سهل فبعث به
الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو مع رجاء بن أبى الضحاك ( وفى هذه السنة )
وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبى بعض ولد عقيل بن أبى طالب
من اليمن في جند كثيف إلى مكة ليحج بالناس فحورب العقيلى فهزم ولم يقدر
على دخول مكة
* ذكر الخبر عن أمر إبراهيم والعقيلى الذى ذكرنا أمره *
ذكر أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد حج بالناس في سنة 200 فسار حتى
دخل مكة ومعه قواد كثير فيهم حمدويه بن على بن عيسى بن ماهان وقد استعمله
الحسن بن سهل على اليمن ودخلوا مكة وبها الجلودى في جنده وقواده ووجه
إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلوى من اليمن رجلا من ولد عقيل بن
أبى طالب وأمره أن يحج بالناس فلما صار العقيلى إلى بستان ابن عامر بلغه
أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد قد ولى الموسم وأن معه من القواد والجنود
مالا قبل لاحد به فأقام ببستان ابن عامر فمرت به قافلة من الحاج والتجار وفيها
ـ129ـ
كسوة الكعبة وطيبها فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها وقدم الحاج
والتجار مكة عراة مسلبين فلبغ ذلك أبا إسحاق بن الرشيد وهو نازل بمكة في دار
القوارير فجمع اليه القواد فشاورهم فقال له الجلودى وذلك قبل التروية بيومين
أو ثلاثة أصلح الله الامير أنا أكفيكهم أخرج إليهم في خمسين من نخبة أصحابى
وخمسين انتخبهم من سائر القواد فأجابوه إلى ذلك فخرج الجلودى في مائة حتى
صبح العقيلى وأصحابه ببستان ابن عامر فأحدق بهم فأسر أكثرهم وهرب من
هرب منهم يسعى على قدميه فأخذ كسوة الكعبة إلا شيئا كان هرب به من هرب
قبل ذلك بيوم واحد وأخذ الطيب وأموال التجار والحاج فوجه به إلى مكة
ودعا بمن أسر من أصحاب العقيلى فأمر بهم فقنع كل رجل منهم بعشرة أسواط
ثم قال اعزبوا يا كلاب النار فوالله ما قتلكم وعر ولا في أسركم جمال وخلى سبيلهم
فرجعوا إلى اليمن يستطعمون في الطريق حتى هلك أكثرهم جوعا وعريا ( وخالف )
ابن أبى سعيد على الحسن بن سهل فبعث المأمون بسراج الخادم وقال له إن وضع
على يده في يد الحسن أو شخص إلى بمرو وألا اضرب اعنقه فشخص إلى المأمون
مع هرثمة بن أعين ( وفى هذه السنة ) شخص هرثمة في شهر ربيع الاول منها من
معسكره إلى المأمون بمرو
* ذكر الخبر عن شخوص هرثمة إلى المأمون وما آل اليه أمره في مسيره ذلك *
ذكر أن هرثمة لما فرغ من أمر أبى السرايا ومحمد بن محمد العلوى ودخل
الكوفة أقام في معسكره إلى شهر ربيع الاول فلما أهل الشهر خرج حتى أتى
نهر صرصر والناس يرون أنه يأتى الحسن بن سهل بالمدائن فلما بلغ نهر صرصر
خرج على عقرقوف ثم خرج حتى أتى البردان ثم أتى النهروان ثم خرج حتى
أتى إلى خراسان وقد أتته كتب المأمون في غير منزل أن يرجع فيلى
الشأم أو الحجاز فأبى وقال لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين إدلالا منه عليه
لما كان يعرف من نصيحته له ولآبائه وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل
ابن سهل وما يكتم عنه من الاخبار وألا يدعه حتى يرده إلى بغداد دار الخلافة
( 9 7 )
ـ130ـ
آبائه وملكهم ليتوسط سلطانه ويشرف على أطرافه فعلم الفضل مايريد فقال
للمأمون إن هرثمة قد أنغل عليك البلاد والعباد وظاهر عليك عدوك وعادى
وليك ودس أبا السرايا وهو جندى من جنده حتى عمل ما عمل ولو شاء هرثمة
ألا يفعل ذلك أ بوالسرايا ما فعله وقد كتب اليه أمير المؤمنين عدة كتب أن يرجع
فيلى الشأم أو الحجاز فأبى وقد رجع إلى باب أمير المؤمنين عاصيا مشاقا يظهر
القول الغليظ ويتواعد بالامر الجليل وإن أطلق وهذا كان مفسدة لغيره
فأشرب قلب أمير المؤمنين عليه وأبطأ هرثمة في المسير فلم يصل إلى خراسان حتى
كان ذو القعدة فلما بلغ مرو خشى أن يكتم المأمون قدومه فضرب بالطبول
لكى يسمعها المأمون فسمعها فقال ما هذا قالوا هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق وظن
هرثمة أن قوله المقبول فأمر بإدخاله فلما أدخل وقد أشرب قلبه ما أشرب قال
له المأمون مالات أهل الكوفة والعلويين وداهنت ودسست إلى أبى السرايا
حتى خرج وعمل ما عمل وكان رجلا من أصحابك ولو أردت أن تأخذهم
جميعا لفعلت ولكنك أرخيت خناقهم وأجررت لهم رسنهم فذهب هرثمة ليتكلم
ويعتذر ويدفع عن نفسه ما قرف به فلم يقبل ذلك منه وأمر به فوجئ على أنفه
وديس بطنه وسحب من بين يديه وقد تقدم الفضل بن سهل إلى الاعوان بالغلظ عليه
والتشديد حتى حبس فمكث في الحبس أياما ثم دسوا اليه فقتلوه وقالوا له إنه مات
( وفى هذه السنة ) هاج الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل
* ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان *
ذكر أن الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى خراسان ولم
يزل مقيما بها إلى أن أتصل بأهل بغداد والحربية ما صنع به فبعث الحسن بن
سهل إلى على بن هشام وهو والى بغداد من قبله أن أمطل الجند من الحربية
وا لبغداديين أرزاقهم ومنهم ولا تعطهم وقد كان الحسن قبل ذلك اتعدهم أن
يعطيهم أرزاقهم وكانت الحربية حين خرج هرثمة إلى خراسان وثبوا وقالوا
لا نرضى حتى نطرد الحسن بن سهل عن بغداد وكان من عماله بها محمد بن أبى خالد
ـ131ـ
وأسد بن أبى الاسد فوثبت الحربية عليهم فطردوهم وصيروا إسحاق بن موسى
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 24
وأسد بن أبى الاسد فوثبت الحربية عليهم فطردوهم وصيروا إسحاق بن موسى
ابن المهدى خليفة للمأمون ببغداد فاجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به
فدس الحسن اليهم وكاتب قوادهم حتى وثبوا من جانب عسكر المهدى وجعل
يعطى الجند أرزاقهم لستة أشهر عطاء نزرا فحول الحربية إسحاق اليهم وأنزلوه
على دجيل وجاء زهير بن المسيب فنزل في عسكر المهدى وبعث الحسن بن سهل
على بن هشام فجاء من الجانب الآخر حتى نزل نهر صرصر ثم جاء هو ومحمد بن
أبى خالد وقوادهم ليلا حتى دخلوا بغداد فنزل على بن هشام دار العباس بن
جعفر بن محمد الاشعث الخزاعى على باب المحول لثمان خلون من شعبان وقبل
ذلك ما كان الحربية حين بلغهم أن أهل الكرخ يريدون أن يدخلوا زهيرا وعلى
ابن هشام شدوا على باب الكرخ فأحرقوه وانتهبوا من حد قصر الوضاح إلى
داخل باب الكرخ إلى أصحاب القراطيس ليلة الثلاثاء ودخل على بن هشام
صبيحة تلك الليلة فقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة العتيقة والجديدة
والارحاء ثم إنه وعد الحربية أن يعطيهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة فسألوه
أن يعجل لهم خمسين درهما لكل رجل لينفقوها في شهر رمضان فأجابهم إلى ذلك
وجعل يعطى فلم يتم لهم اعطاءهم حتى خرج زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن
على بن حسين بن على بن أبى طالب الخارج بالبصرة المعروف بزيد النار كان
أفلت من الحبس عند على بن أبى سعيد فخرج في ناحية الانبار ومعه أخو
أبى السرايا في ذى القعدة سنة 200 فبعثوا اليه فأخذ فأتى به على بن هشام فلم
يلبث إلا جمعة حتى هرب من الحربية فنزل نهر صرصر وذلك أنه كان يكذبهم
ولم يف لهم باعطاء الخمسين إلى أن جاء الاضحى وبلغهم خبر هرثمة وما صنع
به فشدوا على على فطردوه وكان المتولى ذلك والقائم بأمر الحرب محمد بن
أبى خالد وذلك أن على بن هشام لما دخل بغداد كان يستخف به فوقع بين محمد
ابن أبى خالد وبين زهير بن المسيب إلى أن قنعه زهير بالسوط فغضب محمد من
ذلك وتحول إلى الحربية في ذى القعدة ونصب لهم الحرب واجتمع اليه الناس
ـ132ـ
فلم يقوبهم على بن هشام حتى أخرجوه من بغداد ثم اتبعه حتى هزمهم من نهر
صرصر ( وفى هذه السنة ) وجه المأمون رجاء بن أبى الضحاك وفرناس الخادم
لاشخاص على بن موسى بن جعفر بن محمد ومحمد بن جعفر * وأحصى في هذه السنة
ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى ( وفى هذه السنة ) قتلت
الروم ملكها ليون فكان قد ملك عليهم سبع سنين وستة أشهر وملكوا عليهم ميخائيل
ابن جورجس ثانية ( وفيها ) قتل المأمون يحيى بن عامر بن اسماعيل وذلك أن
يحيى أغلظ له فقال له يا أمير الكافرين فقتل بين يديه وأقام للناس الحج في هذه
السنة أبوإسحاق بن الرشيد
* ثم دخلت سنة إحدى ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك مراودة أهل بغداد منصور بن المهدى على الخلافة
وامتناعه عليهم فلما امتنع من ذلك راودوه على الامرة عليهم على أن يدعوا للمأمون
بالخلافة فأجابهم إلى ذلك
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الامر فيه *
قد ذكرنا قبل ذلك سبب إخراج أهل بغداد على بن هشام من بغداد ويذكر عن الحسن
ابن سهل أن الخبر عن إخراج أهل بغداد على بن هشام من بغداد لما اتصل به وهو
بالمدائن انهزم حتى صار إلى واسط وذلك في أول سنة 201 وقد قيل إن سبب إخراج
أهل بغداد على بن هشام من بغداد كان أن الحسن بن سهل وجه محمد بن خالد المروروزى
بعدما قتل أ بوالسرايا أفسده وولى على بن هشام الجانب الغربى من بغداد وزهير
ابن المسيب يلى الجانب الشرقى وأقام هو با لخيزرانية وضرب الحسن عبدالله
ابن على بن عيسى بن ماهان حدا بالسياط فغضب الابناء فشغب الناس فهرب إلى
بربخا ثم إلى باسلاما وأمر بالارزاق لاهل عسكر المهدى ومنع أهل الغربى واقتتل
أهل الجانبين ففرق محمد بن أبى خالد على الحربية مالا فهزم على بن هشام فانهزم
ـ133ـ
الحسن بن سهل بانهزام على بن هشام فلحق بواسط فتبعه محمد بن أبى خالد بن
الهند وان مخالفا له وقد تولى القيام بأمر الناس وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة
الجانب الغربى ونصر بن حمزة بن مالك الشرقى وكنفه ببغداد منصور بن المهدى
وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع وقد قيل إن عيسى بن محمد بن أبى خالد قدم
في هذه السنة من الرقة وكان عند طاهر بن الحسين فاجتمع هو وأبوه على قتال
الحسن فمضيا حتى انتهيا ومن معهما من الحربية وأهل بغداد إلى قرية أبى قريش قرب
واسط وكان كلما أتيا موضعا فيه عسكر من عساكر الحسن فيكون بينهما فيه وقعة تكون
الهزيمة فيه على أصحاب الحسن ولما انتهى محمد بن خالد إلى دير العاقول أقام به ثلاثا وزهير
ابن المسيب حينئذ مقيم بإسكاف بنى الجنيد وهو عامل الحسن على جوخى مقيم في عمله
فكان يكاتب قواد أهل بغداد فبعث ابنه الازهر فمضى حتى انتهى إلى نهر النهروان
فلقى محمد بن أبى خالد فركب اليه فأتاه باسكاف فأحاط به فأعطاه الامان وأخذه
أسيرا فجاء به إلى عسكره بدير العاقول وأخذ أمواله ومتاعه وكل قليل وكثير
وجد له ثم تقدم محمد بن أبى خالد فلما صار إلى واسط بعث به إلى بغداد فحبسه
عند ابن له مكفوف يقال له جعفر فكان الحسن مقيما بجر جرايا فلما بلغه خبر زهير
وأنه قد صار في يد محمد بن أبى خالد ارتحل حتى دخل واسط فنزل بفم
الصلح ووجه محمد من دير العاقول ابنه هارون إلى النيل وبها سعيد بن الساجور
الكوفى فهزمه هارون ثم تبعه حتى دخل الكوفة فأخذها هارون وولى عليها
وقدم عيسى بن يزيد الجلودى من مكة ومعه محمد بن جعفر فخرجوا جميعا حتى
أتوا واسط في طريق البر ثم رجع هارون إلى أبيه فاجتمعوا جميعا في قرية أبى
قريش ليدخلوا واسط وبها الحسن بن سهل فتقدم الحسن بن سهل فنزل خلف
واسط في أطرافها وكان الفضل بن الربيع مختفيا من حين قتل المخلوع فلما رأى
أن محمد بن أبى خالد قد بلغ واسط بعث اليه يطلب الامان منه فأعطاه إياه وظهر
ثم تعبأ محمد بن أبى خالد للقتال هو وابنه عيسى وأصحابهما حتى صاروا على
ميلين من واسط فوجه اليهم الحسن أصحابه وقواده فاقتتلوا قتالا شديدا عند أبيات
ـ134ـ
واسط فلما كان بعد العصر هبت ريح شديدة وغبرة حتى اختلط القوم بعضهم
ببعض وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن أبى خالد فثبت للقوم فأصابته جراحات
شديدة في جسده فانهزم هو وأصحابه هزيمة شديده قبيحة فهزم أصحابه الحسن
وذلك يوم الاحد لسبع بقين من شهر ربيع الاول سنة 201 فلما بلغ محمد فم الصلح
خرج عليهم أصحاب الحسن فصافهم للقتال فلما جنهم الليل ارتحل هو وأصحابه
حتى نزلوا المبارك فأقاموا به فلما أصبحوا غدا عليهم أصحاب الحسن فصافوهم
واقتتلوا فلما جنهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جبل فأقاموا بها ووجه ابنه هارون
إلى النيل فأقام بها وأقام محمد بجر جرايا فلما اشتدت به الجراحات خلف قواده في
عسكره وحمل ابنه أبوزنبيل حتى أدخله بغداد ليلة الاثنين لست خلون من شهر
ربيع الآخر فدخل أبوزنبيل ليلة الاثنين ومات محمد بن أبى خالد من ليلته من
تلك الجراحات ودفن من ليلته في داره سرا وكان زهير بن المسيب محبوسا عند
جعفر بن محمد بن أبى خالد فلما تقدم أبوزنبيل أتى خزيمة بن خازم يوم الاثنين لثمان
خلون من شهر ربيع الآخر فأعلمه أمر أبيه فبعث خزيمة إلى بنى هاشم والقواد
وأعلمهم ذلك وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد بن أبى خالد وأنه يكفيهم الحرب فرضوا
بذلك فصار عيسى مكان أبيه على الحرب وانصرف أبوزنبيل من عند خزيمة حتى أتى
زهير بن المسيب فأخرجه من حبسه فضرب عنقه ويقال إنه ذبحه ذبحا وأخذ رأسه
فبعث به إلى عيسى في عسكره فنصبه على رمح وأخذوا جسده فشدوا في رجليه
حبلا ثم طافوا به في بغداد ومروا به على دوره ودور أهل بيته عند باب الكوفة
ثم طافوا به في الكرخ ثم ردوه إلى باب الشأم بالعشى فلما جنهم الليل طرحوه
في دجلة وذلك يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر ثم رجع أبوزنبيل
حتى أنتهى إلى عيسى فوجهه عيسى إلى فم الصراة وبلغ الحسن بن سهل موت محمد
ابن أبى خالد فخرج من واسط حتى انتهى إلى المبارك فأقام بها فلما كان جمادى
الآخرة وجه حميد بن عبدالحميد الطوسى ومعه عركوا الاعرابى وسعيد بن
الساجور وأبوالبط ومحمد بن إبراهيم الافريقى وعدة سواهم من القواد فلقوا
ـ135ـ
أبا زنبيل بفم الصراة فهزموه وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل فالتقوا عند بيوت
النيل فاقتتلوا ساعة فوقعت الهزيمة على أصحاب هارون وأبى زنبيل فخرجوا هاربين
حتى أتوا المدائن وذلك يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة ودخل حميد
وأصحابه النيل فانتهبوها ثلاثة أيام فانتهبوا أموالهم وأمتعتهم وانتهبوا ما كان
حولهم من القرى وقد كان بنو هاشم والقواد حين مات محمد بن أبى خالد تكلموا
في ذلك وقالوا نصير بعضنا خليفة ونخلع المأمون فكانوا يتراضون في ذلك إذ
بلغهم خبر هارون وأبى زنبيل وهزيمتهم فجدوا فيما كانوا فيه وأداروا منصور
ابن المهدى على الخلافة فأبى ذلك عليهم فلم يزالوا به حتى صيروه أميرا خليفة
للمأمون ببغداد والعراق وقالوا لا نرضى بالمجوسى الحسن بن سهل
ونطرده حتى يرجع إلى خراسان ( وقد قيل ) إن عيسى بن محمد بن أبى خالد لما
اجتمع اليه أهل بغداد وساعدوه على حرب الحسن بن سهل رأى الحسن أنه لا طاقة
له بعيسى فبعث اليه وهب بن سعيد الكاتب وبذل له المصاهرة ومائة ألف دينار
والامان له ولاهل بيته ولاهل بغداد وولاية أى النواحى أحب فطلب كتاب
المأمون بذلك بخطه فرد الحسن بن سهل وهبا بإجابته فغرق وهب بين المبارك
وجبل فكتب عيسى إلى أهل بغداد إنى مشغول بالحرب عن جباية الخراج فولوا
رجلا من بنى هاشم فولوا منصور بن المهدى وعسكر منصور بن المهدى بكلواذى
وأرادوه على الخلافة فأبى وقال أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم أو يولى من أحب
فرضى بذلك بنو هاشم والقواد والجند وكان القيم بهذا الامر خزيمة بن خازم
فوجهه القواد في كل ناحية وجاء حميد الطوسى من فوره في طلب بنى محمد حتى انتهى
إلى المدائن فأقام بها يومه ثم انصرف إلى النيل فلما بلغ منصورا خبره خرج حتى
عسكر بكلواذى وتقدم يحيى بن على بن عيسى بن ماهان إلى المدائن ثم إن
منصورا وجه إسحاق بن العباس بن محمد الهاشمى من الجانب الآخر فعسكر بنهر
صرصر ووجه غسان بن عباد بن أبى الفرج أبا إبراهيم بن غسان صاحب حرس
خراسان ناحية الكوفة فتقدم حتى أتى قصر ابن هبيرة فأقام به فلما بلغ حميدا
ـ136ـ
الخبر فلم يعلم غسان إلا وحميد قد أحاط بالقصر فأخذ غسان أسيرا وسلب أصحابه وقتل
منهم وذلك يوم الاثنين لاربع خلون من رجب ثم لم يزل كل قوم مقيمين في عساكرهم
إلا أن محمد بن يقطين بن موسى كان مع الحسن بن سهل فهرب منه إلى عيسى فوجهه عيسى
إلى منصور فوجه منصور إلى ناحية حميد وكان حميد مقيما بالنيل إلا أن له خيلا
بالقصر وخرج ابن يقطين من بغداد يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان حتى أتى
كوثى وبلغ حميد الخبر فلم يعلم ابن يقطين حتى أتاه حميد وأصحابه إلى كوثى فقاتلوه
فهزموه وقتلوا من أصحابه وأسروا وغرق منهم بشر كثير وانتهب حميد وأصحابه
ما كان حول كوثى من القرى وأخذوا البقر والغنم والحمير وما قدروا عليه من
حلى ومتاع وغير ذلك ثم انصرف حتى النيل ورجع ابن يقطين فأقام بنهر صرصر
وفى محمد بن أبى خالد وقال أبوالشداخ
هوى خيل الابناء بعد محمد * وأصبح منها كاهل العز أخضعا
فلا تشمتوا يا آل سهل بموته * فإن لكم يوما من الدهر مصرعا
( واحصى ) عيسى بن محمد بن أبى خالد ما كان في عسكره فكانوا مائة ألف
وخمسة وعشرين ألفا بين فارس وراجل فأعطى الفارس أربعين درهما والراجل
عشرين درهما ( وفى هذه السنة ) تجردت المطوعة للنكير على الفساق ببغداد
ورئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الانصارى أبوحاتم من أهل خراسان
* ذكر الخبر عن السبب الذى من أجله فعلت المطوعة ما ذكرت *
كان السبب في ذلك أن فساق الحربية والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ
آذوا الناس أذى شديدا وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء
علانية من الطرق فكانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به
فلا يقدر أن يمتنع وكانوا يسألون الرجل أن يقرضهم أو يصلهم فلا يقدر أن
يمتنع عليهم وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيكاثرون أهلها ويأخذون ما قدروا
عليه من متاع ومال وغير ذلك لا سلطان يمنعهم ولايقدر على ذلك منهم لان السلطان
كان يعتز بهم وكانوا بطانته فلا يقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه وكان يجبون
ـ137ـ
المارة في الطرق وفى السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين ويقطعون الطرق
علانية ولا أحد يعدو عليهم وكان الناس منهم في بلاء عظيم ثم كان آخر أمرهم
أنهم خرجوا إلى قطر بل فانتهبوها علانية وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم
والبقر والحمير وغير ذلك وأدخلوها بغداد وجعلوا يبيعونها علانية وجاء أهلها فاستعدوا
السلطان عليهم فلم يمكنه تعديهم عليهم ولم يرد عليهم شيئا مما كان أخذ منهم وذلك
آخر شعبان فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم من بيع متاع الناس وفى أسواقهم
وما قد أظهروا من الفساد في الارض والظلم والبغى وقطع الطريق وأن السلطان لا يغير
عليهم قام صلحاء كل ربض وكل درب فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا إنما في الدرب
الفاسق والفاسقان إلى العشرة وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم فلو اجتمعتم حتى يكون
أمركم واحد لقمعتم هؤلاء الفساق وصاروا لايفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق
بين أظهركم فقام رجل من ناحية طريق الانبار يقال له خالد الدريوش فدعا جيرانه
وأهل بيته وأهل محلته على أن يعاونوه على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر
فأجابوه إلى ذلك وشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم مما كانوا يصنعون
فامتنعوا عليه وأرادوا قتاله فقاتلهم فهزمهم وأخذ بعضهم فضربهم وحبسهم
ورفعهم إلى السلطان الا أنه كان لايرى أن يغير على السلطان شيئا ثم قام من بعده
رجل من أهل الحربية يقال له سهل بن سلامة الانصارى من أهل خراسان يكنى أبا
حاتم فدعا الناس إلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والعمل بكتاب الله عزوجل
وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلق مصحفا في عنقه ثم بدأ بجيرانه وأهل محلته
فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه ثم دعا الناس جميعا إلى ذلك الشريف منهم والوضيع بنى
هاشم ومن دونهم وجعل له ديوانا يثبت فيه اسم من أتاه منهم فبايعه على ذلك
وقتال من خالفه وخالف مادعا اليه كائنا من كان فأتاه خلق كثير فبايعوا ثم
إنه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها ومنع كل من يحفر ويجبى المارة
والمختلفة وقال لا خفارة في الاسلام والخفارة أنه كان يأتى الرجل بعض أصحاب
البساتين فيقول بستانك في خفرى أدفع عنه من أراده بسوء ولى في عنقك كل
ـ138ـ
شهر كذا وكذا درهما فيعطيه ذلك شائيا وآبيا فقوى على ذلك الا أن الدريوش
خالفه وقال أنا لا أعيب على السلطان شيئا ولا أغيره ولا أقاتله ولا آمره بشئ
ولا أنهاه وقال سهل بن سلامة لكنى أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنا
من كان سلطانا أو غيره والحق قائم في الناس أجمعين فمن بايعنى على هذا قبلته ومن
خالفنى قاتلته فقام في ذلك سهل يوم الخميس لاربع خلون من شهر رمضان سنة 201
في مسجد طاهر بن الحسين الذى كان بناه في الحربية وكان خالد الدريوش قام قبله
بيومين أو ثلاثة وكان منصور بن المهدى مقيما بعسكره بجبل فلما كان من ظهور
سهل بن سلامة وأصحابه ما كان وبلغ ذلك منصورا وعيسى وإنما كان عظم أصحابها
الشطار ومن لاخير فيه كسرهما ذلك ودخل منصور بغداد وقد كان عيسى يكاتب
الحسن بن سهل فلما بلغه خبر بغداد سأل الحسن بن سهل أن يعطيه الامان له
ولاهل بيته ولاصحابه على أن يعطى الحسن أصحابه وجنده وسائر أهل بغداد رزق
ستة أشهر إذا أدركت له الغلة فأجابه الحسن وارتحل عيسى من معسكره فدخل
بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شوال وتقوضت جيمع عساكرهم فدخلوا
بغداد فأعلمهم عيسى مادخل لهم فيه من الصلح فرضوا بذلك ثم رجع عيسى إلى
المدائن وجاءه يحيى بن عبدالله ابن عم الحسن بن سهل حتى نزل دير العاقول
فولوه السواد وأشركوا بينه وبين عيسى في الولاية وجعلوا لكل عدة من
الطساسيج وأعمال بغداد فلما دخل عيسى فيما دخل فيه وكان أهل عسكر
المهدى مخالفين له وثب المطلب بن عبدالله بن مالك الخزاعى يدعى إلى المأمون
وإلى الفضل والحسن ابنى سهل فامتنع عليه سهل بن سلامة وقال ليس على هذا
بايعتنى * وتحول منصور بن المهدى وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع وكانوا يوم
تحولوا بايعوا سهل بن سلامة على ما يدعو إليه من العمل بالكتاب والسنة
فنزلوا بالحربية فرارا من الطلب وجاء سهل بن سلامة إلى الحسن وبعث إلى المطلب
أن يأتيه وقال ليس على هذا بايعنى فأبى المطلب أن يجيئه فقاتله سهل يومين
أو ثلاثة قتالا شديداحتى أصطلح عيسى والمطلب فدس عيسى إلى سهل من اغتاله
ـ139ـ
فضربه ضربة بالسيف إلا أنها لم تعمل فيه فلما اغتيل سهل رجع إلى منزله وقام
عيسى بأمر الناس فكفوا عن القتال وقد كان حميد بن عبدالحميد مقيما بالنيل
فلما بلغه هذا الخبر دخل الكوفة فأقام بها أياما ثم إنه خرج منها حتى أتى قصر
ابن هبيرة فأقام به واتخذ منزلا وعمل عليه سورا وخندقا وذلك في آخر ذى القعدة
وأقام عيسى ببغداد يعرض الجند ويصححهم إلى أن تدرك الغلة وبعث إلى سهل
ابن سلامة فاعتذر اليه مما كان صنع به وبايعه وأمره أن يعود إلى ما كان عليه من
الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وأنه عونه على ذلك فقام سهل بما كان قام به
أولا من الدعاء إلى العمل بالكتاب والسنة ( وفى هذه السنة ) جعل المأمون
على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن حسين بن على بن أبى طالب رضى
الله عنه ولى عهد المسلمين والخليفة من بعده وسمغ اه الرضى من آل محمد صلى
الله عليه وآله وسلم وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة وكتب
بذلك إلى الآفاق
* ذكر الخبر عن ذلك وعما كان سبب ذلك وما آل الامر فيه اليه *
( ذكر ) أن عيسى بن محمد بن أبى خالد بينما هو فيما هو فيه من عرض
أصحابه بعد منصرفه من عسكره إلى بغداد إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل
يعلمه أن أمير المؤمنين المأمون قد جعل على بن موسى بن جعفر بن محمد ولى
عهده من بعده وذلك أنه نظر في بنى العباس وبنى على فلم يجد أحدا هو أفضل
ولا أورع ولا أعلم منه وأنه سماه الرضى من آل محمد وأمره بطرح لبس الثياب
السود ولبس الثياب الخضرة وذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان
سنة 201 ويأمره أن يأمر من قبله من أصحابه والجند والقواد وبنى هاشم بالبيعة
له وأن يأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم ويأخذ أهل بغداد
جميعا بذلك فلما أتى عيسى الخبر دعا أهل بغداد إلى ذلك على أن يعجل لهم رزق
شهر والباقى إذا أدركت الغلة فقال بعضهم نبايع ونلبس الخضرة وقال بعضهم
لا نبايع ولا نلبس الخضرة ولا نخرج هذا الامر من ولد العباس وإنما هذا دسيس
ـ140ـ
من الفضل بن سهل فمكثوا بذلك أياما وغضب ولد العباس من ذلك واجتمع
بعضهم إلى بعض وتكلموا فيه وقالوا نولى بعضنا ونخلع المأمون وكان المتكلم
في هذا والمختلف فيه والمتقلد له ابراهيم ومنصور ابنا المهدى ( وفى هذه السنة )
بايع أهل بغداد ابراهيم بن المهدى بالخلافة وخلعوا المأمون
* ذكر السبب في ذلك *
قد ذكرنا سبب إنكار العباسيين ببغداد على المأمون ما أنكروا عليه واجتماع
من اجتمع على محاربة الحسن بن سهل منهم حتى خرج عن بغداد ولما كان من
بيعة المأمون لعلى بن موسى بن جعفر وأمره الناس بلبس الخضرة ما كان وورد
كتاب الحسن على عيسى بن محمد بن أبى خالد يأمره بذلك وأخذ الناس به ببغداد
وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذى الحجة أظهر العباسيون ببغداد أنهم قد
بايعوا إبراهيم بن المهدى بالخلافة ومن بعده ابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدى
وأنهم قد خلعوا المأمون وأنهم يعطون عشر دنانير كل إنسان أول يوم من
المحرم أول يوم من السنة المستقبلة فقبل بعض ولم يقبل بعض حتى يعطى فلما
كان يوم الجمعة وأرادوا الصلاة أرادوا أن يجعلوا إبراهيم خليفة للمأمون مكان
منصور فأمروا رجلا يقول حين أذن المؤذن إنا نريد أن ندعو للمأمون ومن
بعده لابراهيم يكون خليفة وكانوا قد دسوا قوما فقالوا لا نرضى إلا أن تبايعوا لابراهيم ومن بعده
لاسحاق وتخلعوا المأمون أصلا ليسى نريد أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور
ثم تجلسوا في بيوتكم فلما قام من يتكلم أجابه هؤلاء فلم يصل بهم تلك الجمعة
صلاة الجمعة ولا خطب أحد إنما صلى الناس أربع ركعات ثم انصرفوا
وذلك يوم الجمعة بقيتا من ذى الحجة سنة 201 ( وفى هذه السنة )
افتتح عبدالله بن حرداذ به وهو والى طبرستان اللارز والشيرز من بلاد
الديلم وزادهما في بلاد الاسلام وافتتح جبال طبرستان وأنزل شهريار بن
شروين عنها فقال سلام الخاسر :
ـ141ـ
إنا لنأمل فتح الروم والصين * بمن أذل لنا من ملك شروين
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 24
إنا لنأمل فتح الروم والصين * بمن أذل لنا من ملك شروين
فاشدد يديك لعبد الله إن له * مع الامانة رأى غير موهون
وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون وأسر أبا ليلى الديلم بغير عهد
في هذه السنة ( وفيها ) مات محمد بن محمد صاحب أبى السرايا ( وفيها ) تحرك
بابك الخرمى في ا لجويذانية أصحاب جاويذان بن سهل صاحب البذ وادعى أن روح
جاويذان دخلت فيه وأخذ في العيث والفساد وفيها أصاب أهل خراسان والرى
واصبهان مجاعة وعز الطعام ووقع الموت ( وحج ) بالناس فيها إسحاق بن موسى بن
عيسى بن موسى بن محمد بن على
* ثم دخلت سنة اثنين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك بيعة أهل بغداد لابراهيم بن المهدى بالخلافة وتسميتهم
إياه المبارك وقيل إنهم بايعوه في أول يوم من المحرم بالخلافة وخلعوا المأمون فلما
كان يوم الجمعة صعد إبراهيم المنبر فكان أول من بايعه عبيد الله بن العباس بن محمد
الهاشمى ثم منصور بن المهدى ثم سائر بنى هاشم ثم القواد وكان المتولى لاخذ البيعة
المطلب بن عبدالله بن مالك وكان الذى سعى في ذلك وقام به السندى وصالح صاحب
المصلى ومنجاب ونصير الوصيف وسائر الموالى إلا أن هؤلاء كانوا الرؤساء والقادة
غضبا منهم على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد على
ولتركه لباس آبائه من السواد ولبسه الخضرة ولما أفرغ من البيعة وعد الجند
أن يعطيهم أرزاق الستة أشهر فدافعهم بها فلما رأوا ذلك شغبوا عليه فأعطاهم
مائتى درهم لكل رجل وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة بقية مالهم حنطة وشعيرا
فخرجوا في قبضها فلم يمروا بشئ إلا انتهبوه فأخذوا النصيبين جميعا نصيب أهل
البلاد ونصيب السلطان وغلب إبراهيم مع أهل بغداد على أهل الكوفة والسواد
كله وعسكر بالمدائن وولى الجانب الشرقى من بغداد العباس بن موسى الهادى
ـ142ـ
والجانب الغربى إسحاق بن موسى الهادى وقال ابراهيم بن المهدى
ألم تعلموا يا آل فهر بأننى * شريت بنفسى دونكم في المهالك
( وفى هذه السنة ) حكم المهدى بن علوان الحرورى وكان خروجه بزرجسابور
وغلب على طساسيج هنالك وعلى نهر بوق و الراذانين وقد قيل إن خروج
مهدى كان في سنة 203 في شوال منها فوجه اليه إبراهيم بن المهدى أبا اسحاق
ابن الرشيد في جماعة من القواد منهم أبوالبط وسعيد بن الساجور ومع أبى اسحاق
غلمان له أتراك فذكر عن شبيل صاحب السلبة أنه كان معه وهو غلام فلقوا
الشراة فطعن رجل من الاعراب أبا إسحاق فحامى عنه غلام له تركى وقال له
أشناس مرا أى اعرفنى فسماه يومئذ أشناس وهو أبوجعفر أشناس وهزم
مهدى إلى حولايا وقال بعضهم إنما وجه ابراهيم إلى مهدى بن علوان الدهقانى
الحرورى المطلب فسار اليه فلما قرب منه أخذ رجلا من قعد الحرورية يقال
له أقذى فقتله واجتمعت الاعراب فقالتوه فهزموه حتى أدخلوه بغداد ( وفى
هذه السنة ) وثب أخو أبى السرايا بالكوفة فبيض واجتمعت اليه جماعة فلقيه
غسان بن أبى الفرج في رجب فقتله وبعث برأسه إلى ابراهيم بن المهدى
* ذكر الخبر عن تبييض أخى أبى السرايا وظهوره بالكوفة *
ذكر أن الحسن بن سهل أتاه وهو مقيم بالمبارك في معسكره كتاب المأمون
يأمره بلبس الخضرة وأن يبايع لعلى بن موسى بن جعفر بن محمد بولاية العهد من
بعده ويأمره أن يتقدم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها فارتحل حتى نزل سمر وكتب
إلى حميد بن عبدالحميد أن يتقدم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها من ناحية أخرى
ويأمره بلباس الخضرة ففعل ذلك حميد وكان سعيد بن الساجور وأبوالبط وغسان
ابن أبى الفرج ومحمد بن ابراهيم الافريقى وعدة من قواد حميد كاتبوا إبراهيم بن
المهدى على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة وكان قد تباعد ما بينهم وبين حميد فكانوا
يكتبون إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب ابراهيم وكان حميد يكتب فيهم
بمثل ذلك وكان الحسن يكتب إلى حميد يسأله أن يأتيه فلم يفعل وخاف إن هو خرج
ـ143ـ
إلى الحسن أن يثب الآخرون بعسكره فكانوا يكتبون إلى الحسن انه ليس يمنعه
من إتيانك إلا أنه مخالف لك وأنه قد اشترى الضياع بين الصراة وسورا والسواد
فلما ألح عليه الحسن بالكتب خرج إليه يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر
فكتب سعيد وأصحابه إلى ابراهيم يعلمونه ويسألون أن يبعث اليهم عيسى بن محمد
ابن أبى خالد حتى يدفعوا اليه القصر وعسكر حميد وكان ابراهيم قد خرج من بغداد
يوم الثلاثاء حتى عسكر بكلواذى يريد المدائن فلما أتاه الكتاب وجه عيسى إليهم
فلما بلغ أهل عسكر حميد خروج عيسى ونزوله قرية الاعراب على فرسخ من
القصر تهيؤا للهرب وذلك ليلة الثلاثاء وشد أصحاب سعيد وأبى البط والفضل بن
محمد بن الصباح الكندى الكوفى على عسكر حميد فانتهبوا ما فيه أخذوا لحميد فيما
ذكر مائة بدرة أموالا ومتاعا وهرب ابن لحميد ومعاذ بن عبدالله فأخذ بعضهم
نحو الكوفة وبعض نحو النيل فأما ابن حميد فانه انحدر بجوارى أبيه إلى الكوفة
فلما أتى الكوفة اكترى بغالا ثم أخذ الطريق ثم لحق بأبيه بعسكر الحسن ودخل
عيسى القصر وسلمه له سعيد وأصحابه وصار عيسى وأخذه منهم وذلك يوم الثلاثاء
لعشر خلون من ربيع الآخر وبلغ الحسن بن سهل وحميد عنده فقال له حميد
ألم أعلمك بذلك ولكن خدعت وخرج من عنده حتى أتى الكوفة فأخذ
أموالا له كانت هنالك ومتاعا وولى على الكوفة العباس بن موسى بن جعفر
العلوى وأمره بلباس الخضرة وأن يدعو للمأمون ومن بعده لاخيه على
ابن موسى وأعانه بمائة ألف درهم وقال له قاتل عن أخيك فان أهل الكوفة
يجيبونك إلى ذلك وأنا معك فلما كان الليل خرج حميد من الكوفة وتركه وقد كان
الحسن وجه حكيما الحارثى حين بلغه الخبر إلى النيل فلما بلغ ذلك عيسى وهو
بالقصر تهيأ هو وأصحابه حتى خرجوا إلى النيل فلما كان ليلة السبت لاربع عشرة
ليلة خلت من ربيع الآخر طلعت حمرة في السماء ثم ذهبت الحمرة وقى عمودان
أحمران في السماء إلى آخر الليل وخرج غداة السبت عيسى وأصحابه من القصر إلى
النيل فواقعهم حكيم وأتاهم عيسى وسعيد وهم في الوقعة فانهزم حكيم ودخلوا النيل
ـ144ـ
فلما صاروا بالنيل بلغهم خبر العباس بن موسى بن جعفر العلوى وما يدعو إليه
أهل الكوفة وأنه قد أجابه قوم كثير منهم وقال له قوم آخرون إن كنت تدعو
للمأمون ثم من بعده لاخيك فلا حاجة لنا في دعوتك وإن كنت تدعو إلى أخيك
أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك فقال أنا أدعو إلى المأمون ثم من بعده
لاخى فقعد عنه الغالية من الرافضة وأكثر الشيعة وكان يظهر أن حميدا يأتيه
فيعينه ويقويه وأن الحسن يوجه إليه قوما من قبله مددا فلم يأته منهم أحد
وتوجه إليه سعيد وأبوالبط من النيل إلى الكوفة فلما صاروا بدير الاعور أخذوا
طريقا يخرج بهم إلى عسكر هرثمة عند قرية شاهى فلما التأم إليه أصحابه خرجوا
يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الاولى فلما صاروا قرب القنطرة خرج عليهم
على بن محمد بن جعفر العلوى بن المبايع كان له بمكة وأ بوعبدالله أخو أبى السرايا ومعهم
جماعة كثيرة وجههم مع على بن محمد ابن عمه صاحب الكوفة العباس بن موسى بن جعفر
فقاتلوهم ساعة فانهزم على وأصحابه حتى دخلوا الكوفة وجاء سعيد وأصحابه حتى
نزلوا الحيرة فلما كان يوم الثلاثاء غدوا فقاتلوهم مما يلى دار عيسى بن موسى
وأجابهم العباسيون ومواليهم فخرجوا إليهم من الكوفة فاقتتلوا يومهم إلى الليل
وشعارهم يا إبراهيم يا منصور لا طاعة للمأمون وعليهم السواد وعلى العباس وأصحابه
من أهل الكوفة الخضرة فلما كان يوم الاربعاء اقتتلوا في ذلك الموضع فكان كل
فريق منهم إذا ظهروا على شئ أحرقوه فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة أتوا
سعيدا وأصحابه فسألوه الامان للعباس بن موسى بن جعفر وأصحابه على أن يخرج
من الكوفة فأجابوهم إلى ذلك ثم أتوا العباس فأعلموه وقالوا إن عامة من معك
غوغاء وقد ترى ما يلقى الناس من الحرق والنهب والقتل فاخرج من بين أظهرنا
فلا حاجة لنا فيك فقبل منهم وخاف أن يسلموه وتحول من منزله الذى كان فيه
بالكناسة ولم يعلم أصحابه بذلك وانصرف سعيد وأصحابه إلى الحيرة وشد أصحاب
العباس بن موسى على من بقى من أصحاب سعيد وموالى عيسى بن موسى العباسى
فهزموهم حتى بلغوا بهم الخندق ونهبوا ربض عيسى بن موسى فأحرقوا الدور
ـ145ـ
وقتلوا من ظهروا به فبعث العباسيون ومواليهم إلى سعيد يعلمونه بذلك
وأن العباس قد رجع عما كان طلب من الامان فركب سعيد وأبوالبط
وأصحابهما حتى أتوا الكوفة عتمة فلم يظفروا بأحد منهم ينتهب إلا قتلوه ولم
يظهروا على شئ مما كان في أيدى أصحاب العباس إلا أحرقوه حتى بلغوا الكناسة
فمكثوا بذلك عامة الليل حتى خرج إليهم رؤساء أهل الكوفة فأعلموهم أن هذا
من عمل الغوغاء وأن العباس لم يرجع عن شئ فانصرفوا عنهم فلما كان غداة
الخميس لخمس خلون من جمادى الاولى جاء سعيد وأبوالبط حتى دخلوا الكوفة
ونادى مناديهم أمن الابيض والاسود ولم يعرضوا لاحد من الخلق إلا بسبيل
خير وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندى من أهلها فكتب
إليهم إبراهيم بن المهدى يأمرهم بالخروج إلى ناحية واسط وكتب إلى سعيد
أن يستعمل على الكوفة غير الكندى لميله إلى أهل بلده فولاه غسان بن
أبى الفرج ثم عزله بعد ما قتل أبا عبدالله أخا أبى السرايا فولاها سعيد ابن
أخيه الهول فلم يزل واليا عليها حتى قدمها حميد بن عبدالحميد وهرب الهول
منها وأمر ابراهيم بن المهدى عيسى بن محمد بن أبى خالد أن يسير إلى ناحية
واسط على طريق النيل وأمر ابن عائشة الهاشمى ونعيم بن خازم أن يسيرا جميعا فخرجا
مما يلى جوخى وبذلك أمرهما وذلك في جمادى الاولى ولحق بهما سعيد وأبوالبط
والافريقى حتى عسكروا بالصيادة قرب واسط فاجتمعوا جميعا في مكان واحد
وعليهم عيسى بن محمد بن أبى خالد فكانوا يركبون حتى يأتوا عسكر الحسن وأصحابه
بواسط في كل يوم فلا يخرج اليهم من أصحاب الحسن أحد وهم متحصنون بمدينة
واسط ثم إن الحسن أمر أصحابه بالتهيئ للخروج للقتال فخرجوا اليهم يوم السبت
لاربع بقين من رجب فاقتتلوا قتالا شديدا إلى قريب الظهر ثم وقعت الهزيمة على
عيسى وأصحابه فانهزموا حتى بلغوا طرنايا والنيل وأخذ أصحاب الحسن جميع
ما كان في عسكرهم من سلاح ودواب وغير ذلك ( وفى هذه السنة ) ظفر ابراهيم
ابن المهدى بسهل بن سلامة المطوعى فحبسه وعاقبه
( 10 7 )
ـ146ـ
* ذكر الخبر عن سبب ظفره به وحبسه إياه *
* ذكر أن سهل بن سلامة كان مقيما ببغداد يدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يزل كذلك حتى اجتمع اليه عامة أهل بغداد ونزلوا عنده
سوى من هو مقيم في منزله وهواه ورأيه معه وكان ابراهيم قدهم بقتاله قبل
الوقعة ثم أمسك عن ذلك فلما كانت هذه الوقعة وصارت الهزيمة على أصحاب
عيسى ومن معه أقبل على سهل بن سلامة فدس اليه وإلى أصحابه الذين بايعوه على
العمل بالكتاب والسنة وألاطاعة لمخلوق في معصية الخالق فكان كل من أجابه
إلى ذلك قد عمل على باب داره برجا بجص وآجر ونصب عليه السلاح والمصاحف
حتى بلغوا قرب باب الشأم سوى من أجابه من أهل الكرخ وسائر الناس فلما
رجع عيسى من الهزيمة إلى بغداد أقبل هو وإخوته وجماعة أصحابه نحو سهل بن سلامة
لانه كان يذكرهم بأسوء أعمالهم وفعالهم ويقول الفساق لم يكن لهم عنده اسم غيره فقاتلوه
أياما وكان الذى تولى قتاله عيسى بن محمد بن أبى خالد فلما صار إلى الدروب التى قرب سهل
أعطى أهل الدروب الالف درهم والالفين على أن يتنحوا له عن الدروب فأجابوه إلى
ذلك فكان نصيب الرجل الدرهم والدرهمان ونحو ذلك فلما كان يوم السبت
لخمس بقين من شعبان تهيؤا له من كل وجه وخذله أهل الدروب حتى وصلوا
إلى مسجد طاهر بن الحسين وإلى منزله وهو بالقرب من المسجد فلما وصلوا اليه
اختفى منهم وألقى سلاحه واختلط بالنظارة ودخل بين النساء فدخلوا منزله فلما
لم يظفروا به جعلوا عليه العيون فلما كان الليل أخذوه في بعض الدروب التى قرب
منزله فأتوا به اسحاق بن موسى الهادى وهو ولى العهد بعد عمه ابراهيم بن المهدى
وهو بمدينة السلام فكلمه وحاجه وجمع بينه وبين أصحابه وقال له حرضت علينا
الناس وعبت أمرنا فقال له انما كانت دعوتى عباسية وانما كنت أدعو إلى العمل
بالكتاب والسنة وأنا على ما كنت عليه أدعوكم اليه الساعة فلم يقبلوا ذلك منه ثم
قالوا له اخرج إلى الناس فقل لهم إن ما كنت أدعوكم اليه باطل فأخرج إلى الناس
وقال قد علمتم ما كنت أدعوكم اليه من العمل بالكتاب والسنة وأنا أدعوكم اليه
ـ147ـ
الساعة فلما قال لهم هذا وجؤا عنقه وضربوا وجهه فلما صنعوا ذلك به قال المغرور
من غررتموه يا أصحاب الحربية فأخذ فأدخل إلى اسحاق فقيده وذلك يوم الاحد
فلما كان ليلة الاثنين خرجوا به إلى إبراهيم بالمدائن فلما دخل عليه كلمه بما كلم
به اسحاق فرد عليه مثل ما رد على اسحاق وقد كانوا أخذوا رجلا من أصحابه
يقال له محمد الرواعى فضربه ابراهيم ونتف لحيته وقيده وحبسه فلما أخذ
سهل بن سلامة حبسوه أيضا وادعوا أنه كان دفع إلى عيسى وأن عيسى
قتله وإنما أشاعوا ذلك تخوفا من الناس أن يعلموا بمكانه فيخرجوه فكان بين
خروجه وبين أخذه وحبسه اثنا عشر شهرا ( وفى هذه السنة ) شخص المأمون
من مرو يريد العراق
* ذكر الخبر عن شخوصه منها *
ذكر أن على بن موسى بن جعفر بن محمد العلوى أخبر المأمون بما فيه الناس
من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الاخبار
وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء وأنهم يقولون إنه مسحور مجنون وأنهم
لما رأوا ذلك بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدى بالخلافة فقال المأمون إنهم لم يبايعوا
له بالخلافة وإنما صيروه أميرا يقوم بأمرهم على ما أخبره به الفضل فأعلمه أن
الفضل قد كذبه وغشه وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل وأن الناس
ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكانى ومكان بيعتك لى من بعدك فقال ومن
يعلم هذا من أهل عسكرى فقال له يحيى بن معاذ و عبدالعزيز بن عمران وعدة
من وجوه العسكر فقال له أدخلهم على حتى أسائلهم عما ذكرت فأدخلهم
عليه وهم يحيى بن معاذ و عبدالعزيز بن عمران وموسى وعلى بن أبى سعيد وهو ابن
أخت الفضل وخلف المصرى فسألهم عما أخبره فأبوا أن يخبروه حتى يجعل لهم
الامان من الفضل بن سهل ألا يعرض لهم فضمن ذلك لهم وكتب لكل رجل
منهم كتابا بخطه ودفعه اليهم فأخبروه بما فيه الناس من الفتن وبينوا ذلك له
وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقواده عليه في أشياء كثيرة وبما موه عليه
ـ148ـ
الفضل من أمر هرثمة وأن هرثمة إنما جاء لينصحه وليبين له ما يعمل عليه وأنه
إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته وأن الفضل دس إلى هرثمة
من قتله وأنه أراد نصحه وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى وافتتح
ما افتتح وقاد اليه الخلافة مزمومة حتى إذا وطأ الامر أخرج من ذلك كله وصير
في زاوية من الارض بالرقة قد حظرت عليه الاموال حتى ضعف أمره فشغب
عليه جنده وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترئ عليه بمثل ما اجترأ
به على الحسن بن سهل وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها وأن طاهر بن الحسين
قد تنوسى في هذه السنين منذ قتل محمد في الرقة لا يستعان به في شئ من
هذه الحروب وقد استعين بمن هو دونه أضعافا وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد في
بنى هاشم والموالى والقواد والجند لو رأوا عزتك سكنوا إلى ذلك وبخعوا بالطاعة لك
فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد فلما أمر بذلك علم الفضل
ابن سهل ببعض ذلك من أمرهم فتعنتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس
بعضا ونتف لحى بعض فعادوه على بن موسى في أمرهم وأعلمه ما كان من
ضمانه لهم فأعلمه أنه يدارى ما هو فيه ثم ارتحل من مرو فلما أتى سرخس شد
قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام فضربوه بالسيوف حتى مات وذلك
يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة 202 فأخذوا وكان الذين قتلوا الفضل
من حشم المأمون وهم أربعة نفر أحدهم غالب المسعودى الاسود وقسطنطين
الرومى وفرج الديلمى وموفق الصقلبى وقتلوه وله ستون سنة وهربوا فبعث
المأمون في طلبهم وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار فجاء بهم العباس بن الهيثم
ابن بزرجمهر الدينورى فقالوا للمأمون أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت
أعناقهم وقد قيل إن الذين قتلوا الفضل لما أخذوا سألهم المأمون فمنهم من قال
إن على بن أبى سعيد بن أخت الفضل دسهم ومنهم من أنكر ذلك وأمر بهم
فقتلوا ثم بعث إلى عبدالعزيز بن عمران وعلى وموسى وخلف فسألهم فأنكروا
أن يكونوا علموا بشئ من ذلك فلم يقبل ذلك منهم وأمر بهم فقتلوا وبعث برؤوسهم
ـ149ـ
إلى الحسن بن سهل إلى واسط وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل وأنه
قد صيره مكانه ووصل الكتاب بذلك إلى الحسن في شهر رمضان فلم يزل
الحسن وأصحابه بواسط حتى أدركت الغلة وجبى بعض الخراج ورحل المأمون
من سرخس نحو العراق يوم الفطر وكان إبراهيم بن المهدى بالمدائن
وعيسى وأبوالبط وسعيد بالنيل وطرنايا يراوحون القتال ويغادونه وقد كان
المطلب بن عبدالله بن مالك بن عبدالله قدم من المدائن فاعتل بأنه مريض
وجعل يدعو في السر إلى المأمون على أن المنصور بن المهدى خليفة المأمون
ويخلعون إبراهيم فأجابه إلى ذلك منصور وخزيمة بن خازم وقواد كثير من
أهل الجانب الشرقى وكتب المطلب إلى حميد وعلى بن هشام أن يتقدما فينزل
حميد نهر صرصر وعلى النهروان فلما تحقق عند إبراهيم الخبر خرج من المدائن
إلى بغداد فنزل زندورد يوم السبت لاربع عشرة خلت من صفر وبعث إلى
المطلب ومنصور وخزيمة فلما أتاهم رسوله اعتلوا عليه فلما رأى ذلك بعث
اليهم عيسى بن محمد بن أبى خالد وإخوته فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما
وأما المطلب فإن مواليه وأصحابه قاتلوا عن منزله حتى كثر الناس عليهم وأمر
إبراهيم مناديا فنادى من أراد النهب فليأت دار المطلب فلما كان وقت الظهر
وصلوا إلى داره فانتهبوا ما وجدوا فيها وانتهبوا دور أهل بيته وطلبوه فلم
يظفروا به وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من صفر فلما بلغ حميدا وعلى بن
هشام الخبر بعث حميد قائدا فأخذ المدائن وقطع الجسر ونزل بها وبعث على بن هشام
قائدا فنزل المدائن وأتى نهر ديالى فقطعه وأقاموا بالمدائن وندم إبراهيم حيث صنع
بالمطلب ماصنع ثم لم يظفر به ( وفى هذه السنة ) تزوج المأمون بوران بنت الحسن
ابن سهل ( وفيها ) زوج المأمون على بن موسى الرضى ابنته أم حبيب وزوج
محمد بن على بن موسى ابنته أم الفضل ( وحج ) بالناس في هذه السنة إبراهيم بن
موسى بن جعفر بن محمد فدعا لاخيه بعد المأمون بولاية العهد وكان الحسن بن
سهل كتب إلى عيسى بن يزيد الجلودى وكان بالبصرة فوافى مكة في أصحابه فشهد
ـ150ـ
الموسم ثم انصرف ومضى إبراهيم بن موسى إلى اليمن وكان قد غلب عليها حمدويه
ابن على بن عيسى بن ماهان
* ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
ذكر أن مما كان فيها من موت على بن موسى بن جعفر
* ذكر الخبر عن سبب وفاته *
ذكر أن المأمون شخص من سرخس حتى صار إلى طوس فلما صار بها أقام بها
عند قبر أبيه أياما ثم إن على بن موسى أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة وذلك في
آخر صفر فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرشيد وكتب في شهر ربيع الاول إلى
الحسن بن سهل يعلمه أن على بن موسى بن جعفر مات ويعلمه ما دخل عليه من
الغم والمصيبة بموته وكتب إلى بنى العباس والموالى وأهل بغداد يعلمهم موت
على بن موسى وأنهم إنما نقموا بيعته له من بعده ويسألهم الدخول في طاعته فكتبوا
اليه وإلى الحسن جواب الكتاب بأغلظ ما يكتب به إلى أحد وكان الذى صلى
على على بن موسى المأمون ورحل المأمون في هذه السنة من طوس يريد بغداد
فلما صار إلى الرى أسقط من ظيفتها ألفى ألف درهم ( وفى هذه السنة ) غلبت
السوداء على الحسن بن سهل فذكر سبب ذلك أنه كان مرض مرضا شديدا
فهاج به من مرضه تغير عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيت وكتب بذلك
قواد الحسن إلى المأمون فأتاهم جواب الكتاب أن يكون على عسكره دينار بن
عبدالله ويعلمهم أنه قادم على أثر كتابه ( وفى هذه السنة ) ضرب إبراهيم بن
المهدى عيسى بن محمد بن أبى خالد وحبسه
* ذكر الخبر عن سبب ذلك *
ذكر أن عيسى بن محمد بن أبى خالد كان يكاتب حميدا والحسن وكان الرسول
بينهم محمد بن محمد المعبدى الهاشمى وكان يظهر لابراهيم الطاعة والنصيحة ولم يكن
ـ151ـ
يقاتل حميدا ولا يعرض له في شئ من عمله وكان كلما قال ابراهيم تهيأ للخروج
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 25
يقاتل حميدا ولا يعرض له في شئ من عمله وكان كلما قال ابراهيم تهيأ للخروج
لقتال حميد يعتل عليه بأن الجند يريدون أرزاقهم ومرة يقول حتى تدرك الغلة
فما زال بذلك حتى إذا توثق مما يريد مما بينه وبين الحسن وحميد فارقهم على أن
يدفع اليهم ابراهيم بن المهدى يوم الجمعة لانسلاخ شوال وبلغ الخبر إبراهيم فلما كان
يوم الخميس جاء عيسى إلى باب الجسر فقال للناس إنى قد سالمت حميدا وضمنت له
ألا أدخل عمله وضمن لى ألا يدخل عملى ثم أمر أن يحفر خندق بباب الجسر
وباب الشأم وبلغ ابراهيم ما قال وما صنع وقد كان عيسى سأل ابراهيم أن يصلى
الجمعة بالمدينة فأجابه إلى ذلك فلما تكلم عيسى بما تكلم به وبلغ ابراهيم الخبر
وأنه يريد أخذه حذر وذكر أن هارون أخا عيسى أخبر ابراهيم بما يريد أن
يصنع به عيسى فلما أخبره بعث اليه ان يأتيه حتى يناظره في بعض ما يريد فاعتل
عليه عيسى فلم يزل ابراهيم يعيد اليه الرسل حتى أتاه إلى قصره بالرصافة فلما
دخل عليه حجب الناس وخلا ابراهيم وعيسى وجعل يعاتبه وأخذ عيسى
يعتذر اليه مما يعتبه به وينكر بعض ما يقول فلما قرره بأشياء أمر به فضرب ثم
انه حبسه وأخذ عدة من قواده فحبسهم وبعث إلى منزله فأخذ أم ولده وصبيانا
له صغارا فحبسهم وذلك ليلة الخميس لليلة بقيت من شوال وطلب خليفة له يقال
له العباس فاختفى فلما بلغ حبس عيسى أهل بيته وأصحابه مشى بعضهم إلى بعض
وحرض أهل بيته وإخوته الناس على ابراهيم واجتمعوا وكان رأسهم عباس
خليفة عيسى فشدوا على عامل ابراهيم على الجسر فطردوه وعبر إلى ابراهيم
فأخبره الخبر وأمر بقطع الجسر فطردوا كل عامل كان لابراهيم في الكرخ وغيره
وظهر الفساق والشطار فعقدوا في المسالح وكتب عباس إلى حميد يسأله أن يقدم
اليهم حتى يسلموا اليه بغداد فلما كان يوم الجمعة صلوا في مسجد المدينة أربع ركعات
صلى بهم المؤذن بغير خطبة ( وفى هذه السنة ) خلع أهل بغداد ابراهيم بن المهدى
ودعوا للمأمون بالخلافة
ـ152ـ
* ذكر الخبر عن سبب ذلك *
قد ذكرنا قبل ما كان من إبراهيم وعيسى بن محمد بن أبى خالد وحبس
إبراهيم إياه واجتماع عباس خليفة عيسى وإخوة عيسى على إبراهيم وكتابهم
إلى حميد يسألونه المصير اليهم ليسلموا بغداد اليه فذكر أن حميدا لما أتاه
كتابهم وفيه شرط منهم عليه أن يعطى جند أهل بغداد كل رجل منهم خمسين
درهما فأجابهم إلى ذلك وجاء حتى نزل صرصر بطريق الكوفة يوم الاحد وخرج
اليه عباس وقواد أهل بغداد فلقوه غداء الاثنين فوعدهم ومناهم وقبلوا ذلك
منه فوعدهم أن يضع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية على أن يصلوا الجمعة
فيدعوا للمأمون ويخلعوا إبراهيم فأجابوه إلى ذلك فلما بلغ ابراهيم الخبر أخرج
عيسى وإخوته من الحبس وسأله أن يرجع إلى منزله ويكفيه أمر هذا الجانب
فأبى ذلك عليه فلما كان يوم الجمعة بعث عباس إلى محمد بن أبى رجاء الفقيه فصلى
بالناس الجمعة ودعا للمأمون فلما كان يوم السبت جاء حميد إلى الياسرية فعرض
حميد جند أهل بغداد وأعطاهم الخمسين التى وعدهم فسألوه أن ينقصهم عشرة
عشرة فيعطيهم أربعين أربعين درهما لكل رجل منهم لما كانوا تشاءموا به من على
ابن هشام حين أعطاهم الخمسين فغدر بهم وقطع العطاء عنهم فقال لهم حميد لا بل
أزيدكم وأعطيكم ستين درهما لكل رجل فلما بلغ ذلك ابراهيم دعا عيسى فسأله
أن يقاتل حميدا فأجابه إلى ذلك فخلى سبيله وأخذ منه كفلاء فكلم عيسى الجند أن
يعطيهم مثل ما أعطى حميد فأبوا ذلك عليه فلما كان يوم الاثنين عبر اليهم عيسى
وإخوته وقواد أهل الجانب الشرقى فعرضوا على أهل الجانب الغربى أن يزيدوهم
على ما أعطى حميد فشتموا عيسى وأصحابه وقالوا لا نريد ابراهيم فخرج عيسى
وأصحابه حتى دخلوا المدينة وأغلقوا الابواب وصعدوا السور وقاتلوا الناس ساعة
فلما كثر عليهم الناس انصرفوا راجعين حتى أتوا باب خراسان فركبوا في السفن
ورجع عيسى كأنه يريد أن يقاتلهم ثم احتال حتى صار في أيديهم شبه الاسير
فأخذه بعض قواده فأتى به منزله ورجع الباقون إلى إبراهيم فأخبروه الخبر فاغتم
ـ153ـ
لذلك غما شديدا وقد كان المطلب بن عبدالله بن مالك اختفى من ابراهيم فلما قدم
حميد أراد العبور اليه فاخذه المعبر فذهب إلى ابراهيم فحبسه عنده ثلاثة أيام أو
أربعة ثم إنه خلى عنه ليلة الاثنين لليلة خلت من ذى الحجة ( وفى هذه السنة )
اختفى ابراهيم بن المهدى وتغيب بعد حرب جرت بينه وبين حميد بن عبدالحميد
وبعد أن أطلق سعد بن سلامة من حبسه
* ذكر الخبر عن اختفائه والسبب في ذلك *
ذكر أن سهل بن سلامة كان الناس يذكرون أنه مقتول وهو عند ابراهيم
محبوس فلما صار حميد إلى بغداد ودخلها أخرجه ابراهيم وكان يدعو في مسجد
الرصافة كما كان يدعو فاذا كان الليل رده إلى حبسه فمكث بذلك أياما فأتاه أصحابه
ليكونوا معه فقال لهم الزموا بيوتكم فانى أرزى هذا يعنى ابراهيم فلما كان ليلة
الاثنين لليلة خلت من ذى الحجة خلى سبيله فذهب فاختفى فلما رأى أصحاب ابراهيم
وقواده أن حميدا قد نزل في أرحاء عبدالله بن مالك تحول عامتهم اليه وأخذوا
له المدائن فلما رأى ذلك ابراهيم أخرج جميع من عنده حتى يقاتلوا فالتقوا على
جسر نهر ديالى فاقتتلوا فهزمهم حميد فقطعوا الجسر فتبعهم أصحابه حتى أدخلوهم
بيوت بغداد وذلك يوم الخميس لانسلاخ ذى القعدة فلما كان يوم الاضحى أمر ابراهيم
القاضى أن يصلى بالناس في عيساباذ فصلى بهم فانصرف الناس واختفى الفضل بن
الربيع ثم تحول إلى حميد ثم تحول على بن ريطة إلى عسكر حميد وجعل الهاشميون
والقواد يلحقون بحميد واحدا بعد واحد فلما رأى ذلك ابراهيم أسقط في يديه
فشق عليه وكان المطلب يكاتب حميدا على أن يأخذ له الجانب الشرقى وكان سعيد
ابن الساجور وأبوالبط وعبدويه وعدة معهم من القواد يكاتبون على بن هشام على
أن يأخذوا له ابراهيم فلما علم ابراهيم بأمرهم وما اجتمع عليه كل قوم من أصحابه وانهم
قد أحدقوا به جعل يداريهم فلما جنه الليل اختفى ليلة الاربعاء لثلاث عشرة بقيت من
ذى الحجة سنة 203 وبعث المطلب إلى حميد يعلمه أنه قد أحدق بدار ابراهيم هو
وأصحابه فان كان يريده فليأته وكتب ابن الساجور وأصحابه إلى على بن هشام فركب
ـ154ـ
حميد من ساعته وكان نازلا في أرحاء عبدالله فأتى باب الجسر وجاء على بن
هشام حتى نزل نهر بين وتقدم إلى مسجد كوثر وخرج اليه بن الساجور وأصحابه
وجاء المطلب إلى حميد فلقوه بباب الجسر فقربهم ووعدهم ونبأهم أن يعلم المأمون
ما صنعوا فأقبلوا إلى دار إبراهيم وطلبوه فيها فلم يجدوه فلم يزل إبراهيم متواريا
حتى قدم المأمون وبعد ما قدم حتى كان من أمره ما كان وقد كان سهل بن سلامة
حيث اختفى تحول إلى منزله وظهر وبعث إليه حميد فقربه وأدناه وحمله على بغل
ورده إلى أهله فلم يزل مقيما حتى قدم المأمون فأتاه فأجازه ووصله وأمره أن
يجلس في منزله ( وفى هذه السنة ) انكسفت الشمس يوم الاحد لليلتين بقيتا من
ذى الحجة حتى ذهب ضوؤها وكان غاب أكثر من ثلثيها وكان انكسافها ارتفاع
النهار فلم يزل كذلك حتى قرب الظهر ثم انجلت ( فكانت ) أيام ابراهيم بن المهدى
كلها سنة وأحد عشر شهرا واثنى عشر يوما وغلب على بن هشام على شرقى بغداد
وحميد بن عبدالحميد على غربيها وصار المأمون إلى همذان في آخر ذى الحجة
( وحج ) بالناس في هذه السنة سليمان بن عبدالله بن سليمان بن على
* ثم دخلت سنة أربع ومائتين *
* ذكر الاحداث التى كانت فيها *
فمما كان فيها من ذلك قدوم المأمون العراق وانقطاع مادة الفتن ببغداد
* ذكر الخبر عن مقدمه العراق وما كان فيه بها عند مقدمه *
ذكر عن المأمون أنه لما قدم جرجان أقام بها شهرا ثم خرج منها فصار إلى الرى
في ذى الحجة فأقام بها أياما ثم خرج منها فجعل يسير المنازل ويتم اليوم واليومين
حتى صار إلى النهروان وذلك يوم السبت فأقام فيه ثمانية أيام وخرج إليه أهل
بيته والقواد ووجوه الناس فسلموا عليه وقد كان كتب إلى طاهر بن الحسين من
الطريق وهو بالرقة أن يوافيه إلى النهروان فوافاه بها فلما كان السبت الآخر دخل
بغداد ارتفاع النهار لاربع عشرة ليلة بقيت من صفر سنة 204 ولباسه ولباس
ـ155ـ
أصحابه أقبيتهم وقلانسهم وطراداتهم وأعلامهم كلها الخضرة فلما قدم نزل
الرصافة وقدم معه طاهر فأمره بنزول ا لخيزرانية مع أصحابه ثم تحول فنزل
قصره على شط دجلة وأمر حميد بن عبدالحميد وعلى بن هشام وكل قائد
كان في عسكره أن يقيم في عسكره فكانوا يختلفون إلى دار المأمون في كل يوم
ولم يكن يدخل عليه أحد إلا في الثياب الخضر ولبس ذلك أهل بغداد وبنو هاشم
أجمعون فكانوا يخرقون كل شئ يرونه من السواد على إنسان إلا القلنسوة فإنه كان
يلبسها الواحد بعد الواحد على خوف ووجل فأما قباء أو علم فلم يكن أحد يجترئ
ولبست الخضرة وكتب اليه في ذلك قواد أهل خراسان وقيل أنه أمر طاهر
ابن الحسين أن يسأله حوائجه فكان أول حاجة سأله أن يطرح لباس الخضرة
ويرجع إلى لبس السواد وزى دولة الآباء فلما رأى طاعة الناس له في لبس
الخضرة وكراهتهم لها وجاء السبت قعد لهم وعليه ثياب خضر فلما اجتمعوا عنده
دعا بسواد فلبسه ودعا بخلعة سواد فألبسها طاهرا ثم دعا بعدة من قواده فألبسهم
أقبية وقلانس سود فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد طرح سائر القواد والجند
لبس الخضرة ولبسوا السواد وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر ( وقد
قيل ) أن المأمون لبس الثياب الخضر بعد دخوله بغداد سبعة وعشرين ثم مزقت
( وقيل ) أنه لم يزل مقيما ببغداد في الرصافة حتى بنى منازل على شط دجلة عند
قصره الاول وفى بستان موسى وذكر عن إبراهيم بن العباس الكاتب عن عمرو
ابن مسعدة أن أحمد بن أبى خالد الاحوال قال لما قدمنا من خراسان مع المأمون
وصرنا في عقبة حلوان وكنت زميله قال لى يا أحمد إنى أجد رائحة العراق فأجبت
بغير جوابه وقلت ما أخلقه قال ليس هذا جوابى ولكنى أحسبك سهوت أو كنت
مفكرا قال قلت نعم يا أمير المؤمنين قال فيم فكرت قال قلت يا أمير المؤمنين
فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم مع فتنة غلبت
على قلوب الناس ف استعذبوها فكيف يكون حالنا إن هاج هائج أو تحرك متحرك
قال فأطرق مليا ثم قال صدقت يا أحمد ما أحسن ما فكرت ولكنى أخبرك الناس
ـ156ـ
على طبقات ثلاث في هذه المدينة ظالم ومظلوم ولا ظالم ولامظلوم فأما الظالم فليس يتوقع
إلا عفونا وإمساكنا وأما المظلوم فليس يتوقع أن ينتصف إلا بنا ومن كان لاظالما
ولامظلوما فبيته يسعه فوالله ما كان إلا كما قال وأمر المأمون في هذه السنة بمقاسمة
أهل السواد على الخمسين وكانوا يقاسمون على النصف واتخذ القفيز الملجم وهو
عشرة مكاكيك بالمكوك الهارونى كيلا مرسلا ( وفى هذه السنة ) واقع يحيى
ابن معاذ بابك فلم يظفر واحد منهما بصاحبه ( وولى ) المأمون صالح بن الرشيد
البصرة وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب
الحرمين ( وحج بالناس ) في هذه السنة عبيد الله بن الحسن
* ثم دخلت سنة خمسة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الاحداث *
فمن ذلك تولية المأمون فيها طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصى
عمل المشرق وقد كان قبل ذلك ولاه الجزيرة والشرط وجانبى بغداد ومعاون
السواد وقعد للناس
* ذكر الخبر عن سبب توليته *
وكان سبب توليته إياه خراسان والمشرق ما ذكر عن حماد بن الحسن عن
بشر بن غياث المريسى قال حضرت عبدالله المأمون أنا وثمامة ومحمد بن أبى العباس
وعلى بن الهيثم فتناظروا في التشيع فنصر محمد بن أبى العباس الامامية ونصر على
ابن الهيثم الزيدية وجرى الكلام بينهما إلى أن قال محمد لعلى يا نبطى ما أنت والكلام
قال فقال المأمون وكان متئكا فجلس الشتم عى والبذاء لؤم إنا قد أبحنا الكلام
وأظهرنا المقالات فمن قال بالحق حمدناه ومن جهل ذلك وقفناه ومن جهل الامرين
حكمنا فيه بما يجب فاجعلا بينكما أصلا فان الكلام فروع فاذا افترعتم شيئا رجعتم
إلى الاصول قال فانا نقول لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله
وذكر الفرائض والشرائع في الاسلام وتناظرا بعد ذلك فأعاد محمد لعلى بمثل
ـ157ـ
المقالة الاولى فقال له على والله لو لا جلالة مجلسه وما وهب الله من رأفته ولولا
ما نهى عنه لاعرقت جبينك وبحبسك من جهلك غسلك المنبر بالمدينة * قال فجلس
المأمون وكان متئكا فقال وما غسلك المنبر ألتقصير منى في أمرك أو لتقصير
المنصور كان في أمر أبيك لولا أن الخليفة إذا وهب شيئا استحى أن يرجع فيه
لكان أقرب شئ بينى وبينك إلى الارض رأسك قم وإياك ماعدت قال فخرج
محمد بن أبى العباس ومضى إلى طاهر بن الحسين وهو زوج أخته فقال له كان من
قصتى كيت وكيت وكان يحجب المأمون على النبيذ فتح الخادم وياسر يتولى الخلع
وحسين يسقى وأبومريم غلام سعيد الجوهرى يختلف في الحوائج فركب طاهر
إلى الدار فدخل فتح فقال طاهر بالباب فقال إنه ليس من أوقاته ائذن له فدخل طاهر
فسلم عليه فرد عليه السلام وقال اسقوه رطلا فأخذه في يده اليمنى وقال له اجلس فخرج
فشربه ثم عاد وقد شرب المأمون رطلا آخر فقال اسقوه ثانيا ففعل كفعله الاول ثم
دخل فقال له المأمون اجلس فقال يا أمير المؤمنين ليس لصاحب الشرطة أن يجلس
بين يدى سيده فقال له المأمون ذلك في مجلس العامة فأما مجلس الخاصة فطلق قال وبكى
المأمون وتغرغرت عيناه فقال له طاهر يا أمير المؤمنين لم تبكى لا أبكى الله عينيك فوالله
لقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد وصرت إلى المحبة في كل أمرك فقال أبكى لامر
ذكره ذل وستره حزن ولن يخلو أحد من شجن فتكلم بحاجة إن كانت لك قال يا أمير
المؤمنين محمد بن أبى العباس أخطأ فأقله عثرته وارض عنه قال قد رضيت عنه وأمرت
بصلته ورددت عليه مرتبته ولولا أنه ليس من أهل الانس لاحضرته * قال وانصرف
طاهر فأعلم ابن أبى العباس ذلك ودعا بهارون بن جيغويه فقال له إن للكتاب عشيرة وإن
أهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض فخذ معك ثلثمائة ألف درهم فأعط الحسين الخادم
مائتى ألف وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف وسله أن يسأل المأمون لما بكى
قال ففعل ذلك قال فلما تغذى قال يا حسين اسقنى قال لا والله لا أسقينك أو تقول لى
لم بكيت حين دخل عليك طاهر قال يا حسين وكيف عنيت بهذا حتى سألتنى عنه قال
لغمى بذاك قال يا حسين هو أمر إن خرج من رأسك قتلتك قال يا سيدى ومتى
ـ158ـ
أخرجت لك سرا قال إنى ذكرت محمدا أخى وما ناله من الذلة فخنقتنى العبرة
فاسترحت إلى الافاضة ولن يفوت طاهرا منى ما يكره قال فأخبر حسين طاهرا
بذلك فركب طاهر إلى أحمد بن بى خالد فقال له إن الثناء منى ليس برخيص وإن
المعروف عندى ليس بضائع فغيبنى عن عينه فقال له سأفعل فبكر إلى غدا قال
فركب ابن أبى خالد إلى المأمون فلما دخل عليه قال مانمت البارحة قال لم ويحك
فقال لانك وليت غسان خراسان وهو ومن معه أكلة رأس فأخاف أن يخرج
عليه خارجة من الترك فتصطلمه فقال له لقد فكرت فيما فكرت فيه قال فمن ترى
قال طاهر بن الحسين قال ويلك يا أحمد هو والله خالع قال أنا الضامن له قال فأنفذه
قال فدعا بطاهر من ساعته فعقد له فشخص من ساعته فنزل في بستان خليل بن
هاشم فحمل اليه في كل يوم ما أقام فيه مائة ألف فأقام شهرا فحمل إليه عشرة آلاف
ألف التى تحمل إلى صاحب خراسان قال أبوحسان الزيادى وكان عقد له على
خراسان والجبال من حلوان إلى خراسان وكان شخوصه من بغداد يوم الجمعة
لليلة بقيت من ذى القعدة سنة 205 وقد كان عسكر قبل ذلك بشهرين فلم يزل مقيما
في عسكره قال أبوحسان وكان سبب ولايته فيما اجتمع الناس عليه أن عبدالرحمن
المطوعى جمع جموعا بنيسابور ليقاتل بهم الحرورية بغير أمر والى خراسان فتخوفوا
أن يكون ذلك لاصل عمل عليه وكان غسان بن عباد يتولى خراسان من قبل
الحسن بن سهل وهو ابن عم الفضل بن سهل وذكر عن على بن هارون أن طاهر
ابن الحسين قبل خروجه إلى خراسان وولايته لها ندبه الحسن بن سهل للخروج
إلى محاربة نصر بن شبث فقال حاربت خليفة وسقت الخلافة إلى خليفة وأومر
بمثل هذا وإنما كان ينبغى أن توجه لهذا قائدا من قوادى فكان سبب المصارمة
بين الحسن وطاهر قال وخرج طاهر إلى خراسان لما تولاها وهو لا يكلم الحسن
ابن سهل فقيل له في ذلك فقال ما كنت لاحل عقدة عقدها لى في مصارمته ( وفى
هذه السنة ) ورد عبدالله بن طاهر بغداد منصرفا من الرقة وكان أبوه طاهرا
استخلفه عليها وأمره بقتال نصر بن شبث وقدم يحيى بن معاذ فولاه المأمون الجزيرة
ـ159ـ
( وفيها ) ولى المأمون عيسى بن محمد بن أبى خالد أرمينية وآذربيجان ومحاربة
بابك ( وفيها ) مات السرى بن الحكم بمصر وكان واليها ( وفيها ) مات داود بن
يزيد عامل السند فولاها المأمون بشر بن داود على أن يحمل إليه في كل سنة ألف
ألف درهم ( وفيها ) ولى المأمون عيسى بن يزيد الجلودى محاربة الزط ( وفيها )
شخص طاهر بن الحسين إلى خراسان في ذى القعدة وأقام شهرين حتى بلغه خروج
عبدالرحمن ا لنيسابورى المطوعى بنيسابور فشخص ووافى التغزغزية أشروسنة
( وفيها ) أخذ الفرج الرخجى عبدالرحمن بن عمار ا لنيسابورى ( وحج بالناس )
في هذه السنة عبيد الله بن الحسن وهو والى الحرمين
* ثم دخلت سنة ست ومائتين *
* ذكر ما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك تولية المأمون داود بن ماسجور محاربة الزط وأعمال
البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين ( وفيها ) كان المد الذى غرق منه السواد
وكسكر وقطيعة أم جعفر وقطيعة العباس وذهب بأكثرها ( وفيها ) نكب
بابك بعيسى بن محمد بن أبى خالد ( وفيها ) ولى المأمون عبدالله بن طاهر الرقة
لحرب نصر بن شبث ومضر
* ذكر الخبر عن سبب توليته إياه *
وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن يحيى بن معاذ كان المأمون ولاه الجزيرة
فمات في هذه السنة واستخلف ابنه أحمد على عمله * فذكر عن يحيى بن الحسن بن
عبدالخالق أن المأمون دعا عبدالله بن طاهر في شهر رمضان فقال بعض كان ذلك
في سنة 205 وقال بعض في سنة بضع وقال بعض في سنة 7 فلما دخل عليه قال
يا عبدالله استخير الله منذ شهر وأرجو أن يخير الله لى ورأيت الرجل يصف ابنه
ليطريه لرأيه فيه وليرفعه ورأيتك فوق ما قال أبوك فيك وقد مات يحيى بن معاذ
وأستخلف ابنه أحمد بن يحيى وليس بشئ وقد رأيت توليتك مضر ومحاربة
ـ160ـ
نصر بن شبث فقال السمع والطاعة يا أمير المؤمنين وأرجو أن يجعل الله الخيرة
لامير المؤمنين وللمسلمين قال فعقد له ثم أمر أن تقطع حبال القصارين عن طريقه
وتنحى عن الطرقات المظال كيلا يكون في طريقه ما يرد لواءه ثم عقد له لواء
مكتوبا عليه بصفرة ما يكتب على الالوية وزاد فيه المأمون يا منصور وخرج ومعه
الناس فصار إلى منزله ولما كان من غد ركب اليه الناس وركب اليه الفضل بن
الربيع فأقام عنده إلى الليل فقام الفضل فقال عبدالله يا أبا العباس قد تفضلت
وأحسنت وقد تقدم أبى وأخوك إلى ألا أقطع أمرا دونك وأحتاج أن أستطلع
رأيك وأتسضئ بمشورتك فإن رأيت أن تقيم عندى إلى أن نفطر فافعل فقال له
إن لى حالات ليس يمكننى معها الافطار ههنا قال ان كنت تكره طعام أهل
خراسان فابعث إلى مطبخك يأتوا بطعامك فقال له إن لى ركعات بين العشاء والعتمة
قال ففى حفظ الله وخرج معه إلى صحن داره يشاوره في خاص أموره ( وقيل )
كان خروج عبدالله الصحيح إلى مضر لقتال نصر بن شبث بعد خروج أبيه إلى
خراسان بستة أشهر وكان طاهر حين ولى ابنه عبدالله ديار ربيعة كتب إليه كتابا
نسخته * عليك بتقوى الله وحده لاشريك له وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه
وحفظ رعيتك والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك وما أنت صائر
إليه وموقوف عليه ومسؤول عنه والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله وينجيك يوم
القيامة من عذابه وأليم عقابه فان الله قد أحسن اليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك
أمرهم من عباده وألزمك العدل عليهم والقيام بحقه وحدوده فيهم والذب عنهم
والدفع عن حريمهم وبيضتهم والحقن لدمائهم والامن لسبيلهم وإدخال الراحة
عليهم في معايشهم ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك وموقفك عليه ومسائلك
عنه ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت ففرغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك
ورؤيتك ولا يذهلك عنه ذاهل ولا يشغلك عنه شاغل فانه رأس أمرك وملاك
شأنك وأول ما يوفقك الله به لرشدك وليكن أول ماتلزم به نفسك وتنسب
اليه فعالك المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها
ـ161ـ
بالناس قبلك في مواقيتها على سننها في إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله فيها
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 25
بالناس قبلك في مواقيتها على سننها في إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله فيها
وترتل في قراءتك وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصدق فيها لربك
نيتك واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك وادأب عليها فانها كما قال الله
تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ثم أتبع ذلك الاخذ بسنن رسول الله صلى الله
عليه وسلم والمثابرة على خلائقه واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده وإذا ورد
عليك أمر فاستعن عليه باستخاره الله وتقواه ولزوم ما أنزل الله في كتابه من
أمر ونهيه وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الآثار عن النبى صلى الله عليه
وسلم ثم قم فيه بما يحق لله عليك ولا نمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب
من الناس أو بعيد وآثر الفقه وأهله والدين وحملته وكتاب الله والعاملين به فان
أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين الله والطلب له والحث عليه والمعرفة بما يقترب
فيه منه إلى الله فانه الدليل على الخير كله والقائد له والآمر به والناهى عن المعاصى
و الموبقات كلها وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله عزوجل وإجلالا له
ودركا للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لامرك والهيبة
لسلطانك والانسة بك والثقة بعدلك وعليك بالاقتصاد في الامور كلها فليس
شئ أبين نفعا ولا أحضر أمنا ولا أجمع فضلا من القصد والقصد داعية إلى
الرشد والرشد دليل على التوفيق والتوفيق منقاد إلى السعادة وقوام الدين
والسنن الهادية بالاقتصاد فآثره في دنياك كلها ولاتقصر في طلب الآخرة والاجر
والاعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد فلا غاية للاستكثار من البر
والسعى له إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته
واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب وإنك لن تحوط
نفسك ومن يليك ولا تستصلح أمورك بأفضل منه فأته واهتد به تتم أمورك
وتزد مقدرتك وتصلح خاصتك وعامتك وأحسن الظن بالله عزوجل
يستقم لك رعيتك والتمس الوسيلة اليه في الامور كلها تستدم به النعمة
عليك ولا تنهض أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل تكشف أمره
( 11 7 )
ـ162ـ
بالتهمة فان إيقاع التهم بالبراء والظنون السيئة بهم مأثم واجعل من شأنك حسن
الظن باصحابك واطرد عنهم سوء الظن بهم وارفضه عنهم يعنك ذلك على اصطناعهم
ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزا فانه إنما يكتفى بالقليل
من وهنك فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك وأعلم أنك
تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكفى به ما أحببت كفايته من أمورك وتدعو به
الناس إلى محبتك والاستقامة في الامور كلها لك ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك
والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لامور الاولياء
والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها وبصلحها بل لتكن المباشرة لامور الاولياء
والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم آثر عندك مما سوى ذلك فانه
أقوم للدين وأحيا للسنة وأخلص نيتك في جميع هذا وتفرد بتقويم نفسك تفرد
من يعلم أنه مسؤل عما صنع ومجزى بما أحسن ومأخوذ بما أساء فان الله جعل
الدين حرزا وعزا ورفع من اتبعه وعززه فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين
وطريقة الهدى وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه
ولا تعطل ذلك ولا تهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فان في تفريطك في
ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب
الشبه والبدعات يسلم لك دينك وتقم لك مروتك وإذا عاهدت عهدا فف به وإذا
وعدت الخير فأنجزه واقبل الحسنة وادفع بها واغمض عن عيب كل ذى عيب من
رعيتك واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وابغض أهله وأقص أهل النميمة
فان أول فساد أمرك في عاجل الامور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على
الكذب لان الكذب رأس المآثم والزور والنميمة خاتمتها لان النميمة لا يسلم صاحبها
وقائلها لا يسلم له صاحب ولايستقم لمطيعها أمر وأحب أهل الصدق والصلاح وأعن
الاشراف بالحق وواصل الضعفاء وصل الرحم وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره
والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة واجتنب سوء الاهواء والجور واصرف عنهما
رأيك وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك وأنعم بالعدل سياستهم وقم بالحق فيهم
ـ163ـ
وبالمعرفة التى تنتهى بك إلى سبيل الهدى واملك نفسك عند الغضب وآثر الوقار
والحلم وإياك والحدة والطيرة والغرور فيما أنت بسبيله وإياك أن تقول إنى مسلط
أفعل ما أشاء فان ذلك سريع فيك إلى نقص الرأى وقلة اليقين بالله وحده لاشريك
له وأخلصل لله النية فيه واليقين به واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء وينزعه ممن يشاء
ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحدا أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان
والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم الله وإحسانه واستطالوا بما آتاهم الله من
فضله ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التى تذخر وتكنز البر
والتقوى والمعدلة واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم والتفقد لامورهم والحفظ
لدهمائهم والاغاثة لملهوفهم واعلم أن الاموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن
لا تثمر واذا كانت في اصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المؤنة عنهم
نمت وربت وصلحت به العامة وتزينت الولاة وطاب به الزمان واعتقد
فيه العز والمنعة فليكن كنز خزائنك تفريق الاموال في عمارة الاسلام وأهله
ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف رعيتك من ذلك
حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعايشهم فانك إذا فعلت ذلك قرت النعمة
عليك واستوجبت المزيد من الله وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال
رعيتك وعملك أقدر وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك
وأطيب أنفسا لكل ما أردت فاجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب ولتعظم
حسبتك فيه فانما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه واعرف للشاكرين شكرهم
وأثبهم عليه وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك
فان التهاون يوجب التفريط والتفريط يورث البوار وليكن عملك لله وفيه
تبارك وتعالى وارج الثواب فان الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا وأظهر لديك
فضله فاعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله خيرا وإحسانا فان الله يثيب بقدر
شكر الشاكرين وسيرة المحسنين وقضى الحق فيما حمل من النعم وألبس من العافية
والكرامة ولا تحقرن ذنبا ولا تمايلن حاسدا ولا ترحمن فاجرا ولا تصلن كفورا
ـ164ـ
ولا تداهنن عدوا ولا تصدقن نماما غدارا ولا توالين فاسقا ولا تتبعن غاويا
ولا تحمدن مرائيا ولا تحقرن إنسانا ولاتردن سائلا فقيرا ولا تجيبن باطلا ولا تلاحظن
مضحكا ولا تخلفن وعدا ولا ترهبن فجرا ولا تعملن غضبا ولا تأتين بذخا ولا تمشين
مرحا ولا تركبن سفها ولاتفرطن في طلب الآخرة ولا تدفع الايام عيانا ولا تغمضن
عن الظالم رهبة منه أو مخافة ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا وأكثر مشاورة الفقهاء
واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوى العقل والرأى والحكمة
ولا تدخلن في مشورتك أهل الدقة والبخل ولا تسمعن لهم قولا فان ضررهم
أكثر من منفعتهم وليس شئ أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشح
واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الاخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم
يستقم لك أمرك إلا قليلا فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم
وترك الجور عنهم ويدوم صفاء أوليائك لك بالافضال عليهم وحسن العطية لهم
فاجتنب الشح وأعلم أنه أول ما عصى به الانسان ربه أن العاصى بمنزلة خزى وهو
قول الله عزوجل ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) فسهل طريق الجود
بالحق واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا وأيقن أن الجود من أفضل أعمال
العباد فاعدده لنفسك خلقا وارض به عملا ومذهبا وتفقد أمور الجند في دواوينهم
ومكاتبهم وأدرر عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معايشهم ليذهب بذلك الله فاقتهم
ويقوم لك أمرهم ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا وحسب
ذى سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله وحيطته
وانصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل مكروه إحدى البليتين باستشعار
تكملة الباب الآخر ولزوم العمل به تلق إن شاء الله نجاحا وصلاحا وفلاحا واعلم
أن القضاء من الله بالمكان الذى ليس به شئ من الامور لانه ميزان الله الذى
يعتدل عليه الاحوال في الارض وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية
وتأمن السبل وينتصف المظلوم ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدى
حق الطاعة ويرزق الله العافية والسلامة ويقوم الدين وتجرى السنن والشرائع
ـ165ـ
وعلى مجاريها ينتجز الحق والعدل في القضاء واشتد في أمر الله وتورع عن النطف
وأمض لاقامة الحدود وأقلل العجلة وابعد من الضجر والقلق واقنع بالقسم ولتسكن
ريحك ويقر جدك وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك واسدد في منطقك وانصف
الخصم وقف عند الشبهة وأبلغ في الحجة ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة
ولا محاماة ولالوم لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر وتدبر وتفكر واعتبر وتواضع
لربك وارأف بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك ولا تسرعن إلى سفك دم فإن
الدماء من الله بمكان عظيم انتهاكا لها بغير حقها وانظر هذا الخراج الذى قد استقامت
عليه الرعية وجعله الله للاسلام عزا ورفعة ولاهله سعة ومنعة ولعدوه وعدوهم
كبتا وغيظا ولاهل الكفر من معاهدتهم ذلا وصغارا فوزعه بين أصحابه بالحق
والعدل والتسوية والعموم فيه ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه وعن غنى
لغناه ولا عن كاتب لك ولا أحد من خاصتك ولاتأخذن منه فوق الاحتمال له
ولا تكلفن أمرا فيه شطط واحمل الناس كلهم على مر الحق فإن ذلك أجمع لالفتهم
وألزم لرضى العامة واعلم انك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وإنما سمى
أهل عملك رعيتك لانك راعيهم وقيمهم تأخذ منم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم
وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم فاستعمل عليهم في كور عملك
ذوى الرأى والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف ووسع
عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند اليك ولا يشغلنك
عنه شاغل ولا يصرفنك عنه صارف فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به
زيادة النعمة من ربك وحسن الاحدوثة في أعمالك واحترزت النصيحة من رعيتك
وأعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب
في كورك فكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء
العامة بإقامة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضى العدل في ذلك عند
عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة فنافس في هذا ولا تقدم عليه
شيئا تحمد مغبة أمرك إن شاء الله واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار
ـ166ـ
عمالك ويكتب اليك بسيرتهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لامره كله
وإن أردت أن تأمر بأمره فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه
والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه وإلا فتوقف عنه
وراجع أهل البصر والعلم ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد
واتاه على ما يهوى فقواه ذلك وأعجبه وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره
فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون الله بالقوة وأكثر استخارة ربك في
جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك وأكثر مباشرته بنفسك فان لغد
أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذى أخرت واعلم أن اليوم إذا مضى
ذهب بما فيه وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين فشغلك ذلك حتى تعرض
عنه فاذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك وأحكمت أمور سلطانك
وانظر أحرار الناس وذوى الشرف منهم ثم استيقن صفاء طويتهم وتهذيب مودتهم
لك ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك فاستخلصهم وأحسن اليهم وتعاهد
أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة فاحتمل مؤنتهم وأصلح حالهم حتى لا
يجدوا لخلتهم مسا وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لايقدر
على رفع مظلمة اليك والمحتقر الذى لا علم له بطلب حقه فاسأل عنه أحفى مسألة
ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم اليك
لتنظر فيها بما يصلح الله أمرهم وتعاهد ذوى البأساء ويتاماهم وأراملهم واجعل
لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله في العطف عليهم والصلة
لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة وأجر للاضراء من بيت المال
وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لا كثرة في الجراية على غيرهم وانصب لمرضى
المسلمين دورا تؤويهم وقواما يرفقونهم وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم
بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم
وأفضل أمانهم لم يرضهم ذلك ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم
طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم وربما برم المتصفح لامور الناس لكثرة
ـ167ـ
ما يرد عليه ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة وليس من يرغب
في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذى يستقبل
ما يقربه إلى الله ويلتمس رحمته به وأكثر الاذن للناس عليك وأبرز لهم وجهك
وسكن لهم أحراسك واخفض لهم جناحك وأظهر لهم بشرك ولن لهم في المسألة
والمنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس
والتمس الصنيعة والاجر غير مكدر ولامنان فان العطية على ذلك تجارة مربحة
إن شاء الله واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان
والرئاسة في القرون الخالية والامم البائدة ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله
والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق
ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله واعرف ما تجمع عمالك من الاموال وينفقون
منها ولا تجمع حراما ولا تنفق إسرافا وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم
وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها وإيثار مكارم الامور ومعاليها وليكن أكرم
دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم يمنعه هيبتك من إنهاء ذلك
إليك في سر وإعلامك ما فيه من النقص فان أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك
وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا
يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمالك وأمر كورك
ورعيتك ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك
وكرر النظر اليه والتدبير له فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه واستخر الله فيه
وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه ولا تمنن على رعيتك
ولا على غيرهم بمعروف تأتيه اليهم ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة
والعون في أمور أمير المؤمنين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهم كتابى
اليك وأكثر النظر فيه والعمل به واستعن بالله على جميع أمورك واستخره فان
الله مع الصلاح وأهله وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان الله رضى
ولدينه نظاما ولاهله عزا وتمكينا وللذمة والملة عدلا وصلاحا وأنا أسأل الله أن
ـ168ـ
يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءك وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام
فضله عليك وكرامته لك حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا وأوفرهم حظا وأسناهم
ذكرا وأمرا وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك ويرزقك من رعيتك
العافية ويحجز الشيطان عنك ووساوسه حتى يستعلى أمرك بالعز والقوة والتوفيق
إنه قريب مجيب * وذكر أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبدالله هذا العهد تنازعه
الناس وكتبوه وتدارسوه وشاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه فقال
ما بقى أبوالطيب شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأى والسياسة وإصلاح
الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه
وأوصى به وتقدم وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحى الاعمال وتوجه
عبدالله إلى عمله فسار بسيرته واتبع أمره وعمل بما عهد اليه ( وفى هذه السنة )
ولى عبدالله بن طاهر إسحاق بن إبراهيم الجسرين وجعله خليفته على ما كان
طاهر أبوه استخلفه فيه من الشرط وأعمال بغداد وذلك حين شخص إلى الرقة
لحرب نصر بن شبث ( وحج ) بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن وهو
والى الحرمين
* ثم دخلت سنة سبع ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك خروج عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن عمر بن على بن
أبى طالب ببلاد عك من اليمن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم
* ذكر الخبر عن سبب خروجه *
وكان السبب في خروجه أن العمال باليمن أساؤا السيرة فبايعوا عبدالرحمن
هذا فلما بلغ ذلك المأمون وجه اليه دينار بن عبدالله في عسكر كثيف وكتب
معه بأمانة فحضر دينار بن عبدالله الموسم وحج فلما فرغ من حجه سار إلى اليمن
حتى أتى عبدالرحمن فبعث اليه بأمانة من المأمون فقبل ذلك ودخل ووضع يده
ـ169ـ
في يد دينار فخرج به إلى المأمون فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول
عليه وأمر بأخذهم بلبس السواد وذلك يوم الخميس لليلة بقيت من ذى القعدة
( وفى هذه السنة ) كانت وفاة طاهر بن الحسين
* ذكر الخبر عن وفاته *
ذكر عن مطهر بن طاهر أن وفاة ذى اليمينين كانت من حمى وحرارة أصابته
وأنه وجد في فراشه ميتا * وذكر أن عميه على بن مصعب وأخاه أحمد بن
مصعب صارا اليه يعودانه فسألا الخادم عن خبره وكان يغلس بصلاة الصبح
فقال الخادم هو نائم لم ينتبه فانتظراه ساعة فلما انبسط الفجر وتأخر عن الحركة
في الوقت الذى كان يقوم فيه للصلاة أنكرا ذلك وقالا للخادم أيقظه فقال
الخادم لست أجسر على ذلك فقالا له اطرق لنا لندخل اليه فدخلا فوجداه
ملتفا في دواج قد أدخله تحته وشده عليه من عند رأسه ورجليه فحركاه فلم يتحرك
فكشفا عن وجهه فوجداه قد مات ولم يعلما الوقت الذى توفى فيه ولا وقف
أحد من خدمه على وقت وفاته وسألا الخادم عن خبره وعن آخر ما وقف
عليه منه فذكر أنه صلى المغرب والعشاء الآخرة ثم التف في دواجه قال
الخادم فسمعته يقول بالفارسية كلاما وهو درمرك نيز مردى ويد تفسيره أنه
يحتاج في الموت أيضا إلى الرجلة * وذكر عن كلثوم بن ثابت بن أبى سعد
وكان يكنى أبا سعدة قال كنت على بريد خراسان ومجلسى يوم الجمعة في أصل
المنبر فلما كان في سنة 207 بعد ولاية طاهر بن الحسين بسنتين حضرت الجمعة
فصعد طاهر المنبر فخطب فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له فقال
اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك واكفها مؤونة من بغى فيها
وحشد عليها بلم الشعث وحقن الدماء وإصلاح ذات البين قال فقلت في نفسى
أنا أول مقتول لانى لا أكتم الخبر فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى وائتزرت
بازار الموتى ولبست قميصا وارتديت رداء وطرحت السواد وكتبت إلى المأمون
قال فلما صلى العصر دعانى وحدث به حادث في جفن عينه وفى مأقه فخر ميتا
ـ170ـ
قال فخرج طلحة بن طاهر فقال ردوه ردوه وقد خرجت فردونى فقال هل
كتبت بما كان قلت نعم قال فاكتب بوفاته خمسمائة ألف ومائتى
ثوب فكتبت بوفاته وبقيام طلحة بالجيش قال فوردت الخريطة على المأمون
بخلعه غدوة فدعا ابن أبى خالد فقال له اشخص فأت به كما زعمت وضمنت قال
أبيت ليلتى قال لا لعمرى لا تبيت إلا على ظهر فلم يزل يناشده حتى أذن له
في المبيت قال ووافت الخريطة بموته ليلا فدعاه فقال قد مات فمن ترى قال
ابنه طلحة قال الصواب ما قلت فاكتب بتوليته فكتب بذلك وأقام طلحة واليا
على خراسان في أيام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر ثم توفى وولى عبدالله
خراسان وكان يتولى حرب بابك فأقام بالدينور ووجه الجيوش ووردت وفاة
طلحة على المأمون فبعث إلى عبدالله يحيى بن أكتم يعزيه عن أخيه ويهنئه بولاية
خراسان وولى على بن هشام حرب بابك * وذكر عن العباس أنه قال
شهدت مجلسا للمأمون وقد أتاه نعى الطاهر فقال لليدين وللفم الحمد لله الذى
قدمه وأخرنا ( وقد ذكر ) في أمر ولاية طلحة خراسان بعد أبيه طاهر غير
هذا القول والذى قيل من ذلك أن طاهرا لما مات وكان موته في جمادى الاولى
وثب الجند فانتهبوا بعض خزائنه فقام بأمرهم سلام الابرش الخصى فأمر
فأعطوا رزق ستة أشهر فصير المأمون عمله إلى طلحة خليفة لعبد الله بن طاهر
وذلك أن المأمون ولى عبدالله في قول هؤلاء بعد موت طاهر عمل طاهر كله
وكان مقيما بالرقة على حرب نصر بن شبث وجمع له مع ذلك الشأم وبعث اليه بعهده
على خراسان وعمل أبيه فوجه عبدالله أخاه طلحة بخراسان واستخلف بمدينة
السلام إسحاق بن إبراهيم وكاتب المأمون طلحة باسمه فوجه المأمون أحمد بن
أبى خالد إلى خراسان للقيام بأمر طلحة فشخص أحمد إلى ما وراء النهر فافتتح
أشروسنة وأسركاوس بن خاراخره وابنه الفضل وبعث بهما إلى المأمون
ووهب طلحة لابن أبى خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألفى ألف
ووهب لابراهيم بن العباس كاتب أحمد بن أبى خالد خمسمائة ألف درهم
ـ171ـ
( وفى هذه السنة ) غلا السعر ببغداد والبصرة والكوفة حتى بلغ سعر القفيز
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 25
( وفى هذه السنة ) غلا السعر ببغداد والبصرة والكوفة حتى بلغ سعر القفيز
من الحنطة بالهارونى أربعين درهما إلى الخمسين بالقفيز الملجم ( وفى هذه السنة )
ولى موسى بن حفص طبرستان والرويان ودنباوند ( وحج ) بالناس في هذه
السنة أبوعيسى بن الرشيد
* ثم دخلت سنة ثمان ومائتينن *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك مصير الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى
كرمانى ممتنعا بها ومصير أحمد بن خالد اليه حتى أخذه فقدم به على المأمون
فعفا عنه ( وفيها ) ولى المأمون محمد بن عبدالرحمن المخزومى قضاء عسكر
المهدى في المحرم ( وفيها ) استعفى محمد بن سماعة القاضى من القضاة فأعفى
وولى مكانه إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة ( وفيها ) عزل محمد بن عبدالرحمن
عن القضاء بعد أن وليه فيها في شهر ربيع الاول ووليه بشر بن الوليد
الكندى فقال بعضهم
يا أيها الملك الموحد ربه * قاضيك بشر بن الوليد حمار
ينفى شهادة من يدين بما ب * نطق الكتاب وجاءت الاخبار
ويعد عدلا من يقول بأنه * شيخ يحيط بجسمه الاقطار
ومات موسى بن محمد المخلوع في شعبان ومات الفضل بن الربيع في ذى القعدة
( وحج ) بالناس في هذه السنة صالح بن الرشيد
* ثم دخلت سنة تسع ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فممن ذلك ما كان من حصر عبدالله بن طاهر نصر بن شبث وتضييقه عليه حتى
طلب الامان * فذكر عن جعفر بن محمد العامرى أنه قال قال المأمون لثمامة ألا
تدلنى على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان ومعرفة يؤدى عنى ما أوجهه به
ـ172ـ
إلى نصر بن شبث قال بلى يا أمير المؤمنين رجل من بنى عامر يقال له جعفر بن محمد
قال له أحضرنيه قال جعفر فأحضرنى ثمامة فأدخلنى عليه فكلمنى بكلام كثير
ثم أمرنى أن أبلغه نصر بن شبث قال فأتيت نصرا وهو بكفر عزون بسروج فأبلغته
رسالته فأذعن وشرط شروطا منها ألا يطأ له بساطا قال فأتيت المأمون فأخبرته
فقال لا أجيبه والله إلى هذا أبدا ولو أفضيت إلى بيع قميصى حتى يطأ بساطى وما
باله ينفر منى قال قلت لجرمه وما تقدم منه فقال أتراه أعظم جرما عندى من الفضل
ابن الربيع ومن عيسى بن أبى خالد أتدرى ما صنع بى الفضل أخذ قوادى وجنودى
وسلاحى وجميع ما أوصى به لى أبى فذهب به إلى محمد وتركنى بمرو وحيدا فريدا
وأسلمنى وأفسد على أخى حتى كان من أمره ما كان وكان أشد على من كل شئ
أتدرى ما صنع بى عيسى بن أبى خالد طرد خليفتى من مدينتى ومدينة آبائى وذهب
بخراجى وفيئى وأخرب على ديارى وأقعد إبراهيم خليفة دونى ودعاه باسمى
قال قلت يا أمير المؤمنين أتأذن لى في الكلام فأتكلم قال تكلم قلت الفضل
ابن الربيع رضيعكم ومولاكم وحال سلفه حالكم وحال سلفكم حاله ترجع عليه
بضروب كلها تردك اليه وعيسى بن أبى خالد فرجل من أهل دولتك وسابقته
وسابقة من مضى من سلفه سابقتهم ترجع عليه بذلك وهذا رجل لم تكن له يد قط
فيحمل عليها ولا لمن مضى من سلفه إنما كانوا من جند بنى أمية قال إن كان ذلك
كما تقول فكيف بالحنق والغيظ ولكنى لست أقلع عنه حتى يطأ بساطى قال فأتيت
نصرا فأخبرته بذلك كله قال فصاح بالخيل صيحة فجالت ثم قال ويلى عليه هو لم
يقو على أربعمائة ضفدع تحت جناحه يعنى الزظ يقوى على حلبة العرب * فذكر
أن عبدالله بن طاهر لما جاده القتال وحصره وبلغ منه طلب الامان فأعطاه وتحول
من معسكره إلى الرقة سنة 209 وصار إلى عبدالله بن طاهر وكان المأمون قد كتب
اليه قبل ذلك بعد أن هزم عبدالله بن طاهر جيوشه كتابا يدعوه إلى طاعته ومفارقة
معصيته فلم يقبل فكتب عبدالله اليه وكان كتاب المأمون اليه من المأمون كتبه
عمرو بن مسعدة أما بعد فإنك يا نصر بن شبث قد عرفت الطاعة وعزها وبرد ظلها
ـ173ـ
وطيب مرتعها وما في خلافها من الندم والخسار وإن طالت مدة الله بك فانه
انما يملى لمن يلتمس مظاهرة الحجة عليه لتقع عبره بأهلها على قدر إصرارهم
و استحقاقهم وقد رأيت إذ كارك وتبصيرك لما رجوت أن يكون لما أكتب به
اليك موقع منك فان الصدق صدق والباطل باطل وإنما القول بمخارجه وبأهله
الذين يعنون به ولم يعاملك من عمال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك
ونفسك ولا أحرص على استنقاذك والانتياش لك من خطائك منى فبأى أول
أو آخر أو سطة أو إمرة إقدامك يانصر على أمير المؤمنين تأخذ أمواله وتتولى دونه
ماولاه الله وتريد أن تبيت آمنا أو مطمئنا أو وادعا أو ساكنا أو هادئا فو عالم السر
والجهر لئن لم تكن للطاعة مراجعا وبها خانعا لتستوبلن وخم العاقبة ثم لابدأن
بك قبل كل عمل فان قرون الشيطان إذا لم تقطع كانت في الارض فتنة وفسادا
كبيرا ولاطأن بمن معى من أنصار الدولة كواهل رعاع أصحابك ومن تأشب
اليك من أدنى البلدان وأقاصيها وطغامها وأوباشها ومن انضوى إلى حوزتك
من خراب الناس ومن لفظه بلده ونفته عشيرته لسوء موضعه فيهم وقد أعذر
من أنذر والسلام وكان مقام عبدالله بن طاهر على نصر بن شبث محاربا له فيما
ذكر خمس سنين حتى طلب الامان فكتب عبدالله إلى المأمون يعلمه أنه حصره
وضيق عليه وقتل رؤساء من معه وأنه قد عاذ بالامان وطلبه فأمره أن يكتب له
كتاب أمان فكتب اليه أمانا نسخته أما بعد فان الاعذار بالحق حجة الله المقرون
بها النصر والاحتجاج بالعدل دعوة الله الموصول بها العز ولايزال المعذر بالحق
المحتج بالعدل في استفتاح أبواب التأييد واستدعاء أسباب التمكين حتى يفتح الله
وهو خير الفاتحين ويمكن وهو خير الممكنين ولست تعدو أن تكون فيها لهجت به
أحد ثلاثة طالب دين أو ملتمس دنيا أو متهورا يطلب الغلبة ظلما فان كنت للدين
تسعى بما تصنع فأوضح ذلك لامير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقا فلعمرى ما همته
الكبرى ولا غايته القصوى الا الميل مع الحق حيث مال والزوال مع العدل حيث زال
وإن كنت للدنيا تقصد فأعلم أمير المؤمنين غايتك فيها والامر الذى تستحقها به فان
ـ174ـ
استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك فلعمرى ما يستجيز منع خلق ما يستحقه وإن عظم وان
كنت متهورا فسيكفى الله أمير المؤمنين مؤنتك ويعجل ذلك كما عجل كفايته مؤن
قوم سلكوا مثل طريقك كانوا أقوى يدا وأكثف جندا وأكثر جمعا وعددا
ونصرا منك فيما أصارهم اليه من مصارع الخاسرين وأنزل بهم من جوائح
الظالمين وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له
وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وضمانه لك في دينه وذمته الصفح
عن سوالف جرائمك ومتقدمات جرائرك وانزالك ماتستأهل من منازل العز والرفعة
إن أتيت وراجعت إن شاء الله والسلام ولما خرج نصر بن شبث إلى عبدالله بن
طاهر بالامان هدم كيسوم وخربها ( وفى هذه السنة ) ولى المأمون صدقة بن على
المعروف بزريق أرمينية وآذربيجان ومحاربة بابك وانتدب للقيام بأمره أحمد بن
الجنيد بن فرزندى الاسكافى ثم رجع أحمد بن الجنيد بن فرزندى إلى بغداد ثم
رجع إلى الخرمية فأسره بابك فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل التجيبى آذربيجان
( وحج ) بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن على وهو والى مكة
( وفيها ) مات ميخائيل بن جورجس صاحب الروم وكان ملكه تسع سنين
وملكت الروم عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل
* ثم دخلت سنة عشر ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك وصول نصر بن شبث فيها إلى بغداد وجه به عبدالله بن طاهر إلى المأمون
فكان دخوله إليها يوم الاثنين لسبع خلون من صفر فأنزل مدينة أبى جعفر
ووكل به من يحفظه ( وفيها ) ظهر المأمون على إبراهيم بن محمد بن ع بدالوهاب
ابن إبراهيم الامام الذى يقال له ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الافريقى ومالك بن
شاهى وفرج البعوارى ومن كان معهم ممن كان يسعى في البيعة لابراهيم المهدى
وكان الذى أطلعه عليهم وعلى ما كانوا يسعون فيه من ذلك عمران القطربلى
ـ175ـ
فأرسل إليهم المأمون يوم السبت فيما ذكر لخمس خلون من صفر سنة 210 فأمر
المأمون بإبراهيم بن عائشة أن يقام ثلاثة أيام في الشمس على باب دار المأمون
ثم ضربه يوم الثلاثاء بالسياط ثم حبسه في المطبق ثم ضرب مالك بن شاهى وأصحابه
وكتبوا للمأمون أسماء من دخل معهم في هذا الامر من القواد والجند وسائر
الناس فلم يعرض المأمون لاحد ممن كتبوا به ولم يأمن أن يكونوا قد قذفوا أقواما
براء وكانوا اتعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بن شبث فغمز
بهم فأخذوا ودخل نصر بن شبث بعد ذلك وحده لم يوجه إليه أحد من الجند
فأنزل عند إسحق بن إبراهيم ثم حول إلى مدينة أبى جعفر ( وفيها ) أخذ إبراهيم بن
المهدى ليلة الاحد لثلاث عشرة من ربيع الآخرة وهو متنقب مع امرأتين في زى
امرأة أخذه حارس أسود ليلا فقال من أنتن وأين تردن في هذا الوقت فأعطاه
إبراهيم فيما ذكر خاتم ياقوت كان في يده له قدر عظيم ليخليهن ولا يسألهن فلما
نظر الحارس إلى الخاتم استراب بهن وقال هذا خاتم رجل له شأن فرفعهن إلى
صاحب المسلحة فأمرهن أن يسفرن فتمنع ابراهيم فجبذه صاحب المسلحة فبدت
لحيته فرفعه إلى صاحب الجسر فعرفه فذهب به إلى باب المأمون فأعلم به فأمر
بالاحتفاظ به في الدار فلما كان غداة الاحد أقعد في دار المأمون لينظر اليه بنو هاشم
والقواد والجند وصيروا المقنعة التى كان متقبا بها في عنقه والملحفة التى كان
ملتحفا بها في صدره ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ فلما كان يوم الخميس حوله
المأمون إلى منزل أحمد بن أبى خالد فحبسه عنده ثم أخرجه المأمون معه حيث
خرج إلى الحسن بن سهل بواسط فقال الناس ان الحسن كلمه فيه فرضى عنه
وخلى سبيله وصيره عند أحمد بن أبى خالد وصير معه ابن يحيى بن معاذ وخالد بن
يزيد بن مزيد يحفظانه الا أنه موسع عليه عنده أمه وعياله ويركب إلى دار المأمون
وهؤلاء معه يحفظونه ( وفى هذه السنة ) قتل المأمون ابراهيم بن عائشة وصلبه
* ذكر الخبر عن سبب قتله إياه *
كان السبب في ذلك أن المأمون حبس ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الافريقى
ـ176ـ
ورجلين من الشطار يقال لاحدهما أبومسمار وللآخر عمار وفرج البغوارى
ومالك بن شاهى وجماعة معهم ممن كان سعى في البيعة لابراهيم بعد أن ضربوا
بالسياط ما خلا عمارا فانه أو من لما كان من اقراره على القوم في المطبق فرفع
بعض أهل المطبق أنهم يريدون أن يشغبوا وينقبوا السجن وكانوا قبل ذلك بيوم
قد سدوا باب السجن من داخل فلم يدعوا أحدا يدخل عليهم فلما كان الليل وسمعوا
شغبهم بلغ المأمون خبرهم فركب اليهم من ساعته بنفسه فدعا بهؤلاء الاربعة
فضرب أعناقهم صبرا وأسمعه ابن عائشة شتما قبيحا فلما كانت الغداة صلبوا عى
الجسر الاسفل فلما كان من الغداة يوم الاربعاء أنزل إبراهيم بن عائشة فكفن
وصلى عليه ودفن في مقابر قريش وأنزل ابن الافريقى فدفن في مقابر الخيزران
وترك الباقون * وذكر أن إبراهيم بن المهدى لما أخذ صير به إلى دار أبى إسحق
ابن الرشيد وأبوإسحق عند المأمون فحمل رديفا لفرج التركى فلما أدخل على المأمون
قال له هيه يا إبراهيم فقال يا أمير المؤمنين ولى الثأر محكم في القصاص والعفو
أقرب للتقوى ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية
الدهر من نفسه وقد جعلك الله فوق كل ذى ذنب فما جعل كل ذنب دونك فان
تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك قال بل أعفو يا إبراهيم فكبر ثم خر ساجدا
( وقيل ) إن إبراهيم كتب بهذا الكلام إلى المأمون وهو مختف فوقع المأمون في
حاشية رقعته القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة عفو الله وهو أكبر
ما نسأله فقال إبراهيم يمدح المأمون
يا خير من ذملت يمانية به * بعد الرسول لآيس ولطامع
وأبر من عبد الاله على التقى * عينا وأقوله بحق صادع
عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج * فالصاب يمزح بالسمام الناقع
متيقظا حذرا وما يخشى العدى * نبهان من وسنات ليل الهاجع
ملئت قلوب الناس منك مخافة * وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع
بأبى وأمى فدية وبنيهما * من كل معضلة وريب واقع
ـ177ـ
ما ألين الكنف الذى بوأتنى * وطنا وأمرع رتعه للراتع
للصالحات أخا جعلت وللتقى * وأبا رؤفا للفقير القانع
نفسى فداؤك إذ تضل معاذرى * وألوذ منك بفضل حلم واسع
أملا لفضلك والفواضل شيمة * رفعت بناءك بالمحل اليافع
فبذلت أفضل ما يضيق ببذله * وسع النفوس من الفعال البارع
وعفوت عمن لم يكن عن مثله * عفو ولم يشفع إليك بشافع
إلا العلو عن العقوبة بعدما * ظفرت يداك بمستكين خاضع
فرحمت أطفالا كأفراخ القطا * وعويل عانسة كقوس النازع
وعطفت آصرة على كما وعى * بعد انهياض الوثى عظم الظالع
الله يعلم ما أقول فإنها * جهد الالية من حنيف راكع
ما إن عصيتك والغواة تقودنى * أسبابها إلا بنية طائع
حتى إذا علقت حبائل شقوتى * بردى إلى حفر المهالك هائع
لم أدر أن لمثل جرمى غافرا * فوقفت أنظر أى حتف صارعى
رد الحياة على بعد ذهابها * ورع الامام القادر المتواضع
أحياك من ولاك أطول مدة * ورمى عدوك في الوتين بقاطع
كم من يد لك لم تحدثنى بها * نفسى إذا آلت إلى مطامعى
أسديتها عفوا إلى هنيئة * فشكرت مصطنعا لاكرم صانع
إلا يسيرا عند ما أوليتنى * وهو الكثير لدى غير الضائع
إن أنت جدت بها على تكن لها * أهلا وإن تمنع فأعدل مانع
إن الذى قسم الخلافة حازها * في صلب آدم للامام السابع
جمع القلوب عليك جامع أمرها * وحوى رداؤك كل خير جامع
فذكر أن المأمون حين أنشده إبراهيم هذه القصيدة قال أقول ما قال يوسف لاخوته
لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ( وفى هذه السنة ) بنى
المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في شهر رمضان منها
( 12 7 )
ـ178ـ
* ذكر الخبر عن أمر المأمون في ذلك وما كان في أيام بنائه *
ذكر أن المأمون لما مضى إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل حمل
معه ابراهيم بن المهدى وشخص المأمون من بغداد حين شخص إلى ما هنالك للبناء
ببوران راكبا زورقا حتى أرسى على باب الحسن وكان العباس بن المأمون قد
تقدم أباه على الظهر فتلقاه الحسن خارجا عسكره في موضع قد اتخذ له على شاطئ
دجلة بنى له فيه جوسق فلما عاينه العباس ثنى رجله لينزل فحلف عليه الحسن
ألا يفعل فلما ساواه ثنى رجله الحسن لينزل فقال له العباس بحق أمير المؤمنين
لا تنزل فاعتنقه الحسن وهو راكب ثم أمر أن يقدم اليه دابته ودخلا جميعا منزل
الحسن ووافى المأمون في وقت العشاء وذلك في شهر رمضان من سنة 210
فأفطر هو والحسن والعباس ودينار بن عبدالله قائم على رجله حتى فرغوا من
الافطار وغسلوا أيديهم فدعا المأمون بشراب فأتى بجام ذهب فصب فيه وشرب
ومد يده بجام فيه شراب إلى الحسن فتباطأ عنه الحسن لانه لم يكن يشرب قبل ذلك
فغمز دينار بن عبدالله الحسن فقال له الحسن يا أمير المؤمنين أشربه بإذنك وأمرك
فقال له المأمون لولا أمرى لم أمدد يدى اليك فأخذ الجام فشربه فلما كان في الليلة
الثانية جمع بين محمد بن الحسن بن سهل والعباسة بنت الفضل ذى الرئاستين فلما
كان في الليلة الثالثة دخل على بوران وعندها حمدونة وأم جعفر وجدتها فلما
جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب فأمر
المأمون أن تجمع وسألها عن عدد ذلك الدر كم هو فقالت ألف حبة فأمر بعدها
فنقصت عشرا فقال من أخذها منكم فليردها فقالوا حسين زجلة فأمره بردها
فقال يا أمير المؤمنين إنما نثر لنأخذه قال ردها فانى أخلفها عليك فردها وجمع
المأمون ذلك الدر في الآنية كما كان فوضع في حجرها وقال هذه نحلتك وسلى
حوائجك فأمسكت فقالت لها جدتها كلمى سيدك وسليه حوائجك فقد أمرك
فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدى فقال قد فعلت وسألته الاذن لام جعفر
في الحج فأذن لها وألبستها أم جعفر البدنة الاموية وابتنى بها في ليلته وأوقد
ـ179ـ
في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منافى تور ذهب فأنكر المأمون ذلك عليهم
وقال هذا سرف فلما كان من الغد دعا بإبراهيم بن المهدى فجاء يمشى من شاطئ
دجلة عليه مبطنة ملحم وهو معتم بعمامة حتى دخل فلما رفع الستر عن المأمون
رمى بنفسه فصاح المأمون يا عم لا بأس عليك فدخل فسلم عليه تسليم الخلافة
وقبل يده وأنشد شعره ودعا بالخلع فخلع عليه خلعة ثانية ودعا له بمركب وقلده
سيفا وخرج فسلم على الناس ورد إلى موضعه * وذكر أن المأمون أقام عند
الحسن بن سهل سبعة عشر يوما يعد له في كل يوم لجميع من معه جميع ما يحتاج
اليه وأن الحسن خلع على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم وكان مبلغ النفقة
عليهم خمسين ألف ألف درهم قال وأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه أن
يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس وأقطعه الصلح فحملت اليه على
المكان وكانت معدة عند غسان بن عباد فجلس الحسن ففرقها في قواده وأصحابه
وحشمه وخدمه فلما انصرف المأمون شيعه الحسن ثم رجع إلى فم الصلح * فذكر عن
أحمد بن الحسن بن سهل قال كان أهلنا يتحدثون أن الحسن بن سهل كتب رقاعا فيها أسماء
ضياعه ونثرها على القواد وعلى بنى هاشم فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث
فتسلمها * وذكر عن أبى الحسن على بن الحسين بن عبدالاعلى الكاتب قال حدثنى
الحسن بن سهل يوما بأشياء كانت في أم جعفر ووصف رجاحة عقلها وفهمها ثم
قال سألها يوما المأمون بفم الصلح حيث خرج الينا عن النفقة على بوران وسأل حمدونة
بنت غضيض عن مقدار ما أنفقت في ذلك الامر قال فقالت حمدونة أنفقت خمسة
وعشرين ألف ألف قال فقلت أم جعفر ما صنعت شيئا قد أنفقت ما بين خمسة
وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف درهم قال وأعددنا له شمعتين
من عنبر قال فدخل بها ليلا فأوقدتا بين يديه فكثر دخانهما فقال ارفعوهما قد
أذانا الدخان وهاتوا الشمع قال ونحلتها أم جعفر في ذلك اليوم الصلح قال فكان
سبب عود الصلح إلى ملكى وكانت قبل ذلك لى فدخل على يوما حميد الطوسى
فأقرأنى أربعة أبيات امتدح بها ذا الرئاستين فقلت له ننفذها لك إلى ذى الرئاستين
ـ180ـ
وأقطعك الصلح في العاجل إلى أن تأتى مكفأتك من قبله فأقطعته إياها ثم ردها
المأمون على أم جعفر فنحلتها بوران * وروى على بن الحسين أن الحسن بن سهل
كان لاترفع الستور عنه ولا يرفع الشمع من بين يديه حتى تطلع الشمس ويتبينها إذا
نظر اليها وكان متطيرا يحب أن يقال له إذا دخل عليه انصرفنا من فرح وسرور
ويكره أن يذكر له جنازة أو موت أحد قال ودخلت عليه يوما فقال له قائل إن
على بن الحسين أدخل ابنه الحسن اليوم الكتاب قال فدعا لى وانصرف فوجدت
منزلى عشرين ألف درهم هبة للحسن وكتابا بعشرين ألف درهم قال وكان قد
وهب لى من أرضه بالبصرة ما قوم بخمسين ألف دينار فقبضه عنى بغا الكبير
وأضافه إلى أرضه * وذكر عن أبى حسان الزيادى أنه قال لما صار المأمون إلى
الحسن بن سهل أقام عنده أياما بعد البناء ببوران وكان مقامه في مسيره وذهابه
ورجوعه أربعين يوما ودخل إلى بغداد يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت
من شوال وذكر عن محمد بن موسى الخوارزمى أنه قال خرج المأمون نحو الحسن
ابن سهل إلى فم الصلح لثمان خلون من شهر رمضان ورحل من فم الصلح لتسع
بقين من شوال سنة 201 ( وهلك ) حميد بن عبدالحميد يوم الفطر من هذه السنة
وقالت جاربته عذل
من كان أصبح يوم الفطر مغتبطا * فما غبطنا به والله محمود
أو كان منتظرا في الفطر سيده * فإن سيدنا في الترب ملحود
( وفى هذه السنة ) افتتح عبدالله بن طاهر مصر واستأمن اليه عبيد الله بن
السرى بن الحكم
* ذكر الخبر عن سبب شخوص عبدالله بن طاهر من الرقة إلى مصر *
* وسبب خروج ابن السرى اليه في الامان *
ذكر أن عبدالله بن طاهر لما فرغ من مصر بن شبث العقيلى ووجهه إلى المأمون
فوصل اليه ببغداد كتب المأمون يأمره بالمصير إلى مصر فحدثنى أحمد بن محمد بن
مخلد أنه كان يومئذ بمصر وأن عبدالله بن طاهر لما قرب منها وصار منها على
ـ181ـ
مرحلة قدم قائدا من قواده اليها ليرتاد لمعسكره موضعا يعسكر فيه وقد خندق
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 181 سطر 1 الى ص 190 سطر 23
مرحلة قدم قائدا من قواده اليها ليرتاد لمعسكره موضعا يعسكر فيه وقد خندق
ابن السرى عليها خندقا فاتصل الخبر بابن السرى عن مصير القائد إلى ما قرب
منها فخرج بمن استجاب له من أصحابه إلى القائد الذى كان عبدالله بن طاهر وجهه
لطلب موضع معسكره فالتقى جيش ابن السرى وقائد عبدالله وأصحابه وهم في قلة
فجال القائد وأصحابه جولة وأبرد القائد إلى عبدالله بريدا يخبره بخبره وخبر ابن
السرى فحمل رجاله على البغال على كل بغل رجلين بآلتها وأدواتها وجنبوا الخيل
وأسرعوا السير حتى لحقوا القائد وابن السرى فلم تكن من عبدالله وأصحابه
إلا حملة واحدة حتى انهزم ابن السرى وأصحابه وتساقطت عامة أصحابه يعنى ابن السرى
في الخندق فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض في الخندق كان أكثر ممن قتله
الجند بالسيف وانهزم ابن السرى فدخل الفسطاط وأغلق على نفسه وأصحابه
ومن فيها الباب وحاصره عبدالله بن طاهر فلم يعاوده ابن السرى الحرب بعد
ذلك حتى خرج اليه في الامان * وذكر عن ابن ذى القلمين قال بعث ابن السرى
إلى عبدالله بن طاهر لما ورد مصر ومانعه من دخولها بألف وصيف ووصيفة
مع كل وصيف ألف دينار في كيس حرير وبعث بهم ليلا قال فرد ذلك عليه
عبدالله وكتب اليه لو قبلت هديتك نهارا لقبلتها ليلا بل أنتم بهديتكم تفرحون
ارجع اليهم فلتأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون قال
فحينئذ طلب الامان منه وخرج اليه * وذكر أحمد بن حفص بن عمر عن أبى
السمراء قال خرجنا مع الامير عبدالله بن طاهر متوجهين إلى مصر حتى اذا كنا بين
الرملة ودمشق اذا نحن بأعرابى قد اعترض فاذا شيخ فيه بقية على بعير له أورق
فسلم علينا فرددنا عليه السلام قال أ بوالسمراء وأنا واسحاق بن ابراهيم الرافقى
واسحاق بن أبى ربعى ونحن نساير الامير وكنا يومئذ أفره من الامير
دواب وأجود منه كسا قال فجعل الاعرابى ينظر في وجوهنا قال فقلت
يا شيخ قد ألححت في النظر أعرفت شيئا أم أنكرته قال لا والله ما عرفتكم قبل
يومى هذا ولا أنكرتكم لسوء أراه فيكم ولكنى رجل حسن الفراسة في الناس
ـ182ـ
جيد المعرفة بهم قال فأشرت له إلى اسحاق بن أبى ربعى فقلت ما تقول في هذا فقال
أرى كاتبا هى الكتابة بين * عليه وتأديب العراق منير
له حركات قد يشاهدن أنه * عليم بتقسيط الخراج بصير
ونظر إلى اسحاق بن ابراهيم الرافقى فقال
ومظهر نسك ما عليه ضميره * يحب الهدايا بالرجال مكور
أخال به جنبا وبخلا وشيمة * تخبر عنه أنه لوزير
ثم نظر إلى وأنشأ يقول
وهذا نديم للامير ومؤنس * يكون له بالقرب منه سرور
أخاله للاشعار والعلم راويا * فبعض نديم مرة وسمير
ثم نظر إلى الامير وأنشأ يقول
وهذا الامير المريجى سيب كفه * فما إن له فيمن رأيت نظير
عليه رداء من جمال وهيبة * ووجه بإدراك النجاح بشير
لقد عصم الاسلام منه بدابد * به عاش معروف ومات نكير
ألا إنما عبد الاله بن طاهر * لنا والد بر بنا وأمير
قال فوقع ذلك من عبدالله أحسن موقع وأعجبه ما قال الشيخ فأمر له بخمسمائة
دينار وأمره أن يصحبه وذكر عن الحسن بن يحيى الفهرى قال لقينا البطين الشاعر
الحمصى ونحن مع عبدالله بن طاهر فيما بين سلمية وحمص فوقف على الطريق فقال
لعبد الله بن طاهر
مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا * بابن ذى الجود طاهر بن الحسين
مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا * بابن ذى الغرتين في الدعوتين
مرحبا مرحبا بمن كفه البح * ر إذا فاض مزبد الرجوين
ما يبالى المأمون أيده الل * ه إذا كنتما له باقيين
أنت غرب وذاك شرق مقيما * أى فتق أتى من الجانبين
وحقيق إذ كنتما في قديم * لزريق ومصعب وحسين
ـ183ـ
أن تنالا ما نلتماه من المج * د وأن تعلوا على الثقلين
قال من أنت ثكلتك أمك قال أنا البطين الشاعر الحمصى قال اركب يا غلام
وانظر كم بيت قال قال سبعة فأمر له بسبعة آلاف درهم أو بسبعمائة دينار ثم لم
يزل معه حتى دخلوا مصر و الاسكندرية حتى انخسف به وبدابته مخرج فمات فيه
ب الاسكندرية ( وفى هذه السنة ) فتح عبدالله بن طاهر الاسكندرية وقيل كان فتحه
إياها في سنة 211 وأجلى من كان تغلب عليها من أهل الاندلس عنها
* ذكر الخبر عن أمره وأمرهم *
* حدثنى غير واحد من أهل مصر أن مراكب أقبلت من بحر الروم من قبل
الاندلس فبها جماعة كبيرة أيام شغل الناس قبلهم بفتنة الجروى وابن السرى
حتى أرسوا مراكبهم ب الاسكندرية ورئيسهم يومئذ رجل يدعى أبا حفص فلم يزالوا
بها مقيمين حتى قدم عبدالله بن طاهر مصر قال لى يونس بن عبد الاعلى قدم علينا
من قبل المشرق فتى حدث يعنى عبدالله بن طاهر والدنيا عندنا مفتونة قد غلب على
كل ناحية من بلادنا غالب والناس منهم في بلاء فأصلح الدنيا وأمن البرئ وأخاف
السقيم واستوثقت له الرعية بالطاعة ثم قال أخبرنا عبدالله بن وهب قال أخبرنى
عبدالله بن لهيعة قال لا أدرى رفعه إلى قبل أم لا فلم نجد فيما قرأنا من الكتب إن
لله بالمشرق جندا لم يطغ عليه أحد من خلقه إلا بعثهم عليه وانتقم بهم منه أو كلاما
هذا معناه فلما دخل عبدالله بن طاهر بن الحسين مصر أرسل إلى من كان بها من
الاندلسيين وإلى من كان انضوى اليهم يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة
فأخبرونى أنهم أجابوه إلى الطاعة وسألوه الامان على أن يرتحلوا من الاسكندرية
إلى بعض أطراف الروم التى ليست من بلاد الاسلام فأعطاهم الامان على ذلك
وأنهم رحلوا عنها فنزلوا جزيرة من جزائر البحر يقال لها إقريطش فاستو طنوها
وأقاموا بها وفيها بقايا أولادهم إلى اليوم ( وفى هذه السنة ) خلع أهل قم السلطان
ومنعوا الخراج
ـ184ـ
* ذكر الخبر عن سبب خلعهم السلطان ومآل أمرهم في ذلك *
ذكر أن سبب خلعهم إياه كان أنهم كانوا استكثروا ما عليهم من الخراج وكان
خراجهم ألفى ألف درهم وكان المأمون قد حط عن أهل الرى حين دخلها منصرفا
من خراسان إلى العراق ما قد ذكرت قبل فطمع أهل قم من المأمون في الفعل بهم
في الحط عنهم والتخفيف مثل الذى فعل من ذلك بأهل الرى فرفعوا اليه
يسألونه الحط ويشكون اليه ثقله عليهم فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوه فامتنعوا من
أدائه فوجه المأمون اليهم على بن هشام ثم أمده بعجيف بن عنبسة وقدم قائد
لحميد يقال له محمد بن يوسف الكح بقوص من خراسان فكتب اليه بالمصير
إلى قم لحرب أهلها مع على بن هشام فحاربهم على فظفر بهم وقتل يحيى بن عمران
وهدم سور قم وجباها سبعة آلاف ألف درهم بعد ما كانوا يتظلمون من ألفى
ألف درهم ( ومات في هذه السنة ) شهريار وهو ابن شروين وصار في
موضعه ابنه سابور فنازعه مازيار بن قارن فأسره وقتله وصارت الجبال في يدى
مازيار بن قارن ( وحج ) بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وهو
يومئذ والى مكة
* ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك خروج عبيد الله بن السرى إلى عبدالله بن طاهر بالامان ودخول
عبدالله بن طاهر مصر وقيل إن ذلك في سنة 210 وذكر بعضهم أن ابن السرى
خرج إلى عبدالله بن طاهر يوم السبت لخمس بقين من صفر سنة 211 وأدخل
بغداد لسبع بقين من رجب سنة 211 وأنزل مدينة أبى جعفر وأقام عبدالله بن
طاهر بمصر واليا عليها وعلى سائر الشأم والجزيرة فذكر عن طاهر بن خالد
ابن نزار الغسانى قال كتب المأمون إلى عبدالله بن طاهر وهو بمصر حين فتحها
في أسفل كتاب له
ـ185ـ
أخى أنت ومولاى * ومن أشكر نعماه
فما أحببت من أمر * فإنى الدهر أهواه
وما تكره من شئ * فإنى لست أرضاه
لك الله على ذاك * لك الله لك الله
وذكر عن عطاء صاحب مظالم عبدالله بن طاهر قال قال رجل من إخوة المأمون
للمأمون يا أمير المؤمنين ان عبدالله بن طاهر يميل إلى ولد أبى طالب وكذا كان
أبوه قبله قال فدفع المأمون ذلك وأنكره ثم عاد بمثل هذا القول فدس إليه رجلا
ثم قال له امض في هيئة القراء والنساك إلى مصر فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم
ابن ابراهيم بن طباطبا واذكر مناقبه وعلمه وفضائله ثم صر بعد ذلك إلى بعض
بطانة عبدالله بن طاهر ثم ائته فادعه ورغبه في استجابته له وابحث عن دفين نيته
بحثا شافيا وائتنى بما تسمع منه قال ففعل الرجل ما قال له وأمره به حتى إذا دعا
جماعة من الرؤساء والآعلام قعد يوما بباب عبدالله بن طاهر وقد ركب إلى
عبيد الله بن السرى بعد صلحه وأمانه فلما انصرف قام اليه الرجل فأخرج من
كمه رقعة فدفعها اليه فأخذها بيده فما هو إلا أن دخل فخرج الحاجب اليه فأدخله
عليه وهو قاعد على بساطه ما بينه وبين الارض غيره وقد مد رجليه وخفاه
فيهما فقال له قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك فهات ماعندك قال ولى أمانك
وذمة الله معك قال لك ذلك قال فأظهر له ما أراد ودعاه إلى القاسم وأخبره بفضائله
وعلمه وزهده فقال له عبدالله أتنصفنى قال نعم قال هل يجب شكر الله على العباد
قال نعم قال فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الاحسان والمنة والتفضل
قال نعم قال فتجئ إلى وأنا في هذه الحالة التى ترى لى خاتم في المشرق جائز وفى
المغرب كذلك وفيما بينهما أمرى مطاع وقولى مقبول ثم ما التفت يمينى ولا شمالى
وورائى وقدامى إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها على ومنة ختم بها رقبتى ويدا لائحة بيضاء
ابتدأنى بها تفضلا وكرما فتدعونى إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الاحسان وتقول
غدر بمن كان أولا لهذا وآخرا واسع في إزالة خيط عنقه وسفك دمه تراك لو
ـ186ـ
دعوتنى إلى الجنة عيانا من حيث أعلم أكان الله يحب أن أغدر به وأكفر احسانه
ومنته وأنكث بيعته فسكت الرجل فقال له عبدالله أما انه قد بلغنى أمرك وتالله
ما أخاف عليك إلا نفسك فارحل عن هذا البلد فان السلطان الاعظم إن بلغه
أمرك وما آمن ذلك عليك كنت الجانى على نفسك ونفس غيرك فلما أيس الرجل
مما عنده جاء إلى المأمون فاخبره الخبر فاستبشر وقال ذلك غرس يدى وإلف أدبى
وترب تلقيحى ولم يظهر من ذلك لاحد شيئا ولاعلم به عبدالله إلا بعد موت
المأمون وذكر عن عبدالله بن طاهر أنه قال وهو محاصر بمصر عبيد الله بن السرى
بكرت تسبل دمعا * إن رأت وشك براحى
وتبدلت صقيلا * يمنيا بوشاحى
وتماديت بسير * لغدو ورواح
زعمت جهلا بأنى * تعب غير مراح
أقصرى عنى فإنى * سالك قصد فلاحى
أنا للمأمون عبد * منه في ظل جناح
إن يعاف الله يوما * فقريب مستراحى
أو يكن هلك فقولى * بعويل وصياح
حل في مصر قتيل * ودعى عنك التلاحى
وذكر عبدالله بن أحمد بن يوسف أن أباه كتب إلى عبدالله بن طاهر
عند خروج عبيد الله بن السرى إليه يهنئه بذلك الفتح بلغنى أعز الله الامير
ما فتح الله عليك وخروج ابن السرى اليك فالحمد لله الناصر لدينه المعز لدولة خليفته
على عباده المذل عند عنه وعن حقه ورغب عن طاعته ونسأل الله أن يظاهر له
النعم ويفتح له بلدان الشرك والحمد لله على ما وليك به مذظعنت لوجهك فإنا ومن
قبلنا نتذاكر سيرتك في حربك وسلمك ونكثر التعجب لما وفقت له من الشدة
والليان في مواضعهما ولا نعلم سائس جند ورعية عدل بينهم عدلك ولا عفا بعد
القدرة عمن آسفه وأضغنه عفوك ولقل ما رأينا ابن شرف لم يلق بيده متكلا على
ـ187ـ
ما قدمت له أبوته ومن أوتى حظا وكفاية وسلطانا وولاية لم يخلد إلى ما عفا له حتى يخل
بمساماة ما أمامه ثم لا نعلم سائسا استحق النجح لحسن السيرة وكف معرة الاتباع
استحقاقك وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدم عليك أحدا يهوى عند الحاقة
والنازلة المعضلة فلينهك منة الله ومزيده ويسوغك الله هذه النعمة التى حواها
لك بالمحافظة على ما به تمت لك من التمسك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع
المسلمين وملاك وايانا العيش ببقائه وأنت تعلم أنك لم تزل عندنا وعند من قبلنا
مكرما مقدما معظما وقد زادك الله في أعين الخاصة والعامة جلالة وبجالة
فأصبحوا يرجونك لانفسهم ويعدونك لاحداثهم ونوائبهم وأرجو أن يوفقك
الله لمحابه كما وفق لك صنعه وتوفيقه فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك ولم تزدد
إلا تذللا وتواضعا فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك وأودع فيك السلام ( وفى
هذه السنة ) قدم عبدالله بن طاهر بن الحسين مدينة السلام من المغرب فتلقاه العباس
ابن المأمون وأبواسحاق المعتصم وسائر الناس وقدم معه ب المتغلبين على الشأم
كابن السرج وابن أبى الجمل وابن أبى الصقر ومات موسى بن حفص فولى محمد
ابن موسى طبرستان مكان أبيه وولى حاجب بن صالح الهند فهزمه بشر بن داود
فانحاز إلى كرمان ( وفيها ) أمر المأمون مناديا فنادى برئت الذمة ممن ذكر
معاوية بخير أو فضله على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وحج )
بالناس في هذه السنة صالح بن العباس وهو والى مكة ( وفيها ) مات
أبو العتاهية الشاعر
* ثم دخلت سنة اثنتى عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فممن ذلك ما كان من توجيه المأمون محمد بن حميد الطوسى إلى بابك لمحاربته على
طريق الوصل وتقويته إياه فأخذ محمد بن حميد يعلى بن مرة ونظراءه من المتغلبة
بآذربيجان فبعث بهم إلى المأمون ( وفيها ) خلع أحمد بن محمد العمرى المعروف
ـ188ـ
بالاحمر العين باليمن ( وفيها ) ولى المأمون محمد بن عبدالحميد المعروف بأبى الرازى
اليمن ( وفيها ) أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل على بن أبى طالب
عليه السلام وقال هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك
في شهر ربيع الاول منها ( وحج ) بالناس في هذه السنة عبدالله بن عبيد الله بن
العباس بن محمد
* ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من خلع عبدالسلام وابن جليس بمصر في القيسية واليمانية
ووثوبهما بها ( وفيها ) مات طلحة بن طاهر بخراسان ( وفيها ) ولى المأمون أخاه
أبا إسحاق الشأم ومصر وولى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم
وأمر لكل واحد منهما ومن عبدالله بن طاهر بخمسمائة ألف دينار وقيل إنه لم
يفرق في يوم من المال مثل ذلك ( وفيها ) ولى غسان بن عباد السند
* ذكر الخبر عن سبب توليته إياه السند *
وكان السبب في ذلك فيما بلغنى أن بشر بن داود بن يزيد خالف المأمون وجبا
الخراج فلم يحمل إلى المأمون شيئا منه فذكر أن المأمون قال يوما لاصحابه أخبرونى
عن غسان بن عباد فإنى أريده لامر جسيم وكان قد عزم على أن يوليه السند لما
كان من أمر بشر بن داود فتكلم من حضر وأطنبوا في مدحه فنظر المأمون إلى
أحمد بن يوسف وهو ساكت فقال له ما تقول يا أحمد قال يا أمير المؤمنين ذاك
رجل محاسنه أكثر من مساويه لاتصرف به إلى طبقة إلا انتصف منهم فمهما
تخوفت عليه فانه لن يأتى أمرا يعتذر منه لانه قسم أيامه بين أيام الفضل فجعل
لكل خلق نوبة إذا نظرت في أمره لم تدر أى حالاته أعجب إما هداه اليه عقله أم
إما اكتسبه بالادب قال لقد مدحته على سوء رأيك فيه قال لانه فيما قلت كما
قال الشاعر
ـ189ـ
كفى شكرا بما أسديت أنى * مدحتك في الصديق وفى عداتى
قال فأعجب المأمون كلامه واسترجح أدبه ( وحج ) بالناس في هذه السنة
عبدالله بن عبيد الله بن العباس بن محمد
* ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك مقتل محمد بن حميد الطوسى قتله بابك بهشتادسر يوم
السبت لخمس ليال بقين من شهر ربيع الاول وفض عسكره وقتل جمعا كثيرا
ممن كان معه ( وفيها ) قتل أبوالرازى باليمن ( وفيها ) قتل عمير بن الوليد
الباذغيسى عامل أبى إسحاق بن الرشيد بمصر بالحوف في شهر ربيع الاول فخرج
أبوإسحاق اليها فافتتحها وظفر بعبد السلام وابن جليس فقتلهما فضرب المأمون
ابن الحرورى ورده إلى مصر ( وفيها ) خرج بلال الضبابى الشارى فشخص
المأمون إلى العلث ثم رجع إلى بغداد فوجه عباسا ابنه في جماعة من القواد فيهم
على بن هشام وعجيف وهارون بن محمد بن أبى خالد فقتل هارون بلالا ( وفيها )
خرج عبدالله بن طاهر إلى الدينور فبعث المأمون اليه اسحاق بن ابراهيم ويحيى بن
أكثم يخيرانه بين خراسان والجبال وأرمينية وآذربيجان ومحاربة بابك فاختار
خراسان وشخص اليها ( وفيها ) تحرك جعفر بن داود القمى فظفر به عزيز مولى
عبدالله بن طاهر وكان هرب من مصر فرد اليها ( وفيها ) ولى على بن هشام
الجبل وقم واصبهان وآذربيجان ( وحج ) بالناس في هذه السنة اسحاق
ابن العباس بن محمد
* ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
( وفى هذه السنة ) شخص المأمون من مدينة السلام لغزو الروم وذلك
يوم السبت فيما قيل لثلاث بقين من المحرم وقيل كان ارتحاله من الشماسية إلى
ـ190ـ
البردان يوم الخميس بعد صلاة الظهر لست بقين من المحرم سنة 215 واستخلف
حين رحل عن مدينة السلام عليها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وولى مع ذلك
السواد وحلوان وكور دجلة فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن على
ابن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رحمه الله
من المدينة في صفر ليلة الجمعة من هذه السنة ولقيه بها فأجازه وأمره أن يدخل
بابنته أم الفضل وكان زوجها منه فأدخلت عليه في دار أحمد بن يوسف التى
على شاطئ دجلة فأقام بها فلما كان أيام الحج خرج بأهله وعياله حتى أتى
مكة ثم أتى منزله بالمدينة فأقام بها ثم سلك المأمون طريق الموصل حتى صار إلى
منبج ثم إلى دابق ثم إلى انطاكية ثم إلى المصيصة ثم خرج منها إلى طرسوس ثم
دخل من طرسوس إلى بلاد الروم للنصف من جمادى الاولى ورحل العباس
ابن المأمون من ملطية فأقام المأمون على حصن يقال له قرة حتى فتحه عنوة وأمر
بهدمه وذلك يوم الاحد لاربع بقين من جمادى الاولى وكان قد افتتح قبل ذلك
حصنا يقال له ماجدة فمن على أهلها وقيل إن المأمون لما أناخ على قرة فحارب أهلها
طلبوا الامان فآمنهم المأمون فوجه أشناس إلى حصن سندس فأتاه برئيسه
ووجه عجيفا وجعفرا الخياط إلى صاحب حصن سنان فسمع وأطاع ( وفى
هذه السنة ) انصرف أبواسحاق بن الرشيد من مصر فلقى المأمون
قبل دخوله الموصل ولقيه منويل وعباس ابنه برأس العين ( وفيها ) شخص المأمون
بعد خروجه من أرض الروم إلى دمشق ( وحج ) بالناس في هذه السنة عبدالله
ابن عبيد الله بن العباس بن محمد
* ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك كر المأمون إلى أرض الروم
ـ191ـ
* ذكر السبب في كره اليها *
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 191 سطر 1 الى ص 200 سطر 25
* ذكر السبب في كره اليها *
اختلف في ذلك فقيل كان السبب فيه ورود الخبر على المأمون بقتل ملك
الروم قوما من أهل طرسوس والمصيصة وذلك فيما ذكر ألف وستمائة فلما بلغه
ذلك شخص حتى دخل أرض الروم يوم الاثنين لاحدى عشرة بقيت من جمادى
الاولى من هذه السنة فلم يزل مقيما فيها إلى النصف من شعبان * وقيل إن سبب
ذلك أن توفيل بن ميخائيل كتب إليه فبدأ بنفسه فلما ورد الكتاب عليه لم يقرأه
وخرج إلى أرض الروم فوافاه رسل توفيل بن ميخائيل بأذنه ووجه بخمسمائة
رجل من أسارى المسلمين إليه فلما دخل المأمون أرض الروم ونزل على أنطيغوا
فخرج أهلها على صلح وصار إلى هرقلة فخرج أهلها إليه على صلح ووجه أخاه
أبا إسحاق فافتتح ثلاثين حصنا ومطمورة ووجه يحيى بن أكثم من طوانة فأغار
وقتل وحرق وأصاب سبيا ورجع إلى العسكر ثم خرج المأمون إلى كيسوم فأقام
بها يومين أو ثلاثة ثم ارتحل إلى دمشق ( وفى هذه السنة ) ظهر عبدوس الفهرى
فوثب بمن معه على عمال أبى إسحاق فقتل بعضهم وذلك في شعبان فشخص المأمون
من دمشق يوم الاربعاء لاربع عشرة بقيت من ذى الحجة إلى مصر ( وفيها ) قدم
الافشين من برقة منصرفا عنها فأقام بمصر ( وفيها ) كتب المأمون إلى إسحاق بن
إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا فبدأوا بذلك في مسجد المدينة
والرصافة يوم الجمعة لاربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان من هذه السنة حين
قضوا الصلاة فقاموا قياما فكبروا ثلاث تكبيرات ثم فعلوا ذلك في كل صلاة
مكتوبة ( وفيها ) غضب المأمون على على بن هشام فوجه إليه عجيف بن عنبسة
وأحمد بن هشام وأمر بقبض أمواله وسلاحه ( وفيها ) ماتت أم جعفر ببغداد
في جمادى الاولى ( وفيها ) قدم غسان بن عباد من السند وقد استأمن إليه بشر
ابن داود المهلبى وأصلح السند واستعمل عليها عمران بن موسى البرمكى فقال الشاعر
سيف غسان رونق الحرب فيه * وسمام الحتوف في ظبيته
فإذا جره إلى بلد السن * د فألقى المقاد بشر إليه
ـ192ـ
مقسما لا يعود ما حج لل * ه مصل وما رمى جمرتيه
غادرا يخلع الملوك ويغتا * ل جنودا تأوى إلى ذروتيه
فرجع غسان إلى المأمون * وهرب جعفر بن داود القمى إلى قم وخلع بها
( وفى هذه السنة ) كان البرد الشديد ( وحج ) بالناس في قول بعضهم في هذه
السنة سليمان بن عبدالله بن سليمان بن على بن عبدالله بن عباس وفى قول بعضهم
حج بهم في هذه السنة عبدالله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن على بن عبدالله
ابن العباس وكان المأمون ولاه اليمن وجعل إليه ولاية كل بلدة يدخلها حتى يدخل
إلى اليمن فخرج من دمشق حتى قدم بغداد فصلى بالناس بها يوم الفطر فشخص
من بغداد يوم الاثنين لليلة خلت من ذى القعدة وأقام الحج للناس
* ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ظفر الافشين فيها بالبيما وهى من أرض مصر ونزل أهلها بأمان على
حكم المأمون ، قرئ كتاب فتحها لليلة بقيت من شهر ربيع الآخر * وورد المأمون
فيها مصر في المحرم فأتى بعبدوس الفهرى فضرب عنقه وانصرف إلى الشأم
( وفيها ) قتل المأمون ابنى هشام عليا وحسينا بأذنة في جمادى الاول
* ذكر الخبر عن سبب قتله عليا *
وكان سبب ذلك أن المأمون للذى بلغه من سوء سيرته في أهل عمله الذى كان
المأمون ولاه وكان ولاه كور الجبال وقتله الرجال وأخذه الاموال فوجه إليه
عجيف فأراد أن يفتك به ويلحق ببابك فظفر به عجيف فقدم به على المأمون فأمر
بضرب عنقه فتولى قتله ابن الجليل وتولى ضرب عنق الحسين محمد بن يوسف
ابن أخيه بأذنة يوم الاربعاء لاربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الاولى ثم بعث
رأس على بن هشام إلى بغداد وخراسان فطيف به ثم رد إلى الشأم والجزيرة
فطيف به كورة كورة فقدم به دمشق في ذى الحجة ثم ذهب به إلى مصر ثم ألقى بعد
ـ193ـ
ذلك في البحر * وذكر أن المأمون لما قتل على بن هشام أمر أن يكتب رقعة
وتعلق على رأسه ليقرأها الناس فكتب أما بعد فان أمير المؤمنين كان دعا على بن
هشام فيمن دعا من أهل خراسان أيام المخلوع إلى معاونته والقيام بحقه وكان فيمن
أجاب وأسرع الاجابة وعاون فأحسن المعاونة فرعى أمير المؤمنين ذلك له
واصطنعه وهو يظن به تقوى الله وطاعته والانتهاء إلى أمر أمير المؤمنين في
عمل إن أسند إليه في حسن السيرة وعفاف الطعمة وبدأه أمير المؤمنين بالافضال
عليه فولاه الاعمال السنية ووصله بالصلات الجزيلة التى أمر أمير المؤمنين بالنظر
في قدرها فوجدها أكثر من خمسين ألف ألف درهم فمد يده إلى الخيانة
والتضييع لما استرعاه من الامانة فباعده عنه وأقصاه ثم استقال أمير المؤمنين عثرته
فأقاله إياها وولاه الجبل وآذربيجان وكور أرمينية ومحاربة أعداء الله الخرمية
على أن لا يعود لما كان منه فعاود أكثر ما كان بتقديمه الدينار والدرهم على العمل
لله ودينه وأساء السيرة وعسف الرعية وسفك الدماء المحرمة فوجه أمير المؤمنين
عجيف بن عنبسة مباشرا لامره وراعيا إلى تلافى ما كان منه فوثب بعجيف يريد
قتله فقوى الله عجيفا بنيته الصادقة في طاعة أمير المؤمنين حتى دفعه عن نفسه ولو
تم ما أراد بعجيف لكان في ذلك مالا يستدرك ولا يستقال ولكن الله إذا أراد
أمرا كان مفعولا فلما أمضى أمير المؤمنين حكم الله في على بن هشام رأى أن لا يؤاخذ
من خلفه بذنبه فأمر أن يجرى لولده ولعياله ولمن اتصل بهم ومن كان يجرى عليهم
مثل الذى كان جاريا لهم في حياته ولولا أن على بن هشام أراد العظمى بعجيف
لكان في عداد من كان في عسكره ممن خالف وخان كعيسى بن منصور ونظرائه
والسلام ( وفى هذه السنة ) دخل المأمون أرض الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم
ثم رحل عنها وخلف عليها عجيفا فاختدعه أهلها وأسروه فمكث أسيرا في أيديهم
ثمانية أيام ثم أخرجوه وصار توفيل إلى لؤلؤة فأحاط بعجيف فصرف المأمون
الجنود إليه فارتحل توفيل قبل موافاتهم وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان
( وفيها ) كتب توفيل صاحب الروم إلى المأمون يسأله الصلح وبدأ بنفسه في
( 13 7 )
ـ194ـ
كتابه وقدم بالكتاب الفصل وزير توفيل يطلب الصلح وعرض الفدية وكانت
نسخة كتاب توفيل إلى المأمون أما بعد فإن اجتماع المختلفين على حفظهما أولى
بهما في الرأى مما عاد بالضرر عليهما ولست حريا أن تدع لحظ يصل إلى غيرك
حظا تحوزه إلى نفسك وفى علمك كاف عن اخبارك وقد كنت كتبت اليك
داعيا إلى المسالمة راغبا في فضيلة المهادنة لتضع أوزار الحرب عنا ونكون كل
واحد لكل واحد وليا وحزبا مع اتصال المرافق والفسح في المتاجر وفك
المستأسر وأمن الطرق والبيضة فإن أبيت فلا أدب لك في الخمر ولا أزخرف لك
في القول فإنى لخائض اليك غمارها آخذ عليك أسدادها شان خيلها ورجالها
وأن افعل فبعد أن قدمت المعذرة وأقمت بينى وبينك علم الحجة والسلام فكتب
اليه المأمون أما بعد فقد بلغنى كتابك فيما سألت من الهدنة ودعوت اليه من الموادعة
وخلطت فيه من اللين والشدة مما استعطفت به من شرح المتاجر واتصال المرافق وفك
الاسارى ورفع القتل والقتال فلولا ما رجعت اليه من اعمال التؤدة والاخذ بالحظ في
تقليب الفكرة وألا أعتقد الرأى في مستقبله الا في استصلاح ما أوثره في معتقبه لجعلت
جواب كتابك لخيلا تحمل رجالا من أهل البأس والنجدة والبصيرة ينازعونكم عن
ثكلكم ويترقبون إلى الله بدمائكم ويستقلون في ذات الله ما نالهم من ألم شوكتكم ثم
أوصل اليهم من الامداد وأبلغ لهم كافيا من العدة والعتاد هم أظمأ إلى موارد المنايا منكم
إلى السلامة من مخوف معرتهم عليكم موعدهم احدى الحسنيين عاجل غلبة أو
كريم منقلب غير أنى رأيت أن أتقدم اليك بالموعظة التى يثبت الله بها عليك الحجة
من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفية فإن أبيت ففدية توجب
ذمة وتثبت نظرة وان تركت ذلك ففى يقين المعاينة لنعوتنا ما يغنى عن الابلاغ
في القول والاغراق في الصفة والسلام على من اتبع الهدى ( وفيها ) صار المأمون
إلى سلغوس ( وفيها ) بعث على بن عيسى القمى جعفر بن داود القمى فضرب
أبواسحاق بن الرشيد عنقه ( وحج ) بالناس في هذه السنة سليمان بن عبدالله
ابن سليمان بن على
ـ195ـ
* ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من شخوص المأمون من سلغوس إلى الرقة وقتله بها ابن
أخت الدارى ( وفيها ) أمر بتفريغ الرافقة لينزلها حشمه فضج من ذلك أهلها
فأعفاهم ( وفيها ) وجه المأمون ابنه العباس إلى أرض الروم وأمره بنزول
الطوانة وبنائها وكان قد وجه الفعلة والفروض فابتدأ البناء وبناها ميلا في ميل
وجعل سوزها على ثلاثة فراسخ وجعل لها أربعة أبواب وبنى على كل باب
حصنا وكان توجيهه ابنه العباس في ذلك في أول يوم من جمادى * وكتب إلى
أخيه أبى اسحاق بن الرشيد أنه قد فرض على جند دمشق وحمص والاردن
وفلسطين أربعة آلاف رجل وأنه يجرى على الفارس مائة درهم وعلى الراجل
أربعين درهما وفرض على مصر فرضا وكتب إلى العباس بمن فرض على قنسرين
والجزيرة وإلى إسحاق بن إبراهيم بمن فرض على أهل بغداد وهم ألفا رجل وخرج
بعضهم حتى وافى طوانة ونزلها مع العباس ( وفى هذه السنة ) كتب المأمون
إلى إسحاق بن ابراهيم في امتحان القضاة والمحدثين وأمر بإشخاص جماعة منهم
اليه إلى الرقة وكان ذلك أول كتاب كتب في ذلك ونسخة كتابه اليه أما بعد فان
حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذى استحفظهم
ومواريث النبوة التى أورثهم وأثر العلم الذى استودعهم والعمل بالحق في رعيتهم
والتشمير لطاعة الله فيهم والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته
والاقساط فيما ولاه الله من رعيته برحمته ومنته وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور
الاعظم والسواد الاكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لانظر له ولا روية
ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والاستضاء بنور العلم وبرهانه في جميع الاقطار
والآفاق أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والايمان
به ونكوب عن واضحات أعلامه وواجب سبيله وقصور أن يقدروا الله حق
ـ196ـ
قدره ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه لضعف آرائهم ونقص عقولهم
وجفائهم عن التفكر والتذكر وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وبين ما أنزل
من القرآن فأطبقوا مجتمعين واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول لم يخلقه الله
ويحدثه ويخترعه وقد قال الله عزوجل في محكم كتابه الذى جعله لما في الصدور
شفاء وللمؤمنين رحمة وهدى " إنا جعلناه قرآنا عربيا " فكل ما جعله الله فقد خلقه
وقال " الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور " وقال
عزوجل " كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق " فأخبر أنه قصص لامور
أحدثه بعدها وتلا به متقدمها وقال " الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن
حكيم خبير " وكل محكم مفصل فله محكم مفصل والله محكم كتابه ومفصله فهو خالفه
ومبتدعه ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم ونسبوا أنفسهم إلى السنة
وفى كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته مبطل قولهم ومكذب دعواهم
يرد عليهم قولهم ونحلتهم ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحق والدين والجماعة
وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة فاستطالوا بذلك على الناس وغروا
به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله والتقشف
لغير الدين إلى موافقتهم عليه ومواطأتهم على سيئ آرائهم تزينا بذلك عندهم
وتصنعا للرئاسة والعدالة فيهم فتركوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة
إلى ضلالتهم فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم ونفذت أحكام الكتاب بهم على
دغل دينهم ونغل أديمهم وفساد نياهم ويقينهم وكان ذلك غايتهم التى اليها
أجروا وإياها طلبوا في متابعتهم والكذب على مولاهم وقد أخذ عليهم ميثاق
الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه اولئك الذين أصمهم الله
وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فرأى أمير المؤمنين أن
أولئك شر الامة ورؤس الضلالة المنقصون من التوحيد حظا و المخسوسون
من الايمان نصيبا وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق
في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله وحق من يتهم في صدقه وتطرح
ـ197ـ
شهادته لا يوثق بقوله ولا عمله فانه لاعمل إلا بعد يقين ولا يقين إلا بعد استكمال
حقيقة الاسلام وإخلاص التوحيد ومن عمى عن رشده وحظه من الايمان بالله
وبتوحيده كان عما سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأضل سبيلا
ولعمر أمير المؤمنين إن أحجى الناس بالكذب في قوله وتخرص الباطل في شهادته
من كذب على الله ووحيه ولم يعرف الله حقيقة معرفته وإن أولاهم برد شهادته
في حكم الله ودينه من رد شهادة الله على كتابه وبهت حق الله بباطله فأجمع من
بحضرتك من القضاة واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا اليك فابدأ
بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه
وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق فيما قلده الله واستحفظه
من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه فإذا أقروا بذلك
ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم بنص من يحضرهم
من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك إثبات شهادة من لم يقرأنه
مخلوق محدث ولم يره والامتناع من توقيعها عنده واكتب إلى أمير المؤمنين بما
يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والامر لهم بمثل ذلك ثم أشرف عليهم
وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله الا بشهادة أهل البصائر في الدين والاخلاص
للتوحيد واكتب إلى أمير المؤنين بما يكون في ذلك ان شاء الله وكتب في شهر
ربيع الاول سنة 218 وكتب المأمون إلى اسحاق بن ابراهيم في إشخاص سبعة
نفر منهم محمد بن سعيد كاتب الواقدى وأبومسلم مستملى يزيد بن هارون ويحيى بن
معين وزهير بن حرب أبوخثيمة وإسماعيل بن داود واسماعيل بن أبى مسعود
وأحمد بن الدورقى فأشخصوا اليه فامتحنهم وسألهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعا
إن القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السلام وأحضرهم اسحاق بن ابراهيم داره
فشهر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث فأقروا بمثل
ما أجابوا به المأمون فخلى سبيلهم وكان ما فعل من ذلك اسحاق بن ابراهيم بأمر
المأمون * وكتب المأمون بعد ذلك إلى اسحاق بن ابراهيم * أما بعد فان من حق
ـ198ـ
الله على خلفائه في أرضه وأمنائه على عباده الذين ارتضاهم لاقامة دينه وحملهم رعاية
خلقه وإمضاء حكمه وسننه والائتمام بعدله في بريته أن يجهدو الله أنفسهم وينصحوا
له فيما استحفظهم وقلدهم ويدلوا عليه تبارك اسمه وتعالى بفضل العلم الذى
أودعهم والمعرفة التى جعلها فيهم ويهدوا اليه من زاغ عنه ويردوا من أدبر عن
أمره وينهجوا لرعاياهم سمت نجاتهم ويقفوهم على حدود ايمانهم وسبيل فوزهم
وعصمتهم ويكشفوا لهم عن مغطيات أمورهم و مشتبهاتها عليهم بما يدفعون
الريب عنهم ويعود بالضياء والبينة على كافتهم وأن يؤثروا ذلك من ارشادهم
وتبصيرهم اذ كان جامعا لفنون مصانعهم ومنتظما لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم
ويتذكروا ما الله مرصد من مساءلتهم عما حملوه ومجازاتهم بما أسلفوه وقدموا
عنده وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحده وحسبه الله وكفى به ومما بينه
أمير المؤمنين برويته وطالعه بفكره فتبين عظيم خطره وجليل ما يرجع في الدين
من وكفه وضرره ماينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الذى جعله الله إماما
لهم وأثرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم
باقيا لهم واشتباهه على كثير منهم حتى حسن عندهم وتزين في عقولهم ألا يكون
مخلوقا فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذى بان به على خلقه وتفرد بجلالته من
ابتداع الاشياء كلها بحكمته وانشائها بقدرته والتقدم عليه بأوليته التى لا يبلغ
أولاها ولايدرك مداها وكان كل شئ دونه خلقا وحدثا هو المحدث
له وإن كان القرآن ناطقا به ودالا عليه وقاطعا للاختلاف فيه وضاهوا به قول
النصارى في ادعائهم في عيسى ابن مريم انه ليس بمخلوق اذ كان كلمة الله والله عزوجل
يقول " إنا جعلناه قرآنا عربيا " وتأويل ذلك أنا خلقناه كما قال جل جلاله " وجعل
منها زوجها ليسكن اليها " وقال " وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا " وجعلنا من
الماء كل شئ حى " فسوى عزوجل بين القرآن وبين هذه الخلائق التى ذكرها
في شية الصنعة وأخبر أنه جاعله وحده فقال " إنه لقرآن مجيد في لوح محفوظ " فقال
ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن ولا يحاط الا بمخلوق وقال لنبيه صلى الله عليه
ـ199ـ
وسلم " لاتحرك به لسانك لتعجل به " وقال " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " وقال
" ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته " وأخبر عن قوم ذمهم بكذبهم
أنهم قالوا " ماأنزل الله على بشر من شئ " ثم أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله
" قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى " فسمى الله تعالى القرآن قرآنا وذكرا
وإيمانا ونورا وهدى ومباركا وعربيا وقصصا فقال " نحن نقص عليك أحسن
القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن " وقال " قل لئن اجتمعت الانس والجن على
أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله " وقال " قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات "
وقال " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " فجعل له أولا وآخرا ودل عليه
أنه محدود مخلوق وقد عظم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم والحرج
في أمانتهم وسهلوا السبيل لعدو الاسلام واعترفوا بالتبديل والالحاد على قلوبهم
حتى عرفوا ووصفوا خلق الله وفعله بالصفة التى هى لله وحده وشبهوه به والاشباه
أولى بخلقه وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظا في الدين ولا نصيبا
من الايمان واليقين ولا يرى أن يحل أحدا منهم محل الثقة في أمانة ولا عدالة
ولا شهادة ولا صدق في قول ولا حكاية ولا تولية لشئ من أمر الرعية وإن ظهر
قصد بعضهم وعرف بالسداد مسدد فيهم فان الفروع مردودة إلى أصولها ومحمولة
في الحمد والذم عليها ومن كان جاهلا بأمر دينه الذى أمره الله به من وحدانيته
فهو بما سواه أعظم جهلا وعن الرشد في غيره أعمى وأضل سبيلا فاقرأ على جعفر
ابن عيسى و عبدالرحمن بن اسحاق القاضى كتاب أمير المؤمنين بما كتب به اليك
وأنصصهما عن علمهما في القرآن وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شئ
من أمور المسلمين الا بمن وثق باخلاصه وتوحيده وأنه لا توحيد لمن لم يقر بأن
القرآن مخلوق فان قالا بقول أمير المؤمنين في ذلك فتقدم اليهما في امتحان من يحضر
مجالسهما ب الشهادات على الحقوق ونصهم عن قولهم في القرآن فمن لم يقل منهم أنه
مخلوق أبطلا شهادته ولم يقطعا حكما بقوله وإن ثبت عفافه بالقصد والسداد في
أمره وافعل ذلك بمن في سائر عملك في القضاة وأشرف عليهم إشرافا يزيد الله
ـ200ـ
به ذا البصيرة في بصيرته ويمنع المرتاب من اغفال دينه واكتب إلى أمير المؤمنين
بما يكون منك في ذلك إن شاء الله ( قال ) فأحضر إسحاق بن ابراهيم لذلك
جماعة من الفقهاء والحكام والمحدثين وأحضر أبا حسان الزيادى وبشر بن الوليد
الكندى وعلى بن أبى مقاتل والفضل بن غانم والذيال بن الهيثم وسجادة و القواريرى
وأحمد بن حنبل وقتيبة وسعدويه الواسطى وعلى بن الجعد واسحاق بن أبى إسرائيل
وابن الهرش وابن علية الاكبر ويحيى بن عبدالرحمن العمرى وشيخا آخر من
ولد عمر بن الخطاب كان قاضى الرقة وأبا نصر التمار وأبا معمر القطيعى ومحمد بن
حاتم بن ميمون ومحمد بن نوح المضروب وابن الفرخان وجماعة منهم النضر بن شميل
وابن على بن عاصم و أبوالعوام البزاز وابن شجاع و عبدالرحمن بن اسحاق فأدخلوا
جميعا على اسحاق فقرأ عليهم كتاب المأمون هذا مرتين حتى فهموه ثم قال لبشر
ابن الوليد ما تقول في القرآن فقال قد عرفت مقالتى لامير المؤمنين غير مرة قال
فقد تجدد من كتاب أمير المؤمنين ما قد ترى فقال أقول القرآن كلام الله قال
لم أسألك عن هذا أمخلوق هو قال الله خالق كل شئ قال ما القرآن شئ قال هو
شئ قال فمخلوق قال ليس بخالق قال ليس أسألك عن هذا أمخلوق هو قال ما أحسن
غير ما قلت لك وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه وليس عندى غير
ما قلت لك فأخذ اسحاق بن ابراهيم رقعة كانت بين يديه فقرأها عليه ووقفه
عليها فقال أشهد أن لا إله إلا الله أحدا فردا لم يكن قبله شئ ولا بعده شئ ولا يشبهه
شئ من خلقه في معنى من المعانى ولا وجه من الوجوه قال نعم وقد كنت
أضرب الناس على دون هذا فقال للكاتب اكتب ما قال ثم قال لعلى بن أبى
مقاتل ما تقول يا على قال قد سمعت كلامى لامير المؤمنين في هذا غير مرة وما عندى
غير ما سمع فامتحنه بالرقعة فأمر بما فيها ثم قال القرآن مخلوق قال القرآن كلام
الله قال لم أسألك عن هذا قال هو كلام الله وإن أمرنا أمير المؤمنين بشئ سمعنا
وأطعنا فقال للكاتب اكتب مقالته ثم قال للذيال نحوا من مقالته لعلى بن أبى
مقاتل فقال له مثل ذلك ثم قال لابى حسان الزيادى ما عندك قال سل عما شئت فقرا
ـ201ـ
عليه الرقعة ووقفه عليها فأقر بما فيها ثم قال من لم يقل هذا القول فهو كافر فقال
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 201 سطر 1 الى ص 210 سطر 25
عليه الرقعة ووقفه عليها فأقر بما فيها ثم قال من لم يقل هذا القول فهو كافر فقال
القرآن مخلوق هو قال القرآن كلام الله والله خالق كل شئ وما دون الله مخلوق
وأمير المؤمنين إماسنا وبسببه سمعنا عامة العلم وقد سمع مالم نسمع وعلم مالم نعلم
وقد قلده الله أمرنا فصار يقيم حجنا وصلاتنا ونؤدى اليه زكاة أموالنا ونجاهد
معه ونرى امامته إمامة وإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا انتهينا وإن دعانا أجبنا قال
القرآن مخلوق هو فأعاد عليه أبوحسان مقالته قال إن هذه مقالة أمير المؤمنين قال
قد تكون مقالة أمير المؤمنين ولا يأمر بها الناس ولا يدعوهم اليها وإن أخبرتنى
أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول قلت ما أمرتنى به فإنك الثقة المأمون عليه فيما
أبلغتنى عنه من شئ فان أبلغتنى عنه بشئ صرت اليه قال ما أمرنى أن أبلغك
شيئا قال على بن أبى مقاتل قد يكون قوله كاختلاف أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم في الفرائض و المواريث ولم يحملوا الناس عليها قال له أبوحسان
ما عندى الا السمع والطاعة فمرنى آتمر قال ما أمرنى أن آمرك وإنما أمرنى
أن أمتحنك ثم عاد إلى أحمد بن حنبل فقال له ما تقول في القرآن قال هو كلام الله
قال أمخلوق هو قال هو كلام الله لا أزيد عليها فامتحنه بما في الرقعة فلما أتى إلى " ليس
كمثله شئ وهو السميع البصير " وأمسك عن لا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعانى
ولا وجه من الوجوه فاعترض عليه ابن البكاء الاصفر فقال أصلحك الله إنه يقول
سميع من أذن بصير من عين فقال اسحاق لاحمد بن حنبل ما معنى قوله سميع بصير
قال هو كما وصف نفسه قال فما معناه قال لا أدرى هو كما وصف نفسه ثم دعا بهم رجلا
رجلا كلهم يقول القرآن كلام الله إلا هؤلاء النفر قتيبة وعبيد الله بن محمد بن الحسن
وابن علية الاكبر وابن البكاء وعبد المنعم بن ادريس بن بنت وهب بن منبه والمظفر
ابن مرجا ورجلا ضريرا ليس من أهل الفقه ولا يعرف بشئ منه إلا أنه دس في
ذلك الموضع ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضى الرقة وابن الاحمر فأما ابن
البكاء الاكبر فانه قال القرآن مجعول لقول الله تعالى " إنا جعلناه قرآنا عربيا " والقرآن
محدث لقوله " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " قال له اسحاق فالمجعول مخلوق قال
ـ202ـ
نعم قال فالقرآن مخلوق قال لا أقول مخلوق ولكنه مجعول فكتب مقالته فلما فرغ من
امتحان القوم وكتب مقالاتهم اعترض ابن البكاء الاصغر فقال أصلحك الله إن
هذين القاضيين أئمة فلو أمرتهما فأعادا الكلام قال له اسحق هما من يقوم بحجة أمير
المؤمنين قال فلو أمرتهما أن يسمعانا مقالتهما لنحكى ذلك عنهما قال له اسحق إن
شهدت عندهما بشهادة فستعلم مقالتهما إن شاء الله فكتب مقالة القوم رجلا رجلا
ووجهت إلى المأمون فمكث القوم تسعة أيام ثم دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون
جواب كتاب اسحاق بن ابراهيم في أمرهم ونسخته ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أما بعد
فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك جواب كتابه كان اليك فيما ذهب اليه متصنعة أهل
القبلة وملتمسوا الرئاسة فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة من القول في القرآن وأمرك
به أمير المؤمنين من امتحانهم وتكشيف أحوالهم واحلالهم محالهم تذكر احضارك
جعفر بن عيسى و عبدالرحمن بن اسحق عند ورود كتاب أمير المؤمنين مع من
أحضرت ممن كان ينسب إلى الفقه ويعرف بالجلوس للحديث وينصب نفسه للفتيا
بمدينة السلام وقراءتك عليهم جميعا كتاب أمير المؤمنين ومسألتك إياهم عن اعتقادهم
في القرآن والدلالة لهم على حظهم واطباقهم على نفى التشبيه واختلافهم في القرآن
وأمرك من لم يقل منهم إنه مخلوق بالامساك عن الحديث والفتوى في السر والعلانية
وتقدمك إلى السندى وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدمت به فيهم إلى القاضيين
يمثل ما مثل لك أمير المؤمنين من امتحان من يحضر مجالسهما من الشهود وبث الكتب
إلى القضاة في النواحى من عملك بالقدوم عليك لتحملهم وتمتحنهم على ما حده أمير
المؤمنين وتثبيتك في آخر الكتاب أسماء من حضر ومقالاتهم وفهم أمير المؤمنين
ما اقتصصت وأمير المؤمنين يحمد الله كثيرا كما هو أهله ويسأله أن يصلى على عبده
ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ويرغب إلى الله في التوفيق لطاعته وحسن المعونة
على صالح نيته برحمته وقد تدبر أمير المؤمنين ما كتبت به من أسماء من سألت عن
القرآن وما رجع اليك فيه من كل امرئ منهم وما شرحت من مقالتهم فأما ما قال المغرور
ـ203ـ
بشر بن الوليد في نفى التشبيه وما أمسك عنه من أن القرآن مخلوق وادعى من تركه
الكلام في ذلك واستعهاده أمير المؤمنين فقد كذب بشر في ذلك وكفر وقال الزور
والمنكر ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك ولا في غيره عهد ولا نظر
أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الاخلاص والقول بأن القرآن
مخلوق فادع به اليك وأعلمه ما أعلمك به أمير المؤمنين من ذلك وأنصصه عن قوله
في القرآن واستتبه منه فإن أمير المؤمنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته إذ كانت
تلك المقالة الكفر الصراح والشرك المحض عند أمير المؤمنين فإن تاب منها فأشهر
أمره وأمسك عنه وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده
فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله وكذلك ابراهيم بن المهدى
فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشرا فإنه كان يقول بقوله وقد بلغت أمير المؤمنين عنه
بوالغ فإن قال إن القرآن مخلوق فأشهر أمره واكشفه وإلا فاضرب عنقه وابعث
إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله وأما على بن أبى مقاتل فقل له ألست القائل
لامير المؤمنين إنك تحلل وتحرم والمكلم له بمثل ما كلمته به مما لم يذهب عنه ذكره
وأما الذيال بن الهيثم فأعلمه أنه كان في الطعام الذى كان يسرقه في الانبار وفيما
يستولى عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبى العباس ما يشغله وأنه لو كان مقتفيا
آثار سلفه وسالكا مناهجهم ومحتديا سبيلهم لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه وأما
أحمد بن يزيد المعروف بأبى العوام وقوله أنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه
أنه صبى في عقله لافى سنه جاهل وأنه إن كان لا يحسن الجواب في القرآن
فيسحسنه إذا أخذه التأديب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك إن شاء
الله وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى
تلك المقالة وسبيله فيها واستدل على جهله وآفته بها وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه
لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر وما اكتسب من الاموال في أقل من سنة
وما شجر بينه وبين المطلب بن عبدالله في ذلك فإنه من كان شأنه شأنه وكانت رغبته
في الدينار والدرهم رغبته فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعا فيهما وإيثارا لعاجل
ـ204ـ
نفعهما وأنه مع ذلك القائل لعلى بن هشام ما قال والمخلف له فيما خالفه فيه فما الذى
حال به عن ذلك ونقله إلى غيره وأما الزيادى فأعلمه أنه كان منتحلا ولا أول دعى كان
في الاسلام خولف فيه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جديرا أن يسلك
مسلكه فأنكر أبوحسان أن يكون مولى لزياد أو يكون مولى لاحد من الناس
( وذكر أنه إنما نسب إلى زياد لامر من الامور ) وأما المعروف بأبى نصر التمار
فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره وأما الفضل بن الفرخان فأعلمه أنه
حاول بالقول الذى قاله في القرآن أخذ الودائع التى أودعها إياه عبدالرحمن بن
اسحق وغيره تربصا بمن استودعه وطمعا في الاستكثار لما صار في يده ولا سبيل عليه
عن تقادم عهده وتطاول الايام به فقل لعبد الرحمن بن اسحق لا جزاك الله خيرا عن
تقويتك مثل هذا وإيمانك إياه وهو معتقد للشرك منسلخ من التوحيد وأما محمد
ابن حاتم وابن نوح والمعروف بأبى معمر فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن
الوقوف على التوحيد وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله ومجاهدتهم
إلا لاربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد
جمعوا مع الارباء شركا وصاروا للنصارى مثلا وأما أحمد بن شجاع فأعلمه أنك
صاحبه بالامس والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذى كان استحله من مال
على بن هشام وأنه ممن الدينار والدرهم دينه وأما سعدويه الواسطى فقل له قبح
الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والتزين به والحرص على طلب الرئاسة فيه أن
يتمنى وقت المحنة فيقول بالتقرب بها منى يمتحن فيجلس للحديث وأما المعروف
بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من أهل الحديث وأهل الفقه
القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أنه في شغله بإعداد النوى وحكمه لاصلاح سجادته
وبالودائع التى دفعها اليه على بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد وألهاه ثم سله
عما كان يوسف بن أبى يوسف ومحمد بن الحسن يقولانه ان كان شاهدهما وجالسهما
وأما القواريرى ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا وا لمصانعات ما أبان عن
مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه وقد انتهى إلى أمير المؤمنين انه يتولى
ـ205ـ
لجعفر بن عيسى الحسنى مسائله فتقدم إلى جعفر بن عيسى في رفضه وترك الثقة
به والاستنامة اليه وأما يحيى بن عبدالرحمن العمرى فانه كان من ولد عمر بن
الخطاب فجوابه معروف وأما محمد بن الحسن بن على بن عاصم فانه لو كان مقتديا
بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التى حكيت عنه وانه بعد صبى يحتاج إلى تعلم
وقد كان أمير المؤمنين وجه اليك المعروف بأبى مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين
عن محنته في القرآن فجمجم عنها ولجلج فيها حتى دعى له أمير المؤمنين بالسيف فأقر
ذميما فأنصصه عن اقراره فان كان مقيما عليه فأشهر ذلك وأظهره ان شاء الله ومن
لم يرجع عن شركه ممن سميت لامير المؤمنين في كتابك وذكره أمير المؤمنين لك
أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا ولم يقل ان القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد
وابراهيم بن المهدى فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين مع من يقوم
بحفظهم وحراستهم في طريقهم حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين ويسلمهم إلى
من يؤمن بتسليمهم اليه لينصهم أمير المؤمنين فان لم يرجعوا ويتوبوا حملهم
جميعا عى السيف ان شاء الله ولا قوة الا بالله وقد أنفذ أمير المؤمنين كتابه هذا
في خريطة بندارية ولم ينظر به اجتماع الكتب الخرائطية معجلا به تقربا إلى الله
عزوجل بما أصدر من الحكم ورجاء ما اعتمد وادراك ما أمل من جزيل ثواب
الله عليه فأنفذ لما أتاك من أمر المؤمنين وعجل اجابة أمير المؤمنين بما يكون منك
في خريطة بندارية مفردة عن سائر الخرائط لتعرف أمير المؤمنين ما يعلمونه ان
شاء الله وكتب سنة 218 فاجاب القوم كلهم حين أعاد القول عليهم إلى أن القرآن
مخلوق الا أربعة نفر منهم احمد بن حنبل وسجادة و القواريرى ومحمد بن نوح
المضروب فامر بهم اسحاق بن ابراهيم فشدوا في الحديد فلما كان من الغد دعا بهم
جميعا يساقون في الحديد فاعاد عليهم المحنة فاجابه سجادة إلى أن القرآن مخلوق
فأمر باطلاق قيده وخلى سبيله وأصر الآخرون على قولهم فلما كان من بعد الغد
عاودهم أيضا فأعاد عليهم القول فأجاب القواريرى إلى أن القرآن مخلوق فأمر
بإطلاق قيده وخلى سبيله وأصر احمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا
ـ206ـ
فشدا جميعا في الحديد ووجها إلى طرسوس وكتب معهما كتابا باشخاصهما وكتب
كتابا مفردا بتأويل القوم فيما أجابوا اليه فمكثوا أياما ثم دعا بهم فاذا كتاب
قد ورد من المأمون على اسحاق بن ابراهيم أن قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم
اليه وذكر سليمان بن يعقوب صاحب الخبر أن بشر بن الوليد تأول الآية التى
أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان وقد أخطأ
التأويل إنما عنى الله عزوجل بهذه الآية من كان معتقد الايمان مظهر الشرك
فاما من كان معتقد الشرك مظهر الايمان فليس هذه له فاشخصهم جميعا إلى
طرسوس ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الروم فاخذ اسحاق بن
ابراهيم من القوم الكفلاء ليوافوا العسكر بطرسوس فأشخص أبا حسان وبشر
ابن الوليد والفضل بن غانم وعلى بن أبى مقاتل والذيال بن الهيثم ويحيى بن عبدالرحمن
العمرى وعلى بن الجعد وأبا العوام وسجادة و القواريرى وابن الحسن بن على
ابن عاصم واسحاق بن أبى اسرائيل والنضر بن شميل وأبا نصر التمار وسعدويه
الواسطى ومحمد بن حاتم بن ميمون وأبا معمر وابن الهرش وابن الفرخان واحمد
ابن شجاع وأبا هارون بن البكاء فلما صاروا إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون فامر
بهم عنبسة بن اسحاق وهو والى الرقة أن يصيروا إلى الرقة ثم أشخصهم إلى اسحاق
ابن ابراهيم بمدينة السلام مع الرسول المتوجه بهم إلى أمير المؤمنين فسلمهم اليه
فامرهم اسحاق بلزوم منازلهم ثم رخص لهم بعد ذلك في الخروج فاما بشر بن الوليد
والذيال و أبوالعوام وعلى بن أبى مقاتل فانهم شخصوا من غير أن يؤذن لهم حتى
قدموا بغداد فلقوا من اسحاق بن ابراهيم في ذلك أذى وقدم الآخرون مع رسول
اسحاق بن ابراهيم فخلى سبيلهم ( وفى هذه السنة ) نفذت كتب المأمون إلى عماله
في البلدان من عبدالله عبدالله الامام المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من
بعده أبى اسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد وقيل ان ذلك لم يكتبه المأمون كذلك وانما
كتب في حال افاقة من غشية أصابته في مرضه بالبدندون عن أمر المأمون إلى العباس
ابن المأمون وإلى اسحاق وعبدالله بن طاهر انه إن حدث به حدث الموت
ـ207ـ
في مرضه هذا فالخليفة من بعده أبواسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد فكتب
بذلك محمد بن داود وختم الكتب وأنفذها فكتب أبواسحاق إلى عماله من أبى
إسحاق أخى أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين فورد كتاب من أبى إسحاق
محمد بن هارون الرشيد إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ عامله على جند دمشق يوم
الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب عنوانه من عبدالله عبدالله الامام
المأمون أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبى إسحاق بن أمير المؤمنين
الرشيد * أما بعد فان أمير المؤمنين أمر بالكتاب اليك في التقدم إلى عمالك في
حسن السيرة وتخفيف المؤنة وكف الاذى عن أهل عملك فتقدم إلى عمالك في
ذلك أشد التقدمة واكتب إلى عمال الخراج بمثل ذلك وكتب إلى جميع عماله في
أجناد الشأم جند حمص والاردن وفلسطين بمثل ذلك فلما كان يوم الجمعة لاحدى
عشرة بقيت من رجب صلى الجماعة إسحاق بن يحيى بن معاذ في مسجد دمشق فقال
في خطبته بعد دعائه لامير المؤمنين اللهم وأصلح الامير أخا أمير المؤمنين
والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبا إسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد ( وفى هذه
السنة ) توفى المأمون
* ذكر الخبر عن سبب المرض الذى كانت فيه وفاته *
ذكر عن سعيد العلاف القارئ قال أرسل إلى المأمون وهو ببلاد الروم
وكان دخلها من طرسوس يوم الاربعاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة
فحملت اليه وهو في البدندون فكان يستقرئنى فدعانى يوما فجئت فوجدته جالسا
على شاطئ البدندون وأبواسحاق المعتصم جالس عن يمينه فأمرنى فجلست نحوه
منه فاذا هو وأبوإسحاق مدليان أرجلهما في ماء البدندون فقال يا سعيد دل رجليك
في هذا الماء وذقه فهل رأيت ماء قط أشد بردا ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه
ففعلت وقلت يا أمير المؤمنين ما رأيت مثل هذا قط قال أى شئ يطيب أن يؤكل
ويشرب هذا الماء عليه فقلت أمير المؤمنين أعلم فقال رطب الآزاذ فبينا هو
يقول هذا إذ سمع وقع لجم البريد فالتفت فنظر فاذا بغال من بغال البريد على
ـ208ـ
أعجازها حقائب فيها الالطاف فقال لخادم له اذهب فانظر هل في هذه الالطاف
رطب فانظر فان كان آزاذ فأت به فجاء يسعى بسلتين فيهما رطب آزاذ كأنما جنى
من النخل تلك الساعة فأظهر شكرا لله تعالى وكثر تعجبا منه فقال ادن فكل
فأكل هو وأبوإسحاق وأكلت معهما وشربنا جميعا من ذلك الماء فما قام منا
أحد إلا وهو محموم فكانت منية المأمون من تلك العلة ولم يزل المعتصم عليلا حتى
دخل العراق ولم أزل عليلا حتى كان قريبا ولما اشتدت بالمأمون علته بعث إلى ابنه
العباس وهو يظن أن لن يأتيه فأتاه وهو شديد المرض متغير العقل وقذ نفذت
الكتب بما نفذت له في أمر أبى إسحاق بن الرشيد فأقام العباس عند أبيه أياما وقد أوصى
قبل ذلك إلى أخيه أبى إسحاق وقيل لم يوص إلا والعباس حاضر والقضاة والفقهاء
والقواد والكتاب وكانت وصيته هذا ماأشهد عليه عبدالله بن هارون أمير المؤمنين
بحضرة من حضره أشهدهم جميعا على نفسه أنه يشهد ومن حضره أن الله عزوجل وحده
لا شريك له في ملكه ولامدبر لامره غيره وأنه خالق وما سواه مخلوق ولا يخلو
القرآن أن يكون شيئا له مثل ولاشئ مثله تبارك وتعالى وأن الموت حق والبعث
حق والحساب حق وثواب المحسن الجنة وعقاب المسئ النار وأن محمدا صلى
الله عليه وسلم قد بلغ عن ربه شرائع دينه وأدى نصيحته إلى أمته حتى قبضه الله
اليه صلى الله عليه أفضل صلاة صلاها على أحد من ملائكته المقربين وأنبيائه
والمرسلين وأنى مقر مذنب أرجو وأخاف إلا أنى إذا ذكرت عفو الله رجوت فاذا
أنا مت فوجهونى وغمضونى وأسبغوا وضوئى وطهورى وأجيدوا كفنى ثم
أكثروا حمد الله على الاسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد إذ جعلنا من أمته المرحومة
ثم أضجعونى على سريرى ثم عجلوا بى فإذا أنتم وضعتمونى للصلاة فليتقدم بها من هو
أقربكم بى نسبا وأكبركم سنا فليكبر خمسا يبدأ في الاولى في أولها بالحمد لله والثناء
عليه والصلاة على سيدى وسيد المرسلين جميعا ثم الدعاء للمؤمنين و المؤمنات
الاحياء منهم والاموات ثم الدعاء للذين سبقونا بالايمان ثم ليكبر الرابعة فيحمد
الله ويهلله ويكبره ويسلم في الخامسة ثم أقلونى فأبلغوا بى حفرتى ثم لينزل أقربكم
ـ209ـ
إلى قرابة وأودكم محبة وأكثروا من حمد الله وذكره ثم ضعونى على شقى الايمن
واستقبلوا بى القبلة وحلوا كفنى عن رأسى ورجلى ثم سدوا اللحد باللبن واحثوا
ترابا على واخرجوا عنى وخلونى وعملى فكلكم لا يغنى عنى شيئا ولا يدفع عنى
مكروها ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرا إن علمتم وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم
عرفتم فإنى مأخوذ من بينكم بما تفولون وما تلفظون به ولا تدعوا باكية عندى
فان المعول عليه يعذب رحم الله أمرءا اتعظ وفكر فيما حتم الله على جميع خلقه
من الفناء وقضى عليهم من الموت الذى لابد منه فالحمد لله الذى توحد بالبقاء وقضى
على جميع خلقه الفناء ثم لينظر ما كنت فيه من عز الخلافة هل أغنى ذلك عنى
شيئا إذ جاء أمر الله لا والله ولكن أضعف على به الحساب فياليت عبدالله بن
هارون لم يكن بشرا بل ليته لم يكن خلقا يا أبا إسحاق ادن منى واتعظ بما ترى
وخذ بسيرة أخيك في القرآن واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد لله
الخائف من عقابه وعذابه ولا تغتر بالله ومهلته فكان قد نزل بك الموت ولا
تغفل أمر الرعية الرعية الرعية العوام العوام فان الملك بهم وبتعهدك المسلمين
والمنفعة لهم الله الله فيهم وفى غيرهم من المسلمين ولا ينهين اليك أمر فيه صلاح
للمسلمين ومنفعة لهم إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك وخذ من أقويائهم لضعفائهم
ولا تحمل عليهم في شئ وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم وقربهم وتأتهم وعجل
الرحلة عنى والقدوم إلى دار ملكك بالعراق وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم
فلا تغفل عنهم في كل وقت والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلدو أكنفه
بالاموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة فان طالت مدتهم فنجرد لهم بمن
معك من أنصارك وأوليائك واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه راجيا ثواب
الله عليه واعلم أن العظة إذا طالت أوجبت على السامع لها والموصى بها الحجة
فاتق الله في أمرك كله ولا تفتن ثم دعا أبا إسحاق بعد ساعة حين اشتد به الوجع
وأحس بمجئ أمر الله فقال له يا أبا إسحاق عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم لتقومن بحق الله في عباده ولتؤثرن طاعته على معصيته إذ أنا
( 14 7 )
ـ210ـ
نقلتها من غيرك إليك قال اللهم نعم قال فانظر من كنت تسمعنى أقدمه على لسانى
فأضعف له التقدمة عبدالله بن طاهر أقره على عمله ولا تهجه فقد عرفت الذى
سلف منكما أيام حياتى وبحضرتى استعطفه بقلبك وخصه ببرك فقد عرفت بلاءه
وغناءه عن أخيك وإسحاق بن إبراهيم فأشركه في ذلك فانه أهل له وأهل بيتك
فقد علمت أنه لا بقية فيهم وإن كان بعضهم يظهر الصيانة لنفسه ع بدالوهاب
عليك به من بين أهلك فقدمه عليهم وصير أمرهم اليه وأ بوعبدالله بن أبى داود
فلا يفارقك وأشركه في المشورة في كل أمرك فانه موضع لذلك منك ولا تتخذن
بعدى وزيرا تلقى اليه شيئا فقد علمت ما نكبنى به يحيى بن أكثم في معاملة الناس
وخبث سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحة منى فصرت إلى مفارقته قاليا له
غير راض بما صنع في أموال الله وصدقاته لاجزاه الله عن الاسلام خيرا
وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه فأحسن
صحبتهم وتجاوز عن مسيئتهم واقبل من محسنهم وصلاتهم فلا تغفلها في كل سنة
عند محلها فان حقوقهم تجب من وجوه شتى اتقوا الله ربكم حق تقاته ولا تموتن
إلا وأنتم مسلمون اتقوا الله واعملوا له اتقوا الله في أموركم كلها أستودعكم الله
ونفسى وأستغفر الله مما سلف وأستغفر الله مما كان منى إنه كان غفارا فانه ليعلم
كيف ندمى على ذنوبى فعليه توكلت من عظيمها وإليه أنيب ولا قوة إلا بالله حسبى
الله ونعم الوكيل وصلى الله على محمد نبى الهدى والرحمة
ذكر الخبر عن وقت وفاته والموضع الذى دفن فيه ومن صلى عليه
* ومبلغ سنه وقدر مدة خلافته *
أما وقت وفاته فانه اختلف فيه فقال بعضهم توفى يوم الخميس لاثنتى عشرة
ليلة بقيت من رجب بعد العصر سنة 218 وقال آخرون بل توفى في هذا اليوم
مع الظهر ولما توفى حمله ابنه العباس وأخوه أبوإسحاق محمد بن الرشيد إلى
طرسوس فدفناه في دار كانت لخاقان خادم الرشيد وصلى عليه أخوه أبوإسحاق
المعتصم ثم وكلوا به حرسا من أبناء أهل طرسوس وغيرهم مائة رجل وأجرى
ـ211ـ
على كل رجل منهم تسعون درهما وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 211 سطر 1 الى ص 220 سطر 25
على كل رجل منهم تسعون درهما وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر
وثلاثة وعشرين يوما وذلك سوى سنتين كان دعى له فيهما بمكة وأخوه الامين
محمد بن رشيد محصور ببغداد وكان ولد للنصف من ربيع الاول سنة 170 وكان
يكنى فيها ذكر ابن الكلبى أبا العباس وكان ربعة أبيض جميلا طويل اللحية قد
وخطه الشيب وقيل كان أسمر تعلوه صفرة أخنى أعين طويل اللحية رقيقها
أشيب ضيق الجبهة بخده خال أسود واستخلف يوم الخميس لخمس ليال
بقين من المحرم
* ذكر بعض أخبار المأمون وسيره *
ذكر عن محمد بن الهيثم بن عدى أن إبراهيم بن عيسى بن بريهة بن المنصور
قال لما أراد المأمون الشخوص إلى دمشق هيأت له كلاما مكثت فيه يومين
وبعض آخر فلما مثلت بين يديه قلت أطال الله بقاء أمير المؤمنين في أدوم العز
وأسبغ الكرامة وجعلنى من كل سوء فداه إن من أمسى وأصبح يتعرف من
نعمة الله له الحمد كثيرا عليه برأى أمير المؤمنين أيده الله فيه وحسن تأنيسه له
حقيق بأن يستديم هذه النعمة ويلتمس الزيادة فيها بشكر الله وشكر أمير المؤمنين
مد الله في عمره عليها وقد أحب أن يعلم أمير المؤمنين أيده الله أنى لا أرغب
بنفسى عن خدمته أيده الله بشئ من الخفض والدعة إذ كان هو أيده الله بتجشم
خشونة السفر ونصب الظعن وأولى الناس بمواساته في ذلك وبذل نفسه فيه أنا
لما عرفنى الله من رأيه وجعل عندى من طاعته ومعرفة ما أوجب الله من حقه
فان رأى أمير المؤمنين أكرمه الله أن يكرمنى بلزوم خدمته والكينونة معه
فعل فقال لى مبتدئا من غير تروية لم يعزم أمير المؤمنين في ذلك على شئ وإن
استصحب أحدا من أهل بيتك بدأ بك وكنت المقدم عنده في ذلك ولا سيما
إذ أنزلت نفسك بحيث أنزلك أمير المؤمنين من نفسه وإن ترك ذلك فمن غير قلى
لمكانك ولكن بالحاجة إليك قال فكان والله ابتداؤه أكثر من ترويتى وذكر
عن محمد بن على بن صالح السرخسى قال تعرض رجل للمأمون بالشأم مرارا فقال
ـ212ـ
له يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشأم كما نظرت لعجم أهل خراسان فقال
أكثرت على يا أخا أهل الشأم والله ما أنزلت قيسا عن ظهور الخيل إلا وأنا
أرى أنه لم يبق في بيت مالى درهم واحد وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتنى
قط وأما قضاعة فسادتها تنتظر السفيانى وخروجه فتكون من أشياعه وأما
ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما
شاريا أعزب فعل الله بك وذكر عن سعيد بن زياد أنه لما دخل على المأمون
بدمشق قال له أرنى الكتاب الذى كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم قال
فأريته قال فقال إنى لاشتهى ان أدرى أى شئ هذا الغشاء على هذا الخاتم قال
فقال له أبوإسحاق حل العقد حتى تدرى ماهو قال فقال ما أشك ان النبى صلى الله
عليه وسلم عقد هذا العقد وما كنت لاحل عقدا عقده رسول الله صلى الله عليه
وسلم ثم قال للواثق خذه فضعه على عينك لعل الله أن يشفيك قال وجعل المأمون
يضعه على عينه ويبكى وذكر عن العيشى صاحب إسحاق بن إبراهيم أنه قال كنت
مع المأمون بدمشق وكان قد قل المال عنده حتى ضاق وشكا ذلك إلى أبى إسحاق
المعتصم فقال له يا أمير المؤمنين كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة قال وكان حمل اليه
ثلاثون ألف ألف من خراج ما يتولاه له قال فلما ورد عليه ذلك المال قال
المأمون ليحيى بن أكثم اخرج بنا ننظر إلى هذا المال قال فخرج حتى أصرحوا ووقفا
ينظرانه وكان قد هيئ بأحسن هيئة وحليت أباعره وألبست الاحلاس الموشاة
والجلال المصبغة وقلدت العهن وجعلت البدر بالحرير الصينى الاحمر والاخضر
والاصفر وأبدت رؤوسها قال فنظر المأمون إلى شئ حسن واستكثر ذلك فعظم
في عينه واستشرفه الناس ينظرون إليه ويعجبون منه فقال المأمون ليحيى يا أبا محمد
ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم وننصرف بهذه
الاموال قد ملكناها دونهم إنا إذا للئام ثم دعا محمد بن يزداد فقال له وقع لآل فلان
بألف ألف ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلها قال فوالله إن زال كذلك حتى
فرق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب ثم قال ادفع الباقى إلى المعلى
ـ213ـ
يعطى جندنا قال العيشى فجئت حتى قمت نصب عينه فلم أرد طرفى عنها لا يلحظنى
إلا رآنى بتلك الحال فقال يا أبا محمد وقع لهذا بخمسين ألف درهم من الستة الآلاف
ألف لا يختلس ناظرى قال فلم يأت على ليلتان حتى أخذت المال وذكر عن محمد
ابن أيوب بن جعفر بن سليمان أنه كان بالبصرة رجل من بنى تميم وكان شاعرا
ظريفا خبيثا منكرا وكنت أنا والى البصرة آنس به وأستحليه فأردت أن أخدعه
وأستنزله فقلت له أنت شاعر وأنت ظريف والمأمون أجود من السحاب الحافل
والريح العاصف فما يمنعك منه قال ما عندى ما يلقنى قلت فأنا أعطيك نجيبا فارها
ونفقة سابغة وتخرج إليه وقد امتدحته فانك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك
قال والله أيها الامير ما أخالك أبعدت فأعد لى ماذكرت قال فدعوت له بنجيب
فاره فقلت شأنك به فامتطه قال هذه إحدى الحسنيين فما بال الاخرى فدعوت له
بثلثمائة درهم وقلت هذه نفقتك قال أحسبك أيها الامير قصرت في النفقة قلت
لاهى كافية وإن قصرت عن السرف قال ومتى رأيت في أكابر سعد سرفا حتى
تراه في أصاغرها فأخذ النجيب والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بالطويلة فأنشدنيها
وحذف منها ذكرى والثناء على وكان ماردا فقلت له ما صنعت شيئا قال وكيف قلت
تأتى الخليفة ولا تثنى على أميرك قال أيها الامير أردت أن تخدعنى فوجدتنى خداعا
ولمثلها ضرب هذا المثل من ينك العير ينك نياكا أما والله مالكرامتى حملتنى على
نجيبك ولاجدت لى بمالك الذى ما رماه أحد قط إلا جعل الله حده الاسفل
ولكن لاذكرك في شعرى وأمدحك عند الخليفة افهم هذا قلت قد صدقت
فقال أما إذا أبديت ما في ضميرك فقد ذكرتك وأثنيت عليك قلت فأنشدنى ما قلت
فأنشدنيه فقلت أحسنت ثم ودعنى وخرج فأتى الشأم وإذا المأمون بسلغوس قال
فأخبرنى قال بينا أنا في غزاة فرة قد ركبت نجيبى ذاك ولبست مقطعاتى وأنا
أروم العسكر فاذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقر قراره ولايدرك خطاه قال فتلقانى
مكافحة ومواجهة وأنا أردد نشيد أرجوزتى فقال سلام عليكم بكلام جهورى
ولسان بسيط فقلت وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته قال قف إن شئت فوقفت
ـ214ـ
قتضوعت منه رائحة العنبر والمسك الاذفر فقال ماأولك قلت رجل من مضر
قال ونحن من مضر ثم قال ماذا قلت رجل من بنى تميم قال وما بعد تميم قلت
من بنى سعد قال هيه فما أقدمك هذا البلد قال قلت قصدت هذا الملك الذى ما سمعت
بمثله أندى رائحة ولا أوسع راحة ولا أطول باعا ولا أمد يفاعا منه قال فما الذى
قصدته به قلت شعر طيب يلذ على الافواه وتقفيته الرواة ويحلو في آذان المستمعين
قيل فأنشدنيه فغضبت وقلت ياركيك أخبرتك أنى قصدت الخليفة بشعر قلته ومديح
حبرته تقول أنشدنيه قال فتغافل والله عنها وتطأ من لها وألغى عن جوابها قال
وما الذى تأمل منه قلت إن كان على ما ذكر لى عنه فألف دينار قال فأنا أعطيك
ألف دينار إن رأيت الشعر جيدا والكلام عذبا وأضع عنك العناء وطول
الترداد ومتى تصل إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة آلاف رامح ونابل قلت فلى الله
عليك أن تفعل قال نعم لك الله على أن أفعل قلت ومعك الساعة مال قال هذا
بغلى وهو خير من ألف دينار أنزل لك عن ظهره قال فغضبت أيضا وعارضنى
تزق سعد وخفة أحلامه فقلت ما يساوى هذا البغل هذا النجيب قال فدع عنك
البغل ولك الله على أن أعطيك الساعة ألف دينار قال فأنشدته
مأمون ياذا المنن الشريفه * وصاحب المرتبة المنيفه
وقائد الكتيبة الكثيفه * هل لك في أرجوزة ظريفه
أظرف من فقه أبى حنيفه * لا والذى أنت له خليفه
ما ظلمت في أرضنا ضعيفه * أميرنا مؤنته خفيفه
وما اجتبى شيئا سوى الوظيفه * فالذئب والنعجة في سقيفه
واللص والتاجر في قطيفه
قال فوالله ما عدا أن أنشدته فاذا زها عشرة آلاف فارس قد سدوا الافق
يقولون السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته قال فأخذنى أفكل
ونظر إلى بتلك الحال فقال لا بأس عليك أى أخى قلت يا أمير المؤمنين جعلنى الله
فداك أتعرف لغات العرب قال إى لعمر الله قلت فمن جعل الكاف منهم مكان
ـ215ـ
القاف قال هذه حمير قلت لعنها الله ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم فضحك
المأمون وعلم ما أردت والتفت إلى خادم إلى جانبه فقال أعطه ما معك فاخرج
إلى كيسا فيه ثلاثة آلاف دينار فقال هاك ثم قال السلام عليك ومضى فكان
آخر العهد به وقال أبوسعيد المخزومى
هل رأيت النجوم أغنت عن المأ * مون شيئا أو ملكه المأسوس
خلفوه بعرصتى طرسوس * مثل ما خلفوا أباه بطوس
وقال على بن عبيدة الريحانى
ما أقل الدموع للمأمون * لست أرضى إلا دما من جفونى
وذكر أبوموسى هارون بن محمد بن اسماعيل بن موسى الهادى أن على
ابن صالح حدثه قال : قال لى المأمون يوما أبغنى رجلا من أهل الشأم له أدب
يجالسنى ويحدثنى فالتمست ذلك فوجدته فدعوته فقلت له إنى مدخلك على أمير
المؤمنين فلا تسأله عن شئ حتى يبتديك فانى أعرف الناس بمسئلتكم يا أهل
الشأم فقال ما كنت متجاوز ما أمرتنى به فدخلت على المأمون فقلت له قد أصبت
الرجل يا أمير المؤمنين فقال أدخله فدخل فسلم ثم استدناه وكان المأمون على
شغله من الشراب فقال له إنى أردتك لمجالستى ومحادثتى فقال الشأمى يا أمير
المؤمنين إن الجليس إذا كان ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضة قال
فأمر المأمون أن يخلع عليه قال فدخلنى من ذلك ما الله به أعلم قال فلما خلع
عليه ورجع إلى مجلسه قال يا أمير المؤمنين إن قلبى إذا كان متعلقا بعيالى لم تنتفع
بمحادثتى قال خمسون ألفا تحمل إلى منزله ثم قال يا أمير المؤمنين وثالثة قال وما
هى قال قد دعوت بشئ يحول بين المرء وعقله فان كانت منى هنة فاغتفرها قال
وذاك قال على فكأن الثالثة جلت عنى ما كان بى * وذكر أبوحشيشة محمد بن
على بن أمية بن عمرو قال كنا قدام أمير المؤمنين المأمون بدمشق فغنى علويه
برئت من الاسلام إن كان ذا الذى * أتاك به الواشون عنى كما قالوا
ولكنهم لما رأوك سريعة * إلى تواصوا بالنميمة واحتالوا
ـ216ـ
فقال يا علويه لمن هذا الشعر فقال للقاضى قال أى قاض ويحك قال قاضى
دمشق فقال يا أبا اسحاق اعزله قال قد عزلته قال فيحضر الساعة قال فأحضر
شيخ مخضوب قصير فقال له المأمون من تكون قال فلان بن فلان الفلانى قال
تقول الشعر قال قد كنت أقوله فقال يا علويه أنشده الشعر فأنشده فقال هذا
الشعر لك قال نعم يا أمير المؤمنين ونساؤه طوالق وكل ما يملك في سبيل الله إن
كان قال الشعر منذ ثلاثون سنة إلا في زهد أو معاتبة صديق فقال يا أبا اسحاق
اعزله فما كنت أولى رقاب المسلمين من يبدأ في هزله بالبراءة من الاسلام
ثم قال اسقوه فأتى بقدح فيه شراب فأخذه وهو يرتعد فقال يا أمير المؤمنين
ما ذقته قط قال فلعلك تريد غيره قال لم أذق منه شيئا قط قال فحرام هو قال نعم
ياأمير المؤمنين قال أولى لك بها نجوت اخرج ثم قال يا علويه لا تقل برئت
من الاسلام ولكن قل
حرمت مناى منك إن كان ذا الذى * أتاك به الواشون عنى كما قالوا
قال وكنا مع المأمون بدمشق فركب يريد جبل الثلج فمر ببركة عظيمة من
برك بنى أمية وعلى جوانبها أربع سروات وكان الماء يدخلها سيحا ويخرج منها
فاستحسن المأمون الموضع فدعا ببز ماورد ورطل وذكر بنى أمية فوضع منهم
وتنقصهم فأقبل علويه على العدو واندفع يغنى
أولئك قومى بعد عز وثروة * تفانوا فألا أذرف العين أكمدا
فضرب المأمون الطعام برجله ووثب وقال لعلويه يا ابن الفاعلة لم يكن
لك وقت تذكر فيه مواليك إلا في هذا الوقت فقال مولاكم زرياب عند موالى
يركب في مائة غلام وأنا عندكم أموت من الجوع فغضب عليه عشرين يوما ثم
رضى عنه قال وزرياب مولى المهدى صار إلى الشأم ثم صار إلى المغرب إلى بنى
أمية هناك * وذكر السليطى أبوعلى عن عمارة بن عقيل قال أنشدت المأمون
قصيدة فيها مديح له هى مائة بيت فأبتدئ بصدر البيت فيبادرنى إلى قافيته كما
قفيته فقلت والله يا أمير المؤمنين ما سمعها منى أحد قط قال هكذا ينبغى أن يكون
ـ217ـ
ثم أقبل على فقال لى أما بلغك أن عمر بن أبى ربيعة أنشد عبدالله بن العباس
قصيدته التى يقول فيها * تشط غدا دار جيراننا * فقال ابن العباس * وللدار بعد
غد أبعد * حتى أنشده القصيدة يقفيها ابن عباس ثم قال أنا ابن ذاك * وذكر
عن أبى مروان كازر بن هارون أنه قال : قال المأمون
بعثتك مرتادا ففزت بنظرة * وأغفلتنى حتى أسأت بك الظنا
فناجيت من أهوى وكنت مباعدا * فياليت شعرى عن دنوك ما أغنا
أرى أثرا منه بعينيك بينا * لقد أخذت عيناك من عينه حسنا
قال أبومروان وإنما عول المأمون في قوله في هذا المعنى على قول العباس
ابن الاحنف فإنه اخترع
إن تشق عينى بها فقد سعدت * عين رسولى وفزت بالخبر
وكلما جاءنى الرسول لها * رددت عمدا في طرفه نظرى
يظهر في وجهه محاسنها * قد أثرت فيه أحسن الاثر
خذ مقلتى يا رسول عارية * فانظر بها واحتكم على بصرى
قال أب والعتاهية إلى المأمون يوما فصرت اليه فألفيته مطرقا مفكرا
فأحجمت عن الدنو منه في تلك الحال فرفع رأسه فنظر إلى وأشار بيده أن ادن
فدنوت ثم أطرق مليا ورفع رأسه فقال يا أبا اسحاق شأن النفس الملل وحب
الاستطراف تأنس بالوحدة كما تأنس بالالفة قلت أجل يا أمير المؤمنين ولى في
هذا بيت قال وما هو قلت
لا يصلح النفس إذ كانت مقسمة * إلا التنقل من حال إلى حال
وذكر عن أبى نزار الضرير الشاعر أنه قال قال لى على بن جبلة قلت لحميد
ابن عبدالحميد يا أبا غانم قد امتدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل
الارض فاذكرنى له فقال أنشدنيه فقال أشهد أنك صادق فأخذ المديح
فأدخله على المأمون فقال يا أبا غانم الجواب في هذا واضح ان شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك
ثوابا بمديحه وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفى أبى دلف القاسم بن عيسى فان
ـ218ـ
كان الذى قال فيك وفيه أجود من الذى مدحنا به ضربنا ظهره وأطلنا حبسه وإن كان
الذى قال فينا أجود أعطيته بكل بيت من مديحه ألف درهم وإن شاء أقلناه فقلت
يا سيدى ومن أبودلف ومن أنا حتى يمدحنا بأجود من مديحك فقال ليس هذا
الكلام من الجواب عن المسألة في شئ فاعرض ذلك على الرجل قال على بن
جبلة قال لى حميد ماترى قلت الاقالة أحب إلى فأخبر المأمون فقال هو أعلم
قال حميد فقلت لعلى بن جبلة إلى أى شئ ذهب في مدحك أبادلف وفى مدحك
لى قال إلى قولى في أبى دلف
إنما الدنيا أبودلف * بين معراه ومحتضره
فإذا ولى أبودلف * ولت الدنيا على أثره
وإلى قولى فيك
لولا حميد لم يكن * حسب يعد ولا نسب
يا واحد العرب الذى * عزت بعزته العرب
قال فأطرق حميد ساعة ثم قال يا أبا الحسن لقد انتقد عليك أمير المؤمنين وأمر
لى بعشرة آلاف درهم وحملان وخلعة وخادم وبلغ ذلك أبا دلف فأضعف لى
العطية وكان ذلك منهما في ستر لم يعلم به أحد إلى أن حدثتك يا أبا نزار بهذا قال
أبونزار وظننت أن المأمون تعقد عليه هذا البيت في أبى دلف
تحدر ماء الجود من صلب آدم * فأثبته الرحمن في صلب قاسم
وذكر عن سليمان بن رزين الخزاعى بن أخى دعبل قال هجا دعبل
المأمون فقال
ويسومنى المأمون حطة عارف * أو ما رأى بالامس رأس محمد
يوفى على هام الخلائف مثل ما * يوفى الجبال على رؤس القردد
ويحل في أكناف كل ممنع * حتى يذلل شاهقا لم يصعد
إن التراث مسهد طلابها * فاكفف لعابك عن لعاب الاسود
فقيل للمأمون إن دعبلا هجاك فقال هو يهجو أبا عباد لايهجونى يريد حدة
ـ219ـ
أبى عباد وكان أبوعباد إذا دخل على المأمون كثيرا ما يضحك المأمون ويقول
له ما أراد دعبل منك حين يقول
وكأنه من دير هرقل مفلت * حرد يجر سلاسل الاقياد
وكان المأمون يقول لابراهيم بن شكلة إذا دخل عليه لقد أوجعك دعبل حين يقول
إن كان إبراهيم مضطلعا بها * فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل * ولتصلحن من بعده للمارق
أنى يكون ولا يكون ولم يكن * لينال ذلك فاسق عن فاسق
وذكر محمد بن الهيثم الطائى أن القاسم بن محمد الطيفورى حدثه قال شكا
اليزيدى إلى المأمون خلة أصابته ودينا لحقه فقال ما عندنا في هذه الايام ما إن
أعطينا كه بلغت به ماتريد فقال يا أمير المؤمنين إن الامر قد ضاق على وإن غرمائى
قد أرهقونى قال فرم لنفسك أمرا تنال به نفعا فقال لك منادمون فيهم من إن
حركته نلت منه ما أحب فأطلق لى الحلية فيهم قال قل ما بدا لك قال فاذا حضروا
وحضرت فمر فلانا الخادم أن يوصل إليك رقعتى فاذا قرأتها فأرسل إلى دخولك
في هذا الوقت متعذر ولكن اختر لنفسك من أحببت قال فلما علم أبومحمد بجلوس
المأمون واجتماع ندمائه إليه وتيقن أنهم قد ثلموا من شربهم أتى الباب فدفع إلى
ذلك الخادم رقعة قد كتبها فأوصلها له إلى المأمون فقرأها فذا فيها
ياخير إخوانى وأصحابى * هذا الطفيلى لدى الباب
خبر أن القوم في لذة * يصبو إليها كل أواب
فصيرونى واحدا منكم * أو أخرجو إلى بعض أترابى
قال فقرأها المأمون على من حضره فقالوا ما ينبغى أن يدخل هذا الطفيلى على
مثل هذه الحال فأرسل إليه المأمون دخولك في هذا الوقت متعذر فاختر لنفسك
من أحببت تنادمه فقال ما أرى لنفسى اختيارا غير عبدالله بن طاهر فقال له المأمون
قد وقع اختياره عليك فصر إليه قال يا أمير المؤمنين فأكون شريك الطفيلى
قال ما يمكن رد أبى محمد عن أمرين فان أحببت أن تخرج وإلا فافتد نفسك قال
ـ220ـ
فقال يا أمير المؤمنين له على عشرة آلاف درهم قال لا أحسب ذلك يقنعه منك
ومن مجالستك قال فلم يزل يزيده عشرة عشرة والمأمون يقول له لا أرضى له بذلك
حتى بلغ المائة ألف قال فقال له المأمون فعجلها له قال فكتب له بها إلى وكيله
ووجه معه رسولا فأرسل إليه المأمون قبض هذه في هذه الحال أصلح لك من
منادمته على مثل حاله وأنفع عاقبة وذكر عن محمد بن عبدالله صاحب المراكب
قال أخبرنى أبى عن صالح بن الرشيد قال دخلت على المأمون ومعى بيتان للحسين
ابن الضحاك فقلت يا أمير المؤمنين أحب أن تسمع منى بيتين قال أنشدهما
قال فأنشده صالح
حمدنا الله شكرا إذ حبانا * بنصرك يا أمير المؤمننيا
فأنت خليفة الرحمن حقا * جمعت سماحة وجمعت دينا
ف استحسنهما المأمون وقال لمن هذان البيتان يا صالح قلت لعبدك يا أمير المؤمنين
الحسين بن الضحاك قال قد أحسن قلت وله يا أمير المؤمنين ما هو أجود من هذا
قال وما هو فأنشدته
أيبخل فرد الحسن فرد صفاته * على وقد أفردته بهوى فرد
رأى الله عبدالله خير عباده * فملكه والله أعلم بالعبد
وذكر عن عمارة بن عقيل أنه قال قال لى عبدالله بن أبى السمط علمت أن
المأمون لا يبصر الشعر قال قلت ومن ذا يكون أعلم به منه فوالله إنك لترانا
ننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره قال أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرك له
قال قلت وما الذى أنشدته قال أنشدته
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا * بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
قال قلت له إنك والله ما صنعت شيئا وهل زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها
في يدها سبحتها فمن القائم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها وهو المطوق بها هلا قلت فيه
كما قال عمك جرير في عبدالعزيز بن الوليد
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه * ولاعرض الدنيا عن الدين شاغله
ـ221ـ
فقال الآن علمت أنى قد أخطأت * وذكر عن محمد بن ابراهيم السبارى قال
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 221 سطر 1 الى ص 230 سطر 25
فقال الآن علمت أنى قد أخطأت * وذكر عن محمد بن ابراهيم السبارى قال
لما قدم العتابى على المأمون مدينة السلام أذن له فدخل عليه وعنده اسحق بن ابراهيم
الموصلى وكان شيخا جليلا فسلم عليه فرد عليه السلام وأدناه وقربه حتى
قرب منه فقبل يده ثم أمره بالجلوس فجلس وأقبل عليه يسائله عن حاله فجعل يجيبه
بلسان طلق فاستظرف المأمون ذلك فأقبل عليه بالمداعبة والمزاح فظن الشيخ أنه
استخف به فقال يا أمير المؤمنين ألا بساس قبل الايناس قال فاشتبه على المأمون
الابساس فنظر إلى اسحق بن ابراهيم ثم قال نعم يا غلام ألف دينار فأتى بها ثم صبت
بين يدى العتابى ثم أخذوا في المفاوضة والحديث وغمز عليه اسحق بن ابراهيم
فأقبل لا يأخذ العتابى في شئ إلا عارضه اسحاق بأكثر منه فبقى متعجبا ثم قال
يا أمير المؤمنين ائذن لى في مسألة هذا الشيخ عن اسمه قال نعم سله قال يا شيخ من
أنت وما اسمك قال أنا من الناس واسمى كل بصل قال أما النسبة فمعروفة وأما
الاسم فمنكر وما كل بصل من الاسماء فقال له اسحق ما أقل انصافك وما كل ثوم
من الاسماء البصل أطيب من الثوم قال العتابى لله درك ما أحجك يا أمير المؤمنين
ما رأيت كالشيخ قط أتأذن لى في صلته بما وصلنى به أمير المؤمنين فقد والله غلبنى
فقال المأمون بل هذا موفر عليك ونأمر له بمثله فقال له اسحق أما إذا أقررت
بهذه فتوهمنى تجدنى فقال والله ما أظنك إلا الشيخ الذى يتناهى الينا خبره
من العراق ويعرف بابن الموصلى قال أنا حيث ظننت فأقبل عليه بالتحية
والسلام فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما أما إذا نفقتما على الصلح
والمودة فقوما فانصرفا متنادمين فانصرف العتابى إلى منزل اسحق فأقام عنده
وذكر عن محمد بن عبدالله بن جشم الربعى أن عمارة بن عقيل قال قال لى المأمون
يوما وأنا أشرب عنده ما أخبثك يا أعرابى قال قلت وما ذاك يا أمير المؤمنين وهمتنى نفسى قال كيف قلت
قالت مفداة لما أن رأت أرقى * والهم يعتادنى من طيفه لمم
نهبت مالك في الادنين آصرة * وفى الاباعد حتى حفك العدم
ـ222ـ
فأطلب إليهم ترى ما كنت من حسن * تسدى إليهم فقد باتت لهم صرم
فقلت عذلك قد أكثرت لائمتى * ولم يمت حاتم هزلا ولا هرم
فقال لى المأمون أين رميت بنفسك إلى هرم بن سنان سيد العرب وحاتم
الطائى فعلا كذا وفعلا كذا وأقبل ينثال على بفضلهما قال فقلت يا أمير المؤمنين
أنا خير منهما أنا مسلم وكانا كافرين وأنا رجل من العرب * وذكر عن محمد بن
زكرياء بن ميمون الفزعانى قال قال المأمون لمحمد بن الجهم أنشدنى ثلاثة أبيات
في المديح والهجاء والمراثى ولك بيت كورة فأنشده في المديح
يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وأنشده في الهجاء
قبحت مناظرهم فحين خبرتهم * حسنت مناظرهم لقبح المخبر
وأنشده في المراثى
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه * فطيب تراب القبر دل على القبر
وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان بن القاسم الكاتب قال أخبرنى الحسين
ابن الضحاك قال قال لى علويه أخبرك أنه مر بى مرة ما أيست من نفسى معه
لولا كرم المأمون فانه دعا بنا فلما أخذ فيه النبيذ قال غنونى فسبقنى مخارق فاندفع
فغنى صوتا لا بن سريج في شعر جرير
لما تذكرت بالديرين أرقنى * صوت الدجاج وضرب ب النواقيس
فقلت للركب إذ جد المسير بنا * يا بعد يبرين من باب الفراديس
قال فحين لى ان تغنيت وكان قد هم بالخروج إلى دمشق يريد الثغر
الحين ساق إلى دمشق وما * كانت دمشق لاهلها بلدا
فضرب بالقدح الارض وقال مالك عليك لعنة الله ثم قال يا غلام أعط مخارقا
ثلاثة آلاف درهم وأخذ بيدى فأقمت وعيناه تدمعان وهو يقول للمعتصم هو والله
آخر خروج ولا أحسبنى أن أرى العراق أبدا قال فكان والله آخر عهده بالعراق
عند خروجه كما قال
ـ223ـ
* خلافة أبى اسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد *
( وفى هذه السنة ) بويع لابى اسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدى
ابن عبدالله المنصور بالخلافة وذلك يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من
رجب سنة 218 وذكر أن الناس كانوا قد أشفقوا من منازعة العباس
ابن المأمون له في الخلافة فسلموا من ذلك * ذكر أن الجند شغبوا لما بويع
لابى اسحاق بالخلافة فطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة فأرسل أبواسحاق
إلى العباس فأحضره فبايعه ثم خرج إلى الجند فقال ما هذا الحب البارد قد بايعت
عمى وسلمت الخلافة اليه فسكن الجند ( وفيها ) أمر المعتصم بهدم ما كان
المأمون أمر ببنائه بطوانة وحمل ما كان بها من السلاح والآلة وغير ذلك مما قدر
على حمله وأحرق مالم يقدر على حمله وأمر بصرف من كان المأمون أسكن ذلك
من الناس إلى بلادهم ( وفيها ) انصرف المعتصم إلى بغداد ومعه العباس بن المأمون
فقدمها فيما ذكر يوم السبت مستهل شهر رمضان ( وفيها ) دخل فيما ذكر جماعة
كثيرة من أهل الجبال من همذان وأصبهان وماسبذان ومهر جانقذق في دين
الخريمة وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان فوجه المعتصم اليهم عساكر فكان
آخر عسكر وجه اليهم عسكر وجهه مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعقد
له على الجبال في شوال في هذه السنة فشخص اليهم في ذى القعدة وقرئ كتابه
بالفتح يوم التروية وقتل في عمل همذان ستين ألفا وهرب باقيهم إلى بلاد الروم
( وحج ) بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وضحى أهل مكة يوم
الجمعة وأهل بغداد يوم السبت
* ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من ظهور محمد بن القاسم بن عمر بن على بن الحسين بن على
ابن أبى طالب بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله
ـ224ـ
عليه وسلم فاجتمع اليه بها ناس كثير وكانت بينه وبين قواد عبدالله بن طاهر
وقعات بناحية الطالقان جبالها فهزم هو وأصحابه فخرج هاربا يريد بعض كور خراسان
كان أهله كاتبوه فلما صار بنساوبها والد لبعض من معه مضى الرجل معه من أهل
نسا إلى والده ليسلم عليه فلما لقى أباه سأله عن الخبر فأخبره بأمرهم وأنهم يقصدون
كورة كذا فمضى أبوذلك الرجل إلى عامل نسا فأخبره بأمر محمد بن القاسم
فذكر أن العامل بذل له عشرة آلاف درهم على دلالته عليه فدل عليه فجاء العامل
إلى محمد بن القاسم فأخذه واستوثق منه وبعث به إلى عبدالله بن طاهر فبعث به
عبدالله بن طاهر إلى المعتصم فقدم به عليه يوم الاثنين لاربع عشرة ليلة خلت
من شهر ربيع الآخر فحبس فيما ذكر بسامرا عند مسرور الخادم الكبير في
محبس ضيق يكون قدر ثلاث أذرع في ذراعين فمكث فيه ثلاثة أيام ثم حول
إلى موضع أوسع من ذلك وأجرى عليه طعام ووكل به قوم يحفظونه فلما
كان ليلة الفطر واشتغل الناس بالعيد والتهنئة احتال للخروج ذكر أنه هرب
من الحبس بالليل وأنه دلى اليه حبل من كوة كانت في أعلى البيت يدخل عليه
منها الضوء فلما أصبحوا أتوا بالطعام للغداء ففقد * فذكر أنه جعل لمن دل عليه
مائة ألف درهم وصاح بذلك الصائح فلم يعرف له خبر ( وفى هذه السنة ) قدم
إسحاق بن إبراهيم بغداد من الجبل يوم الاحد لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى
الاولى ومعه الاسرى من الخرمية و المستأمنة وقيل ان إسحاق بن إبراهيم قتل
منهم في محاربته إياهم نحوا من مائة ألف سوى النساء والصبيان ( وفى هذه السنة )
وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة منها لحرب الزط الذين كانوا
قد عاثوا في طريق البصرة فقطعوا فيه الطريق واحتملوا الغلات من البيادر
بكسكر وما يليها من البصرة وأخافوا السبيل ورتب الخيل في كل سكة من سكك
البرد تركض بالاخبار فكان الخبر يخرج من عند عجيف فيصل إلى المعتصم من
يومه وكان الذى يتولى النفقة على عجيف من قبل المعتصم محمد بن منصور كاتب
إبراهيم بن البخترى فلما صار عجيف إلى واسط ضرب عسكره بقرية أسفل واسط
ـ225ـ
يقال لها الصافية في خمسة آلاف رجل وصار عجيف إلى نهر يحمل من دجلة
يقال له بردودا فلم يزل مقيما عليه حتى سده وقيل إن عجيفا إنما ضرب عسكره
بقرية أسفل واسط يقال لها نجيدا ووجه هارون بن نعيم بن الوضاح القائد
الخراسانى إلى موضع يقال له الصافية في خمسة آلاف رجل ومضى عجيف في
خمسة آلاف إلى بردودا فأقام عليه حتى سده وسد أنهارا أخر كانوا يدخلون منها
ويخرجون فحصرهم من كل وجه وكان من الانهار التى سدها عجيف نهر يقال له
العروس فلما أخذ عليهم طرقهم حاربهم وأسر منهم خمسمائة رجل قتل منهم في
المعركة ثلثمائة رجل فضرب أعناق الاسرى وبعث برؤس جميعهم إلى باب
المعتصم ثم أقام عجيف بإزاء الزط خمسة عشر يوما فظفر منهم بخلق كثير وكان
رئيس الزط رجلا يقال له محمد بن عثمان وكان صاحب أمره والقائم بالحرب
سملق ومكث عجيف يقاتلهم فيما قيل تسعة أشهر ( وحج ) بالناس في هذه السنة
صالح بن العباس بن محمد
* ثم دخلت سنة عشرين ومائتين *
* ذكر ما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من دخول عجيف بالزط بغداد وقهره إياهم حتى طلبوا منه
الامان فآمنهم فخرجوا اليه في ذى الحجة سنة 219 على أنهم آمنون على دمائهم
وأموالهم وكانت عدتهم فيما ذكر سبعة وعشرين ألفا المقاتلة منهم اثنا عشر ألفا
وأحصاهم عجيف سبعة وعشرين ألف إنسان بين رجل ومرأة وصبى ثم جعلهم
في السفن وأقبل بهم حتى نزل ا لزعفرانية فأعطى أصحابه دينارين دينارين جائزة
وأقام بها يوما وعبأهم في زواريقهم على هيئتهم في الحرب معهم البوقات حتى دخل بهم
بغداد يوم عشاوراء سنة 220 والمعتصم بالشماسية في سفينة يقال لها الزو حتى
مر به الزط على تعبئتهم ينفخون بالبوقات فكان أولهم بالقفص وآخرهم بحذاء
الشماسية وأقاموا في سفنهم ثلاثة أيام ثم عبر بهم إلى الجانب الشرقى فدفعوا إلى
( 10 7 )
ـ226ـ
بشر بن السميدع فذهب بهم إلى خانقين ثم نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة فأغارت
عليهم الروم فاجتاحوهم فلم يفلت منهم أحد فقال شاعرهم
يا أهل بغداد موتوا دام غيظكم * شوقا إلى تمر برنى وسهريز
نحن الذين ضربناكم مجاهرة * قسرا وسقناكم سوق المعاجيز
لم تشكروا الله نعماه التى سلفت * ولم تحوطوا أياديه بتعزيز
فاستنصروا العبد من أبناء دولتكم * من يازمان ومن بلج ومن توز
ومن شناس وأفشين ومن فرج * المعلمين بديباج وابريز
واللابسى كمخان الصين قد خرطت * أردانه درز برواز الدخاريز
والخاملين الشكى نيطت علائقها * إلى مناطق خاص غير مخزوز
يفرى ببيض من الهندى هامهم * بنو بهيلة في أبناء فيروز
فوارس خيلها دهم مودعة * على الخراطيم منها والفراريز
مسخرات لها في الماء أجنحة * كالابنوس إذا استحضرن والشيز
متى تروموا لنا في غمر لجتنا * حذرا نصيدكم صيد المقاقيز
أو اختطافا وإرهابا كما اختطفت * طير الرجال حثاثا بالشناقيز
ليس الجلاد جلاد الزط فاعترفوا * أكل الثريد ولاشرب القواقيز
نحن الذين سقينا الحرب درتها * ونققينها مقاساة الكواليز
لنسفعنكم سفعا يدل له * رب السرير ويشجى صاحب التيز
فابكوا على التمر أبكى الله أعينكم * في كل أضحى وفى فطر ونيروز
( وفى هذه السنة ) عقد المعتصم للافشين حيدر بن كاوس على الجبال ووجه به
لحرب بابك وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة فعسكر بمصلى بغداد
ثم صار إلى برزند ذكر الخبر عن أمر بابك ومخرجه
* ذكر أن ظهور بابك كان في سنة 201 وكانت قريته ومدينته البد وهزم
من جيوش السلطان وقتل من قواده جماعة فلما أفضى الامر إلى المعتصم وجه
أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل وأمره أن يبنى الحصون التى خربها بابك
ـ227ـ
فيما بين زنجان وأردبيل ويجعل فيها الرجال مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة
إلى أردبيل فتوجه أبوسعيد لذلك وبنى الحصون التى خربها بابك ووجه بابك
سرية له في بعض غاراته وصير أميرهم رجلا يقال له معاوية فخرج فأغار على بعض
النواحى ورجع منصرفا فبلغ ذلك أبا سعيد محمد بن يوسف فجمع الناس وخرج
اليه يعترضه في بعض الطريق فواقعه فقتل من أصحابه جماعة وأسر منهم جماعة
واستنقذ ما كان حواه فهذه أول هزيمة كانت على أصحاب بابك ووجه أبوسعيد
الرؤس والاسرى إلى المعتصم بالله ثم كانت الاخرى لمحمد بن البعيث وذلك أن
محمد البغيث كان في قلعة حصينة تسمى شاهى كان ابن البعيث أخذها من
الوجناء بن الرواد عرضها نحو من فرسخين وهى من كورة آذربيجان وله حصن
آخر في بلاد آذربيجان يسمى تبريز وشاهى أمنعهما وكان ابن البعيث مصالحا
لبابك إذا توجهت سراياه نزلت به فأضافهم وأحسن اليهم حتى أنسبوا به وصارت
له عادة ثم ان بابك وجه رجلا من أصحابه يقال له عصمة من أصبهبذيه في سرية
فنزل بابن البعيث فأنزل اليه ابن البعيث على العادة الجارية الغنم والانزال وغير
ذلك وبعث إلى عصمة أن يصعد اليه في خاصته ووجوه أصحابه فصعد فغداهم
وسقاهم حتى أسكرهم ثم وثب على عصمة فاستوثق منه وقتل من كان معه من
أصحابه وأمره أن يسمى رجلا رجلا من أصحابه باسمه فكان يدعى بالرجل باسمه
فيصعد ثم يأمر به فيضرب عنقه حتى علموا بذلك فهربوا ووجه ابن البعيث بعصمة
إلى المعتصم وكان البعيث أبومحمد صعلوكا من صعاليك ابن الرواد فسأل المعتصم
عصمة عن بلاد بابك فأعلمه طرقها ووجوه القتال فيها ثم لم يزل عصمة محبوسا
إلى أيام الواثق ولما صار الافشين إلى برزند عسكر بها ورم الحصون فيما بين برزند
وأردبيل وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش فاحتفر فيه خندقا وأنزل
الهيثم الغنوى القائد من أهل الجزيرة في رستاق يقال له أرشق فرم حصنه وحفر
حوله خندقا وأنزل علويه الاعور من قواد الابناء في حصن مما يلى أردبيل
يسمى حصن النهر فكانت السابلة والقوافل تخرج من أردبيل معها من يبذرقها
ـ228ـ
حتى تصل إلى حصن النهر ثم يبذرقها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوى ويخرج
هيثم فيمن جاء من ناحية حتى يسلمه إلى أصحاب حصن النهر ويبذرق من جاء
من أردبيل حتى يصير الهيثم وصاحب حصن النهر في منتصف الطريق فيسلم
صاحب حصن النهر من معه إلى الهيثم ويسلم هيثم من معه إلى صاحب حصن النهر
فيسير هذا مع هؤلاء وهذا مع هؤلاء وإن سبق أحدهما صاحبه إلى الموضع لم
يجزه حتى يجئ الآخر فيدفع كل واحد منهما من معه إلى صاحبه ليبذرقهم هذا
إلى أردبيل وهذا إلى عسكر الافشين ثم يبذرق الهيثم الغنوى من كان معه إلى
أصحاب أبى سعيد وقد خرجوا فوقفوا على منتصف الطريق معهم قوم فيدفع أبوسعيد
وأصحابه من معهم إلى الهيثم ويدفع الهيثم من معه إلى أصحاب أبى سعيد فيصير أبوسعيد
وأصحابه بمن في القافلة إلى خش وينصرف الهيثم وأصحابه بمن صار في أيديهم إلى
أرشق حتى يصيروا به من غد فيدفعونهم إلى علوية الاعور وأصحابه ليوصلوهم
إلى حيث يريدون ويصير أبوسعيد ومن معه إلى خش ثم إلى عسكر الافشين
فتلقاه صاحب سيارة الافشين فيقبض منه من في القافلة فيؤديهم إلى
عسكر الافشين فلم يزل الامر جاريا على هذا وكلما صار إلى أبى سعيد أو إلى
أحد من المسالح أحد من الجواسيس وجهوا به إلى الافشين فكان الافشين
لا يقتل الجواسيس ولا يضربهم ولكن يهب لهم ويصلهم ويسألهم ما كان بابك
يعطيهم فيضعفه لهم ويقول للجاسوس كن جاسوسا لنا ( وفيها ) كانت وقعة
بين بابك وأفشين بأرشق قتل فيها الافشين من أصحاب بابك خلقا كثيرا قيل أكثر
من ألف وهرب بابك إلى موقان ثم شخص منها إلى مدينته التى تدعى البذ
* ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة بين الافشين وبابك *
ذكر أن سبب ذلك أن المعتصم وجه مع بغا الكبير بمال إلى الافشين
عطاء لجنده وللنفقات فقدم بغا بذلك المال إلى أردبيل فلما نزل أردبيل بلغ بابك
وأصحابه خبره فتهيأ بابك وأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى الافشين فقدم
صالح الجاسوس على الافشين فأخبره أن بغا الكبير قد قدم بمال وأن بابك
ـ229ـ
وأصحابه قد تهيئوا ليقتطعوه قبل وصوله اليك ( وقيل ) كان مجئ صالح إلى
أبى سعيد فوجه به أبوسعيد إلى الافشين هيأ بابك كمينا في مواضع فكتب
الافشين إلى أبى سعيد يأمره أن يحتال لمعرفة صحة خبر بابك فمضى أبوسعيد متنكرا
هو وجماعة من أصحابه حتى نظروا إلى النيران والوقود في المواضع التى وصفها
لهم صالح فكتب الافشين إلى بغا أن يقيم بأردبيل حتى يأتيه رأيه وكتب أبوسعيد
إلى الافشين بصحة خبر صالح فوعد الافشين صالحا وأحسن اليه ثم كتب الافشين
إلى بغا أن يظهر أنه يريد الرحيل ويشد المال على الابل ويقطرها ويسير متوجها
من أردبيل كأنه يريد برزند فاذا صار إلى مسلحة النهر أو سار شبيها بفرسخين
احتبس القطار حتى يجوز من صحب المال إلى برزند فاذا جازت القافلة رجع
بالمال إلى أردبيل ففعل ذلك بغا وسارت القافلة حتى نزلت النهر وانصرف
جواسيس بابك اليه يعلمونه أن المال قد حمل وعاينوه محمولا حتى صار إلى النهر
ورجع بغا بالمال إلى أردبيل وركب الافشين في اليوم الذى وعد فيه بغا عند
العصر من برزند فرافى خش مع غروب الشمس فنزل معسكرا خارج خندق
أبى سعيد فلما أصبح ركب في سر لم يضرب طبلا ولا نشر علما وأمر أن يلف
الاعلام وأمر الناس بالسكوت وجد في السير ورحلت القافلة التى كانت توجهت
في ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوى ورحل الافشين من خش يريد
ناحية الهيثم ليصادفه في الطريق ولم يعلم الهيثم فرحل بمن كان معه من القافلة
يريد بها النهر وتعبأ بابك في خيله ورجاله وعساكره وصار على طريق النهر
وهو يظن أن المال موافيه وخرج صاحب النهر ببذرق من قبله إلى الهيثم فخرجت
عليه خيل بابك وهم لا يشكون أن المال معه فقاتلهم صاحب النهر فقتلوه وقتلوا
من كان معه من الجند والسابلة وأخذوا جميع ما كان معهم من المتاع وغيره
وعلموا أن المال قد فاتهم وأخذوا علمه وأخذوا لباس أهل النهر ودراريعهم
وطراداتهم وخفاتينهم فلبسوها وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوى ومن معه أيضا
ولا يعلمون بخروج الافشين وجاؤا كأنهم أصحاب النهر فلما جاؤا لم يعرفوا
ـ230ـ
الموضع الذى كان يقف فيه علم صاحب النهر فوقفوا في غير موضع صاحب النهر
وجاء الهيثم فوقف في موقفه فأنكر ما رأى فوجه ابن عم له فقال له اذهب إلى
هذا بغيض فقل له لاى شئ وقوفك فجاء ابن عم الهيثم فلما رأى القوم أنكرهم
لما دنا منهم فرجع إلى الهيثم فقال له ان هؤلاء القوم لست أعرفهم فقال
له الهيثم أخزاك الله ما أجبنك ووجه خمسة فرسان من قبله فلما جاؤا وقربوا
من بابك خرج من الخرمية رجلان فتلقوهما وأنكروهما وأعلموهما أنهم قد
عرفوهما ورجعوا إلى الهيثم ركضا فقالوا إن الكافر قد قتل علويه وأصحابه
وأخذوا أعلامهم ولباسهم فرحل هيثم منصرفا فأتى القافلة التى جاء بها معه
وأمرهم أن يركضوا ويرجعوا لئلا يؤاخذوا ووقف هو في أصحابه يسير بهم قليلا
قليلا ويقف بهم قليلا ليشغل الخرمية عن القافلة وصار شبيها بالحامية لهم حتى
وصلت القافلة إلى الحصن الذى يكون فيه الهيثم وهو أرشق وقال لاصحابه من يذهب
منكم إلى الامير وإلى أبى سعيد فيعلمهما وله عشرة آلاف درهم وفرس بدل فرسه
إن نفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه فتوجه رجلان من أصحابه على فرسين فارهين
يركضان ودخل الهيثم الحصن وخرج بابك فيمن معه فنزل بالحصن ووضع له كرسى
وجلس على شرف بحيال الحصن وأرسل إلى الهيثم خل عن الحصن وانصرف
حتى أهدمه فأبى الهيثم وحاربه وكان مع الهيثم في الحصن ستمائة راجل وأربعمائة
فارس وله خندق حصين فقاتله وقعد بابك فيمن معه ووضع الخمر بين يديه ليشربها
والحرب مشتبكة كعادته ولقى الفارسان الافشين على أقل من فرسخ من أرشق
فساعة نظر اليهما من بعيد قال لصاحب مقدمته أرى فارسين يركضان ركضا
شديدا ثم قال اضربوا وانشروا الاعلام واركضوا نحو الفارسين ففعل
أصحابه ذلك وأسرعوا السير وقال لهم صيحوا بهما لبيك لبيك فلم يزل الناس في
طلق واحد متراكضين يكسر بعضهم بعضا حتى لحقوا بابك وهو جالس فلم يتدارك
أن يتحول ويركب حتى وافته الخيل والناس واشتبكت الحرب فلم يفلت من
رجالة بابك أحد وأفلت هو في نفر يسير ودخل موقان وقد تقطع عنه أصحابه وأقام
ـ231ـ
الافشين في ذلك الموضع وبات ليلته ثم رجع إلى معسكره ببرزند فاقام بابك بموقان أياما
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 231 سطر 1 الى ص 240 سطر 24
الافشين في ذلك الموضع وبات ليلته ثم رجع إلى معسكره ببرزند فاقام بابك بموقان أياما
ثم إنه بعث إلى البذ فجاءه في الليل عسكر فيه رجالة فرحل بهم من موقان حتى دخل
البذ فلم يزل الافشين معسكرا ببرزند فلما كان في بعض الايام مرت به قافلة من خش
إلى برزند ومعها رجل من قبل أبى سعيد يسمى صالح آب كش تفسيره السقاء
فخرج عليه اصبهبذ بابك فاخذ القافلة وقتل من فيها وقتل من كان مع صالح وأفلت
صالح بلا خف مع من أفلت وقتل جميع أهل القافلة وانتهب متاعهم فقحط
عسكر الافشين من أجل تلك القافلة التى أخذت من الآب كش وذلك
أنها كانت تحمل الميرة فكتب الافشين إلى صاحب المراغة يأمره بحمل الميرة
وتعجيلها عليه فان الناس قد قحطوا وجاعوا فوجه اليه صاحب المراغة بقافلة
ضخمة فيها قريب من ألف ثور سوى الحمر والدواب وغير ذلك تحمل الميرة
ومعها جند يبذرقونها فخرجت عليهم أيضا سرية لبابك كان عليك طرخان أو آذين
ف استباحوها عن آخرها بجميع ما فيها وأصاب الناس ضيق شديد فكتب الافشين
إلى صاحب السيروان أن يحمل اليه طعاما فحمل اليه طعاما كثيرا وأغاث الناس
في تلك السنة وقدم بغا على الافشين بمال ورجال ( وفى هذه السنة ) خرج المعتصم
إلى القاطول وذلك في ذى القعدة منها
* ذكر الخبر عن سبب خروجه اليها *
ذكر عن أبى الوزير أحمد بن خالد أنه قال بعثنى المعتصم في سنة 219 وقال لى
يا أحمد اشتر لى بناحية سامرا موضعا أبنى فيه مدينة فإنى أتخوف أن يصيح هؤلاء
الحربية صيحة فيقتلون غلمانى حتى أكون فوقهم فإن رابنى منهم ريب أتيتهم في
البر والبحر حتى آتى عليهم وقال لى خذ مائة ألف دينار * قال قلت آخذ خمسة
آلاف دينار فكلما احتجت إلى زيادة بعثت اليك فاستزدت قال نعم فأتيت الموضع
فاشتريت سامرا بخمسمائة درهم من النصارى أصحاب الدير واشتريت موضع
البستان الخاقانى بخمسة آلاف درهم واشتريت عدة مواضع حتى أحكمت ما أردت
ثم انحدرت فأتيته بالصكاك فعزم على الخروج اليها في سنة 220 فخرج حتى إذا
ـ232ـ
قارب القاطول ضربت له فيه القباب والمضارب وضرب الناس الاخبية ثم لم يزل
يتقدم وتضرب له القباب حتى وضع البناء بسامرا في سنة 221 * فذكر عن
أبى الحسن بن أبى عباد الكاتب أن مسرور الخادم الكبير قال سألنى المعتصم أين
كان الرشيد يتنزه إذا ضجر من المقام ببغداد ( قال ) قلت له بالقاطول وقد كان
بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم وقد كان خاف من الجند ما خاف المعتصم
فلما وثب أهل الشأم بالشأم وعصوا خرج الرشيد إلى الرقة فأقام بها وبقيت مدينة
القاطول لم تستتم ولما خرج المعتصم إلى القاطول استخلف ببغداد ابنه هارون
الواثق * وقد حدثنى جعفر بن محمد بن بوازة الفراء أن سبب خروج المعتصم إلى
القاطول كان أن غلمانه الاتراك كانوا لايزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم
قتيلا في أرباضها وذلك أنهم كانوا عجما جفاة يركبون الدواب فيتراكضون في
طرق بغداد وشوارعها فيصدمون الرجل والمرأة ويطؤن الصبى فيأخذهم الابناء
فينسكونهم عن دوابهم ويجرحون بعضهم فربما هلك من الجراح بعضهم فشكت
الاتراك ذلك إلى المعتصم وتأذت بهم العامة فذكر أنه رأى المعتصم راكبا منصرفا
من المصلى في يوم عيد أضحى أو فطر فلما صار في مربعة الحرشى نظر إلى شيخ
قد قام اليه فقال له يا أبا اسحاق قال فابتدره الجند ليضربوه فأشار اليهم المعتصم
فكفهم عنه فقال للشيخ مالك قال لاجزاك الله عن الجوار خيرا جاورتنا جئت
بهؤلاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا فأيتمت بهم صبياننا وأرملت بهم نسواننا
وقتلت بهم رجالنا والمعتصم يسمع ذلك كله قال ثم دخل داره فلم ير راكبا إلى
السنة القابلة في مثل ذلك اليوم فلما كان في العام المقبل في مثل ذلك اليوم خرج فصلى
بالناس العيد ثم لم يرجع إلى منزله ببغداد ولكنه صرف وجه دابته إلى ناحية
القاطول وخرج من بغداد ولم يرجع اليها ( وفى هذه السنة ) غضب المعتصم على
الفضل بن مروان وحبسه
* ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه وسبب اتصاله بالمعتصم *
ذكر أن الفضل بن مروان وهو رجل من أهل البردان كان متصلا برجل
ـ233ـ
من العمال يكتب له وكان حسن الخط ثم صار مع كاتب كان للمعتصم يقال له يحيى
الجرمقانى وكان الفضل بن مروان يخط بين يديه فلما مات الجرمقانى صار
الفضل في موضعه وكان يكتب للفضل على بن حسان الانبارى فلم يزل كذلك
حتى بلغ المعتصم الحال التى بلغها والفضل كاتبه ثم خرج معه إلى معسكر المأمون
ثم خرج معه إلى مصر فاحتوى على أموال مصر ثم قدم الفضل قبل موت المأمون
بغداد ينفذ أمور المعتصم ويكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفة
فصار الفضل صاحب الخلافة وصارت الدواوين كلها تحت يديه وكنز الاموال
وأقبل أبواسحق حين دخل بغداد يأمره بإعطاء المغنى والملهى فلا ينفذ الفضل
ذلك فثقل على أبى اسحاق فحدثنى ابراهيم بن جهرويه أن ابراهيم المعروف بالهفتى
وكان مضحكا أمر له المعتصم بمال وتقدم إلى الفضل بن مروان في اعطائه
ذلك فلم يعطه الفضل ما أمر له به المعتصم فبينا الهفتى يوما عند المعتصم بعد ما بنيت
له داره التى ببغداد واتخذ له فيها بستان قام المعتصم تمشى في البستان ينظر اليه وإلى
ما فيه من أنواع الرياحين والغروس ومعه الهفتى وكان الهفتى يصحب المعتصم قبل أن
يفضى الخلافة اليه فيقول فيما يداعبه والله لاتفلح أبدا قال وكان الهفتى رجلا مربوعا
ذا كندة والمعتصم رجلا معرفا خفيف اللحم فجعل المعتصم يسبق الهفتى في المشى فاذا تقدمه
ولم ير الهفتى معه التفت اليه فقال له مالك لاتمشى يستعجله المعتصم في المشى ليلحق به فلما
كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتى قال له الهفتى مداعبا له كنت أصلحك الله أرانى
أماشى خليفة ولم أكن أرانى أماشى فيجا والله لا أفلحت فضحك منها المعتصم وقال ويلك
هل بقى من الفلاح شئ لم أدركه أبعد الخلافة تقول هذا لى فقال له الهفتى أتحسب أنك قد
أفلحت الآن انمالك من الخلافة الاسم والله ما يجاوز أمرك أذنيك وإنما الخليفة الفضل
ابن مروان الذى يأمر فينفذه أمره من ساعته فقال له المعتصم وأى أمر لى لاينفذ فقال له
الهفتى أمرت لى بكذا وكذا منذ شهرين فما أعطيت مما أمرت به منذ ذاك حبة ( قال )
فاحتجنها على الفضل المعتصم حتى أوقع به ( فقيل ) إن أول ما أحدثه في أمره حين
تغير له أن صير أحمد بن عمار الخرسانى زماما عليه في نفقات الخاصة ونصر بن منصور
ـ234ـ
ابن بسام زماما عليه في الخراج وجميع الاعمال فلم يزل كذلك وكان محمد بن عبدالملك
الزيات يتولى ما كان أبوه يتولاه للمأمون من عمل المشمس والفساطيط وآلة
الجمازات ويكتب على ذلك مما جرى على يدى محمد بن عبدالملك وكان يلبس إذا
حضر الدار دراعة سوداء وسيفا بحمائل فقال له الفضل بن مروان انما أنت
تاجر فمالك وللسواد والسيف فترك ذلك محمد فلما تركه أخذه الفضل برفع حسابه
إلى دليل بن يعقوب النصرانى فرفعه فأحسن دليل في أمره ولم يرزأه شيئا وعرض
عليه محمد هدايا فأبى دليل أن يقبل منها شيئا فلما كانت سنة 219 وقيل سنة 20
وذلك عندى خطأ خرج المعتصم يريد القاطول ويريد البناء بسامرا فصرفه كثرة
زيادة دجلة فلم يقدر على الحركة فانصرف إلى بغداد إلى الشماسية ثم خرج بعد
ذلك فلما صار بالقاطول غضب على الفضل بن مروان وأهل بيته في صفر وأمرهم
برفع ماجرى على أيدهم وأخذ الفضل وهو مغضوب عليه في عمل حسابه فلما فرغ
من الحساب لم يناظر فيه وأمر بحبسه وأن يحمل إلى منزله ببغداد في شارع الميدان
وحبس أصحابه وصير مكانه محمد بن عبدالملك الزيات فحبس دليلا ونفى الفضل إلى
قرية في طريق الموصل يقال لها السن فلم يزل بها مقيما فصار محمد بن عبدالملك وزيرا
كاتبا وجرى على يديه عامة ما بنى المعتصم بسامرا من الجانبين الشرقى والغربى
ولم يزل في مرتبته حتى استخلف المتوكل فقتل محمد بن عبدالملك * وذكر أن المعتصم
لما استوزر الفضل بن مروان حل من قبله الحل الذى لم يكن أحد يطمع في
ملاحظته فضلا عن منازعته ولا في الاعتراض في أمره ونهيه وارادته وحكمه
فكانت هذه صفته ومقداره حتى حملته الدالة وحركته الحرمة على خلافه في بعض
ما كان يأمره به ومنعه ما كان يحتاج اليه من الاموال في مهم أموره فذكر عن
ابن أبى داؤد أنه قال كنت أحضر مجلس المعتصم فكثيرا ما كنت أسمعه يقول
للفضل بن مروان أحمل إلى كذا وكذا من المال فيقول ما عندى فيقول فاحتلها
من وجه من الوجوه فيقول ومن أين احتالها ومن يعطينى هذا القدر من المال
وعند من أجده فكان ذلك يسوؤه وأعرفه في وجهه فلما كثر هذا من فعله ركبت
ـ235ـ
اليه يوما فقلت له مستخليا به يا أبا العباس إن الناس يدخلون بينى وبينك بما
أكره وتكره وأنت أمرؤ قد عرفت أخلاقك وقد عرفها الداخلون بيننا فاذا
حركت فيك بحق فاجعله باطلا وعلى ذلك فما أدع نصيحتك وأداء ما يجب على
في الحق لك وقد أراك كثيرا ما ترد على أمير المؤمنين أجوبة غليظة ترمضه وتقدح
في قلبه والسلطان لايحتمل هذا لابنه لاسيما إذا كثر ذلك وغلظ قال وما ذاك يا أبا
عبدالله قلت أسمعه كثيرا ما يقول لك نحتاج إلى كذا من المال لنصرفه في وجه كذا
فتقول ومن يعطينى هذا وهذا مالا يحتمله الخلفاء قال فما أصنع إذا طلب منى ما ليس
عندى قلت تصنع أن تقول يا أمير المؤمنين نحتال في ذاك بحيلة فتدفع عنك أياما
إلى أن يتهيأ وتحمل اليه بعض ما يطلب وتسوفه بالباقى قال نعم أفعل وأصير إلى
ما أشرت به قال فوالله لكأنى كنت أغريه بالمنع فكان إذا عاوده بمثل ذلك من
القول عاد إلى مثل ما يكره من الجواب قال فلما كثر ذلك عليه دخل يوما اليه وبين
يديه حزمة نرجس غض فأخذها المعتصم فهزها ثم قال حياك الله يا أبا العباس
فأخذها الفضل بيمينه وسل المعتصم خاتمه من أصبعه بيساره وقال له بكلام خفى
أعطنى خاتمى فانتزعه من يده ووضعه في يد ابن عبدالملك ( وحج الناس ) في هذه
السنة صالح بن العباس بن محمد
* ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك الوقعة التى كانت بين بابك وبغا الكبير من ناحية هشتادسر فهزم بغا
واستبيح عسكره ( وفيها ) واقع الافشين بابك وهزمه
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وكيف كان السبب فيها *
ذكر أن بغا الكبير قدم بالمال الذى قد مضى ذكره وأن المعتصم وجهه معه
إلى الافشين عطاء للجند الذى كان معه ولنفقات الافشين على الافشين وبالرجال
الذين توجهوا معه اليه فأعطى الافشين أصحابه وتجهز بعد النيروز ووجه بغا في
ـ236ـ
عسكر ليدور حول هشتادسر وينزل في خندق محمد بن حميد ويحفره ويحكمه وينزله
فتوجه بغا إلى خندق محمد بن حميد وصار اليه ورحل الافشين من برزند ورحل
أبوسعيد من حش يريد بابك فتوافوا بموضع يقال له دروذ فاحتفر الافشين
بها خندقا وبنى حوله سورا ونزل هو وأبوسعيد في الخندق مع من كان صار اليه
من المطوعة فكان بينه وبين البذ ستة أميال ثم إن بغا تجهز وحمل معه الزاد من
غير أن يكون الافشين كتب اليه ولا أمره بذلك فدار حول هشتادسر حتى
دخل إلى قرية البذ فنزل في وسطها وأقام بها يوما واحدا ثم وجه ألف رجل في
علافة له فخرج عسكر من عساكر بابك فاستباح العلافة وقتل جميع من قاتله منهم
وأسر من قدر عليه وأخذ بعض الاسرى فأرسل منهم رجلين مما يلى الافشين
وقال لهما اذهبا إلى الافشين وأعلماه ما نزل بأصحابكم فأشرف الرجلان فنظر اليهما
صاحب ا لكوهبانية فحرك العلم فصاح أهل العسكر السلاح السلاح وركبوا
يريدون البذ فتلقاهم الرجلان عربانين فأخذهما صاحب المقدمة فمضى بهما إلى
الافشين فأخبراه بقضيتهما فقال فعل شيئا من غير أن نأمره ورجع بغا إلى خندق
محمد بن حميد شبيها بالمنهزم وكتب إلى الافشين يعلمه ذلك ويسأله المدد ويعلمه أن
العسكر مفلول فوجه اليه الافشين أخاه الفضل بن كاوس وأحمد بن الخليل بن
هشام وابن جوشن وجناحا الاعور السكرى وصاحب شرطة الحسن بن سهل
وأحد الاخوين قرابة الفضل بن سهل فداروا حول هشتادسر قسروا أهل
عسكره بهم ثم كتب الافشين إلى بغا يعلمه أنه يغزو بابك في يوم سماه له ويأمره
أن يغزوه في ذلك اليوم بعينه ليحاربه من كلا الوجهين فخرج الافشين في ذلك اليوم
من دروذ يريد بابك وخرج بغا من خندق محمد بن حميد فصعد إلى هشتادسر فعسكر
على دعوة بجنب قبر محمد بن حميد فهاجت ريح باردة ومطر شديد فلم يكن للناس
عليها صبر لشدة البرد وشدة الريح فانصرف بغا إلى عسكره وواقعهم الافشين
من الغد وقد رجع بغا إلى عسكره فهزمه الافشين وأخذ عسكره وخيمته وامرأة
كانت معه في العسكر ونزل الافشين في معسكر بابك ثم تجهز بغا من الغد وصعد
ـ237ـ
هشتادسر فأصاب العسكر الذى كان مقيما بإزائه بهشتادسر قد انصرف إلى بابك
ورحل بغا إلى موضعه فأصاب خرثيا وقماشا وانحدر من هشتادسر يريد البذ
فأصاب رجلا وغلاما نائمين فأخذهما داود سياه وكان على مقدمته فساءلهما فذكر
أن رسول بابك أتاهم في الليلة التى انهزم فيها بابك فأمرهم أن يوافوه بالبذ فكان
الرجل والغلام سكرانين فذهب بهما النوم فلا يعرفان من الخبر غير هذا وكان
ذلك قبل صلاة العصر فبعث بغا إلى داود سياه قد توسطنا الموضع الذى نعرفه
يعنى الذى كنا فيه في المرة الاولى وهذا وقت المساء وقد تعب الرجالة فانظر جبلا
حصينا يسع عسكرنا حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه فالتمس داود سياه ذلك فصعد إلى
بعض الجبال فالتمس أعلاه فأشرف فرأى أعلام الافشين ومعسكره شبه الحيال
فقال هذا موضعنا إلى غدوة وننحدر من الغد إلى الكافر إن شاء الله فجاءهم في
تلك الليلة سحاب وبرد ومطر وثلج كثير فلم يقدر أحد حين أصبحوا أن ينزل من
الجبل يأخذ ماء ولا يسقى دابته من شدة البرد وكثرة الثلج وكأنهم كانوا في ليل
من شدة الظلمة والضباب فلما كان اليوم الثالث قال الناس لبغاقد فنى ما معناه من
الزاد وقد أضر بنا البرد فانزل على أى حالة كانت إما راجعين وإما إلى الكافر
وكان في أيام الضباب فبيت بابك الافشين ونقض عسكره وانصرف الافشين
عنه إلى معسكره فضرب بغا بالطبل وانحدر يريد البذ حتى صار إلى البطن فنظر
إلى السماء منجلية والدنيا طيبة غير رأس الجبل الذى كان عليه بغا فعبى بغا أصحابه
ميمنة وميسرة ومقدمة وتقدم يريد البذ وهو لايشك أن الافشين في موضع معسكره
فمضى حتى صار بلزق جبل البذ ولم يبق بينه وبين أن يشرف على أبيات البذ
الا صعود قدر نصف ميل وكان على مقدمته جماعة فيهم غلام لابن البعيث له قرابة
بالبذ فلقيتهم طلائع لبابك فعرف بعضهم الغلام فقال له فلان فقال من هذا ههنا
فسمى له من كان معه من أهل بيته فقال ادن حتى أكلمك فدنا الغلام منه فقال
له ارجع وقل لمن تعنى به يتنحى فإنا قد بيتنا الافشين وانهزم إلى خندقه وقد هيأنا
لكم عسكرين فعجل الانصراف لعلك أن تفلت فرجع الغلام فأخبر ابن البعيث
ـ238ـ
بذلك وسمى له الرجل فعرفه ابن البعيث فأخبر ابن البعيث بغا بذلك فوقف بغا
وشاور أصحابه فقال بعضهم هذا باطل هذه خدعة ليس من هذا شئ فقال بعض
ال كوهبانيين ان هذا رأس جبل أعرفه من صعد إلى رأسه نظر إلى عسكر الافشين
فصعد بغا والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممن نشط فأشرفوا على الموضع فلم يروا
فيه عسكر الافشين فتيقنوا أنه قد مضى وتشاوروا فرأوا أن ينصرف الناس
راجعين في صدر النهار قبل أن يجنهم الليل فأمر بغا داود سياه بلانصراف فتقدم
داود وجد في السير ولم يقصد الطريق الذى كان دخل منه إلى هشتادسر مخافة
المضايق والعقاب وأخذ الطريق الذى كان دخل منه في المرة الاولى يدور حول
هشتادسر وليس فيه مضيق إلا في موضع واحد فسار بالناس وبعث بالرجالة
فطرحوا رماحهم وأسلحتهم في الطريق ودخلتهم وحشة شديدة ورعب وصار
بغا والفضل بن كاوس وجماعة القواد في الساقة وظهرت طلائع بابك فكلما نزل
هؤلاء جبلا صعدته طلائع بابك يتراءون لهم مرة ويغيبون عنهم مرة وهم في ذلك
يقفون آثارهم وهم قدر عشرة فرسان حتى كان بين الصلاتين الظهر والعصر فنزل
بغا ليتوضأ ويصلى فتدانت منه طلائع بابك فبرزوا لهم وصلى بغا ووقف في
وجوههم فوقفوا حين رأوه فتخوف بغا على عسكره أن يواقعه الطلائع من ناحية
ويدور عليهم في بعض الجبال والمضايق قوم آخرون فشاور من حضره وقال
لست آمن أن يكونوا جعلوا هؤلاء مشغلة يحبسوننا عن المسير ويقدمون أصحابهم
ليأخذوا على أصحابنا المضايق فقال له الفضل بن كاوس ليس هؤلاء أصحاب نهار
وإنما هم أصحاب ليل وإنما يتخوف على أصحابنا من الليل فوجه إلى داود سياه
ليسرع السير ولا ينزل ولو صار إلى نصف الليل حتى يجاوز المضيق ونقف نحن
ههنا فان هؤلاء ماداموا يروننا في وجوههم لا يسيرون فنماطلهم وندافعهم
قليلا قليلا حتى تجئ الظلمة فاذا جاءت الظلمة لم يعرفوا لنا موضعا وأصحابنا يسيرون
فينفذون أولا فأولا فان أخذ علينا نحن المضيق تخلصنا من طريق هشتادسر أو من
طريق آخر وأشار غيره على بغا فقال ان العسكر قد تقطع وليس يدرك أوله
ـ239ـ
آخره والناس قد رموا بسلاحهم وقد بقى المال والسلاح على البغال وليس معه
أحد ولا نأمن أن يخرج عليه من يأخذ المال والاسير وكان ابن جويدان معهم
أسيرا أرادوا أن يفادوا به كاتبا لعبد الرحمن بن حبيب أسره بابك فعزم بغا على
أن يعسكر بالناس حين ذكر له المال والسلاح والاسير فوجه إلى داود سياه
حيث ما رأيت جبلا حصينا فعسكر عليه فعدل داود إلى جبل مؤرب لم يكن للناس
موضع يقعدون فيه من شدة هبوطه فعسكر عليه فضرب مضربا لبغا على طرف
الجبل في موضع شبيه بالحائط ليس فيه مسلك وجاء بغا فنزل وأنزل الناس وقد
تعبوا وأكلوا وفنيت أزوادهم فباتوا على تعبئة وتحارس من ناحية المصعد فجاءهم
العدو من الناحية الاخرى فتعلقوا بالجبل حتى صاروا إلى مضرب بغا
فكبسوا المضرب وبيتوا العسكر وخرج بغا راجلا حتى نجا وجرح الفضل
ابن كاوس وقتل جناح السكرى وقتل ابن جوشن وقتل أحد الاخوين قرابة
الفضل بن سهل وخرج بغا من العسكر راجلا فوجد دابة فركبها ومر بابن
البعيث فأصعده على هشتادسر حتى انحدر به على عسكر محمد بن حميد فوافاه في
جوف الليل وأخذ الخرمية المال والمعسكر والسلاح والاسير ابن جويدان
ولم يتبعوا الناس ومر الناس منهزمين منقطعين حتى وافوا بغا وهو في خندق محمد
ابن حميد فأقام بغا في خندق محمد بن حميد خمسة عشر يوما فأتاه كتاب الافشين
يأمره بالرجوع إلى المراغة وأن يرد اليه المدد الذى كان أمده به فمضى بغا إلى
المراغة وانصرف الفضل بن كاوس وجميع من كان جاء معه من عسكر الافشين
إلى الافشين وفرق الافشين الناس في مشاتيهم تلك السنة حتى جاء الربيع من
السنة المقبلة ( وفى هذه السنة ) قتل قائد لبابك كان يقال له طرخان
* ذكر سبب قتله *
ذكر أن طرخان هذا كان عظيم المنزلة عند بابك وكان أحد قواده فلما دخل الشتاء
من هذه السنة استأذن بابك في الاذن له أن يشتو في قرية له بناحية المراغة وكان الافشين
يرصده ويحب الظفر به لمكانه من بابك فأذن له بابك فصار إلى قريته ليشتو بها
ـ240ـ
بناحية هشتادسر فكتب الافشين إلى ترك مولى إسحق بن إبراهيم بن مصعب وهو
بالمراغة يأمره أن يسرى إلى تلك القرية ووصفها له حتى يقتل طرخام أو يبعث
به إليه أسيرا فأسرى ترك إلى طرخان فصار إليه في جوف الليل فقتل طرخان
وبعث برأسه إلى الافشين ( وفى هذه السنة ) قدم صول أرتكين وأهل بلاده
في قيود فنزعت قيودهم وحمل على الدواب منهم نحو من مائتى رجل ( وفيها )
غضب الافشين على رجاء الحضارى وبعث به مقيدا ( وحج ) بالناس في
هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبدالله بن
عباس وهو والى مكة
* ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من توجيه المعتصم جعفر بن دينار الخياط إلى الافشين مددا
له ثم إتباعه بعد ذلك بايتاخ وتوجيهه معه ثلاثين ألف ألف درهم عطاء للجند
وللنفقات ( وفيها ) كانت وقعة بين أصحاب الافشين وقائد لبابك يقال له آذين
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها *
ذكر أن الشتاء لما انقضى من سنة 221 وجاء الربيع ودخلت معه سنة 222
ووجه المعتصم إلى الافشين ما وجهه اليه من المدد والمال فوافاه ذلك كله ببرزند سلم ايتاخ
إلى الافشين المال والرجال الذين كانوا معه وانصرف وأقام جعفر الخياط مع الافشين
مدة ثم رحل الافشين عن إمكان الزمان فصار إلى موضع يقال له كلان روذ
فاحتفر فيه خندقا وكتب إلى أبى سعيد فرحل من برزند إلى إزائه على طرف
رستاق كلان روذ وتفسيره نهر كبير بينهما قدر ثلاثة أميال فأقام معسكرا في
خندق فأقام بكلان روذ خمسة أيام فأتاه من أخبره أن قائدا من قواد بابك يدعى
آذين قد عسكر بازاء الافشين وأنه قد صير عياله في جبل يشرف على روذ الروذ
وقال لاأتحصن من اليهود يعنى المسلمين ولا أدخل عيالى حصنا وذلك أن بابك
ـ241ـ
قال له أدخل عيالك الحصن قال أنا أتحصن من اليهود والله لا أدخلتهم حصنا أبدا
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 241 سطر 1 الى ص 250 سطر 25
قال له أدخل عيالك الحصن قال أنا أتحصن من اليهود والله لا أدخلتهم حصنا أبدا
فنقلهم إلى هذا الجبل فوجه الافشين ظفر بن العلاء السعدى والحسين بن خالد
المدائنى من قواد أبى سعيد في جماعة من الفرسان وا لكوهبانية فساروا ليلتهم
من كلان روذ حتى انحدرا في مضيق لايمر فيه راكب واحد إلا بجهد فأكثر
الناس قادوا دوابهم وانسلوا رجلا خلف رجل فأمرهم أن يصيروا قبل طلوع
الفجر على روذ الروذ فيعبر ا لكوهبانية رجالة لانه لايمكن الفارس أن يتحرك
هناك ويتسلقوا الجبل فصاروا على روذ الروذ قبل السحر ثم أمر من أطاف
من الفرسان أن يترجل وينزع ثيابه فترجل عامة الفرسان وعبروا وعبر معهم
ا لكوهبانية جميعا وصعدوا الجبل فأخذوا عيال آذين وبعض ولده وعبروا بهم
وبلغ آذين الخبر بأخذ عياله وكان الافشين عند توجه هؤلاء الرجالة ودخولهم
المضيق يخاف أن يؤخذ عليهم المضيق فأمر ا لكوهبانية أن يكون معهم أعلام
وأن يكونوا على رؤس الجبال الشواهق في المواضع التى يشرفون منها على ظفر
ابن العلاء وأصحابه فإن رأوا أحدا يخافونه حركوا الاعلام فبات ا لكوهبانية
على رؤوس الجبال فلما رجع ابن العلاء والحسين بن خالد بمن أخذوا من عيال
آذين وصاروا في بعض الطريق قبل أن يصيروا إلى المضيق انحدر عليهم رجالة
آذين فحاربوهم قبل أن يدخلوا المضيق فوقع بينهم قتلى واستنقذوا بعض النساء
ونظر اليهم ا لكوهبانية الذين رتبهم الافشين وكان آذين قد وجه عسكرين عسكرا
يقاتلهم وعسكرا يأخذ عليهم المضيق فلما حرك الاعلام وجه الافشين مظفر
ابن كيدر في كردوس من أصحابه فأسرع الركض ووجه أبا سعيد خلف المظفر
واتبعهما ببخار اخذاه فوافوا فلما نظر إليهم رجالة آذين الذين كانوا على المضيق
انحدروا عن المضيق وانضموا إلى أصحابهم ونجا ظفر بن العلاء والحسين بن خالد
ومن معهما من أصحابهما ولم يقتل منهم إلا من قتل في الوقعة الاولى وجاؤا جميعا
إلى عسكر الافشين ومعهم بعض النساء اللواتى أخذوهن ( وفى هذه السنة ) فتحت
البذ مدينة بابك ودخلها المسلمون و استباحوها وذلك في يوم الجمعة لعشر بقين
( 16 8 )
ـ242ـ
من شهر رمضان في هذه السنة
* ذكر الخبر عن أمرها وكيف فتحت والسبب في ذلك *
ذكر أن الافشين لما عزم على الدنو من البذ والارتحال من كلان روذ
جعل يزحف قليلا قليلا على خلاف زحفه قبل ذلك إلى المنازل التى كان
ينزلها فكان يتقدم الاميال الاربعة فيعسكر في موضع على طريق
المضيق الذى ينحدر إلى روذ الروذ ولا يحفر خندقا ولكنه يقيم معسكرا في
الحسك وكتب اليه المعتصم يأمره أن يجعل الناس نوائب كراديس تقف على
ظهور الخيل كما يدور العسكر بالليل فبعض القوم معسكرون وبعض وقوف على ظهور
دوابهم على ميل كما يدور العسكر بالليل والنهار مخافة البيات كى إن دهمهم أمر
يكون الناس على تعبية والرجالة في العسكر فضخ الناس من التعب وقالوا كم
نقعد ههنا في المضيق ونحن قعود في الصحراء وبيننا وبين العدو أربع فراسخ
ونحن نفعل فعالا كأن العدو بإزائنا قد استحينا من الناس و الجواسيس الذين
يمرون بيننا وبين العدو أربعة فراسخ ونحن قد متنا من الفزع أقدم بنا فإما لنا
وإما علينا فقال أنا والله أعلم أن ما تقولون حق ولكن أمير المؤمنين أمرنى بهذا
ولا أجد منه بدا فلم يلبث أن جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يتحرى بدراجه الليل
على حسب ما كان فلم يزل كذلك أياما ثم انحدر في خاصته حتى نزل إلى روذ الروذ
وتقدم حتى شارف الموضع الذى به الركوة التى واقعه عليها بابك في العام
الماضى فنظر اليها ووجد عليها كردوسا من الخرمية فلم يحاربوه ولم يحاربهم
فقال بعض العلوج مالكم تجيئون وتقرون أما تستحيون فأمر الافشين ألا يجيئوهم
ولا يبرز اليهم أحد فلم يزل مواقفهم إلى قريب من الظهر ثم رجع إلى عسكره
فمكث فيه يومين ثم انحدر أيضا في أكثر مما كان انحدر في المرة الاولى فأمر
أبا سعيد أن يذهب فيواقفهم على حسب ما كان واقفهم في المرة الاولى ولايحركهم
ولا يهجم عليهم وأقام الافشين بروذ الروذ وأمر ا لكوهبانية أن يصعدوا إلى
رؤس الجبال التى يظنون أنها حصينة فيتراؤا له فيها ويختاروا له في رؤس الجبال
ـ243ـ
مواضع يتحصن فيها الرجالة فاختاروا له ثلاثة أجبل قد كانت عليها حصون فيما
مضى فخربت فعرفها ثم بعث إلى أبى سعيد فصرفه يومه ذلك فلما كان بعد يومين
انحدر من معسكره إلى روذ الروذ وأخذ معه الكلغرية وهم الفعلة وحملوا معهم
شكاء الماء والكعك فلما صاروا إلى روذ الروذ وجه أبا سعيد وأمره أن يواقفهم
أيضا على حسب ما كان أمره به في اليوم الاول وأمر الفعلة بنقل الحجارة وتحصين
الطرق التى تسلك إلى تلك الثلاثة الاجبل حتى صارت شبه الحصون وأمر
فاحتفر على كل طريق وراء تلك الحجارة إلى المصعد خندقا فلم يترك مسلكا
إلى جبل منها إلا مسلكا واحدا ثم أمر أبا سعيد بالانصراف فانصرف ورجع الافشين
إلى معسكره قال فلما كان في اليوم الثامن من الشهر واستحكم القصر دفع إلى الرجالة
كعكا وسويقا ودفع إلى الفرسان الزاد والشعير ووكل بمعسكره ذلك من يحفظه
وانحدروا وأمر الرجالة أن يصعدوا إلى رؤس تلك الجبال وأن يصعدوا معهم
بالماء وبجميع ما يحتاجون اليه ففعلوا ذلك وعسكر ناحية ووجه أبا سعيد ليواقف
القوم على حسب ما كان يواقفهم وأمر الناس بالنزول في سلاحهم وألا
يأخذ الفرسان سروج دوابهم ثم خط الخندق وأمر الفعلة بالعمل فيه ووكل
بهم من يستحثهم ونزل هو والفرسان فوقفوا تحت الشجر في ظل يرعون دوابهم
فلما صلى العصر أمر الفعلة بالصعود إلى رؤس الجبال التى حصنها مع الرجالة وأمر
الرجالة أن يتحارسوا ولايناموا ويدعوا الفعلة فوق الجبال ينامون وأمر
الفرسان بالركوب عند اصفرار الشمس فصيرهم كراديس وقفها حيالهم بين كل
كردوس وكردوس قدر رمية سهم وتقدم إلى جميع الكراديس أن لايلتفتن
كل واحد منكم إلى الآخر ليحفظ كل واحد منكم ما يليه فان سمعتم هدة فلا يلتفتن
أحد منكم إلى أحد وكل كردوس منكم قائم بما يليه فانه لا بهدة يأخذ فلم يزل
الكراديس وقوفا على ظهور دوابهم إلى الصباح والرجالة فوق رؤس الجبال
يتحارسون وتقدم إلى الرجالة متى ما أحسوا في الليل بأحد فلا يكترثوا وليلزم
كل قوم منهم المواضع التى لهم وليحفظوا جبلهم وخندقهم فلا يلتفتن أحد إلى
ـ244ـ
أحد فلم يزالوا كذلك إلى الصباح ثم أمر من يتعاهد الفرسان والرجالة بالليل فينظر
إلى حالتهم فلبثوا في حفر الخندق عشرة أيام ودخله اليوم العاشر فقسمه بين الناس
وأمر القواد أن يبعثوا إلى أثقالهم وأثقال أصحابهم على الرفق وأتاه رسول بابك
ومعه قثاء وبطيخ وخيار يعلمه أنه في أيامه هذه في جفاء انما يأكل الكعك والسويق
هو وأصحابه وأنه أحب أن يلطفه بذلك فقال الافشين للرسول قد عرفت أى شئ
أراد أخى بهذا انما أراد أن ينظر إلى العسكر وأنا أحق من قبل بره وأعطاه شهوته
فقد صدق أنا في جفاء وقال للرسول اما أنت فلا بدلك أن تصعد حتى ترى معسركنا
فقد رأيت ما ههنا وترى ما وراءنا أيضا فأمر بحمله على دابة وأن يصعد به حتى يرى
الخندق ويرى خندق كلان روذ وخندق برزند ولينظر إلى الخنادق الثلاثة ويتأملها
ولا يخفى عليه منها شئ ليخبر به صاحبه ففعل به ذلك حتى صار إلى برزند ثم رده
إلى عنده فأطلقه وقال له اذهب فأقره منى السلام وكان من الخرمية الذين يتعرضون
لمن يجلب الميرة إلى العسكر ففعل ذلك مرة أو مرتين ثم جاءت الخرمية بعد ذلك
في ثلاثة كراديس حتى صاروا قريبا من سور خندق الافشين يصيحون فأمر
الافشين الناس ألا ينطق أحد منهم ففعلوا ذلك ليلتين أو ثلاث ليال وجعلوا يركضون
دوابهم خلف السور ففعلوا ذلك غير مرة فلما أنسوا هيأ لهم الافشين أربعة كراديس
من الفرسان والرجالة فكانت الرجالة ناشبة فمكنوا لهم في الاودية ووضع
عليهم العيون فلما انحدروا في وقتهم الذين كانوا ينحدرون فيه في كل مرة وصاحوا
وجلبوا كعادتهم شد عليهم الخيل والرجالة الذين رتبوا فأخذوا عليهم طريقهم
وأخرج الافشين اليهم كردوسين من الرجالة في جوف الليل فأحسوا ان قد
أخذت عليهم العقبة فتفرقوا في عدة طرق حتى أقبلوا يتسلقون الجبال فمروا فلم
يعودوا إلى ماكانوا يفعلون ورجع الناس من الطلب مع صلاة الغداة إلى
الخندق بروذ الروذ ولم يلحقوا من الخرمية أحدا ثم إن الافشين كان في كل
أسبوع يضرب بالطبول نصف الليل ويخرج بالشمع و النفاطات إلى باب الخندق
وقد عرف كل إنسان منهم كردوسه من كان في الميمنة ومن كان في الميسرة
ـ245ـ
فيخرج الناس فيقفون في مواقفهم ومواضعهم وكان الافشين يحمل اعلاما سودا
كبارا اثنى عشر علما يحملها على البغال ولم يكن يحملها على الخيل لئلا تزعزع بحملها
على اثنى عشر بغلا وكانت طبوله الكبار أحدا وعشرين طبلا وكانت الاعلام
الصغار نحوا من خمسمائة علم فيقف أصحابه كل فرق على مرتبتهم من ربع الليل
حتى إذا طلع الفجر ركب الافشين من مضربه فيؤذن المؤذن بين يديه ويصلى ثم
يصلى الناس بغلس ثم يأمر بضرب الطبول ويسير زحفا وكانت علامته في المسير
والوقوف تحريك الطبول وسكونها لكثرة الناس ومسيرهم في الجبال والازقة
على مصافهم كلما استقبلوا جبلا صعدوه وإذا هبطوا إلى واد مضوا فيه إلا أن يكون
جبلا منيعا لا يمكنهم صعوده وهبوطه فانهم كانوا ينضمون إلى العساكر ويرجعون
إذا جاؤا إلى الجبل إلى مصافهم ومواضعهم وكانت علامة المسير ضرب الطبول
فان أراد أن يقف امسك عن ضرب الطبول فيقف الناس جميعا من كل ناحية
على جبل أو في واد أو في مكانه وكان يسير قليلا قليلا كلما جاءه كوهبانى بخبر
وقف قليلا وكان يسير هذه الستة الاميال التى بين روذ الروذ بين البذما بين طلوع
الفجر إلى الضحى الاكبر فاذا أراد أن يصعد إلى الركوة التى كانت الحرب تكون
عليها في العام الماضى خلف بخاراخذاه على رأس العقبة مع الف فارس وستمائة
راجل يحفظون عليه الطريق لا يخرج أحد من الخرمية فيأخذ عليه الطريق وكان
بابك إذا أحس بالعسكر أنه وارد عليه وجه عسكرا له فيه رجالة إلى واد تحت تلك
العقبة التى كان عليها بخار اخذاه ويمكنون لمن يريد أن يأخذ عليه الطريق وكان
الافشين يقف بخار اخذاه يحفظ هذه العقبة التى وجه بابك عسكره اليها ليأخذها
على الافشين يتقدم إلى بخاراخذاه أن يقف بها أبدا ما دام الافشين داخل البذ على الركوة
وكان الافشين يتقدم إلى بخاراخذاه أن يقف على واد فيما بينه وبين البذ شبه
الخندق وكان يأمر أبا سعيد محمد بن يوسف أن يعبر ذلك الوادى في كردوس
من أصحابه ويأمر جعفرا الخياط أن يقف أيضا في كردوس من أصحابه ويأمر
أحمد بن الخليل فيقف في كردوس آخر فيصير في ذلك جانب الوادى ثلاثة
ـ246ـ
كراديس في طرف أبياتهم وكان بابك يخرج عسكرا مع آذين فيقف على تل بإزاء هؤلاء
الثلاثة الكراديس خارجا من البذ لئلا يتقدم أحد من عساكر الافشين إلى باب البذ
وكان الافشين يقصد إلى باب البذ وبأمرهم إذا عبروا بالوقوف فقط وترك المحاربة وكان
بابك إذا أحس بعساكر الافشين أنها قد تحركت من الخندق تريده فرق أصحابه كمناء
ولم يبق معه إلا نفير يسير وبلغ ذلك الافشين ولم يكن يعرف المواضع التى يكمنون
فيها ثم أتاه الخبر بأن الخرمية قد خرجوا جميعا ولم يبق مع بابك الاشرذمة من
أصحابه وكان الافشين اذا صعد إلى ذلك الموضع بسط له نطع ووضع له كرسى
وجلس على تل مشرف يشرف على باب قصر بابك والناس كراديس وقوف
من كان معه من هذا جانب الوادى أمره بالنزول عن دابته ومن كان من ذاك
الجانب مع أبى سعيد وجعفر الخياط وأصحابه وأحمد بن الخليل لم ينزل لقربه
من العدو فهم وقوف على ظهور دوابهم ويفرق رجالته ا لكوهبانية ليفتشوا
الاودية طمع أن يقع على مواضع الكمناء فيعرفها فكانت هذه حالته في التفتيش
إلى بعد الظهر والخرمية بين يدى بابك يشربون النبيذ ويزمرون با لسرنايات
ويضربون بالطبول حتى إذا صلى الافشين الظهر تقدم فانحدر إلى خندقه بروذ الروذ
فكان أول من ينحدر أبوسعيد ثم أحمد بن الخليل ثم جعفر بن دينار ثم
ينصرف الافشين وكان مجيئه ذلك مما يغيظ بابك وانصرافه فاذا دنا الانصراف
ضربوا بصنوجهم ونفخوا بوقاتهم استهزاء ولا يبرح بخار اخذاه من العقبة التى
هو عليها حتى تجوزه الناس جميعا ثم ينصرف في آثارهم فلما كان في بعض أيامهم
ضجرت الخرمية من المعادلة والتفتيش الذى كان يفتش عليهم فانصرف الافشين
كعادته وانصرفت الكراديس أولا فأولا وعبر أبوسعيد الوادى وعبر أحمد بن
الخليل وعبر بعض أصحاب جعفر الخياط فتح الخرمية باب خندقهم وخرج منهم
عشرة فوارس وحملوا على من بقى من أصحاب جعفر الخياط في ذلك الموضع
وارتفعت الضجة في العسكر فرجع جعفر مع كردوس من أصحابه بنفسه فحمل
على أولئك الفرسان حتى ردهم إلى باب البذ ثم وقعت الضجة في العسكر فرجع
ـ247ـ
الافشين وجعفر وأصحابه من ذلك الجانب يقاتلون وقد خرج من أصحاب جفعر
عدة وخرج بابك بعدة فرسان لم يكن معهم رجالة لا من أصحاب الافشين ولا
من أصحاب بابك كان هؤلاء يحملون وهؤلاء يحملون فوقعت بينهم جراحات
ورجع الافشين حتى طرح له النطع والكرسى فجلس في موضعه الذى كان يجلس فيه
وهو يتلظى على جعفر ويقول قد أفسد على تعبيتى وما أريد وارتفعت الضجة وكان
مع أبى دلف في كردوس قوم من المطوعة من أهل البصرة وغيرهم فلما نظروا إلى
جعفر يحارب انحدر أولئك المطوعة بغير أمر الافشين وعبروا إلى ذلك جانب
الوادى حتى صاروا إلى جانب البذ فتعلقوا به وأثروا فيه آثارا وكادوا يصعدونه
فيدخلون البذ ووجه جفعر إلى الافشين أن أمدنى بخمسمائة راجل من الناشبة
فإنى أرجوا أن أدخل البذ إن شاء الله ولست أرى في وجههى كثير أحد إلا هذا
الكردوس الذى تراه أنت فقط يعنى كردوس آذين فبعث اليه الافشين أن قد
أفسدت على أمرى فتخلص قليلا قليلا وخلص أصحابك وانصرف وارتفعت
الضجة من المطوعة حين تعلقوا بالبذ وظن الكمناء الذين أخرجهم بابك أنها حرب
قد اشتبكت فنعروا ووثبوا من تحت عسكر بخاراخذاه ووثب كمين آخر من
وراء الركوة التى كان الافشين يقعد عليها فتحركت الخرمية والناس
وقوف على رؤسهم لم يزل منهم أحد فقال الافشين الحمد لله الذى بين
لنا مواضع هؤلاء ثم انصرف جعفر وأصحابه والمطوعة فجاء جعفر
إلى الافشين فقال له إنما وجهنى سيدى أمير المؤمنين للحرب التى ترى
ولم يوجهنى للقعود ههنا وقد قطعت بى في موضع حاجتى ما كان يكفينى
الا خمسمائة راجل حتى أدخل البذ أو جوف داره لانى قد رأيت من بين
يدى فقال له الافشين لا تنظر إلى مابين يديك ولكن انظر إلى ما خلفك وما قد
وثبوا ببخار اخذاه وأصحابه فقال الفضل بن كاوس لجعفر الخياط لو كان الامر
إليك ما كنت تقدر أن تصعد إلى هذا الموضع الذى أنت عليه واقف حتى تقول
كنت وكنت فقال له جعفر هذه الحرب وها أنا واقف لمن جاء فقال له الفضل
ـ248ـ
لولا مجلس الامير لعرفتك نفسك الساعة فصاح بهما الافشين فأمسكا وأمر
أبا دلف أن يرد المطوعة عن السور فقال أبودلف للمطوعة انصرفوا فجاء رجل
منهم ومعه صخرة فقال أتردنا وهذا الحجر أخذته من السور فقال له الساعة إذا
انصرفت تدرى من على طريقك جالس يعنى العسكر الذى وثب على بخاراخذاه
من وراء الناس ثم قال الافشين لابى سعيد في وجه جعفر أحسن الله جزاءك عن
نفسك وعن أمير المؤمنين فإنى ما علمتك عالما بأمر هذه العساكر وسياستها ليس
كل من حف رأسه يقول إن الوقوف في الموضع الذى يحتاج إلى خير من المحاربة
في الموضع الذى لا يحتاج إليه لو وثب هؤلاء الذين تحتك وأشار إلى الكمين الذى
تحت الجبل كيف ترى هؤلاء المطوعة الذين لهم في القمص أى شئ كان يكون
حالهم ومن كان يجمعهم الحمد لله الذى سلمهم فقف ههنا فلاتبرح حتى لا يبقى ههنا
أحد وانصرف الافشين وكان من سنته إذا بدأ بالانصراف ينحدر علم الكراديس
وفرسانه ورجالته والكردوس الآخر واقف بينه وبينه قدر رمية سهم لا يدنو
من العقبة ولا من المضيق حتى يرى أنه قد عبر كل من في الكردوس الذى بين يديه
وخلا به الطريق ثم يدنو بعد ذلك فينحدر في الكردوس الآخر بفرسانه ورجالته
ولا يزال كذلك وقد عرف كل كردوس من خلف من ينصرف فلم يكن يتقدم
أحد منهم بين يدى صاحبه ولا يتأخر هكذا حتى إذا نفذت الكراديس كلها
ولم يبق أحد غير بخاراخذاه انحدر بخاراخذاه وخلى العقبة فانصرف ذلك اليوم
على هذه الهيئة وكان أبوسعيد آخر من انصرف وكلما مر العسكر بموضع بخاراخذاه
ونظروا إلى الموضع الذى كان فيه الكمين علموا ما كان وطئ لهم وتفرق أولئك
الاعلاج الذين أرادوا أخذ الموضع الذى كان بخاراخذاه يحفظه ورجعوا إلى
مواضعهم فأقام الافشين في خندقه بروذ الروذ أياما فشكا اليه المطوعة الضيق
في العلوفة والازواد والنفقات فقال لهم من صبر منكم فليصبر ومن لم يصبر فالطريق
واسع فلينصرف بسلام معى جند أمير المؤمنين ومن هو في أرزاقة يقيمون معى
في الحر والبرد ولست أبرح من ههنا حتى يسقط الثلج فانصرف المطوعة وهم
ـ249ـ
يقولون لو ترك الافشين جعفرا وتركنا لاخذنا البذ هذا لا يشتهى إلا المماطلة
فبلغه ذلك وماكثر المطوعة فيه و يتناولونه بألسنتهم وأنه لا يحب المناجزة وإنما
يريد التطويل حتى قال بعضهم إنه رأى في المنام أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال له قل للافشين إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره وإلا
أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة فتحدث الناس بذلك في العسكر علانية كأنه
مستور فبعث الافشين إلى رؤساء المطوعة فأحضرهم وقال لهم أحب أن ترونى
هذا الرجل فان الناس يرون في المنام أبوابا فأتوه بالرجل في جماعة من الناس
فسلم عليه فقربه وأدناه وقال له قص على رؤياك لا تحتشم ولا تستحى فانما تؤدى
قال رأيت كذا ورأيت كذا فقال الله يعلم كل شئ قبل كل أحد وما أريد بهذا
الخلق ان الله تبارك وتعالى لو أراد أن يأمر الجبال أن ترجم أحدا لرجم الكافر
وكفانا مؤنته كيف يرجمنى حتى أكفيه مؤنة الكافر كان كان يرجمه ولا يحتاج أن أقاتله
أنا وأنا أعلم أن الله عزوجل لا يخفى عليه خافية فهو مطلع على قلبى وما أريد بكم
يا مساكين فقال رجل من المطوعة من أهل الدين يا أيها الامير لا تحرمنا شهادة
إن كانت قد حضرت وإنما قصدنا وطلبنا ثواب الله ووجهه فدعنا وحدنا حتى
نتقدم بعد أن يكون بإذنك فلعل الله أن يفتح علينا فقال الافشين إنى أرى
نياتكم حاضرة وأحسب هذا الامر يريده الله وهو خير إن شاء الله وقد نشطتم
ونشط الناس والله أعلم ما كان هذا رأيى وقد حدث الساعة لما سمعت من
كلامكم وأرجوا أن يكون أراد هذا الامر وهو خير اعزموا على بركة الله أى
يوم أحببتم حتى نناهظهم ولا حول ولا قوة إلا بالله فخرج القوم مستبشرين
فبشروا أصحابهم فمن كان أراد أن ينصرف أقام ومن كان في القرب وقد خرج
مسيرة أيام فسمع بذلك رجع ووعد الناس ليوم وأمر الجند والفرسان والرجالة
وجميع الناس بالاهبة وأظهر أنه يريد الحرب لا محالة وخرج الافشين وحمل
المال والزاد ولم يبق في العسكر بغل إلا وضع عليه محمل للجرحى وأخرج معه
المتطببين وحمل الكعك والسويق وغير ذلك وجميع ما يحتاج اليه وزحف الناس
ـ250ـ
حتى صعد إلى البذ وخلف بخاراخذاه في موضعه الذى كان يخلفه عليه على العقبة
ثم طرح النطع ووضع له الكرسى وجلس عليه كما كان يفعل وقال لابى
دلف قل للمطوعة أى ناحية هى أسهل عليكم فاقتصروا عليها وقال لجعفر
العسكر كله بين يديك والناشبة والنفاطون فان أردت رجالا دفعتهم اليك
فخذ حاجتك وما تريد واعزم على بركة الله فادن من أى موضع تريد قال أريد
أن أقصد الموضع الذى كنت عليه قال امض اليه ودعا أبا سعيد فقال له قف
بين يدى أنت وجميع أصحابك ولا يبرحن منكم أحد ودعا أحمد بن الخليل فقال
له قف أنت وأصحابك ههنا ودع جعفرا يعبر وجميع من معه من الرجال فان أراد
رجالا أو فرسانا أمددناه ووجهنا بهم اليه ووجه أبا دلف وأصحابه من المطوعة
فانحدروا إلى الوادى وصعدوا إلى حائط البذ من الموضع الذى كانوا صعدوا
عليه تلك المرة وعلقوا بالحائط على حسب ماكانوا فعلوا ذلك اليوم وحمل جعفر
حملة حتى ضرب باب البذ على حسب ما كان فعل تلك المرة الاولى ووقف على الباب
وواقفة الكفرة ساعة صالحة فوجه الافشين برجل معه بدرة دنانير وقال اذهب
إلى أصحاب جعفر فقل من تقدم فاحث له ملء كفك ودفع بدرة أخرى إلى رجل من
أحصابه وقال له اذهب إلى المطوعة ومعك هذا المال وأطواق وأسورة وقل لابى
دلف كل من رأيته محسنا من المطوعة وغيرهم فأعطه ونادى صاحب الشراب فقال
له اذهب فتوسط الحرب معهم حتى أراك بعيينى معك السويق والماء لئلا يعطش
القوم فيحتاجوا إلى الرجوع وكذلك فعل بأصحاب جعفر في الماء والسويق ودعا
الكلغرية فقال له من رأيته في وسط الحرب من المطوعة في يده فأس فله عندى
خمسون درهما ودفع إليه بدرة دراهم وفعل مثل ذلك بأصحاب جعفر ووجه اليهم
الكلغرية بأيديهم الفؤس ووجه إلى جعفر بصندوق فيه أطواق وأسورة فقال له
ادفع إلى من أردت من أصحابك هذا سوى مالهم عندى وما تضمن لهم على من
الزيادة في أرزاقهم والكتاب إلى أمير المؤمنين بأسمائهم فاشتبكت الحرب على
الباب طويلا ثم فتح الخرمية الباب وخرجوا على أصحاب جعفر فنحوهم عن الباب
ـ251ـ
وشدوا على المطوعة من الناحية الاخرى فأخذوا منهم علمين وطرحوهم عن
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 251 سطر 1 الى ص 260 سطر 24
وشدوا على المطوعة من الناحية الاخرى فأخذوا منهم علمين وطرحوهم عن
السور وجرحوهم بالصخر حتى أثروا فيهم فرقوا عن الحرب ووقفوا وصاح جعفر
بأصحابه فبدر منهم نحو من مائة رجل فبركوا خلف تراسهم التى كانت معهم
وواقفهم متحاجزين لا هؤلاء يقدمون على هؤلاء ولاهؤلاء يقدمون على هؤلاء
فلم يزالوا كذلك حتى صلى الناس الظهر وكان الافشين قد حمل عرادات فنصب
عرادة منها مما يلى جعفرا على الباب وعرادة أخرى من طرف الوادى من ناحية
المطوعة فأما العرادة التى من ناحية جعفر فدافع عنها جعفر حتى صارت العرادة
فيما بينهم وبين الخرمية ساعة طويلة ثم تخلصها أصحاب جعفر بعد جهد فعلقوها
وردوها إلى العسكر فلم يزل الناس متواقفين متحاجزين يختلف بينهم النشاب
والحجارة أولئك على سورهم والباب وهؤلاء قعود تحت أتراسهم ثم تناجز وابعد
ذلك فلما نظر الافشين إلى ذلك كره أن يطمع العدو في الناس فوجه الرجالة الذين
كان أعدهم قبله حتى وقفوا في موضع المطوعة وبعث إلى جعفر بكردوس فيه رجالة
فقال جعفر لست أوتى من قلة الرجالة معى رجال فرة ولكنى لست أرى للحرب
موضعا يتقدمون إنما ههنا موضع مجال رجل أو رجلين قد وقفوا عليه وانقطعت
الحرب فبعث اليه انصرف على بركة الله فانصرف جعفر وبعث الافشين بالبغال
التى كان جاء بها معه عليها المحامل فجعلت فيها الجرحى ومن كان به وهن من الحجارة
ولايقدر على المشى وأمر الناس بالانصراف فانصرفوا إلى خندقهم بروذ الروذ
وأيس الناس من الفتح في تلك السنة وانصرف أكثر المطوعة * ثم إن الافشين
تجهز بعد جمعتين فلما كان في جوف الليل بعث الرجالة الناشبة وهم مقدار ألف
رجل فدفع إلى كل واحد منهم شكوة وكعكا ودفع إلى بعضهم أعلاما سودا وغير
ذلك وأرسلهم عند مغيب الشمس وبعث معهم أدلاء فساروا ليلتهم في جبال منكرة
صعبة على غير الطريق حتى داروا فصاروا خلف التل الذى يقف آذين عليه
وهو جبل شاهق وأمرهم ألا يعلم بهم أحد حتى إذا رأوا أعلام الافشين وصلوا
الغداة ورأوا الوقعة ركبوا تلك الاعلام في الرماح وضربوا الطبول وانحدروا
ـ252ـ
من فوق الجبل ورموا بالنشاب والصخر على الخرمية وإن هم لم يروا الاعلام لم
يتحركوا حتى يأتيهم خبره ففعلوا ذلك فوافوا رأس الجبل عند السحر وجعلوا
في تلك الشكاء الماء من الوادى وصاروا فوق الجبل فلما كان في بعض الليل وجه
الافشين إلى القواد أن يتهيئوا في السلاح فانه يركب في السحر فلما كان في بعض
الليل وجه بشيرا التركى وقوادا من الفراغنة كانوا معه فأمرهم أن يسيروا حتى
يصيروا تحت التل من أسفل الوادى الذى حملوا منه الماء وهو تحت الجبل الذى
كان عليه آذين وقد كان الافشين علم أن الكافر يكمن تحت ذلك الجبل كلما جاءه
العسكر فقصد يشير والفراغنة إلى ذلك الموضع الذى علم ان للخرمية فيه عسكرا كامنين
فساروا في بعض الليل ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر ثم بعث للقواد تأهبوا
للركوب في السلاح فان الامير يعدو في السحر فلما كان السحر خرج وأخرج
الناس وأخرج النفاطين و النفاطات والشمع على حسب ما كان يخرج فصلى الغداة
وضرب الطبل وركب حتى وافى الموضع الذى كان يقف فيه في كل مرة وبسط
له النطع ووضع له الكرسى كعادته وكان بخارخذاه يقف على العقبة التى كان
يقف عليها في كل يوم فلما كان ذلك اليوم صير بخارخذاه في المقدمة مع أبى سعيد
وجعفر الخياط وأحمد بن الخليل فانكر الناس هذه التعبية في ذلك الوقت وأمرهم
أن يدنوا من التل الذى عليه آذين فيحدقوا به وقد كان ينهاهم عن هذا قبل ذلك
اليوم فمضى الناس مع هؤلاء القواد الاربعة الذين سمينا حتى صاروا حول التل
وكان جعفر الخياط مما يلى باب البذوكان أبوسعيد مما يليه وبخار اخذاه مما يلى أبا سعيد
وأحمد بن الخليل بن هشام مما يلى بخاراخذاه فصاروا جميعا حلقة حول التل
وارتفعت الضجة من أسفل الوادى وإذا الكمين الذى تحت التل الذى كان يقف
عليه آذين قد وثب ببشير التركى والفراغنة فحاربوهم واشتبكت الحرب بينهم
ساعة وسمع أهل العسكر ضجتهم فترحك الناس فأمر الافشين أن ينادوا أيها
الناس هذا بشير التركى والفراغنة قد وجهتهم فأثاروا كمينا فلا تتحركوا فلما سمع
الرجالة الناشبة الذين كانوا تقدموا وصاروا فوق الجبل ركبوا الاعلام كما أمرهم
ـ253ـ
الافشين فنظر الناس إلى أعلام تجئ من جبل شاهق أعلام سود وبين العسكر وبين
الجبل نحو من فرسخ وهم ينحدرون على جبل آذين من فوقهم قد ركبوا الاعلام
وجعلوا ينحدرون يريدون آذين فلما نظر اليهم أهل عسكر آذين وجه آذين اليهم
بعض رجالته الذين معه من الخرمية ولما نظر الناس اليهم راعوهم فبعث اليهم
الافشين أولئك رجالنا أنجدتنا على آذين فحمل جعفر الخياط وأصحابه على آذين
وأصحابه حتى صعدوا اليهم فحملوا عليهم حملة شديدة قلبوه وأصحابه في الوادى وحمل
عليهم رجل ممن في ناحية أبى سعيد من أصحاب أبى سعيد يقال له معاذ بن محمد
أو محمد بن معاذ في عدة معه فاذا تحت حوافر دوابهم آبار محفورة تدخل أيدى
الدواب فيها فتساقطت فرسان أبى سعيد فيها فوجه الافشين الكلغرية يقلعون حيطان
منازلهم ويطمون بها تلك الآبار ففعلوا ذلك فحمل الناس عليهم حملة واحدة وكان
آذين قد تهيأ فوق الجبل عجلا عليها صخر فلما حمل الناس عليه دفع العجل على الناس
فأفرجوا عنها قد تدحرجت ثم حمل الناس من كل وجه فلما نظر بابك إلى أصحابه قد
أحدق بهم خرج من طرف البذ من باب مما يلى الافشين يكون بين هذا الباب وبين
التل الذى عليه الافشين قدر ميل فأقبل بابك في جماعة معه يسألون عن الافشين
فقال لهم أصحاب أبى دلف من هذا فقالوا هذا بابك يريد الافشين فأرسل أبودلف
إلى الافشين يعلمه ذلك فأرسل الافشين رجلا يعرف بابك فنظر اليه ثم عاد إلى
الافشين فقال نعم هو بابك فركب اليه الافشين فدنا منه حتى صار في موضع يسمع
كلامه وكلام أصحابه والحرب مشتبكة في ناحية آذين فقال له أريد الامان من أمير المؤمنين
فقال له الافشين قد عرضت عليك هذا وهو لك مبذول متى شئت فقال قد شئت
الآن على أن تؤجلنى أجلا أحمل فيه عيالى وأتجهز فقال له الافشين قد والله نصحتك
غير مرة فلم تقبل نصيحتى وأنا أنصحك الساعة خروجك اليوم في الامان خير من
غد قال قد قبلت أيها الامير وأنا على ذلك فقال له الافشين فابعث بالرهائن الذين
كنت سألتك قال نعم أما فلان وفلان فهم على ذلك التل فمر أصحابك بالتوقف *
قال فجاء رسول الافشين ليرد الناس فقيل له إن أعلام الفراغنة قد دخلت البذ
ـ254ـ
وصعدوا بها القصور فركب وصاح بالناس فدخل ودخلوا وصعد الناس بالاعلام
فوق قصور بابك وكان قد كمن في قصوره وهى أربعة ستمائة رجل فوافاهم الناس
فصعدوا بالاعلام فوق القصور وامتلا شوارع البذ وميدانها من الناس وفتح أولئك
الكمناء أبواب القصور وخرجوا رجالة يقاتلون الناس ومر بابك حتى دخل الوادى
الذى يلى هشتادسر واشتغل الافشين وجميع قواده بالحرب على أبواب القصور فقاتل
الخرمية قتالا شديدا وأحضر النفاطين فجعلوا يصبون عليهم النفط والنار والناس
يهدمون القصور حتى قتلوا عن آخرهم وأخذ الافشين أولاد بابك ومن كان معهم
في البذ من عيالاتهم حتى أدركوا المساء فأمر الافشين بالانصراف فانصرفوا وكان
عامة الخرمية في البيوت فرجع الافشين إلى الخندق بروذ الروذ * فذكر أن بابك
وأصحابه الذين نزلوا معه الوادى حين علموا أن الافشين قد رجع إلى خندقه رجعوا
إلى البذ فحملوا من الزاد ما أمكنهم حمله وحملوا أموالهم ثم دخلوا الوادى الذى يلى
هشتادسر فلما كان في الغد خرج الافشين حتى دخل البذ فوقف في القرية وأمر بهدم
القصور ووجه الرجالة يطوفون في أطراف القرية فلم يجدوا فيها أحدا من العلوج
فاصعد الكلغرية فهدموا القصور وأحرقوها فعل ذلك ثلاثة أيام حتى أحرق خزائنه
وقصوره ولم يدع فيها بيتا ولاقصرا إلا أحرقه وهدمه ثم رجع وعلم أن بابك قد
أفلت في بعض أصحابه فكتب الافشين إلى ملوك أرمينية وبطارقها يعلمهم أن بابك قد
هرب وعدة معه وصار إلى واد وخرج منه إلى ناحية أرمينية وهو مار بكم وأمرهم أن
يحفظ كل واحد منهم ناحيته ولا يسلكها أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه فجاء الجواسيس
إلى الافشين فأخبروه بموضعه في الوادى وكان واديا كثير العشب والشجر طرفه
بأرمينية وطرفه الآخر بآذربيجان ولم يمن الخيل أن تنزل إليه ولا يرى من
يستخفى فيه لكثرة شجره ومياهه إنما كانت غيضة واحدة ويسمى هذا الوادى
غيضة فوجه الافشين إلى كل موضع يعلم أن منه طريقا ينحدر منه إلى تلك الغيضة
أو يمكن بابك أن يخرج من ذلك الطريق فصير على كل طريق وموضع من هذه
المواضع عسكرا فيه ما بين أربعمائة إلى خمسمائة مقاتل ووجه معه ا لكوهبانية
ـ255ـ
ليقفوهم على الطريق وأمرهم بحراسة الطريق في الليل لئلا يخرج منه أحد وكان
يوجه إلى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره وكانت هذه العساكر
خمسة عشر عسكرا فكانوا كذلك حتى ورد كتاب أمير المؤمنين المعتصم بالذهب
محتوما فيه أمان لبابك فدعا الافشين من كان استأمن اليه من أصحاب بابك وفيهم
ابن له كبيرا كبر ولده فقال له وللاسرى هذا مالم أكن أرجوه من أمير المؤمنين
ولا أطمع له فيه أن يكتب إليه وهو في هذه الحال بأمان فمن يأخذه منكم ويذهب
به اليه فلم يجسر على ذلك أحد منهم فقال بعضهم أيها الامير ما فينا أحد يجترئ
أن يلقاه بهذا فقال له الافشين ويحك إنه يفرح بهذا قال أصلح الله الامير نحن
أعرف بهذا منك قال فلا بد لكم من أن تهبوا لى نفسكم وتوصلوا هذا الكتاب
إليه فقام رجلان منهم فقالا له اضمن لنا أنك تجرى على عيالاتنا فضمن لهما
الافشين ذلك وأخذ الكتاب وتوجها فلم يزالا يدوران في الغيضة حتى أصاباه
وكتب معهما ابن بابك بكتاب يعلمه الخبر ويسأله أن يصير إلى الامان فهو أسلم له
وخير فدفعا إليه كتاب ابنه فقرأه وقال أى شئ كنتم تصنعون قالا أسر عيالاتنا
في تلك الليلة وصبياننا ولم نعرف موضعك فنأتيك وكنا في موضع تخوفنا أن
يأخذونا فطلبنا الآمان فقال للذى كان الكتاب معه هذا لا أعرفه ولكن أنت
يا ابن الفاعلة كيف اجترأت على هذا أن تجيئنى من عند ذاك ابن الفاعلة فأخذه
وضرب عنقه وشد الكتاب على صدره مختوما لم يفضه ثم قال للآخر اذهب وقل
لذاك ابن الفاعلة يعنى ابنه حيث يكتب إلى وكتب اليه لو أنك لحقت بى واتبعت
دعوتك حتى يجيئك الامر يوما كتب ابنى وقد صح عندى الساعة فساد أمك الفاعلة
يا ابن الفاعلة عسى أن أعيش بعد اليوم قد كنت باسم هذه الرياسة وحيث ما كنت
أو ذكرت كنت ملكا ولكنك من جنس لاخير فيه وأنا أشهد أنك لست بابنى
تعيش يوما واحدا وأنت رئيس خير أو تعيش أربعين سنة وأنت عبد ذليل ورحل
من موضعه ووجه مع الرجل ثلاثة نفر حتى أصعدوه من موضع من المواضع ثم لحقوا
ببابك فلم يزل في تلك الغيضة حتى فنى زاده وخرج مما يلى طريقا كان عليه بعض
ـ256ـ
العساكر وكان موضع الطريق جبلا ليس فيه ماء فلم يقدر العسكر أن يقيم على الطريق
لبعده عن الماء فتنحى العسكر عن الطريق إلى قرب الماء وصيروا كوهبانيين وفارسين
على طرف الطريق يحرسونه والعسكر بينه وبين الطريق نحو من ميل ونصف كان
ينوب على الطريق كل يوم فارسان و كوهبانيان فبيناهم ذات يوم نصف النهار إذ
خرج بابك وأصحابه فلم يروا أحدا ولم يروا الفارسين وال كوهبانيين وظنوا أن
ليس هناك عسكر فخرج هو وأخواه عبدالله ومعاوية وأمه وامرأة له يقال لها
ابنة الكلدانية فخرجوا من الطريق وساروا يريدون أرمينية ونظر إليهم الفارسان
وال كوهبانيان فوجهوا إلى العسكر وعليه أبو الساج انا قد رأينا فرسانا يمرون
ولا ندرى من هم فركب الناس وساروا فنظروا إليهم من بعد وقد نزلوا على عين
ماء يتغدون عليها فلما نظروا إلى الناس بادر الكافر فركب وركب من كان معه
فأفلت وأخذ معاوية وأم بابك والمرأة التى كانت معه ومع بابك غلام له فوجه
أبوالساج بمعاوية والمرأتين إلى العسكر ومر بابك متوجها حتى دخل جبال أرمينية
يسير في الجبال متكمنا فاحتاج إلى طعام وكان جميع بطارقة أرمينية قد تحفظوا
بنواحيهم وأطرافهم وأوصوا مسالحهم ألا يجتاز عليهم أحد إلا أخذوه حتى
يعرفوه فكان أصحاب المسالح كلهم متحفظين وأصاب بابك الجوع فأشرف فإذا
هو بحراث يحرث على فدان له في بعض الاودية فقال لغلامه انزل إلى هذا
الحراث وخذ معك دنانير ودراهم فان كان معه خبز فخذه وأعطه وكان للحراث
شريك ذهب لحاجته فنزل الغلام إلى الحراث فنطر إليه شريكه من بعيد
فوقف بالبعد يفرق من أن يجئ إلى شريكه وهو ينظر ما يصنع شريكه
فدفع الغلام إلى الحراث شيئا فجاء الحراث فأخذ الخبز فدفعه إلى الغلام وشريكه
قائم ينظر إليه ويظن أنما اغتصبه خبزه ولم يظن أنه أعطاه شيئا فعدا إلى
المسلحة فأعلمهم أن رجلا جاءهم عليه سيف وسلاح وأنه أخذ خبز شريكه من
الوادى فركب صاحب المسلحة وكان في جبال ابن سنباط ووجه إلى سهل بن
سنباط بالخبر فركب ابن سنباط وجماعة معه حتى جاء مسرعا فوافى الحراث والغلام
ـ257ـ
عنده فقال ما هذا قال له الحراث هذا رجل مر بى فطلب منى خبزا فأعطيته فقال
للغلام وأين مولاك قال ههنا وأومى إليه فاتبعه فأدركه وهو نازل فلما رأى وجهه
عرفه فترجل له ابن سنباط عن دابته ودنا منه فقبل يده ثم قال له ياسيداه إلى
أين قال أريد بلاد الروم أو موضعا سماه فقال له لاتجد موضعا ولا أحدا أعرف
بحقك ولا أحق أن تكون عنده منى تعرف موضعى ليس بينى وبين السلطان عمل
ولا تدخل على أحد من أصحاب السلطان وأنت عارف بقضيتى وبلدى وكل من ههنا
من البطارقة إنما هم أهل بيتك قد صار لك منهم أولاد وذلك أن بابك كان إذا علم أن عند
بعض البطارقة ابنة أو أختا جميلة وجه إليها يطلبها فان بعث بها إليه وإلا بيته وأخذها
وأخذ جميع ماله من متاع وغير ذلك وصار به إلى بلده غصبا ثم قال ابن سنباط له
صر عندى في حصنى فانما هو منزلك وأنا عبدك كن فيه شتوتك هذه ثم ترى رأيك
وكان بابك قد أصابه الضر والجهد فركن إلى كلام سهل بن سنباط وقال له ليس يستقيم
أن أكون أنا أخى في موضع واحد فلعله أن يعثر بأحدنا فيبقى الآخر ولكن أقيم
عندك أنا ويتوجه عبدالله أخى إلى ابن اصطفانوس لاندرى ما يكون وليس لنا
خلف يقوم بدعوتنا فقال له ابن سنباط ولدك كثير قال ليس فيهم خير وعزم على
أن يصير أخاه في حصن ابن اصطفانوس وكان يثق به فصار هو مع ابن سنباط في حصنه
فلما أصبح عبدالله مضى إلى حصن ابن اصطفانوس وأقام بابك عند ابن سنباط وكتب
ابن سنباط إلى الافشين يعلمه أن بابك عنده في حصنه فكتب اليه إن كان هذا صحيحا
فلك عندى وعند أمير المؤمنين أيده الله الذى تحب وكتب يجزيه خيرا ووصف
الافشين صفة بابك لرجل من خاصته ممن يثق به ووجه به إلى ابن سنباط وكتب
اليه يعلمه أنه قد وجه اليه برجل من خاصته يحب أن يرى بابك ليحكى للافشين
ذلك فكره ابن سنباط أن يوحش بابك فقال للرجل ليس يمكن أن تراه إلا في
الوقت الذى يكون منكبا على طعامه يتغدى فاذا رأيتنا قد دعونا بالغداء فالبس
ثياب الطباخين الذين معنا على هيئة علوجنا وتعال كأنك تقدم الطعام أو تناول
شيئا منه يكون منكبا على الطعام فتفقد منه ما تريد فاذهب فاحكه لصاحبك ففعل
( 18 7 )
ـ258ـ
ذلك في وقت الطعام فرفع بابك رأسه فنظر اليه فأنكره فقال من هذا الرجل
فقال له ابن سنباط هذا رجل من أهل خراسان منقطع النيا من زمان نصرانى
فلقن ابن سنباط الاشر وسنى ذلك فقال له بابك منذكم أنت ههنا قال منذ كذا وكذا
سنة قال وكيف أقمت ههنا قال تزوجت ههنا قال صدقت إذا قيل للرجل من أين
أنت قال من حيث امرأتى ثم رجع إلى الافشين فأخبره ووصف له جميع ما رأى
ثم من بابك ووجه الافشين أبا سعيد وبوزباره إلى ابن سنباط وكتب اليه معهما
وأمرهما إذا صارا إلى بعض الطريق قدما كتابه إلى ابن سنباط مع علج من الاعلاج
وأمرهما ألا يخالفا ابن سنباط فيما يشير به عليهما ففعلا ذلك فكتب اليهما ابن سنباط
في المقام بموضع قد سماه ووصفه لهما إلى أن يأتيهما رسوله فلم يزالا مقيمين بالموضع
الذى وصفه لهما ووجه اليهما ابن سنباط بالميرة والزاد حتى تحرك بابك للخروج
إلى الصيد فقال له ههنا وادطيب وأنت مغموم في جوف هذا الحصن فلو خرجنا
ومعنا بازى وباشق وما يحتاج اليه فنتفرج إلى وقت الغداء بالصيد فقال له بابك اذا
شئت فانفذ ليركبا بالغداة وكتب ابن سنباط إلى أبى سعيد وبوزباره يعلمهما ما قد عزم
عليه ويأمرهما أن يوافياه واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر
في عسكرهما وأن يسيرا متمكنين مع صلاة الصبح فاذا جاءهما رسوله أشرفا
على الوادى فانحدروا عليه اذا رأوهم وأخذوهم فلما ركب ابن سنباط وبابك
بالغداة وجه ابن سنباط رسولا إلى أبى سعيد ورسولا إلى بوزباره وقال لكل رسول
جئ بهذا إلى موضع كذا وجئ بهذا إلى موضع كذا فأشرنا علينا فاذا رأيتمونا فقولوا هم
هؤلاء خذوهما وأراد أن يشبه على بابك فيقول هذه خيل جاءتنا فأخذتنا ولم يحب
أن يدفعه إليهما من منزله فصار الرسولان إلى أبى سعيد وبوزباره فمضيا بهما حتى
أشرفا على الوادى فإذا هما ببابك وابن سنباط فنظرا إليه وانحدرا وأصحابهما عليه
هذا من ههنا وهذا من ههنا وأخذاهما ومعهما البواشيق وعلى بابك دراعة بيضاء
وعمامة بيضاء وخف قصير ويقال كان بيده باشق فلما نظر إلى العساكر قد أحدقت
به وقف فنظر إليهما فقالا له انزل فقال ومن أنتما فقال أحدهما أنا أبوسعيد
ـ259ـ
والآخر أنا بوزبارة فقال نعم وثنى رجله فنزل وكان ابن سنباط ينظر اليه فرفع
رأسه إلى ابن سنباط فشتمه وقال إنما بعتنى لليهود بالشئ اليسير لو أردت المال
وطلبته لاعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء فقال له أبوسعيد قم فاركب قال نعم
فحملوه وجاؤا به إلى الافشين فلما قرب من العسكر صعد الافشين برزند فضربت
له خيمة على برزند وأمر الناس فاصطفوا صفين وجلس الافشين في فازة وجاؤا
به وأمر الافشين ألا يتركوا عربيا يدخل بين الصفين فرقا أن يقتله إنسان أو
يجرحه ممن قتل أولياءه أو صنع به داهية وكان قد صار إلى الافشين نساء كثير
وصبيان ذكروا أن بابك كان أسرهم وأنهم أحرار من العرب والدهاقين فأمر
الافشين فجعلت لهم حظيرة كبيرة وأسكنهم فيها وأجرى لهم الخبز وأمرهم أن يكتبوا
إلى أوليائهم حيث كانوا فكان كل من جاء فعرف امرأة أو صبيا أو جارية وأقام
شاهدين أنه يعرفها أو أنها حرمة له أو قرابة دفعها إليه فجاء الناس فأخذوا منهم
خلقا كثيرا وبقى منهم ناس كثير ينتظرون أن يجئ أولياؤهم ولما كان ذلك اليوم
الذى أمر الافشين الناس أن يصطفوا فصار بين بابك وبينه قدر نصف ميل أنزل
بابك يمشى بين الصفين في دراعته وعمامته وخفيه حتى جاء فوقف بين يدى الافشين
فنظر إليه الافشين ثم قال انزلوا به إلى العسكر فنزلوا به راكبا فلما نظر النساء
والصبيان الذين في الحظيرة إليه لطموا على وجوههم وصاحوا وبكوا حتى
ارتفعت أصواتهم فقال لهم الافشين أنتم بالامس تقولون أسرنا وأنتم اليوم تبكون
عليه عليكم لعنة الله قالوا كان يحسن إلينا فأمر به الافشين فأدخل بيتا ووكل به
رجالا من أصحابه وكان عبدالله أخو بابك لما أقام بابك عند ابن سنباط صار إلى
عيسى بن يوسف بن اصطفانوس فلما أخذ الافشين بابك وصيره معه في عسكره
ووكل به أعلم بمكان عبدالله أنه عند ابن اصطفانوس فكتب الافشين إلى ابن
اصطفانوس أن يوجه إليه بعبدالله فوجه به ابن اصطفانوس إلى الافشين فلما
صار في يد الافشين حبسه مع أخيه في بيت واحد ووكل بهما قوما يحفظونهما
وكتب الافشين إلى المعتصم بأخذه بابك وأخاه فكتب المعتصم إليه يأمره بالقدوم
ـ260ـ
بهما عليه فلما أراد أن يسير إلى العراق وجه إلى بابك فقال إنى أريد أن أسافر
بك فانظر ما تشتهى من بلاد آذربيجان فقال أشتهى أن أنظر إلى مدينتى فوجه معه
الافشين قوما في ليلة مقمرة إلى البذ حتى دار فيه ونظر إلى القتلى والبيوت إلى وقت
الصبح ثم رده إلى الافشين وكان الافشين قد وكل به رجلا من أصحابه فاستعفاه
منه بابك فقال له الافشين لم استعفيت منه قال يجئ ويده ملاى غمرا حتى ينام
عند رأسى فيؤذينى ريحها فأعفاه منه وكان وصول بابك إلى الافشين ببرزند
لعشر خلون من شوال بين بوزباره وديوداذ ( وحج ) بالناس في هذه
السنة محمد بن داود
* ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك قدوم الافشين على المعتصم ببابك وأخيه : ذكر أن قدومه عليه به
كان ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر بسامرا وأن المعتصم كان يوجه إلى الافشين
كل يوم من حين فصل من برزند إلى أن وافى سامرا فرسا وخلعة وأن المعتصم
لعنايته بأمر بابك وأخباره ولفساد الطريق بالثلج وغيره جعل من سامرا إلى
عقبة حلوان خيلا مضمرة على رأس كل فرسخ فرسا معه مجر مرتب فكان
يركض بالخبر ركضا حتى يؤديه من واحد إلى واحد يدا بيد وكان ما خلف حلوان
إلى آذربيجان قد رتبوا فيه دواب المرج فكانت يركض بها يوما أو يومين ثم تبدل
ويصير غيرها ويحمل عليها غلمان من أصحاب المرج كل دابة على رأس فرسخ
وجعل لهم ديادبة على رؤوس الجبال بالليل والنهار وأمرهم أن ينعروا اذا جاءهم
الخبر فإذا سمع الذى يليه النعير تهيأ فلا يبلغ إليه صاحبه الذى نعر حتى يقف له
على الطريق فيأخذ الخريطة منه فكانت الخريطة تصل من عسكر الافشين إلى
سامرا في أربعة أيام وأقل فلما صار الافشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون بن
المعتصم وأهل بيت المعتصم فلما صار الافشين ببابك إلى سامرا أنزله الافشين في
ـ261ـ
قصره بالمطيرة فلما كان في جوف الليل ذهب أحمد بن أبى دؤاد متنكرا فرآه وكلمه
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 261 سطر 1 الى ص 270 سطر 25
قصره بالمطيرة فلما كان في جوف الليل ذهب أحمد بن أبى دؤاد متنكرا فرآه وكلمه
ثم رجع إلى المعتصم فوصفه له فلم يصبر المعتصم حتى ركب إليه بين الحائطين في
الحير فدخل إليه متنكرا ونظر اليه وتأمله وبابك لا يعرفه فلما كان من غد قعد
له المعتصم يوم اثنين أو خميس واصطف الناس من باب العامة إلى المطيرة وأراد
المعتصم أن يشهره ويريه الناس فقال على أى شئ يحمل هذا وكيف يشهر فقال
حزام يا أمير المؤمنين لا شئ أشهر من الفيل فقال صدقت فأمر بتهيئة الفيل وأمر
به فجعل في قباء ديباج وقلنسوة سمور ومدورة وهو وحده فقال محمد بن
عبدالملك الزيات
قد خضب الفيل كعاداته * يحمل شيطان خراسان
والفيل لا تخضب أعضاؤه * إلا الذى شأن من الشان
فاستشرفه الناس من المطيرة إلى باب العامة فأدخل دار العامة إلى أمير المؤمنين وأحضر
جزارا ليقطع يديه ورجليه ثم أمر أن يحضر سيافه فخرج الحاجب من باب العامة وهو
ينادى نودنود وهو اسم سياف بابك فارتفعت الصيحة بنودنود حتى حضر فدخل دار
العامة فأمره أمير المؤمنين أن يقطع يديه ورجليه فقطعهما فسقط وأمر أمير المؤمنين
بذبحه وشق بطنه أحدهما ووجه برأسه إلى خراسان وصلب بدنه بسامرا عند
العقبة فموضع خشبته مشهور وأمر بحمل أخيه عبدالله مع بن شروين الطبرى
إلى اسحاق بن ابراهيم خليفته بمدينة السلام وأمره بضرب عنقه وأن يفعل به
مثل ما فعل بأخيه وصلبه فلما صار به الطبرى إلى البرذان نزل به ابن شروين في
قصر البرذان فقال عبدالله أخو بابك لابن شروين من أنت فقال ابن شروين
ملك طبرستان فقال الحمد لله الذى وفق لى رجلا من الدهاقين يتولى قتلى قال إنما
يتولى قتلك هذا وكان عنده نودنود وهو الذى قتل بابك فقال له أنت صاحبى
وانما هذا علج فأخبرنى أأمرت أن تطعمنى شيئا أم لا قال قل ما شئت قال اضرب
لى فالوذجة قال فأمر فضربت له فالوذجة في جوف الليل فأكل منها حتى تملا ثم
قال يا أبا فلان ستعلم غدا انى دهقان إن شاء الله ثم قال تقدر أن تسقينى نبيذا قال
ـ262ـ
نعم ولا بكثير قال فإنى لا أكثر قال فأحضر أربعة أرطال خمر فقعد فشربها على
مهل إلى قريب من الصبح ثم رحل في السحر فوافى به مدينة السلام ووافى به
رأس الجسر وأمر إسحاق بن ابراهيم بقطع يديه ورجليه فلم ينطق ولم يتكلم وأمر
بصلبه فصلب في الجانب الشرقى بين الجسرين بمدينة السلام وذكر عن طوق بن
أحمد أن بابك لما هرب صار إلى سهل بن سنباط فوجه الافشين أبا سعيد وبوزباره
فأخذاه منه فبعث سهل مع بابك بمعاوية ابنه إلى الافشين فأمر لمعاوية بمائة ألف
درهم وأمر لسهل بألف ألف درهم استخرجها له من أمير المؤمنين ومنطقة مغرقة
بالجوهر وتاج البطرقة فبطرق سهل بهذا السبب والذى كان عنده عبدالله أخو بابك
عيسى بن يوسف المعروف بابن أخت اصطفانوس ملك البيلقان * وذكر عن
محمد بن عمران كاتب على بن مر قال حدثنى على بن مر عن رجل من الصعاليك
يقال له مطر قال كان والله يا أبا الحسن بابك ابنى قلت وكيف قال كنا مع ابن
الرواد وكانت أمه بروميد العوراء من علوج ابن الرواد فكنت أنزل عليها وكانت
مصكة فكانت تخدمنى وتغسل ثيابى فنظرت اليها يوما فواثبتها بشبق السفر وطول
الغربة فأقررته في رحمها ثم قال غبنا غيبة بعد ذلك ثم قدمنا فاذا هى تطلق فنزلت
في منزل آخر فصارت إلى يوما فقالت حين ملات بطنى تنزل ههنا وتتركنى
فاذاعت أنه منى فقلت والله لئن ذكرتنى لاقتلنك فأمسكت عنى فهو والله ابنى وكان
يجزى الافشين في مقامه بازاء بابك سوى الارزاق والانزال والمعاون في كل يوم
يركب فيه عشرة آلاف درهم في كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف درهم وكان
جميع من قتل بابك في عشرين سنة مائتى ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة انسان
وغلب يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبى خالد وأحمد بن الجنيد وأسره وزريق بن على
ابن صدقة ومحمد بن حميد الطوسى وابراهيم بن الليث وأسر مع بابك ثلاثة آلاف
وثلثمائة وتسعة أناسى واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهم سبعة
آلاف وستمائة إنسان وعدة من صار في يد الافشين من بنى بابك سبعة عشر
رجلا ومن البنات والكنات ثلاث وعشرون امرأة فتوج المعتصم الافشين
ـ263ـ
وألبسه وشاحين بالجوهر ووصله بعشرين ألف ألف درهم منها عشرة آلاف
ألف صلة وعشرة آلاف ألف درهم يفرقها في أهل عسكره وعقد له على السند
وأدخل عليه الشعراء يمدحونه وأمر للشعراء بصلات وذلك يوم الخميس لثلاث
عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر وكان مما قيل فيه قول أبى تمام الطائى
بذ الجلاد البذ فهو دفين * ما إن بها إلا الوحوش قطين
لم يقر هذا السيف هذا الصبرفى * هيجاء إلا عز هذا الدين
قد كان عذرة سودد فافتضها * بالسيف فحل المشرق الافشين
فأعادها تعوى الثعالب وسطها * ولقد ترى بالامس وهى عرين
هطلت عليها من جماجم أهلها * ديم إمارتها طلى وشؤون
كانت من المهجات قبل مفازة * عسرا فأضحت وهى منه معين
( وفى هذه السنة ) أوقع توفيل بن ميخائيل صاحب الروم بأهل زبطرة
فأسرهم وخرب بلدهم ومضى من فوره إلى ملطية فأغار على أهلها وعلى أهل
حصون من حصون المسلمين إلى غير ذلك وسبا من المسلمات فيما قيل أكثر من
ألف امرأة ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل أعينهم وقطع آذانهم وآنافهم
* ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك *
ذكر أن السبب في ذلك كان مالحق بابك من تضيق الافشين عليه وإشرافه على
الهلاك وقهر الافشين إياه فلما أشرف على الهلاك وأيقن بالضعف من نفسه عن حربه
كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل بن جورجيس يعلمه أن ملك العرب قد وجه
عساكره ومقاتلته اليه حتى وجه خياطه يعنى جعفر بن دينار وطباخه يعنى إيتاخ ولم
يبق على بابه أحد فان أردت الخروج اليه فاعلم أنه ليس في وجهك أحد يمنعك
طمعا منه بكتابه ذلك اليه في أن ملك الروم إن تحرك انكشف عنه بعض ما هو
فيه بصرف المعتصم بعض من بإزائه من جيوشه إلى ملك الروم واشتغاله به عنه
فذكر أن توفيل خرج في مائة ألف وقيل أكثر فيهم من الجند نيف وسبعون
ألفا وبقيتهم اتباع حتى صار إلى زبطرة ومعه من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال
ـ264ـ
فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب جماعة رئيسهم بارسيس
وكان ملك الروم قد فرض لهم وزوجهم وصيرهم مقاتلة يستعين بهم في أهم
أموره اليه فلما دخل ملك الروم زبطرة وقتل الرجال الذين فيها وسبى الذرارى
والنساء التى فيها وأحرقها بلغ النفير فيما ذكر إلى سامراء وخرج أهل ثغور الشأم
والجزيرة وأهل الجزيرة إلا من لم يكن عنده دابة ولا سلاح واستعظم المعتصم
ذلك فذكر أنه لما انتهى اليه الخبر بذلك صاح في قصره النفير ثم ركب دابته وسمط
خلفه شكالا وسكة حديد وحقيبة فلم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبية فجلس فيما
ذكر في دار العامة وقد أحضر من أهل مدينة السلام قاضيها عبدالرحمن بن اسحق
وشعيب بن سهل ومعهما ثلثمائة وثمانية وعشرون رجلا من أهل العدالة فأشهدهم
على ما وقف من الضياع فجعل ثلثا لولده وثلثا لله وثلثا لمواليه ثم عسكر بغربى
دجلة وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الاولى ووجه عجيف بن عنبسة
وعمرا الفرغانى ومحمد كوته وجماعة من القواد إلى زبطرة إعانة لاهلها فوجدوا
ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد ما فعل ما قد ذكرناه فوقفوا قليلا حتى
تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا فلما ظفر المعتصم ببابك قال أى بلاد الروم
أمنع وأحصن فقيل عمورية لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الاسلام
وهى عين النصرانية وبنكها وهى أشرف عندهم من ال قسطنطينية ( وفى هذه
السنة ) شخص المعتصم غازيا إلى بلاد الروم وقيل كان شخوصه اليها من سامرا
في سنة 224 وقيل في سنة 222 بعد قتله بابك * فذكر أنه تجهز جهازا لم يتجهز
مثله قبله خليفة قط من السلاح والعدد والآلة وحياض الادم والبغال والروايا
والقرب وآلة الحديد والنفط وجعل على مقدمته أشناس ويتلوه محمد بن إبراهيم وعلى
ميمنته ايتاخ وعلى ميسرته جعفر بن دينار بن عبدالله الخياط وعلى قلب عجيف بن
عنبسة ولما دخل بلاد الروم أقام على نهر اللمس وهو على سلوقية قريبا من البحر بينه
وبين طرسوس مسيرة يوم وعليه يكون الفداء إذا فودى بين المسلمين والروم وأمضى
المعتصم الافشين حيدر بن كاوس إلى سروج وأمره بالبروز منها والدخول من
ـ265ـ
درب الحدث وسمى له يوما أمره أن يكون دخوله فيه وقدر لعسكره وعسكر أشناس
يوما جعله بينه وبين اليوم الذى يدخل فيه الافشين بقدر مابين المسافتين إلى الموضع
الذى رأى أن يجتمع العساكر فيه وهو أنقرة ودبر النزول على أنقرة فاذا فتحها
الله عليه صار إلى عمورية إذ لم يكن شئ مما يقصد له من بلاد الروم أعظم من
هاتين المدينتين ولا أحرى أن تجعل غايته التى يؤمها وأمر المعتصم أشناس أن
يدخل من درب طرسوس وأمره بانتظاره بالصفصاص فكان شخوص أشناس
يوم الاربعاء لثمان بقين من رجب وقدم المعتصم وصيفا في أثر أشناس على
مقدمات المعتصم ورحل المعتصم يوم الجمعة لست بقين من رجب فلما صار أشناس
بمرج الاسقف ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمه أن الملك بين يديه وأنه يريد
أن يجوز العساكر اللمس فيقف على المخاضة فيكسبهم ويأمره بالمقام بمرج الاسقف
وكان جعفر بن دينار على ساقة المعتصم وأعلم المعتصم أشناس في كتابه أن ينتظر
موافاة الساقة لان فيها الاثقال والمجانيق والزاد وغير ذلك وكان ذلك بعد في
مضيق الدرب لم يخلص ويأمره بالمقام إلى أن يتخلص صاحب الساقة من مضيق
الدرب بمن معه ويصحر حتى يصير في بلاد الروم فأقام اشناس بمرج الاسقف
ثلاثة أيام حتى ورد كتاب المعتصم يأمره أن يوجه قائدا من قواده في سرية
يلتمسون رجلا من الروم يسألونه عن خبر الملك ومن معه فوجه اشناس عمرا
الفرغانى في مائتى فارس فساروا ليلتهم حتى أتوا حصن قرة فخرجوا يلتمسون رجلا
من حول الحصن فلم يمكن ذلك ونذر بهم صاحب قرة فخرج في جميع فرسانه الذين
كانوا معه بالقرة وكمن في الجبل الذى فيما بين قرة ودرة وهو جبل كبير يحيط
برستاق يسمى رستاق قرة وعلم عمرو الفرغانى أن صاحب قرة قد نذر بهم فتقدم
إلى درة فكمن بها ليلته فلما انفجر عمود الصبح صير عسكره ثلاثة كراديس وأمرهم
أن يركضوا ركضا سريعا بقدر ما يأتونه بأسير عنده وخبر الملك ووعدهم أن
يوافوه به في بعض المواضع التى عرفها الادلاء ووجه مع كل كردوس دليلين
وخرجوا مع الصبح فتفرقوا في ثلاثة وجوه فأخذوا عدة من الروم بعضهم من
ـ266ـ
أهل عسكر الملك وبعضهم من الضواحى وأخذ عمرو رجلا من الروم من فرسان
أهل القرة فسأله عن الخبر فأخبره أن الملك وعسكره بالقرب منه وراء اللمس بأربعة
فراسخ وأن صاحب قرة نذربهم في ليلتهم هذه وأنه ركب فكمن في هذا الجبل فوق
رؤوسهم فلم يزل عمرو في الموضع الذى كان وعد فيه أصحابه وأمر الادلاء الذين معه ان
يتفرقوا في رؤس الجبال وأن يشرفوا على الكراديس الذين وجههم اشفاقا أن يخالفهم
صاحب قرة إلى أحد الكراديس فرآهم الادلاء ولو حوالهم فأقبلوا فتوافواهم وعمرو
في موضع غير الموضع الذى كانوا اتعدوا له ثم نزلوا قليلا ثم ارتحلوا يريدون العسكر
وقد أخذوا عدة ممن كان في عسكر الملك فصاروا إلى اشناس في اللمس فسألهم عن الخبر
فأخبره أن الملك مقيم منذ أكثر من ثلاثين يوما ينتظر عبور المعتصم ومقدمته باللمس
فيواقعهم من وراء اللمس وأنه جاءه الخبر قريبا أنه قد رحل من ناحية الارمنياق
عسكر ضخم وتوسط البلاد يعنى عسكر الافشين وأنه قد صار خلفه فأمر الملك
رجلا من أهل بيته ابن خاله فاستخلفه على عسكره وخرج ملك الروم في طائفة
من عسكره يريد ناحية الافشين فوجه اشناس بذلك الرجل الذى أخبره بهذا
الخبر إلى المعتصم فأخبره بالخبر فوجه المعتصم من عسكره قوما من الادلاء وضمن
لهم لكل رجل منهم عشرة آلاف درهم على أن يوافوا بكتابه الافشين وأعلمه
فيه أن أمير المؤمنين مقيم فليقم إشفاقا أن يواقعه ملك الروم وكتب إلى اشناس كتابا
يأمره أن يوجه من قبله رسولا من الادلاء الذين يعرفون الجبال والطرق والمشبهة
بالروم وضمن لكل رجل منهم عشرة آلاف درهم ان هو أوصل الكتاب ويكتب اليه
أن ملك الروم قد أقبل نحوه فليقم مكانه حتى يوافيه كتاب أمير المؤمنين فتوجهت
الرسل إلى ناحية الافشين فلم يلحقه أحد منهم وذلك أنه كان وغل في بلاد الروم
وتوافت آلات المعتصم وأثقاله مع صاحب الساقة إلى العسكر فكتب إلى أشناس
يأمره بالتقدم فتقدم أشناس والمعتصم من ورائه بينهم مرحلة ينزل هذا ويرحل
هذا ولم يرد عليهم من الافشين خبر حتى صاروا من أنقرة على مسيرة ثلاث
مراحل وضاق عسكر المعتصم ضيقا شديدا من الماء والعلف وكان أشناس قد
ـ267ـ
أسر عدة أسرى في طريقه فأمر بهم فضربت أعناقهم حتى بقى منهم شيخ كبير
فقال الشيخ ما ينتفع بقتلى وأنت في هذا الضيق وعسكرك أيضا في ضيق من الماء
والزاد وههنا قوم قد هربوا من أنقرة خوفا من أن ينزل بهم ملك العرب وهم
بالقرب منا ههنا معهم من الميرة والطعام والشعير شئ كثير فوجه معى قوما
لادفعهم إليهم وخل سبيلى فنادى منادى أشناس من كان به نشاط فليركب
فركب معه قريب من خمسمائة فارس فخرج أشناس حتى صار من العسكر على
ميل وبرز معه من نشط من الناس ثم برز فضرب دابته بالسوط فركض قريبا
من ميلين ركضا شديدا ثم وقف ينظر إلى أصحابه خلفه فمن لم يلحق بالكردوس
لضعف دابته رده إلى العسكر ودفع الرجل الاسير إلى ملك بن كيدر وقال له متى
ما أراك هذا سببا وغنيمة كثيرة فحل سبيله على ما ضمنا له فسار بهم الشيخ إلى
وقت العتمة فأوردهم على واد وحشيش كثير فأمرج الناس دوابهم في الحشيش
حتى شبعت وتعشى الناس وشربوا حتى رووا ثم سار بهم حتى أخرجهم من
الغيضة وسار أشناس من موضعه الذى كان به متوجها إلى أنقرة وأمر مالك بن
كيدر والادلاء الذين معه أن يوافوه بأنقرة فسار بهم الشيخ العلج بقية ليلتهم
يدور بهم في جبل ليس يخرجهم منه فقال الادلاء لمالك بن كيدر هذا الرجل
يدور بنا فسأله مالك عما ذكر الادلاء فقال صدقوا القوم الذين تريدهم خارج الجبل
وأخاف أن أخرج من الجبل بالليل فيسمعوا صوت حوافر الخيل على الصخر
فيهربوا فإذا خرجنا من الجبل ولم نر أحدا قتلتنى ولكن أدور بك في هذا الجبل
إلى الصبح فإذا أصبحنا خرجنا اليهم فأريتك إياهم حتى آمن أن تقتلنى فقال له
مالك ويحك فأنزلنا في هذا الجبل حتى نستريح فقال رأيك فنزل مالك ونزل
الناس على الصخرة وأمسكوا لجم دوابهم حتى انفجر الصبح فلما طلع الفجر
قال وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل فينظران مافوقه فيأخذان من أدركا فيه
فصعد أربعة من الرجال فأصابوا رجلا وامرأة فأنزلوهما فساءلهما العلج
أين بات أهل أنقرة فسموا لهم الموضع الذى باتوا فيه فقال لمالك خل
ـ268ـ
عن هذين فإنا قد أعطيناهما الامان حتى دلونا فخلى مالك عنهما ثم سار
بهم العلج إلى الموضع الذى سماه لهم فأشرف بهم على العسكر عسكر أهل أنقرة وهم
في طرف ملاحة فلما رأوا العسكر صاحوا بالنساء والصبيان فدخلوا الملاحة ووقفوا
لهم على طرف الملاحة يقاتلون بالقنا ولم يكن موضع حجارة ولا موضع خيل وأخذوا
منهم عدة أسرى وأصابوا في الاسرى عدة بهم جراحات عنق من جراحات
متقدمة فساءلوهم عن تلك الجراحات فقالوا كنا في وقعة الملك مع الافشين فقالوا
لهم حدثونا بالقضية فأخبروهم أن الملك كان معسكرا على أربعة فراسخ من اللمس
حتى جاءه رسول أن عسكرا ضخما قد دخل من ناحية الارمنياق فاستخلف على
عسكره رجلا من أهل بيته وأمره بالمقام في موضعه فان ورد عليه مقدمة ملك العرب
واقعه إلى أن يذهب هو فيواقع العسكر الذى دخل الارمنياق يعنى عسكر الافشين
فقال أميرهم نعم وكنت ممن سار مع الملك فواقعناهم صلاة الغداة فهزمناهم وقتلنا
رجالتهم كلهم وتقطعت عساكرنا في طلبهم فلما كان الظهر رجع فرسانهم فقاتلونا
قتالا شديدا حتى حرقوا عسكرنا واختلطوا بنا واختلطنا بهم فلم ندر في أى
كردوس الملك فلم نزل كذلك إلى وقت العصر ثم رجعنا إلى موضع عسكر الملك
الذى كنا فيه فلم نصادفه فرجعنا إلى موضع معسكر الملك الذى خلفه على اللمس
فوجدنا العسكر قد انتقض وانصرف الناس عن الرجل قرابة الملك الذى كان
الملك استخلفه على العسكر فأقمنا على ذلك ليلتنا فلما كان الغد وافانا الملك في جماعة
يسيرة فوجد عسكره قد اختل وأخذ الذى استخلفه على العسكر فضرب عنقه
وكتب إلى المدن والحصون ألا يأخذوا رجلا ممن انصرف من عسكر الملك إلا ضربوه
بالسياط ويرجع إلى موضع سماه لهم الملك انحاز اليه ليجتمع اليه الناس ويعسكر
به ليناهض ملك العرب ووجه خادما له خصيا إلى أنقرة على أن يقيم بها ويحفظ
أهلها إن نزل بها ملك العرب قال الاسير فجاء الخصى إلى أنقرة وجئنا معه فاذا
أنقرة قد عطلها أهلها وهربوا منها فكتب الخصى إلى ملك الروم يعلمه ذلك فكتب
اليه الملك يأمره بالمسير إلى عمورية قال وسألت عن الموضع الذى قصد اليه أهلها
ـ269ـ
يعنى أهل أنقرة فقالوا لى انهم بالملاحة فلحقنا بهم قال مالك بن كيدر فدعوا الناس
كلهم خذوا ما أخذتم ودعوا الباقى فترك الناس السبى والمقاتلة وانصرفوا
راجعين يريدون عسكر اشناس وساقوا في طيرقهم غنما كثيرا وبقرا وأطلق
ذلك الشيخ الاسير مالك وسار إلى عسكر اشناس بالاسرى حتى لحق بأنقرة
فمكث أشناس يوما واحدا ثم لحقه المعتصم من غد فأخبره بالذى أخبره به
الاسير فسر المعتصم بذلك فلما كان اليوم الثالث جاءت البشرى من ناحية الافشين
يخبرون بالسلامة وانه وارد على أمير المؤمنين بأنقرة * قال ثم ورد على
المعتصم الافشين بعد ذلك اليوم بيوم بأنقرة فأقاموا بها أياما ثم صير العسكر
ثلاثة عساكر عسكر فيه أشناس في الميسرة والمعتصم في القلب والافشين في
الميمنة وبين كل عسكر وعسكر فرسخان وأمر كل عسكر منهم أن يكون له ميمنة
وميسرة وأن يحرقوا القرى ويخربوها ويأخذوا من لحقوا فيها من السبى واذا
كان وقت النزول توافى كل أهل عسكر إلى صاحبهم ورئيسهم يفعلون ذلك فيما
بين أنقرة إلى عمورية وبينهما سبع مراحل حتى توافت العساكر بعمورية * قال فلما
توافت العساكر بعمورية كان أول من وردها اشناس وردها يوم الخميس ضحوة
فدار حولها دورة ثم نزل على ميلين منها بموضع فيه ماء وحشيش فلما طلعت
الشمس من الغد ركب المعتصم فدار حولها دورة ثم جاء الافشين في اليوم الثالث
فقسمها أمير المؤمنين بين القواد كما تدور صير إلى كل واحد منهم أبراجا منها
على قدر كثرة أصحابه وقلتهم وصار لكل قائد منهم ما بين البرجين إلى عشرين
برجا وتحصن أهل عمورية وتحرزوا * وكان رجل من المسلمين قد أسره أهل
عمورية فتنصر وتزوج فيهم فحبس نفسه عند دخولهم الحصن فلما رأى أمير المؤمنين
ظهر وصار من المسلمين وجاء إلى المعتصم وأعلمه أن موضعا من المدينة حمل
الوادى عليه من مطر جاءهم شديد فحمل الماء عليه فوقع السور من ذلك الموضع
فكتب ملك الروم إلى عامل عمورية أن يبنى ذلك الموضع فتوانى في بنائه حتى
كان خروج الملك من ال قسطنطينية إلى بعض المواضع فتخوف الوالى أن يمر الملك
ـ270ـ
على تلك الناحية فيمر بالسور فلا يراه بنى فوجه خلف الصناع فبنى وجه السور
بالحجارة حجرا حجرا وصير وراءه من جانب المدينة حشوا ثم عقد فوقه الشرف
كما كان فوقف ذلك الرجل المعتصم على هذه الناحية التى وصف فأمر المعتصم
فضرب مضربه في ذلك الموضع ونصب المجانيق على ذلك البناء فانفرج السور من
ذلك الموضع فلما رأى أهل عمورية انفراج السور علقوا عليه الخشب الكبار كل
واحد بلزق الاخرى فكان حجر المنجنيق إذا وقع على الخشب تكسر فعلقوا خشبا غيره
وصيروا فوق الخشب البراذغ ليترسوا السور فلما ألحت المجانيق على ذلك الموضع
وانصدع السور فكتب ياطس والخصى إلى مالك الروم كتابا يعلمانه أمر السور
ووجها الكتاب مع رجل فصيح بالعربية وغلام رومى وأخرجاهما من الفصيل
فعبروا الخندق ووقعا إلى ناحية أبناء الملوك المضموين إلى عمرو الفرغانى فلما
خرجا من الخندق أنكروهما فسألوهما من أين أنتما قالا لهم نحن من أصحابكم قالوا
من أصحاب من أنتم فلم يعرفا أحدا من قواد أهل العسكر يسميانه لهم فأنكروهما
وجاؤا بهما إلى عمرو الفرغانى بن أربخا فوجه بهما عمرو إلى أشناس فوجه بهما
أشناس إلى المعتصم فساءلهما المعتصم وفتشهما فوجد معهما كتابا من ياطس إلى
ملك الروم يعلمه فيه أن العسكر قد أحاط بالمدينة في جمع كثير وقد ضاق بهما الموضع
وقد كان دخوله ذلك الموضع خطأ وأنه قد اعتزم على أن يركب ويحمل خاصة
أصحابه على الدواب التى في الحصن ويفتح الابواب ليلا غفلة ويخرج فيحمل
على العسكر كائنا فيه ما كان أفلت فيه من أفلت وأصيب فيه من أصيب حتى يتخلص
من الحصار ويصير إلى الملك فلما قرأ المعتصم الكتاب أمر للرجل الذى يتكلم
منهما بالعربية والغلام الرومى الذى معه ببدرة فأسلمها وخلع عليهما وأمر بها حين
طلعت الشمس فأداروهما حول عمروية فقالا ياطس يكون في هذا البرج فامر بهما
فوقفا بحذاء البرج الذى فيه ياطس طويلا وبين أيديهما رجلان يحملان لهما
الدراهم وعليهما الخلع ومعهما الكتاب حتى فهمهما ياطس وجميع الروم
وشتموهما من فوق السور ثم أمر بهما المعتصم فنحوهما وأمر المعتصم أن تكون
ـ271ـ
الحراسة بينهم نوائب في كل ليلة يحضرها الفرسان يبيتون على دوابهم بالسلاح
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 271 سطر 1 الى ص 280 سطر 25
الحراسة بينهم نوائب في كل ليلة يحضرها الفرسان يبيتون على دوابهم بالسلاح
وهم وقوف عليها لئلا يفتح الباب ليلا فيخرج من عمورية إنسان فلم يزل الناس
يبيتون كذلك نوائب على ظهور الدواب في السلاح ودوابهم بسروجها حتى
انهدم السور ما بين برجين من الموضع الذى وصف للمعتصم أنه لم يحكم عمله
وسمع أهل العسكر الوجبة فتشوفوا وظنوا أن العدو قد خرج على بعض
الكراديس حتى أرسل المعتصم من طاف على الناس في العسكر يعلمهم أن ذلك
صوت السور وقد سقط فطيبوا نفسا وكان المعتصم حين نزل عمورية ونظر إلى
سعة خندقها وطول سورها وكان قد استاق في طريقة غنما كثيرة فدبر في ذلك
أن يتخذ مجانيق كبارا على قدر ارتفاع السور يسع كل منجنيق منها أربعة رجال
وعملها أوثق ما يكون وأحكمه وجعلها على كراسى تحتها عجل ودبر في ذلك أن
يدفع الغنم إلى أهل العسكر إلى كل رجل شاة فيأكل لحمها ويحشو جلدها ترابا
ثم يؤتى بالجلود مملؤة ترابا حتى تطرح في الخندق ففعل ذلك بالخندق وعمل
دبابات كبارا تسع كل دبابة عشرة رجال وأحكمها على أن يدحرجها على الجلود
المملؤة ترابا حتى يمتلئ الخندق ففعل ذلك وطرحت الجلود فلم تقع الجلود
مستوبة منضدة خوفا منهم من حجارة الروم فوقعت مختلفة ولم يكن تسويتها
فأمر أن يطرح فوقها التراب حتى استوت ثم قدمت دبابة فدحرجها فلما صارت
من الخندق في نصفه تعلقت بتلك الجلود وبقى القوم فيها فما تخلصوا منها إلا بعد
جهد ثم مكثت تلك العجلة مقيمة هناك لم يمكن فيها حيلة حتى فتحت عمورية
وبطلت الدبابات وال منجنيقات والسلاليم وغير ذلك حتى أحرقت فلما كان من
الغد قاتلهم على الثلمة وكان أول من بدأ بالحرب اشناس وأصحابه وكان الموضع
ضيقا فلم يمكنهم الحرب فيه فأمر المعتصم بال منجنيقات الكبار التى كانت متفرقة
حول السور فجمع بعضها إلى بعض وصيرها حول ثلمة وأمر أن يرمى ذلك
الموضع وكانت الحرب في اليوم الثانى على الافشين وأصحابه فأجادوا الحرب
وتقدموا وكان المعتصم واقفا على دابته بازاء الثلمة وأشناس وأفشين وخواص
ـ272ـ
القواد معه وكان باقى القواد الذين دون الخاصة وقوفا رجالة فقال المعتصم ما
كان أحسن الحرب اليوم فقال عمرو الفرغانى الحرب اليوم أجود منها أمس
وسمعها اشناس فأمسك فلما انتصف النهار وانصرف المعتصم إلى مضربه يتغدى
وانصرف القواد إلى مضاربهم يتغدون وقرب أشناس من باب مضربه ترجل
له القواد كما كانوا يفعلون وفيهم عمرو الفرغانى وأحمد بن الخليل بن هشام فمشوا
بين يديه كعادتهم عند مضربه فقال لهم اشناس يا أولاد الزنا ايش تمشون بين
يدى كان ينبغى أن تقاتلوا أمس حيث تقفون بين يدى أمير المؤمنين فتقولون
إن الحرب اليوم أحسن منها أمس كأن أمس يقاتل غيركم انصرفوا إلى
مضاربكم فلما انصرف عمر والفرغانى وأحمد بن الخليل بن هشام قال أحدهما
للآخر أما ترى هذا العبد ابن الفاعلة يعنى اشناس ما صنع بنا اليوم أليس الدخول
إلى بلاد الروم أهون من هذا الذى سمعناه اليوم فقال عمرو الفرغانى لاحمد بن
الخليل وكان عند عمرو خبر يا أبا العباس سيكفيك الله أمره عن قريب أبشر
فأوهم أحمد أن عنده خبرا فألح عليه أحمد يسأله فأخبره بما هم فيه وقال إن العباس
ابن المأمون قد تم أمره وسنبايع له ظاهرا ونقتل المعتصم واشناس وغيرهما
عن قريب ثم قال له أشير عليك أن تأتى العباس فتقدم فتكون في عداد من مال
إليه فقال له أحمد هذا أمر لا أحسبه ينم فقال له عمر وقد تم وفرغ وأرشده
إلى الحارث السمرقندى قرابة سلمة بن عبيد الله بن الوضاح وكان المتولى لايصال
الرجال إلى العباس وأخذ البيعة عليهم فقال له عمرو أنا أجمع بينك وبين الحارث
حتى تصير في عداد أصحابنا فقال له أحمد أنا معكم إن كان هذا الامر يتم فيما بيننا
وبين عشرة أيام وإن جاوز ذلك فليس بينى وبينكم عمل فذهب الحارث فلقى
العباس فأخبره أن عمرا قد ذكره لاحمد بن الخليل فقال له ما كنت أحب أن
يطلع الخليل على شئ من أمرنا أمسكوا عنه ولا تشركوه في شئ من أمركم
دعوه بينهما فأمسكوا عنه * فلما كان في اليوم الثالث كانت الحرب على أصحاب
أمير المؤمنين خاصة ومعهم المغاربة والاتراك والقيم بذلك إيتاخ فقاتلوا فأحسنوا
ـ273ـ
واتسع لهم الموضع المنثلم فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت في الروم الجراحات
وكان قواد ملك الروم عندما نزل بهم عسكر المعتصم اقتسموا البروج لكل قائد
وأصحابه عدة أبرجة وكان الموكل بالموضع الذى انثلم من السور رجلا من قواد
الروم يقال له وندوا وتفسيره بالعربية ثور فقاتل الرجل وأصحابه قتالا شديدا
بالليل والنهار والحرب عليه وعلى أصحابه لم يمده ياطس ولا غيره بأحد من
الروم فلما كان بالليل مشى القائد الموكل بالثلمة إلى الروم فقال إن الحرب على
وعلى أصحابى ولم يبق معى أحد إلا قد جرح فصيروا أصحابكم على الثلمة يرمون
قليلا وإلا افتضحتم وذهبت المدينة فأبوا أن يمدوه بأحد فقالوا سلم السور من
ناحيتنا وليس نسألك أن تمدنا فشأنك وناحيتك فليس لك عندنا مدد فاعتزم
هو وأصحابه على أن يخرجوا إلى أمير المؤمنين المعتصم ويسألوه الامان على الذرية
ويسلموا إليه الحصن بما فيه من الخرثى والمتاع والسلاح وغير ذلك فلما أصبح
وكل أصحابه بجنبى الثلمة وخرج فقال إنى أريد أمير المؤمنين وأمر أصحابه ألا يحاربوا
حتى يعود إليهم فخرج حتى وصل إلى المعتصم فصار بين يديه والناس يتقدمون
إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن الحرب حتى وصلوا إلى السور والروم يقولون
بأيديهم لاتحيوا وهم يتقدمون ووندوا بين يدى المعتصم جالس فدعا المعتصم بفرس
فحمله عليه وقابل حتى صار الناس معهم على حرف الثلمة وع بدالوهاب بن على
بين يدى المعتصم فأومأ إلى الناس بيده أن ادخلوا فدخل الناس المدينة فالتفت
وندوا وضرب بيده إلى لحيته فقال له المعتصم مالك قال جئت أريد أن أسمع
كلامك وتسمع كلامى فغدرت بى فقال المعتصم كل شئ تريد أن تقوله فهو لك
على قل ما شئت فإنى لست أخالفك قال إيش لا تخالفنى وقد دخلوا المدينة فقال
المعتصم اضرب بيدك إلى ماشئت فهو لك وقل ماشئت فإنى أعطيكه فوقف في
مضرب المعتصم وكان ياطس في برجه الذى هو فيه وحوله جماعة من الروم
مجتمعين وصارت طائفة منهم إلى كنيسة كبيرة في زاوية عمورية فقاتلوا قتالا
شديدا فأحرق الناس الكنيسة عليهم فاحترقوا عن آخرهم وبقى ياطس في برجه م ( 18 7 )
ـ274ـ
حوله أصحابه وباقى الروم وقد أخذتهم السيوف فبين مقتول ومجروح فركب
المعتصم عند ذلك حتى جاء فوقف حذاء ياطس وكان مما يلى عسكر أشناس فصاحوا
يا ياطس هذا أمير المؤمنين فصاح الروم من فوق البرج ليس ياطس ههنا قالوا
بلى قولوا له إن أمير المؤمنين واقف فقالوا ليس ياطس ههنا فمر أمير المؤمنين
مغضبا فلما جاوز صاح الروم هذا ياطس هذا ياطس فرجع المعتصم إلى حيال
البرج حتى وقف ثم أمر بتلك السلاليم التى هيئت فحمل سلم منها فوضع على البرج
الذى هو فيه وصعد عليه الحسن الرومى غلام لابى سعيد محمد بن يوسف وكلمه
ياطس فقال هذا أمير المؤمنين فانزل على حكمه فنزل الحسن فأخبر المعتصم أنه
قد رآه وكلمه فقال المعتصم قل له فلينزل فصعد الحسن ثانية فخرج ياطس من البرج
متقلدا سيفا حتى وقف على البرج والمعتصم ينظر إليه فخلع سيفه من عنقه فدفعه
إلى الحسن ثم نزل ياطس فوقف بين يدى المعتصم فقنعه سوطا وانصرف المعتصم
إلى مضربه وقال هاتوه فمشى قليلا ثم جاءه رسول المعتصم أن احملوه فحملوه فذهب
به إلى مضرب أمير المؤمنين * ثم أقبل الناس بالاسرى والسبى من كل وجه حتى
امتلا العسكر فأمر المعتصم بسيل الترجمان أن يميز الاسرى فيعزل منهم أهل الشرف
والقدر من الروم في ناحية ويعزل الباقين في ناحية ففعل ذلك بسيل ثم أمر
المعتصم فوكل بالمقاسم قواده ووكل أشناس بما يخرج من ناحيته وأمره أن
ينادى عليه فوكل بالافشين بما يخرج من ناحيته وأمره أن ينادى ويبيع وأمر
إيتاخ بناحيته مثل ذلك وجعفر الخياط بمثل ذلك في ناحيته ووكل مع كل قائد من هؤلاء
رجلا من قبل أحمد بن أبى دؤاد يحصى عليه فبيعت المقاسم في خمسة أيام بيع منها ما استباع
وأمر بالباقى فضرب بالنار وارتحل المعتصم منصرفا إلى أرض طرسوس * ولما
كان يوم إيتاخ قبل أن يرتحل المعتصم منصرفا وثب الناس على المغنم الذى كان إيتاخ
على بيعه وهو اليوم الذى كان عجيف وعد الناس فيه أن يثب بالمعتصم فركب المعتصم
بنفسه ركضا وسل سيفه فتنحى الناس عنه من بين يديه وكفوا عن انتهاب المغنم فرجع إلى
مضربه فلما كان من الغد أمر ألا ينادى على السبى إلا ثلاثة أصوات ليتزوج البيع فمن زاد
ـ275ـ
بعد ثلاثة أصوات وإلا بيع العلق فكان يفعل ذلك في اليوم الخامس فكان
ينادى على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة والمتاع الكثير جملة واحدة
قال وكان ملك الروم قد وجه رسولا في أول مانزل المعتصم على عمورية فأمر
به المعتصم فأنزل على موضع الماء الذى كان الناس يستقون منه وكان بينه وبين
عمورية ثلاثة أميال ولم يأذن له في المصير اليه حتى فتح عمورية فلما فتحها أذن له
في الانصراف إلى ملك الروم فانصرف وانصرف المعتصم يريد الثغور وذلك
أنه بلغه أن ملك الروم يريد الخروج في أثره أو يريد التعبث بالعسكر فمضى في
طريق الجادة مرحلة ثم رجع إلى عمورية وأمر الناس بالرجوع ثم عدل عن طريق
الجادة إلى طريق وادى الجور ففرق الاسرى على القواد ودفع إلى كل قائد من
القواد طائفة منهم يحفظهم ففرقهم القواد على أصحابهم فساروا في طريق نحوا من
أربعين ميلا ليس فيه ماء فكان كل من امتنع من الاسرى أن يمشى معهم لشدة
العطش الذى أصابهم ضربوا عنقه فدخل الناس في البرية في طريق وادى الجور
فأصابهم العطش فتساقط الناس والدواب وقتل بعض الاسرى بعض الجند
وهرب وكان المعتصم قد تقدم العسكر فاستقبل الناس ومعه الماء قد حمله من الموضع
الذى نزله وهلك الناس في هذا الوادى من العطش وقال الناس للمعتصم إن
هؤلاء الاسرى قد قتلوا بعض جندنا فأمر عند ذلك بسيل الرومى بتمييز من له
القدر منهم فعزلوا ناحية ثم أمر بالباقين فأصعدوا إلى الجبال وأنزلوا إلى الاودية
فضربت أعناقهم جميعا وهم مقدار ستة آلاف رجل قتلوا في موضعين بوادى
الجور وموضع آخر ورحل المعتصم من ذلك الموضع يريد الثغر حتى دخل طرسوس
وكان قد نصب له الحياض من الادم حول العسكر من الماء إلى العسكر بعمورية
والحياض مملؤة والناس يشربون منها لايتعبون في طلب الماء وكانت الوقعة التى
وقعت بين الافشين وملك الروم فيما ذكر يوم الخميس لخمس بقين من شعبان
وكانت اناخة المعتصم على عمورية يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان وقفل
بعد خمسة وخمسين يوما وقال الحسين بن الضحاك الباهلى يمدح الافشين ويذكر
ـ276ـ
وقعته التى كانت بينه وبين ملك الروم
أثبت المعصوم عزا لابى * حسن أثبت من ركن إضم
كل مجد دون ما أثله * لبنى كاوس أملاك العجم
إنما الافشين سيف سله * قدر الله بكف المعتصم
لم يدع بالذ من ساكنة * غير أمثال كأمثال إرم
ثم أهدى سلما بابكة * رهن حجلين نجيا للندم
وفرا توفيل طعنا صادقا * فض جميعه جميا وهزم
قتل الاكثر منهم ونجا * من نجا لحما على ظهر وضم
( وفى هذه السنة ) حبس المعتصم العباس بن المأمون وأمر بلعنه
* ذكر الخبر عن سبب فعله ذلك *
ذكر أن السبب كان في ذلك أن عجيف بن عنبسة حين وجهه المعتصم إلى
بلاد الروم لما كان من أمر ملك الروم بزبطرة مع عمرو بن أربخا الفرغانى ومحمد
كوته لم يطلق يد عجيف في النفقات كما أطلقت يد الافشين واستقصر المعتصم أمر
عجيف وأفعاله واستبان ذلك لعجيف فوبخ عجيف العباس على ما تقدم من فعله عند
وفاة المأمون حين بايع أبا اسحاق وعلى تفريطه فيما فعل وشجعه على أن يتلافى ما كان منه
فقبل العباس ذلك ودس رجلا يقال له الحارث السمرقندى قرابة عبيد الله ابن الوضاح
وكان العباس يأنس به وكان الحارث رجلا أديبا له عقل ومداراة فصيره العباس رسوله
وسفيره إلى قواده فكان يدور في العسكر حتى تألف له جماعة من الوقاد وبايعوه وبايعه
منهم خواص وسمى لكل رجل من قواد المعتصم رجلا من ثقات أصحابه ممن بايعه ووكله
بذلك وقال إذا أمرنا بذلك فليثب كل رجل منكم على من ضمناه أن يقتله فضمنوا له ذلك
فكان يقول للرجل ممن بايعه عليك يا فلان أن تقتل فلانا فيقول نعم فوكل من بايعه من
خاصة المعتصم بالمعتصم ومن خاصة الافشين بالافشين ومن خاصة أشناس بأشناس
ممن بايعه من الاتراك فضمنوا ذلك جميعا فلما أرادوا أن يدخلوا الدرب وهم
يريدون أنقرة وعمورية ودخل الافشين من ناحية ملطية أشار عجيف على العباس
ـ277ـ
أن يثب على المعتصم في الدرب وهو في قلة من الناس وقد تقطعت عنه
العساكر فيقتله ويرجع إلى بغداد فكان الناس يفرحون بانصرافهم من الغزو
فأبى العباس عليه وقال لا أفسد هذه الغزاة حتى دخلوا بلاد الروم وافتتحوا
عمورية فقال عجيف للعباس يا نائم كم تنام قد فتحت عمورية والرجل ممكن دس
قوما ينتهبون هذا الخرثى فانه إذا بلغه ذلك ركب بسرعة فتأمر بقتله هناك فأبى
عليه العباس وقال أنتظر حتى يصير إلى الدرب فيخلو كما خلا في البدأة فهو أمكن
منه ههنا وكان عجيف قد أمر من ينتهب المتاع فانتهب بعض الخرثى في عسكر ايتاخ
فركب المعتصم وجاء ركضا فسكن الناس ولم يطلق العباس أحدا من أولئك
الرجال الذين كان واعدهم فلم يحدثوا شيئا وكرهوا أن يفعلوا شيئا بغير أمره وكان
عمرو الفرغانى قد بلغه الخبر ذلك اليوم ولعمرو الفرغانى قرابة غلام أمرد في
خاصة المعتصم فجاء الغلام إلى ولد عمرو يشرب عندهم في تلك الليلة فأخبرهم أن
أمير المؤمنين ركب مستعجلا وأنه كان يعدو بين يديه وقال إن أمير المؤمنين قد
غضب اليوم فأمرنى أن أسل سيفى وقال لا يستقبلك أحد إلا ضربته فسمع
عمرو ذلك من الغلام فأشفق عليه أن يصاب فقال له يا بنى أنت أحمق أقل من
الكينونة عند أمير المؤمنين بالليل والزم خيمتك فان سمعت صيحة مثل هذه الصيحة
أو شغبا أو شيئا فلا تبرح من خيمتك فانك غلام غر لست تعرف بعد العساكر فعرف
الغلام مقالة عمرو وارتحل المعتصم من عمورية يريد الثغر ووجه الافشين بن الاقطع في
طريق خلاف طريق المعتصم وأمره أن يغير على موضع سماه له وأن يوافيه في بعض
الطريق فمضى ابن الاقطع وتوجه المعتصم يريد الثغر فسار حتى صار إلى موضع
أقام فيه ليريح ويستريح وليسلك الناس من المضيق الذى بين أيديهم ووافى ابن
الاقطع عسكر الافشين بما أصاب من الغنائم وكان عسكر المعتصم على حدة
وعسكر الافشين على حدة بين كل عسكر قدر ميلين أو أكثر واعتل أشناس
فركب المعتصم صلاة الغداة يعوده فجاء إلى مضربه فعاده ولم يكن الافشين لحقه
بعد ثم خرج المعتصم منصرفا فتلقاه الافشين في الطريق فقال له المعتصم تريد
ـ278ـ
أبا جعفر وكان عمرو الفرغانى وأحمد بن الخليل عند منصرف المعتصم من عيادة
أشناس توجها إلى ناحية عسكر الافشين لينظرا ما جاء به ابن الاقطع من السبى
فيشتريا منه ما أعجبهما فتوجها ناحية عسكر الافشين ولقيهما الافشين يريد
أشناس فترجلا وسلما عليه ونظر اليهما حاجب أشناس من بعد فدخل الافشين
إلى أشناس ثم انصرف وتوجها إلى عسكر الافشين فلم يكن السبى أخرج بعد
فوقفا ناحية ينتظران أن ينادى على السبى فيشتر منه ودخل حاجب أشناس
على أشناس فقال إن عمرا الفرغانى وأحمد بن الخليل تلقيا الافشين وهما يريدان
عسكره فترجلا وسلما عليه وتوجها إلى عسكره فدعا أشناس محمد بن سعيد السعدى
فقال له اذهب إلى عسكر الافشين فانظر هل ترى هناك عمرا الفرغانى وأحمد
ابن الخليل وانظر عند من نزلا وأى شئ قصتهما فجاء محمد بن سعيد فأصابهما
واقفين على ظهور دوابهما فقال ما أوقفكما ههنا قالا وقفنا ننتظر سبى ابن
الاقطع يخرج فنشترى بعضه فقال لهما محمد بن سعيد وكلا وكيلا يشترى لكما
فقالا لا نحب أن نشترى إلا ما نراه فرجع محمد فأخبر أشناس بذلك فقال لحاجبه
قل لهؤلاء الزموا عساكركم فهو خير لكم يعنى عمرا وابن الخليل ولا تذهبوا ههنا
وههنا فذهب الحاجب اليهما فأعلمهما فاغتما لذلك واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب
خبر العسكر فيستعفياه من أشناس فصارا إلى صاحب الخبر فقالا نحن عبيد
أمير المؤمنين يضمنا إلى من شاء فان هذا الرجل يستخف بنا قد شتمنا وتوعدنا
ونحن نخاف ان يقدم علينا فليضمنا أمير المؤمنين إلى من أحب فأنهى صاحب
الخبر ذلك إلى المعتصم من يومه واتفق الرحيل صلاة الغداة وكان اذا ارتحل
الناس سارت العساكر على حيالها وسار أشناس والافشين وجميع القواد في
عسكر أمير المؤمنين ووكلوا خلفاءهم بالعساكر فيسيرون بها وكان الافشين على
الميسرة وأشناس على الميمنة فلما ذهب أشناس إلى المعتصم قال له أحسن أدب
عمرو الفرغانى وأحمد بن الخليل فانهما قد حمقا أنفسهما فجاء أشناس ركضا إلى
معسكره فسأل عن عمرو وابن الخليل فأصاب عمرا وكان ابن الخليل قد مضى في
ـ279ـ
الميسرة يبادر الروم فجاؤه بعمرو الفرغانى وقال هاتوا سياطا فمكث طويلا مجردا
ليس يؤتى بالسياط فتقدم عمه إلى أشناس فكلمه في عمرو وكان عمه أعجميا
وعمرو واقف فقال احملوه فألبسوه قباطاق فحملوه على بغل في قبة وساروا به
إلى العسكر وجاء أحمد بن الخليل وهو يركض فقال احبسوا هذا معه فأنزل عن
دابته وصير عديله ودفعا إلى محمد بن سعيد السعدى يحفظهما فكان يضرب
لهما مضربا في فازة وحجرة ومائدة ويفرش لهما فرشا وطية وحوضا من ماء
وأثقالهما وغلمانهما في العسكر لم يحرك منها شئ فلم يزالا كذلك حتى صارا
إلى جبل الصفصاف وكان أشناس على الساقة وكان بغا على ساقة عسكر المعتصم
فلما صار بالصفصاف وسمع الغلام الفرغانى قرابة عمرو بحبس عمرو ذكر
الغلام للمعتصم ما دار بينه وبين عمرو من الكلام في تلك الليلة ماقال له عمرو
اذا رأيت شغبا فالزم خيمتك فقال المعتصم لبغا لا ترحل غدا حتى تجئ أشناس
فتأخذ منه عمرا وتلحقنى به وكان هذا بالصفصاف فوقف بغا بأعلامه ينتظر
أشناس وجاء محمد بن سعيد ومعه عمرو وأحمد بن الخليل فقال بغا لاشناس أمرنى
أمير المؤمنين ان أوافيه بعمرو الساعة فأنزل عمرو وجعل مع أحمد بن الخليل في
القبة رجل يعادله ومضى بغا بعمرو إلى المعتصم فأرسل أحمد بن الخليل غلاما
من غلمانه إلى عمرو لينظر ما يصنع به فرجع الغلام فأخبره انه أدخل على أمير
المؤمنين فمكث ساعة ثم دفع إلى ايتاخ وكان أمير المؤمنين لما دخل ساءله عن
الكلام الذى قاله للغلام قرابته فأنكره وقال هذا الغلام كان سكران ولم يفهم
ولم أقل شيئا مما ذكره فأمر به فدفع إلى ايتاخ وسار المعتصم حتى صار إلى باب
مضايق البدندون وأقام أشناس ثلاثة أيام على مضيق البدندون ينتظر أن تتخلص
عساكر أمير المؤمنين لانه كان على الساقة فكتب أحمد بن الخليل إلى أشناس رقعة
يعلمه أن لامير المؤمنين عند نصيحة وأشناس مقيم على مضيق البدندون فبعث
اليه أشناس باحمد بن الخصيب وأبى سعيد محمد بن يوسف يسألانه عن النصيحة
فذكر أنه لا يخبر بها الا أمير المؤمنين فرجعا فأخبرا أشناس بذلك فقال ارجعا
ـ280ـ
فاحلفا له أنى حلفت بحياة أمير المؤمنين إن هو لم يخبرنى بهذه النصيحة أن أضربه
بالسياط حتى يموت فرجعا فاخبرا أحمد بن الخليل بذلك فأخرج جميع من
عنده وبقى أحمد بن الخصيب وأبوسعيد فأخبرهما بما ألقى اليه عمرو الفرغانى من
أمر العباس وشرح لهما جميع ما كان عنده وأخبرهما بخبر الحارث السمرقندى
فانصرفا إلى أشناس فأخبراه بذلك فبعث أشناس في طلب الحدادين فجاؤا
بحدادين من الجند فدفع اليهما حديدا فقال اعملا لى قيدا مثل قيد أحمد بن الخليل
وعجلا به الساعة ففعلا ذلك فلما كان عند عتمة وكان حاجب أشناس يبيت
عند أحمد بن الخليل مع محمد بن سعيد السعدى فلما كان تلك الليلة عند
العتمة ذهب الحاجب إلى خيمة الحارث السمرقندى فأخرجه منها وجاء به
إلى أشناس فقيده وأمر الحاجب أن يحمله إلى أمير المؤمنين فحمله الحاجب
اليه واتفق رحيل أشناس صبة الغداة فجاء أشناس إلى موضع معسكره فتلقاه
الحارث معه رجل من قبل المعتصم وعليه خلع فقال له أشناس مه فقال القيد الذى
كان في رجلى صار في رجل العباس وسأل المعتصم الحارث حين صار اليه عن أمره
فأقر أنه كان صاحب خبر العباس وأخبره بجميع أمره وجميع من بايع العباس
من القواد فأطلق المعتصم الحارث وخلع عليه ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم
وكثرة من سمى منهم وتحير المعتصم في أمر العباس فدعا به حين خرج إلى الدرب
فأطلقه ومناه وأوهمه أنه قد صفح عنه وتغدى معه وصرفه إلى مضربه ثم دعاه
بالليل فنادمه على النبيذ وسقاه حتى أسكره واستخلفه أن لا يكتمه من أمره شيئا
فشرح له قصته وسمى له جميع من كان دب في أمره وكيف كان السبب في ذلك
في كل واحد منهم فكتبه المعتصم وحفظه ثم دعا الحارث السمرقندى بعد ذلك
فسأله عن الاسباب فقص عليه مثل ما قص عليه العباس ثم أمر بعد ذلك بتقييد
العباس ثم قال للحارث قد رضتك على أن تكذب فأجد السبيل إلى سفك دمك
فلم تفعل فقد أفلت فقال له يا أمير المؤمنين لست بصاحب كذب ثم دفع العباس
إلى الافشين ثم تتبع المعتصم أولئك القواد فأخذوا جميعا فأمر أن يحمل أحمد
ـ281ـ
ابن الخليل على بغل بإكاف بلا وطاء ويطرح في الشمس إذا نزل ويطعم في كل يوم
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 281 سطر 1 الى ص 290 سطر 25
ابن الخليل على بغل بإكاف بلا وطاء ويطرح في الشمس إذا نزل ويطعم في كل يوم
رغيفا واحدا وأخذ عجيف بن عنبسة فيمن أخذ من القواد فدفع من سائر القواد
إلى إيتاخ ودفع ابن الخليل إلى أشناس فكان عجيف وأصحابه يحملون في الطريق
على بغال بأكف بلا وطاء وأخذ الشاه بن سهل وهو الرأس ابن الرأس من أهل
قرية من خراسان يقال لها سجستان فدعا به المعتصم والعباس بين يديه فقال
له يا ابن الزانية أحسنت إليك فلم تشكر فقال له الشاه بن سهل ابن الزانية هذا الذى
بين يديك يعنى العباس لو تركنى هذا كنت أنت الساعة لا تقدر أن تقعد في هذا
المجلس وتقول لى يا ابن الفاعلة فأمر به المعتصم فضربت عنقه وهو أول من قتل
من القواد ومعه صحبة ودفع عجيف إلى ايتاخ فعلق عليه حديدا كثيرا وحمله على
بغل في محمل بلا وطاء وأما العباس فكان في يدى الافشين فلما نزل المعتصم منبج
وكان العباس جائعا سأل الطعام فقدم اليه طعام كثير فأكل فلما طلب الماء منع
وأدرج في مسح فمات بمنبج وصلى عليه بعض اخوته وأما عمرو الفرغانى فانه لم
نزل المعتصم بنصيبين في بستان دعا صاحب البستان فقال له احفر بئرا في موضع
أومأ اليه بقدر قامة فبدأ صاحب البستان فحفرها ثم دعا بعمرو والمعتصم جالس في
البستان قد شرب أقداحا من نبيذ فلم يكلمه المعتصم ولم يتكلم عمرو حتى مثل بين
يديه فقال جردوه فجرد وضرب بالسياط ضربه الاتراك والبئر تحفر حتى إذا فرغ
من حفرها قال صاحب البستان قد حفرتها فأمر المعتصم عند ذلك فضرب وجه
عمرو وجسده بالخشب فلم يزل يضرب حتى سقط ثم قال جروه إلى البئر فاطرحوه
فيها فلم يتكلم عمرو ولم ينطق يومه ذلك حتى مات فطرح في البئر وطمت عليه
وأما عجيف بن عنبسة فلما صار بباعيناثا فوق بلد قليلا مات في المحمل فطرح عند
صاحب المسلحة وأمر أن يدفن فيها فجاء به إلى جانب حائط خرب فطرحه عليه
فقبر هناك وذكر عن على بن حسن الريدانى أنه قال كان عجيف في يد محمد بن ابراهيم
ابن مصعب فسأله المعتصم عنه فقال له يا محمد لم يمت عجيف قال يا سيدى اليوم يموت
ثم أتى محمد مضربه فقال لعجيف يا أبا صالح أى شئ تشتهى قال أسفيد باج وحلوى
ـ282ـ
فالوذج فامر أن يعمل له من كل طعام فأكل وطلب الماء فمنع فلم يزل بطلب وهو
يسوق حتى مات فدفن بباعيناثا قال وأما التركى الذى كان ضمن للعباس قتل أشناس
متى ما أمره العباس وكان كريما على أشناس ينادمه ولا يحجب عنه في ليل ولا نهار
فانه أمر بحبسه فحبسه أشناس قبله في بيت وطين عليه الباب وكان يلقى اليه في كل
يوم رغيفا وكوز ماء فأتاه ابنه في بعض أيامه فكلمه من وراء الحائط فقال له
يا بنى لو كنت تقدر لى على سكين كنت أقدر أن أتخلص من موضعى هذا فلم يزل
ابنه يتلطف في ذلك حتى أوصل اليه سكينا فقتل به نفسه وأما السندى بن بختاشه
فامر المعتصم أن يوهب لابيه بختاشد لان بختاشه لم يكن يتلطخ بشئ من أمر العباس
فقال المعتصم لا يفجع هذا الشيخ بابنه فأمر بتخلية سبيله وأما أحمد بن الخليل فانه دفعه
أشناس إلى محمد بن سعيد السعدى فحفر له بئرا في الجزيرة بسامرا فسأل عنه
المعتصم يوما من الايام فقال لاشناس ما فعل أحمد بن الخليل فقال له أشناس هو
عنه محمد بن سعيد السعدى قد حفر له بئرا وأطبق عليه وفتح له فيها كوة ليرمى
اليه بالخبز والماء فقال المعتصم هذا أحبسه قد سمن على هذه الحال فأخبر أشناس
محمد بن سعيد بذلك فأمر محمد بن سعيد أن يسقى الماء ويصب عليه في البئر حتى
يموت ويمتلئ البئر فلم يزل يصب عليه الماء والرمل ينشف الماء فلم يغرق ولم يمتلئ
البئر فأمر أشناس بدفعه إلى غطريف الخجندى فدفع اليه فمكث عنده أياما ثم مات
فدفن وأما هرثمة بن النضر الختلى فكن واليا على المراغة وكان في عداد من سماه
العباس أنه من أصحابه فكتب في حمله في الحديد فتكلم فيه الافشين واستوهبه
من المعتصم فوهبه له فكتب الافشين كتابا إلى هرثمة بن النضر يعلمه أن أمير
المؤمنين قد وهبه له وأنه قد ولاه البلد الذى يصل اليه الكتاب فيه فورد به الدينور
عند العشاء مقيدا فطرح في الخان وهو موثق في الحديد فوافاه الكتاب في جنح
الليل فأصبح وهو والى الدينور وقتل باقى القواد ومن لم يحفظ اسمه من الاتراك
والفراغنة وغيرهم قتلوا جميعا وورد المعتصم سامرا سالما بأحسن حال فسمى
العباس اللعين يومئذ ودفع ولد سندس من ولد المأمون إلى ايتاخ فحبسوا في سرداب
ـ283ـ
من داره ثم ماتوا بعد وجرح في هذه السنة في شوال اسحاق بن ابراهيم جرحه خادم
له ( وحج ) بالناس فيها محمد بن داود
* ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك اظهار مازيار بن قارن بن ونداهر مز بطبرستان الخلاف
على المعتصم ومحاربته أهل السفح والامصار منها
* ذكر الخبر عن سبب إظهاره الخلاف على المعتصم *
* وفعله ما فعل من الوثوب بأهل السفح *
ذكر أن السبب في ذلك كان أن مازيار بن قارن كان منافرا لآل طاهر
لا يحمل إليهم الخراج وكان المعتصم يكتب إليه يأمره بحمله إلى عبدالله بن طاهر
فيقول لا أحمله إليه ولكنى أحمله إلى أمير المؤمنين فكان المعتصم إذا حمل المازيار
إليه الخراج يأمر إذا بلغ المال همذان رجلا من قبله أن يستوفيه ويسلمه إلى
صاحب عبدالله بن طاهر ليرده إلى خراسان فكانت هذه حاله في السنين كلها
ونافر آل طاهر حتى تفاقم الامر بينهم وكان الافشين يسمع من المعتصم أحيانا
كلاما يدل على أنه يريد عزل آل طاهر عن خراسان فلما ظفر الافشين ببابك
ونزل من المعتصم المنزلة التى لم يتقدمه فيها أحد طمع في ولاية خراسان وبلغته
منافرة مازيار آل طاهر فرجا أن يكون ذلك سببا لعزل عبدالله بن طاهر فدس
الافشين الكتب إلى المازيار يستميله بالدهقنة ويعلمه ما هو عليه من المودة له
وأنه قد وعد ولاية خراسان فدعا ذلك المازيار إلى ترك حمل خراجه إلى عبدالله
ابن طاهر وواتر عبدالله بن طاهر الكتب فيه إلى المعتصم حتى أوحش المعتصم
منه وأغضبه عليه وحمل ذلك المازيار إلى أن وثب وخالف ومنع الخوارج وضبط
جبال طبرستان وأطرافه وكان ذلك مما يسر الافشين ويطعمه في الولاية فكتب
المعتصم إلى عبدالله بن طاهر يأمره بمحاربة مازيار وكتب الافشين إلى المازيار
ـ284ـ
يأمره بمحاربة عبدالله بن طاهر ويعلمه أنه يقوم له عند المعتصم بما يحب وكاتبه
المازيار أيضا فلا يشك الافشين أن المازيار سيواقف عبدالله بن طاهر ويقاومه
حتى يحتاج المعتصم إلى أن يوجهه وغيره اليه فذكر عن محمد بن حفص الثقفى
الطبرى أن المازيار لما عزم على الخلاف دعا الناس إلى البيعة فبايعوه كرها
وأخذ منهم الرهائن فحبسهم في برج الاصبهبذ وأمر أكرة الضياع بالوثوب
بأرباب الضياع وانتهاب أموالهم وكان المازيار يكاتب بابك ويحرضه ويعرض
عليه النصرة فلما فرغ المعتصم من أمر بابك أشاع الناس أن أمير المؤمنين يريد
المسير إلى قرماسين ويوجه الافشين إلى الرى لمحاربة مازيار فلما سمع المازيار
بإرجاف الناس بذلك أمر أن يمسح البلد خلا من قاطع على ضياعه بزيادة العشرة
ثلاثة ومن لم يقاطع رجع عليه فحسب ما عليه من الفض ولم يحسب له النقصان ثم
أنشأ كتابا إلى عامله على الخراج وكان عامله عليه رجلا يقال له شاذان بن الفضل
نسخته ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إن الاخبار تواترت علينا وصحت عندنا بما
يرجف به جهال أهل خراسان وطبرستان فينا ويولدون علينا من الاخبار
ويحملون عليه رؤسهم من التعصب لدولتنا والطعن في تدبيرنا والمراسلة لاعدائنا
وتوقع الفتن وانتظار الدوائر فينا جاحدين للنعم مستقلين للامن والدعة والرفاهية
والسعة التى آثرهم الله بها فما يرد الرى قائد ولا مشرف ولا يأتينا رسول صغير
ولا كبير إلا قالوا كيت وكيت ومدوا أعناقهم نحوه وخاضوا فيما قد كذب الله
أحدوثتهم وخيب أمانيهم فيه مرة بعد مرة فلا ينهاهم الاولى عن الآخرة ولا
يزجرهم عن ذلك تقية ولا خشية كل ذلك نغضى عليه ونتجرع مكروهه استبقاء
على كافتهم وطلبا للصلاح والسلامة لهم فلا يزيدهم استبقاؤنا إلا لجاجا ولا كفنا
عن تأديبهم إلا إغراء ان أخرنا عنهم افتتاح الخراج نظرا لهم ورفقا بهم قالوا
معزول وإن بادرنا به قالوا لحادث أمر لا يزدجرون عن ذلك بالشدة ان أغلظنا
ولا برفق ان أنعمنا والله حسبنا وهو ولينا عليه نتوكل واليه ننيب وقد أمرنا
بالكتاب إلى بندار آمل والرويان في استغلاق الخراج في عملهما وأجلناهما في ذلك
ـ285ـ
إلى سلخ تير ماه فاعلم ذلك وجرد جبايتك واستخرج ماعلى أهل ناحيتك كملا
ولا يمضين عنك تيرماه ولك درهم باق فانك إن خالفت ذلك إلى غيره لم يكن
جزاؤك عندنا الا الصلب فانظر لنفسك وحام عن مهجتك وشمر في أمرك وتابع
كتباك إلى العباس واياك والتعذير واكتب بما يحدث منك من الانكماش والتشمير
فانا قد رجونا أن يكون في ذلك مشغلة لهم عن الاراجيف ومانع عن التسويف
فقد أشاعوا في هذه الايام أن أمير المؤمنين أكرمه الله صائر إلى قرماسين
وموجه الافشين إلى الرى ولعمرى لئن فعل أيده الله ذلك إنه لمما يسرنا الله به
ويؤنسنا بجواره ويبسط الامل بما قد عودنا من فوائده وأفضاله ويكبت
أعداءه وأعداءنا ولن يهمل أكرمه الله أموره ويرفض ثغوره والتصرف
في نواحى ملكه لاراجيف مرجف بعماله وقول قائل في خاصته فانه لا يسرب
أكرمه الله جنده إذا سرب ولا يندب قواده إذا ندب إلا إلى المخالف فاقرأ
كتابنا هذا على من بحضرتك من أهل الخراج ليبلغ شاهدهم غائبهم فاعنف عليهم
في استخراجه ومن هم بكسره فليبد بذلك صفحته لينزل الله به ما أنزل بأمثاله
فان لهم أسوة في الوظائف وغيرها بأهل جرجان والرى وما والاهما فانما
خفف الخلفاء عنهم خراجهم ورفعت الرفائع عنهم للحاجة التى كانت اليهم في
محاربة أهل الجبال ولمغازى الديلم الضلال وقد كفى الله أمير المؤمنين أعزه الله
ذلك كله وجعل أهل الجبال والديلم جندا وأعوانا والله المحمود * قال فلما ورد
كتاب المزايار على شاذان بن الفضل عامله على الخراج أخذ الناس بالخراج فجبى
جميع الخراج في شهرين وكان يجبى في اثنى عشر شهرا في كل أربعة أشهر الثلث
وأن رجلا يقال له على بن يزداد العطار وهو ممن أخذ منه رهينة هرب وخرج
من عمل المازيار فأخبر أبوصالح سرخستان بذلك وكان خليفة المازيار
على سارية فجمع وجوه أهل مدينة سارية وأقبل يوبخهم ويقول كيف يطمئن
الملك اليكم أم كيف يثق بكم هذا على بن يزداد ممن قد حلف وبايع وأعطى الرهينة
ثم نكث وخرج وترك رهينة وأنتم لا تفون بيمين ولا تكرهون الخلف والحنث
ـ286ـ
فكيف يثق بكم الملك أم كيف يرجع لكم إلى ما تحبون فقال بعضهم نقتل الرهينة
حتى لا يعود غيره إلى الهرب فقال لهم أتفعلون ذلك قالوا نعم فكتب إلى صاحب الرهائن
فأمره أن يوجه بالحسن بن على بن يزداد وهو رهينة أبيه فلما صاروا به إلى سارية
ندم الناس على ماقالوا لابى صالح وجعلوا يرجعون على الذى أشار بقتله بالتعنيف
ثم جمعهم سرخستان وقد أحضر الرهينة فقال لهم إنكم قد ضمنتم شيئا وهذا
الرهينة فاقتلوه فقال له عبدالكريم بن عبدالرحمن الكاتب أصلحك الله إنك
أجلت من خرج من هذا البلد شهرين وهذا الرهينة قبلك نسألك أن تؤجله
شهرين فان رجع أبوه وإلا أمضيت فيه رأيك * قال فغضب على القوم ودعا
بصاحب حرسه وكان يقال له رستم بن بارويه فأمره بصلب الغلام وأن الغلام
سأله أن يأذن له أن يصلى ركعتين فأذن له فطول في صلاته وهو يرعد وقد مد
له جذع فجذبوا الغلام من صلاته ومدوه فوق الجذع وشدوا حلقه معه حتى
اختنق وتوفى فوقه وأمره سرخاستان أهل المدينة سارية أن يخرجوا إلى آمل
وتقدم إلى أصحاب المسالح في إحضار أهل الخنادق من الابناء والعرب فأحضروا
ومضى مع أهل سارية إلى آمل وقال لهم إنى أريد أن أشهدكم على أهل آمل وأشهد
أهل آمل عليكم وأرد ضياعكم وأموالكم فان لزمتم الطاعة والمناصحة زدناكم من
عندنا ضعف ما كنا أخذنا منكم فلما وافوا آمل جمعهم بقصر الخليل بن وند اسنجان
وصير أهل سارية ناحية عن غيرهم ووكل بهم اللوزجان وكتب أسماء جميع أهل
آمل حتى لم يخف منهم أحد عليه ثم عرضهم بعد ذلك على الاسماء حتى اجتمعوا
ولم يتخلف منهم أحد وأحدق الرجال في السلاح بهم وصفوا جميعا ووكل بكل
واحد منهم رجلين بالسلاح وأمر الموكل بهم أن يحمل رأس كل من كاع عن
المشى وساقهم مكتفين حتى وافى بهم جبلا يقال له هرمز داباذ عى ثمانية فراسخ
من آمل وثمانية فراسخ من مدينة سارية وكبلهم بالحديد وحبسهم وبلغت عدتهم
عشرين ألفا وذلك في سنة 225 فيما ذكر عن محمد بن حفص فأما غيره من أهل
الاخبار وجماعة ممن أدرك ذلك فإنهم قالوا كان ذلك في سنة 224 وهذا القول
ـ287ـ
عندى أولى بالصواب وذلك أن مقتل مازيار كان في سنة 225 وكان فعله ما فعل
بأهل طبرستان قبل ذلك بسنة ( رجع الحديث ) إلى الخبر عن قصة مازيار وفعله
بأهل آمل على ما ذكر عن محمد بن حفص * قال وكتب إلى الدرى ليفعل ذلك
بوجوه العرب والابناء ممن كان معه بمرو وكبلهم بالحديد وحبسهم ووكل بهم
الرجال في حبسهم فلما تمكن المازيار واستوى له أمره وأمر القوم جمع أصحابه
وأمر سرخاستان بتخريب سور مدينة آمل فخربه بالطبول والمزامير ثم سار إلى
مدينة سارية ففعل بها مثل ذلك ثم وجه مازيار أخاه فوهيار إلى مدينة طميس
وهى على حد جرجان من عمل طبرستان فخرب سورها ومدينتها وأباح أهلها
فهرب منهم من هرب وبلى من بلى ثم توجه بعد ذلك إلى طميس سرخاستان
وانصرف عنها فوهيار فلحق بأخيه المازيار فعمل سرخاستان سورا من طميس
إلى البحر ومده في البحر مقدار ثلاثة أميال وكانت الاكاسرة بنته بينها وبين الترك
لان الترك كانت تغير على أهل طبرستان في أيامها ونزل معسكرا بطميس سرخاستان
وصير حولها خندقا وثيقا وأبراجا للحرس وصير عليها بابا وثيقا ووكل به الرجال
الثقات ففزع أهل جرجان وخافوا على أموالهم ومدينتهم فهرب منها نفر إلى
نيسابور وانتهى الخبر إلى عبدالله بن طاهر وإلى المعتصم فوجه اليه عبدالله بن
طاهر عمه الحسن بن الحسين بن مصعب وضم اليه جيشا كثيفا يحفظ جرجان
وأمره أن يعسكر على الخندق فنزل الحسن بن الحسين معسكرا على الخندق الذى
عمله سرخستان وصار بين العسكرين وعرض الخندق ووجه أيضا عبدالله بن طاهر
حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس معسكرا على حد جبال شروين ووجه
المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم في جمع كثيف
وضم اليه الحسن بن قارون الطبرى القائد ومن كان بالباب من الطبرية ووجه
منصور بن الحسن هار صاحب دنباوند إلى مدينة الرى ليدخل طبرستان من
ناحية الرى ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند فلما أحدقت الخيل بالمازيار من
كل جانب بعث عند ذلك إبراهيم بن مهران صاحب شرطته وعلى بن ربن الكاتب
ـ288ـ
النصرانى ومعهما خليفة صاحب الحرس إلى أهل المدن المحتبسين عنده أن الخيل
قد زحفت إلى من كل جانب وإنما حبستكم ليبعث إلى هذا الرجل فيكم يعنى
المعتصم فلم يفعل وقد بلغنى أن الحجاج بن يوسف غضب على صاحب السند في
امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند حتى غزا السند وأنفق بيوت
الاموال حتى استنفذ المرأة وردها إلى مدينتها وهذا الرجل لا يكترث بعشرين
ألفا ولا يبعث إلى يسأل فيكم وإنى لا أقدم على حربه وأنتم ورائى فأدوا إلى خراج
سنتين وأخلى سبيلكم ومن كان منكم شابا قويا قدمته للقتال فمن وفى لى منكم رددت
عليه ماله ومن لم يف أكون قد أخذت ديته ومن كان شيخا أو ضعيفا صيرته
من الحفظة والبوابين فقال رجل يقال له موسى بن هرمز الزاهد كان يقال إنه
لم يشرب الماء منذ عشرين سنة أنا أؤدى إليك خراج سنتين وأقوم به فقال
خليفة صاحب الحرس لاحمد بن الصقير لم لا تتكلم وقد كنت أحظى القوم
عند الاصبهبذ وقد كنت أراك تتغذى معه وتتكئ على وسادته وهذا شئ
لم يفعله الملك بأحد غيرك فأنت أولى بالقيام بهذا الامر من موسى قال
أحمد إن موسى لا يقدر على القيام بجباية درهم واحد وإنما أجابكم بجهل
وبما هو عليه وعلى الناس أجمع ولو علم صاحبكم أن عندنا درهما واحدا لم
يحبسنا وإنما حبسنا بعد ما استنظف كل ما عندنا من الاموال والذخائر فان
أراد الضياع بهذا المال أعطيناه فقال له على بن ربن الكاتب الضياع للملك
لا لكم فقال له إبراهيم بن مهران أسألك بالله يا أبا محمد لما سكت عن هذا الكلام
فقال له أحمد لم أزل ساكتا حتى يكلمنى هذا بما قد سمعت ثم انصرفت الرسل على
ضمان موسى الزاهد وأعلموا المازيار ضمانه وانضم إلى موسى الزاهد قوم من السعادة
فقالوا فلان يحتمل عشرة آلاف وفلان يحتمل عشرين ألفا وأقل وأكثر وجعلوا
يستأكلون الناس أهل الخراج وغيرهم فلما مضى لذلك ايام رد مازيار الرسل
مقتضيا المال ومتنجزا ما كان من ضمان موسى الزاهد ولم يزلف لذلك أثرا
ولا تحقيقا وتحقق قول أحمد وألزمه الذنب وعلم المازيار أن ليس عند القوم
ـ289ـ
ما يؤدون وإنما أراد أن يلقى الشر بين أصحاب الخراج ومن لاخراج عليه من
التجار والصناع * قال ثم إن سرخاستان كان معه ممن أختار من أبناء القواد
وغيرهم من أهل آمل فتيان لهم جلد وشجاعة فجمع منهم في داره مائتين وستين
فتى ممن يخاف ناحيته وأظهر أنه يريد جمعهم للمناظرة وبعث إلى الاكرة المختارين
من الدهاقين فقال لهم إن الابناء هواهم مع العرب والمسودة ولست آمن غدرهم
ومكرهم وقد جمعت أهل الظنة ممن أخاف ناحيته فاقتلوهم لتأمنوا ولا يكون في
عسكركم ممن يخالف هواه هواكم ثم أمر بكتفهم ودفعهم إلى الاكرة ليلا فدفعوهم
إليهم وصاروا بهم إلى قتادة هناك فقتلوهم ورموا بهم في آبار تلك القناة وانصرفوا
فلما ثاب إلى الاكرة عقولهم ندموا على فعلهم وفزعوا من ذلك فلما علم المازيار
أن القوم ليس عندهم ما يؤدونه إليه بعث إلى الاكرة المختارين وهم الذين قتلوا
المائتين والستين فتى فقال لهم إنى قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم إلا
ما كان من جارية جميلة من بناتهم فإنها تصير للملك وقال لهم صيروا إلى الحبس
فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك ثم حوزوا بعد ذلك ما وهبت لكم من
المنازل والحرم فجبن القوم عن ذلك وخافوا وحذروا فلم يفعلوا ما أمرهم به قال
وكان الموكلون بالسور من أصحاب سرخستان يتحدثون ليلا مع حرس الحسن
ابن الحسين بن مصعب وبينهم عرض الخندق حتى استأنس بعضهم ببعض
وتآمروا وحرس سرخاستان بتسليم السور إليهم فسلموه ودخل أصحاب الحسن
ابن الحسين من ذلك الموضع إلى عسكر سرخاستان في غفلة من الحسن بن الحسين
ومن سرخاستان فنظر أصحاب الحسن إلى قوم يدخلون من الحائط فدخلوا معهم
فنظر الناس بعضهم إلى بعض فثاروا وبلغ الحسن بن الحسين بن مصعب فجعل يصيح
بالقوم ويمنعهم ويقول يا قوم إنى أخاف عليكم أن تكونوا مثل قوم داوندان
ومضى أصحاب قيس بن زنجويه وهو من أصحاب الحسن بن الحسين
حتى نصبوا العلم على السور في معسكر سرخاستان وانتهى الخبر إلى سرخاستان أن
العرب قد كسروا السور ودخلوا بغتة فلم تكن له همة إلا الهرب وكان سرخاستان
( 19 7 )
ـ290ـ
في الحمام فسمع الصياح فخرج هاربا في غلالة وقال الحسن بن الحسين حين لم يقدر
على رد أصحابه اللهم إنهم قد عصونى وأطاعوك اللهم فأحفظهم وانصرهم ولم
يزل أصحاب الحسن يتبعون القوم حتى صاروا إلى الدرب الذى على السور فكسروه
ودخل الناس من غير مانع حتى استولوا على جميع ما في العسكر ومضى قوم في
الطلب * وذكر عن زرارة بن يوسف السجزى أنه قال مررت في الطلب فبينا أنا
كذلك إذ صرت إلى موضع عن يسرة الطريق فوجلت من الممر فيه ثم تقحمته
بالرمح من غير أن أرى أحدا وصحت من أنت ويلك فإذا شيخ جسيم قد صاح
زينهار يعنى الامان قال فحملت عليه فأخذته وشددت كتافه فإذا هو شهريار أخو
أبى صالح سرخاستان صاحب العسكر قال فدفعته إلى قائدى يعقوب بن منصور
وحال الليل بيننا وبين الطلب فرجع الناس إلى المعسكر وأتى بشهريار إلى الحسن
ابن الحسين فضرب عنقه وأما أبوصالح فمضى حتى صار على خمسة فرسخ من
معسكره وكان عليلا فجهده العطش والفزع فنزل في غيضة يمنة الطريق إلى سفح
جبل وشد دابته واستلقى فبصر به غلام له ورجل من أصحابه يقال له جعفر
ابن ونداميد فنظر اليه نائما فقال سرخاستان يا جعفر شربة ماء فقد جهدنى العطش
قال فقلت ليس معى إناء أغرف به من هذا الموضع فقال سرخاستان خذ رأس
جعبتى فاسقنى به قال جعفر وملت إلى عداد من أصحابى فقلت لهم هذا الشيطان
قد أهلكنا فلم لا تتقرب به إلى السلطان ونأخذ لانفسنا الامان فقالوا لجعفر كيف
لنا به قال فوقفهم عليه وقال لهم أعينونى ساعة وأنا أثاوره فأخذ جعفر خشبة
عظيمة وسرخاستان مستلق فألقى نفسه عليه وملكوه وشدوه كتافا مع الخشبة
فقال لهم أبوصالح خذوا منى مائة ألف درهم واتركونى فان العرب لا تعطيكم
شيئا قالوا له أحضرها قال هاتوا ميزانا قالوا ومن أين ههنا ميزان قال فمن أين
ههنا ما أعطيكم ولكن صيروا معى إلى المنزل وأنا أعطيكم العهود والمواثيق
أنى أفى لكم بذلك وأوفر عليكم فصاروا به إلى الحسن بن الحسين فاستقبلهم خيل
للحسن بن الحسين فضربوا رؤسهم وأخذوا سرخاستان منهم فهمتهم أنفسهم
ـ291ـ
ومضى أصحاب الحسن بأبى صالح إلى الحسن فلما وقفوه بين يديه دعا الحسن
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 291 سطر 1 الى ص 300 سطر 25
ومضى أصحاب الحسن بأبى صالح إلى الحسن فلما وقفوه بين يديه دعا الحسن
قواد طبرستان مثل محمد بن المغيرة بن شعبة الازدى وعبدالله بن محمد القطقطى
الضبى والفتح بن قراط وغيرهم فسألهم هذا سرخاستان قالوا نعم قال لمحمد بن المغيرة
قم فاقتله بابنك وأخيك فقام اليه فضربه بالسيف وأخذته السيوف فقتل
* ( ذكر خبر أبى شاس الشاعر ) *
وكان أبوشاس الشاعر وهو الغطريف بن حصين بن حنش فتى من أهل
العراق ربى بخراسان أديبا فهما وكان سرخاستان ألزمه نفسه يتعلم منه أخلاق
العرب ومذاهبها فلما نزل بسرخاستان مانزل به وأبوشاس في معسكره ومعه
دواب وأثقال فهجم عليه قوم من البخارية من أصحاب الحسن فانتهبوا جميع
ما كان معه وأصابته جراحات فبادر أبوشاس فأخذ جرة كانت معه فوضعها
على عاتقه وأخذ بيده قدحا وصاح الماء للسبيل حتى أصاب غفلة من القوم فهرب
من مضربه وقد أصابته جراحة فبصر به غلام وقد كان مر بمضرب عبدالله بن محمد
ابن حميد القطقطى الطبرى وكان كاتب الحسن بن الحسين فعرفوه عرفه خدمه
وعلى عاتقه الجرة وهو يسقى الماء فأدخلوه خيمتهم وأخبروا اصحابهم بمكانه فأدخل
عليه فحمله وكساه وأكرمه غاية الاكرام ووصفه للحسن بن الحسين وقال له قل
في الامير قصيدة فقال أبوشاس والله لقد امتحى ما في صدرى من كتاب الله من
الهول فكيف أحسن الشعر ووجه الحسن برأس أبى صالح سرخاستان إلى عبدالله
ابن طاهر ولم يزل من معسكره * وذكر عن محمد بن حفص أن حيان بن جبلة مولى
عبدالله بن طاهر كان أقبل مع الحسن بن الحسين إلى ناحية طميس فكاتب قارن
ابن شهريار ورغبه في الطاعة وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده وكان قارن
من قواد مازيار وهو ابن أخيه وكان مازيار صيره مع أخيه عبدالله بن قارن وضم
إليهما عدة من ثقات قواده وقراباته فلما استماله حيان وكان قارن قد ضمن له أن
يسلم له الجبال ومدينة سارية إلى حد جرجان على أن يملكه على جبال أبيه وجده
إذا وفى له بالضمان وكتب بذلك حيان إلى عبدالله بن طاهر فسجل له عبدالله بن
ـ292ـ
طاهر بكل ما سأل وكتب إلى حيان بأن يتوقف ولا يدخل الجبل ولا يوغل
حتى يكون من قارن ما يستدل به على الوفاء لئلا يكون منه مكر فكتب حيان
إلى قارن بذلك فدعا قارن بعبد الله بن قارن وهو أخو مازيار ودعا جميع قواده
إلى طعامه فلما أكلوا ووضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح
الشاك وكتفهم ووجه بهم إلى حيان بن جبلة فلما صاروا إليه استوثق منهم وركب
حيان في جمعه حتى دخل جبال قارن وبلغ مازيار الخبر فاغتم لذلك وقال له القوهيار
أخوه في حبسك عشرون ألفا من المسلمين ما بين إسكاف وخياط وقد شغلت
نفسك بهم وإنما أتيت من مأمنك وأهل بيتك وقرابتك فما تصنع بهؤلاء المحبسين
عندك قال فأمر مازيار بتخلية جميع من في حبسه ثم دعا إبراهيم بن مهران صاحب
شرطته وعلى بن ربن النصرانى كاتبه وشاذان بن الفضل صاحب خراجه ويحيى
ابن الروذبهار جهبذة وكان من أهل السهل عنده فقال لهم إن حرمكم ومنازلكم
وضياعكم بالسهل وقد خلت العرب إليه وأكره أن أشومكم فاذهبوا إلى منازلكم
وخذوا لانفسكم الامان ثم وصلهم وأذن لهم في الانصراف فصاروا إلى منازلهم
وأخذوا الامان لانفسهم ولما بلغ أهل مدينة سارية أخذ سرخاستان واستباحة
عسكره ودخول حيان بن جبلة جبل شروين وثبوا على عامل مازيار بسارية وكان
يقال له مهريستانى بن شهريز فهرب منهم ونجا بنفسه وفتح الناس باب السجن
وأخرجوا من فيه ووافى حيان بعد ذلك مدينة سارية وبلغ قوهيار أخا مازيار
موافاة حيان سارية فأطلق محمد بن موسى بن حفص الذى كان عامل طبرستان
من حبسه وحمله على بغل بسرج ووجه به إلى حيان ليأخذ له الامان ويجعل له
جبال أبيه وجده على أن يسلم له مازيار ويوثق له بذلك بضمان محمد بن موسى بن
حفص وأحمد بن الصقير فلما صار محمد بن موسى إلى حيان وأخبره برسالة قوهيار
إليه قال له حيان من هذا يعنى أحمد قال شيخ البلاد يعرفه الخلفاء والامير عبدالله
ابن طاهر بن عارف فبعث حيان إلى أحمد فأتاه فأمره بالخروج إلى مسلحة خرماباذ
مع محمد بن موسى وكان لاحمد ابن يقال له اسحاق وكان قد هرب من مازيار يأوى
ـ293ـ
نهاره الغياض ويصير بالليل إلى ضيعة يقال لها ساوا شريان وهى على طريق الجادة
من قدح الاصبهذ الذى فيه قصر مازيار * فذكر عن إسحاق أنه قال كنت في هذه
الضيعة فمر بى عدة من أصحاب مازيار معهم دواب تقاد وغير ذلك قال فوثبت على
فرس منها هجين ضخم فركبته عريا وصرت إلى مدينة سارية فدفعته إلى أبى فلما
أراد أحمد الخروج إلى خرماباذ ركب ذلك الفرس فنظر اليه حيان فأعجبه فالتفت
حيان إلى اللوزجان وكان من أصحاب قارن فقال رأيت هذا الشيخ على فرس نبيل
قل ما رأيت مثله فقال له اللوزجان هذا الفرس كان لمازيار فبعث حيان إلى أحمد
يسأله البعثة بالفرس اليه لينظر اليه فبعث به اليه فلما تأمل النظر وفتشه وجده
مشطب اليدين فزهد فيه ودفعه إلى اللوزجان وقال لرسول أحمد هذا لمازيار
ومال مازيار لامير المؤمنين فرجع الرسول فأخبر أحمد فغضب على اللوزجان من
ذلك فبعث اليه أحمد بالشتيمة فقال اللوزجان مالى في هذا ذنب ورد الفرس إلى
أحمد ومعه برذون وشهرى فأمر رسوله فدفعها اليه وغضب أحمد من فعل حيان
به وقال هذا الحائك يبعث إلى شيخ مثلى فيفعل به ما فعل ثم كتب إلى قوهيار
ويحك لم تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن بن الحسين عم الامير عبدالله بن طاهر
وتدخل في أمان هذا العبد الحائك وتدفع أخاك وتضع قدرك وتحقد عليك الحسن
ابن الحسين بتركك اياه وميلك إلى عبد من عبيده فكتب اليه قوهيار قد غلطت
في أول الامر وواعدت الرجل أن أصير اليه بعد غد ولا آمن إن خالفته أن
يناهضنى ويحاربنى ويستبيح منازلى وأموالى وان قاتلته فقتلت من أصحابه وجرت
الدماء بيننا ووقعت الشحناء ويبطل هذا الامر الذى التمسته فكتب إليه أحمد إذا
كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلا من أهل بيتك واكتب إليه أنه قد عرضت لك
علة منعتك من الحركة وأنك تتعالج ثلاثة أيام فإن عوفيت وإلا صرت إليه في محمل
وسنحمله نحن على قبول ذلك منك والمصير في الوقت وأن أحمد بن الصقير ومحمد بن موسى
ابن حفص كتبا إلى الحسن بن الحسين وهو في معسكره بطميس ينتظر أمر
عبدالله بن طاهر وجواب كتابه بقتل سرخاستان وفتح طميس فكتبا إليه أن
ـ294ـ
اركب الينا لندفع إليك مازيار والجبل وإلا فاتك فلا نقم ووجها الكتاب مع
شاذان بن الفضل الكاتب وأمره أن يعجل السير فلما وصل الكتاب إلى الحسن
ركب من ساعته وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة حتى انتهى إلى سارية فلما أصبح
سار إلى خرماباذ وهو يوم موعد قوهيار وسمع حيان وقع طبول الحسن فركب
فتلقاه على فرسخ فقال له الحسن ما تصنع ههنا ولم توجه إلى هذا الموضع وقد
فتحت جبال شروين وتركتها وصرت إلى ههنا فما يؤمنك أن يبدو للقوم فيغدروا
بك فينتفض عليك جميع ما عملت ارجع إلى الجبل فصير مسالحك في النواحى
والاطراف وأشرف على القوم إشرافا لا يمكنهم الغدر إن هموا به فقال له حيان
أنا على الرجوع وأريد أن أحمل أثقالى وأتقدم إلى رجالى بالرحلة فقال له الحسن
امض أنت فأنا باعث بأثقالك ورجالك خلفك وبت الليلة بمدينة سارية حتى
يوافيك ثم تبكر من غد فخرج حيان من فوره كما أمره الحسن إلى سارية ثم ورد
عليه كتاب عبدالله بن طاهر أن يعسكر بلبورة وهى من جبال وندا هرمز وهى
احصن موضع من جباله وكان أكثر مال مازيار بها وأمره عبدالله أن لا يمنع
قارن مما يريد من تلك الجبال والاموال فاحتمل قارن ما كان لمازيار هنالك من
المال والذى كان بأسباندرة من ذخائر مازيار وما كان لسرخاستان بقدح السلتان
واحتوى على ذلك كله فانتقض على حيان جميع ما كان سنح له بسبب ذلك الفرس
وتوفى بعد ذلك حيان بن جبلة فوجه عبدالله مكانه على أصحابه محمد بن الحسين بن
مصعب وتقدم اليه عبدالله أن لا يضرب على يدى قارن شئ يريده وصار الحسن
ابن الحسين إلى خرماباذ فأتاه محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصقير فناظرا
سرا فجزاهما خيرا وكتب هو إلى قوهيار فوافى خرماباذ وصار إلى الحسن فبره
وأكرمه وأجابه إلى كل ما سأل واتعد على يوم ثم صرفه وصار قوهيار إلى
مازيار فأعلمه أنه قد أخذ له الامان واستوثق له وكان الحسن بن قارن قد كاتب
قوهيار من ناحية محمد بن ابراهيم بن مصعب وضمن له الرغائب عن أمير المؤمنين
فأجابه قوهيار وضمن له ما ضمن لغيره كل ذلك ليردهم عن الحرب ومال اليه
ـ295ـ
فركب محمد بن ابراهيم من مدينة آمل وبلغ الحسن بن الحسين الخبر فذكر عن
ابراهيم بن مهران أنه كان يتحدث عند أبى السعدى فلما قرب الزوال انصرف يريد
منزله وكان طريقه على باب مضرب الحسن قال فلما حاذيت مضربه إذا بالحسن
راكب وحده لم يتبعه إلا ثلاثة غلمان له أتراك قال فرميت بنفسى وسلمت عليه
فقال اركب فلما ركبت قال أين طريق آرم قلت هى على هذا الوادى فقال لى
أمض أمامى قال فمضيت حتى بلغت دربا على ميلين من آرم قال ففزعت وقلت
أصلح الله الامير هذا موضع مهول ولا يسلكه إلا الالف فارس فأرى لك أن
تنصرف ولا تدخله قال فصاح بى امضى فمضيت وأنا طائش العقل ولم نر في
طريقنا أحدا حتى وافينا آرم فقال لى أين طريق هرمزداباذ قلت على هذا الجبل
في هذا الشراك قال فقال لى سر اليها أعز الله الامير الله الله في نفسك وفينا وفى
هذا الخلق الذى معك قال فصاح بن امض يا ابن اللخناء قال فقلت له أعزك الله
اضرب أنت عنقى فإنه أحب إلى من أن يقتلنى مازيار ويلزمنى الامير عبدالله
ابن طاهر الذنب قال فانتهرنى حتى ظننت أنه سيبطش بى ومضيت وأنا خليع الفؤاد
وقلت في نفسى الساعة نؤخذ جميعا وأوقف بين يدى مازيار فيوبخنى ويقول جئت
دليلا على فبينا نحن كذلك إذ وافينا هرمزداباذ مع اصفرار الشمس فقال لى أين كان
سجن المسلمين ههنا فقلت له في هذا الموضع قال فنزل فجلس ونحن صيام والخيل
تلحقنا متقطعة وذلك أنه ركب من غير علم الناس فعلموا بعد ما مضى فدعا الحسن
بيعقوب بن منصور فقال له يا أبا طلحة أحب أن تصير إلى ا لطالقانية فتلطف
بحيلك لجيش أبى عبدالله محمد بن ابراهيم بن مصعب هنالك ساعتين أو ثلاث ساعات
أو أكثر ما أمكنك وكان بينه وبين ا لطالقانية فرسخان أو ثلاثة فراسخ قال إبراهيم
فبينا نحن وقوف بين يدى الحسن إذ دعا بقيس بن زنجويه فقال له امض إلى درب
لبورة وهو على أقل من فرسخ فابرز بأصحابك على الدرب قال فلما صلينا المغرب
وأقبل الليل إذا أنا بفرسان بين أيديهم الشمع مشتعلا مقبلين من طريق لبورة
فقال لى يا ابراهيم أين طريق لبورة فقلت أرى نيرانا وفرسانا قد أقبلوا من ذلك
ـ296ـ
الطريق قال وأنا داهش لا أقف على ما نحن فيه حتى قربت النيران منا فأنظر فاذا
المازيار مع القوهيار فلم أشعر حتى نزلا وتقدم المازيار فسلم على الحسن بالامرة
فلم يرد عليه وقال لطاهر بن ابراهيم وأوس البلخى خذاه اليكما وذكر عن أخى
وميدوار بن خواست جيلان أنه في تلك الليلة صار مع نفر إلى قوهيار وقال له
اتق الله قد خلفت سرواتنا فأذن لى أكنف هؤلاء العرب كلهم فان الجند حيارى
جياع وليس لهم طريق يهربون فتذهب بشرفها ما بقى الدهر ولا تثق بما يعطيك
العرب فليس لهم وفاء فقال قوهيار لا تفعلوا وإذا قوهيار قد عبى علينا العرب
ودفع مازيار وأهل بيته إلى الحسن لينفرد بالملك ولا يكون أحد ينازعه ويضاده
فلما كان في السحر وجه الحسن بالمازيار مع طاهر بن ابراهيم وأوس البلخى
إلى خرماباذ وأمرهما أن يمرا به إلى مدينة سارية وركب الحسن وأخذ على وادى
بابك إلى الكانية مستقبل محمد بن ابراهيم بن مصعب فالتقيا ومحمد يريد المصير إلى
هرمزداياذ لاخذ المازيار فقال له الحسن يا أبا عبدالله أين تريد قال أريد المازيار
فقال هو بسارية وقد صار إلى ووجهت به إلى هنالك فبقى محمد بن ابراهيم متحيرا
وكان القوهيار قد هم بالغدر بالحسن ودفع المازيار إلى محمد بن ابراهيم فسبق الحسن
إلى ذلك وتخوف القوهيار منه أن يحاربه حين رآه متوسطا الجبل وأن أحمد بن
الصقير كتب إلى القوهيار لا أرى لك التخليط والمناصبة لعبد الله بن طاهر وقد كتب
اليه بخبرك وضمانك فلا تكن ذا قلبين فعند ذلك حذره ودفعه إلى الحسن وصار
محمد بن ابراهيم والحسن بن الحسين إلى هرمزداباذ فأحرقا قصر المازيار بها وأنهبا
ماله ثم صارا إلى معسكر الحسن بخرماباذ ووجها إلى اخوة المازيار فحبسوا هنالك
في داره ووكل بهم ثم رحل الحسن إلى مدينة سارية فأقام بها وحبس المازيار
بقرب خيمة الحسن وبعث الحسن إلى محمد بن موسى بن حفص يسأله عن
القيد الذى كان قيده به المازيار فبعث به محمد اليه فقيد المازيار بذلك القيد ووافى
محمد بن ابراهيم الحسن بمدينة سارية ليناظره في مال المازيار وأهل بيته فكتبا
بذلك إلى عبدالله بن طاهر وانتظرا أمره فورد كتاب عبدالله إلى الحسن
ـ297ـ
بتسليم المازيار واخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم ليحملهم إلى أمير المؤمنين
المعتصم ولم يعرض عبدالله لاموالهم وأمره أن يستصفى جميع ما للمازيار
ويحرزه فبعث الحسن إلى المازيار فأحضره وسأله عن أمواله فذكر أن ماله عند
قوم سماهم من وجوه أهل سارية وصلحائهم عشرة نفر وأحضر القوهيار وكتب
عليه كتابا وضمنه توفير هذه الاموال التى ذكرها المازيار أنها عند خزائنه وأصحاب
كنوزه فضمن القوهيار ذلك وأشهد على نفسه ثم إن الحسن أمر الشهود
الذين أحضرهم أن يصيروا إلى المازيار فيشهدوا عليه فذكر عن بعضهم أنه
قال لما دخلنا على المازيار تخوفت من أحمد بن الصقير ان يفزعه بالكلام فقلت
له أحب أن تمسك عنه ولا تذكر ما كنت أشرت به فسكت أحمد عند ذلك فقال
المازيار اشهدوا أن جميع ما حملت من أموالى وصحبنى ستة وتسعون ألف دينار
وسبع عشرة قطعة زمرد وست عشرة قطعة ياقوت أحمر وثمانية أوقار سلال
مجلدة فيها ألوان الثياب وتاج وسيف من ذهب وجوهر وخنجر من ذهب
مكلل بالجوهر وحق كبير مملوء جواهرا وقد وضعه بين أيدينا وقد سلمت ذلك
إلى محمد بن الصباح وهو خازن عبدالله بن طاهر وصاحب خبره على العسكر
وإلى القوهيار قال فخرجنا إلى الحسن بن الحسين فقال أشهدتهم على الرجل
قال قلنا نعم قال هذا شئ كنت اخترته لى فأحببت ان يعلم قتلته وهو انه عندى
وذكر عن على بن ربن النصرانى الكاتب أن ذلك الحق كان شرى جوهره على
المازيار وجده وشروين وشهريار ثمانية عشر ألف ألف درهم وكان المازيار
حمل ذلك كله إلى الحسن بن الحسين على أنه يظهر أنه خرج اليه في الامان وأنه
قد آمنه على نفسه وماله وولده وجعل له جبال أبيه فامتنع الحسن بن الحسين
من هذا وعف عنه وكان أعف الناس عن أخذ درهم أو دينار فلما أصبح أنفذ
المازيار مع طاهر بن إبراهيم وعلى بن إبراهيم الحربى وورد كتاب عبدالله بن
طاهر في إنفاذه مع يعقوب بن منصور وقد ساروا بالمازيار ثلاث مراحل فبعث
الحسن فرده وأنفذ مع يعقوب بن منصور ثم أمر الحسن بن الحسين القوهيار أخا
ـ298ـ
المازيار أن يحمل الاموال التى ضمنها ودفع اليه بغالا من العسكر وأمر بإنفاذ
جيش معه فامتنع القوهيار وقال لا حاجة لى بهم وخرج بالبغال هو وغلمانه فلما
ورد الجبل وفتح الخزائن وأخرج الاموال وعباها ليحملها وثب عليه مماليك
المازيار مع الديالمة وكانوا ألفا ومائتين فقالوا له غدرت بصاحبنا وأسلمته إلى
العرب وجئت لتحمل أمواله فاخذوه وكبلوه بالحديد فلما جنه الليل قتلوه
وانتهبوا تلك الاموال والبغال فانتهى الخبر إلى الحسن فوجه جيشا إلى الذين
قتلوا القوهيار ووجه قارن جيشا من قبله في أخذهم فأخذ منهم صاحب قارن
عدة منهم ابن عم للمازيار يقال له شهريار بن المصمغان وكان رأس العبيد
ومحرضهم فوجه به قارن إلى عبدالله بن طاهر فلما صار بقومس مات وكان جماعة
أولئك الديالمة أخذوا على السفح والغيضة يريدون الديلم فنذر بهم محمد بن ابراهيم
ابن مصعب فوجه من قبله الطبرية وغيرهم حتى عارضوهم وأخذوا عليهم الطريق
فأخذوا فبعث بهم إلى مدينة سارية مع على بن ابراهيم وكان مدخل محمد بن ابراهيم
حين دخل من شلنبة على طريق الروذبار إلى الرويان ( وقيل ) إن فساد أمر مازيار
وهلاكه كان من قبل ابن عم له يقال له . . . كان في يديه جبال طبرستان كلها
وكان في يد المازيار السهل وكان ذلك كالقسمة بينهم يتوارثونه فذكر عن محمد بن
حفص الطبرى أن الجبال بطبرستان ثلاثة جبل وندا هرمز في وسط جبال طبرستان
والثانى جبل أخيه ونداسنجان بن الانداد بن قارن والثالث جبل شروين بن سرخاب
ابن باب فلما قوى أمر المازيار بعث إلى ابن عمه ذلك وقيل هو أخوه القوهيار
فألزمه بابه وولى الجبل واليا من قبله يقال له درى فلما احتاج المازيار إلى الرجال لمحاربة
عبدالله بن طاهر دعا بابن عمه أو أخيه القوهيار فقال له أنت أعرف بجبلك من غيرك
وأظهره على أمر الافشين ومكاتبته له وقال له صر في ناحية الجبل فاحفظ على الجبل
وكتب المازيار إلى الدرى يأمره بالقدوم عليه فقدم عليه فضم اليه العساكر
ووجه في وجه عبدالله بن طاهر وظن أنه قد توثق من الجبال بابن عمه أو أخيه
القوهيار وذلك أن الجبل لم يظن أنه يؤتى منه لانه ليس فيه للعساكر والمحاربة
ـ299ـ
طريق لكثرة المضايق والشجر الذى فيه وتوثق من المواضع التى يتخوف منها
بالدرى وأصحابه وضم اليه المقاتلة وأهل عسكره فوجه عبدالله بن طاهر عمه الحسن
ابن الحسين بن مصعب في جيش كثيف من خراسان إلى المازيار ووجه المعتصم محمد
ابن ابراهيم بن مصعب ووجه معه صاحب خبر يقال له يعقوب بن ابراهيم البوشنجى
مولى الهادى ويعرف بقوة صرة يكتب بخبر العسكر فوافى محمد بن ابراهيم الحسن
ابن الحسين وزحفت العساكر نحو المازيار حتى قربوا منه المازيار لا يشك أنه قد
توثق من الموضع الذى قد تلقاه الجبل فيه وكان المازيار في مدينته في نفر يسير فدعا ابن
عم المازيار الحقد الذى كان في قلبه على المازيار وصنيعه به وتنحيته إياه عن جبلة أن
كاتب الحسن بن الحسين وأعلمه جميع ما في عساكره وأن الافشين كاتب المازيار
فأنفذ الحسن كتاب ابن عم المازيار إلى عبدالله بن طاهر فوجه به عبدالله برجل
إلى المعتصم وكاتب عبدالله والحسن بن الحسين ابن عم المازيار وقيل
القوهيار وضمنا له جميع ما يريد وكان ابن عم المازيار أعلم عبدالله بن طاهر أن الجبل
الذى هو عليه كان له ولابيه ولآبائه من قبل المازيار وأن المازيار عند تولية
الفضل بن سهل إياه طبرستان انتزع الجبل من يديه وألزمه بابه واستخف به فشرط
له عبدالله بن طاهر إن هو وثب بالمازيار واحتال له أن يصير الجبل في يديه على
حسب مالم يزل ولا يعرض له فيه ولا يحارب فرضى بذلك ابن عم المازيار فكتب له
عبدالله بن طاهر بذلك كتابا وتوثق له فيه فوعد ابن عم المازيار الحسن بن الحسين
ورجالهم أن يدخلهم الجبل فلما كان وقت الميعاد أمر عبدالله بن طاهر الحسن بن
الحسين أن يزحف للقاء الدرى ووجه عسكرا ضخما عليه قائد من قواده في
جوف الليل فوافاه ابن عم المازيار في الجبل فسلم الجبال اليهم وأدخلهم اليها
وصاف الدرى العسكر الذى بإزائه فلم يشعر المازيار وهو في قصره حتى وقفت
الرجالة والخيل على باب قصره والدرى يحارب العسكر الآخر فحصروا المازيار
وأنزلوه على حكم أمير المؤمنين المعتصم وذكر عمرو بن سعيد الطبرى أن المازيار
كان يتصيد فوافته الخيل في الصيد فأخذ أسيرا ودخل قصره عنوة وأخذ جميع
ـ300ـ
ما فيه وتوجه الحسن بن الحسين بالمازيار والدرى يقاتل العسكر الذى بإزائه لم
يعلم بأخذ المازيار فلم يشعر إلا وعسكر عبدالله بن طاهر من ورائه فتقطعت
عساكره فانهزم ومضى يريد الدخول إلى بلاد الديلم فقتل أصحابه واتبعوه فلحقوه
في نفر من أصحابه فرجع يقاتلهم فقتل وأخذ رأسه فبعث به إلى عبدالله بن طاهر
وقد صار المازيار في يده فوعده عبدالله بن طاهر إن هو أظهره على كتب الافشين
أن يسأل أمير المؤمنين الصفح عنه وأعلمه عبدالله أنه قد علم أن الكتب عنده
فأقر المازيار بذلك فطلبت الكتب فوجدت وهى عدة كتب فأخذها عبدالله بن
طاهر فوجه بها مع المازيار إلى اسحاق بن ابراهيم وأمره أن لا يخرج الكتب من
يده ولا المازيار إلا إلى يد أمير المؤمنين لئلا يحتال للكتب والمازيار ففعل اسحاق
ذلك فأوصلها من يده إلى يد المعتصم فسأل المعتصم المازيار عن الكتب فلم يقر بها
فأمر بضرب المازيار حتى مات وصلب إلى جانب بابك وكان المأمون يكتب إلى
المازيار من عبدالله المأمون إلى جبل جيلان أصبهبذ أصبهبذان بشوار خرشاد
محمد بن قارن مولى أمير المؤمنين ( وقد ذكر ) أن بدء وهى أمر الدرى كان أنه
لما بلغه بعد ما ضم اليه المازيار الجيش نزول جيش محمد بن ابراهيم دنباوند وجه
أخاه بزرجشنس وضم اليه محمدا وجعفرا ابنى رستم الكلارى ورجالا من أهل
الثغر وأهل الرويان وأمرهم أن يصيروا إلى حد الرويان والرى لمنع الجيش وكان
الحسن بن قارن قد كاتب محمدا وجعفرا ابنى رستم ورغبهما وكانا من رؤساء أصحاب
الدرى فلما التقى جيش الدرى وجيش محمد بن ابراهيم انقلب ابنا رستم وأهل
الثغرين وأهل الرويان على بزرجشنس أخى الدرى فأخذوه أسيرا وصاروا مع
محمد بن ابراهيم على مقدمته وكان الدرى بموضع يقال له مرو في قصره مع أهله
وجميع عسكره فلما بلغه غدر محمد وجعفر ابنى رستم ومتابعة أهل الثغرين والرويان
لهما وأسر أخيه بزرجشنس اغتم لذلك غما شديدا وأذعن أصحابه وهمتهم أنفسهم
وتفرق عامتهم يطلبون الامان ويحتالون لانفسهم فبعث الدرى إلى الديلمة فصار
ببابه مقدار أربعة آلاف رجل منهم فرغبهم ومناهم ووصلهم ثم ركب وحمل
ـ301ـ
الاموال معه ومضى كأنه يريد أن يستنقذ أخاه ويحارب محمد بن ابراهيم وإنما
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 301 سطر 1 الى ص 310 سطر 25
الاموال معه ومضى كأنه يريد أن يستنقذ أخاه ويحارب محمد بن ابراهيم وإنما
أراد الدخول إلى الديلم والاستظهار بهم على محمد بن ابراهيم فاستقبله محمد بن ابراهيم
في جيشه فكانت بينهم وقعة صعبة فلما مضى الدرى هرب الموكلون بالسجن وكسر
أهل السجن أقيادهم وخرجوا هاربين ولحق كل إنسان ببلده واتفق خروج أهل
سارية الذين كانوا في حبس المازيار وخروج هؤلاء الذين كانوا في حبس الدرى
في يوم واحد وذلك في شعبان لثلاث عشرة ليلة خلت منه سنة 225 في قول محمد
ابن حفص وقال غيره كان ذلك في سنة 224 وذكر عن داود بن قحذم أن محمد
ابن رستم قال لما التقى الدرى ومحمد بن إبراهيم بساحل البحر بين الجبل والغيضة
والبحر والغيضة متصلة بالديلم وكان الدرى شجاعا بطلا فكان يحمل بنفسه على
أصحاب محمد حتى يكشفهم ثم يحمل معارضة من غير هزيمة يريد دخول الغيضة
فشد عليه رجل من أصحاب محمد بن إبراهيم يقال له فند بن حاجبة فأخذه أسيرا
واسترجع واتبع الجند أصحابه وأخذ جميع ما كان معه من الاثاث والمال والدواب
والسلاح فأمر محمد بن إبراهيم بقتل بزرجشنس أخى الدرى ودعى بالدرى فمد
يده فقطعت من مرفقه ومدت رجله فقطعت من الركبة وكذا باليد الاخرى
والرجل الاخرى فقعد الدرى على استه ولم يتكلم ولم يتزعزع فأمر بضرب عنقه
وظفر محمد بن إبراهيم بأصحاب الدرى فحملهم مكبلين ( وفى هذه السنة ) ولى جعفر
ابن دينار اليمن ( وفيها ) تزوج الحسن بن الافشين أترنجة بنت أشناس ودخل
بها في العمرى قصر المعتصم في جمادى الآخر وأحضر عرسها عامة أهل سامرا
فحدثت أنهم كانوا يغلفون العامة فيها بالغالية في تغار من فضة وأن المعتصم كان
يباشر بنفسه تفقد من حضرها ( وفيها ) امتنع عبدالله الورثانى بورثان ( وفيها )
خالف منكجور الاشروسنى قرابة الافشين بآذربيجان
* ذكر الخبر عن سبب خلافه *
ذكر أن الافشين عند فراغه من أمر بابك ومنصرفه من الجبال ولى آذربيجان
وكانت من عمله واليه منكجور هذا فأصاب في قرية بابك في بعض منازله مالا
ـ302ـ
عظيما فاحتجنه لنفسه ولم يعلم به الافشين ولا المعتصم وكان على البريد بآذربيجان
رجل من الشيعة يقال له عبدالله بن عبدالرحمن فكتب إلى المعتصم بخبر ذلك
المال وكتب منكجور يكذب ذلك فوقعت المناظرة بين منكجور وعبدالله بن
عبدالرحمن حتى هم منكجور بقتل عبدالله بن عبدالرحمن فاستغاث عبدالله بأهل
أردبيل فمنعوه مما أراد به منكجور فقاتلهم منكجور وبلغ ذلك المعتصم فأمر الافشين
أن يوجه رجلا بعزل منكجور فوجه رجلا من قواده في عسكر ضخم فلما بلغ
منكجور ذلك خلع وجمع إليه الصعاليك وخرج من أردبيل فرآه القائد فواقعه
فانهزم منكجور وصار إلى حصن من حصون آذربيجان التى كان بابك أخربها حصين في
جبل منيع فبناه وأصلحه وتحصن فيه فلم يلبث إلا أقل من شهد حتى وثب به أصحابه الذين
كانوا معه في الحصن فأسلموه ودفعوه إلى القائد الذى كان يحاربه فقدم به إلى سامرا فأمر
المعتصم بحبسه فاتهم الافشين في أمره ( وقيل ) إن القائد الذى وجه لحرب منكجور
هذا كان بغا الكبير وقيل إن بغا لما لقى منكجور خرج منكجور اليه بأمان
( وفيها ) مات ياطس الرومى وصلب بسامرا إلى جانب بابك ( وفيها ) مات
إبراهيم بن المهدى في شهر رمضان وصلى عليه المعتصم ( وحج ) بالناس في هذه
السنة محمد بن داود
* ثم دخلت سنة خمسة وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك كان قدوم الورثانى على المعتصم في المحرم بالامان ( وفيها ) قدم
بغا الكبير بمنكجور سامرا ( وفيها ) خرج المعتصم إلى السن واستخلف أشناس
( وفيها ) أجلس المعتصم أشناس على كرسى وتوجه ووشحه في شهر ربيع الاول
( وفيها ) أحرق غنام المرتد ( وفيها ) غضب المعتصم على جعفر بن دينار وذلك
من أجل وثوبه على من كان معه من الشاكرية وحبسه عند أشناس خمسة عشر
يوما وعزله عن اليمن وولاها إيتاخ ثم رضى عن جعفر ( وفيها ) عزل الافشين
ـ303ـ
عن الحرس ووليه إسحاق بن معاذ ( وفيها ) وجه عبدالله بن طاهر بمازيار فخرج
إسحاق بن إبراهيم إلى الدسكرة فأدخله سامرا في شوال وأمر بحمله على الفيل
فقال محمد بن عبدالملك الزيات
قد خضب الفيل كعاداته * يحمل جيلان خراسان
والفيل لا تخضب أعضاؤه * إلا الذى شأن من الشان
فأبى مازيار أن يركب الفيل فأدخله على بغل بإكاف فجلس المعتصم في دار
العامة لخمس ليال خلون من ذى القعدة وأمر فجمع بينه وبين الافشين وقد كان
الافشين حبس قبل ذلك بيوم فأقر المازيار أن الافشين كان يكاتبه ويصوب له
الخلاف والمعصية فأمر برد الافشين إلى محبسه وأمر بضرب مازيار فضرب
أربعمائة سوط وخمسين سوطا وطلب ماء فسقى فمات من ساعته ( وفيها ) غضب
المعتصم على الافشين فحبسه
* ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه *
ذكر أن الافشين كان أيام حربه بابك ومقامه بأرض الخرمية لا يأتيه هدية
من أهل أرمينية إلا وجه بها إلى أشروسنة فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر فيكتب
عبدالله إلى المعتصم بخبره فكتب المعتصم إلى عبدالله بن طاهر يأمر بتعريف
جميع ما يوجه به الافشين من الهدايا إلى أشروسنة ففعل عبدالله بذلك وكان
الافشين كلما تهيأ عنده مال حمله أوساط أصحابه من الدنانير والهما بين بقدر طاقتهم
كان الرجل يحمل من الالف فما فوقه من الدنانير في وسطه فأخبر عبدالله
بذلك فبينا هو في يوم من الايام وقد نزل رسل الافشين معهم الهدايا نيسابور
وجه اليهم عبدالله بن طاهر وأخذهم ففتشهم فوجد في أساطهم هما بين فأخذها
منهم وقال لهم من أين لكم هذا المال فقالوا هذه هدايا الافشين وهذه أمواله
فقال كذبتم لو أراد أخى الافشين أن يرسل بمثل هذه الاموال لكتب إلى يعلمنى
ذلك لآمر بحراسته وبذرقته لان هذا مال عظيم وإنما أنتم لصوص فأخذ
عبدالله بن طاهر المال وأعطاه الجند قبله وكتب إلى الافشين يذكر له ما قال
ـ304ـ
القوم وقال أنا أنكر أن تكون وجهت بمثل هذا المال إلى أشروسنة ولم
تكتب إلى تعلمنى لا بذرقه فإن كان هذا المال ليس لك فقد أعطيته الجند مكان
المال الذى يوجهه إلى أمير المؤمنين في كل سنة وإن كان المال لك كما زعم القوم
فإذا جاء المال من قبل أمير المؤمنين رددته اليك وإن يكن غير ذلك فأمير المؤمنين
أحق بهذا المال وإنما دفعته إلى الجند لانى أريد أن أوجههم إلى بلاد الترك
فكتب اليه الافشين يعلمه أن ماله ومال أمير المؤمنين واحد ويسأله إطلاق القوم
ليمضوا إلى أشروسنة فأطلقهم عبدالله بن طاهر فمضوا فكان ذلك سبب الوحشة
بين عبدالله بن طاهر وبين الافشين ثم جعل عبدالله يتتبع عليه وكان الافشين
يسمع أحيانا من المعتصم كلاما يدل على أنه يريد أن يعزل آل طاهر عن خراسان
فطمع الافشين في ولايتها فجعل يكاتب مازيار ويبعثه على الخلاف ويضمن له
القيام بالدفع عنه عند السلطان ظنا منه أن مازيار إن خالف احتاج المعتصم إلى
أن يوجهه لمحاربته ويعزل عبدالله بن طاهر ويوليه خراسان فكان من أمر مازيار
ما قد مضى ذكره * وكان من أمر منكجور بآذربيجان ما قد وصفنا قبل فتحقق
عند المعتصم بما كان من أمر الافشين ومكاتبته مازيار بما كان يكاتبه به ما كان
اتهمه به من أمر منكجور وأن ذلك كان عن رأى الافشين وأمره اياه به فتغير
المعتصم للافشين لذلك وأحس الافشين بذلك وعلم تغير حاله عنده فلم يدر
ما يصنع فعزم فيما ذكر على أن يهيئ أطوافا في قصره ويحتال في يوم شغل المعتصم
وقواده أن يأخذ طريق الموصل ويعبر الزاب على تلك الاطواف حتى يصير
إلى بلاد أرمينية ثم إلى بلاد الخزر فعسر ذلك عليه فهيأ سما كثيرا وعزم على
أن يعمل طعاما ويدعو المعتصم وقواده فيسقيهم فان لم يجبه المعتصم استأذنه في
قواده الاتراك مثل أشناس وايتاخ وغيرهم في يوم تشاغل أمير المؤمنين فاذا صاروا
اليه أطعمهم وسقاهم وسمهم فاذا انصرفوا من عنده خرج من أول الليل وحمل تلك
الاطواف والآلة التى يعبر بها على ظهور الدواب حتى يجئ إلى الزاب فيعبر بأثقاله
على الاطراف ويعبر الدواب سباحة كما أمكنه ثم يرسل الاطواف حتى يعبر في دجلة
ـ305ـ
ويدخل هو بلاد أرمينية وكانت ولاية أرمينية اليه ثم يصير هو إلى بلاد الخزر مستأمنا
ثم يدور من بلاد الخزر إلى بلاد الترك ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أشروسنة
ثم يستمل الخزر على أهل الاسلام فكان في تهيئة ذلك وطال به الامر فلم يمكنه ذلك
وكان قواد الافشين ينوبون في دار أمير المؤمنين كما ينوب القواد فكان واجن الاشروسنى
قد جرى بينه وبين من قد اطلع على أمر الافشين حديث فذكر له واجن ان
هذا الامر لا أراه يمكن ولايتهم فذهب ذلك الرجل الذى سمع قول واجن فحكاه
للافشين وسمع بعض من يميل إلى واجن من خدم الافشين وخاصته ما قال الافشين
في واجن فلما انصرف واجن من النوبة في بعض الليل أتاه فاخبره أن قد لقى
ذلك إلى الافشين فحذر واجن على نفسه فركب من ساعته في جوف الليل حتى
أتى دار أمير المؤمنين وقد نام المعتصم فصار إلى ايتاخ فقال إن لامير المؤمنين
عندى نصيحة فقال له ايتاخ أليس الساعة كنت ههنا قد نام أمير المؤمنين فقال
له واجن ليس يمكننى أن أصبر إلى غد فدق ايتاخ الباب على بعض من يعلم المعتصم
بالذى قال واجن فقال المعتصم قل له ينصرف الليلة إلى منزله ويبكر على في غد
فقال واجن إن انصرفت الليلة ذهبت نفسى فأرسل المعتصم إلى ايتاخ بيته الليلة
عندك فبيته ايتاخ عنده فلما أصبح بكر به مع صلاة الغداة فأوصله إلى المعتصم
فأخبره بجميع ما كان عنده فدعا المعتصم محمد بن حماد بن دنقش الكاتب فوجهه
يدعو الافشين فجاء الافشين في سواد فأمر المعتصم بأخذ سواده وحبسه فحبس
في الجوسق ثم بنى له حبسا مرتفعا وسماه لؤلؤة داخل الجوسق وهو يعرف
بالافشين فكتب المعتصم إلى عبدالله بن طاهر في الاحتيال للحسن بن الافشين
وكان الحسن قد كثرت كتبه إلى عبدالله بن طاهر في نوح بن أسد يعلمه ماكتب
به أمير المؤمنين في أمره وأمره بجمع أصحابه والتأهب له فاذا قدم عليه الحسن
ابن الافشين بكتاب ولايته استوثق منه وحمله اليه وكتب عبدالله بن طاهر إلى
الحسن بن الافشين يعلمه أنه عزل نوح بن أسد وأنه قد ولاه الناحية ووجه اليه
بكتاب عزل نوح بن أسد فخرج الحسن بن الافشين في قلة من أصحابه وسلاحه حتى
( 20 7 )
ـ306ـ
ورد على نوح بن أسد وهو يظن أنه والى الناحية فأخذه نوح بن أسد وشده وثاقا
ووجه به إلى عبدالله بن طاهر فوجه به عبدالله إلى المعتصم وكان الحبس الذى بنى
للافشين شبيها بالمنارة وجعل في وسطها مقدار مجلسه وكان الرجال ينوبون تحتها
كما يدور * وذكر عن هارون بن عيسى بن المنصور أنه قال شهدت دار المعتصم
وفيها أحمد بن أبى داود واسحاق بن ابراهيم بن مصعب ومحمد بن عبدالملك الزيات
فأتى بالافشين ولم يكن بعد في الحبس الشديد فاحضر قوم من الوجوه لتبكيت
الافشين بما هو عليه ولم يترك في الدار أحد من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور
وصرف الناس وكان المناظر له محمد بن عبدالملك الزيات وكان الذين حضروا
المازيار صاحب طبرستان والموبذ والمرزبان بن تركش وهو أحد ملوك السغد
ورجلان من أهل السغد فدعا محمد بن عبد الملك بالرجلين وعليهما ثياب رثة فقال
لهما محمد بن عبدالملك ما شأنكما فكشفا عن ظهورهما وهى عارية من اللحم فقال له
محمد تعرف هذين قال نعم هذا مؤذن وهذا إمام بنيا مسجدا باشروسنة فضربت
كل واحد منهما ألف سوط وذلك أن بينى وبين ملوك السغد عهدا وشرطا أن
أترك لك قوم على دينهم وماهم عليه فوثب هذان على بيت كان فيه أصنامهم يعنى
أهل أشروسنة فأخرجا الاصنام واتخذاه مسجدا فضربتهما على هذا ألفا ألفا
لتعديهما ومنعهما القوم من بيعتهم فقال له محمد ما كتاب عندك قد زينته بالذهب
والجوهر والديباج فيه الكفر بالله قال هذا كتاب ورثته عن أبى فيه أدب من
آداب العجم وما ذكرت من الكفر فكنت أستمتع منه بالادب وأترك ما سوى
ذلك ووجدته محلى فلم تضطرنى الحاجة إلى أخذ الحلية منه فتركته على حاله ككتاب
كليلة ودمنة وكتاب مزدك في منزلك فما ظننت أن هذا يخرج من الاسلام * قال
ثم تقدم الموبذ فقال إن هذا كان يأكل المخنوقة ويحملنى على أكلها ويزعم أنها
أرطب لحما من المذبوحة وكان يقتل شاة سوداء كل يوم أربعاء يضرب وسطها
بالسيف يمشى بين نصفيها ويأكل لحمها وقال لى يوما انى قد دخلت لهؤلاء القوم
في كل شئ أكرهه حتى اكلت لهم الزيت وركبت الجمل ولبست النعل غير انى إلى
ـ307ـ
هذه الغاية لم تسقط عنى شعرة يعنى لم يطل ولم يختتن فقال الافشين خبرونى عن
هذا الذى يتكلم بهذا الكلام ثقة هو في دينه وكان الموبذ مجوسيا أسلم بعد على يد
المتوكل ونادمه قالوا لا قال فما معنى قبولكم شهادة من لا تثقون به ولا تعدلونه ثم
أقبل على الموبذ فقال هل كان بين منزلى ومنزلك باب أو كوة تطلع على منها
وتعرف أخبارى منها قال لا قال أفليس كنت أدخلك إلى وأبثك سرى وأخبرك
بالاعجمية وميلى اليها وإلى أهلها قال نعم قال فلست بالثقة في دينك ولا بالكريم
في عهدك إذا أفشيت على سرا أسررته اليك ثم تنحى الموبذ وتقدم المرزبان بن
تركش فقالوا للافشين هل تعرف هذا قال لا فقيل للمرزبان هل تعرف هذا قال
نعم هذا الافشين قالوا له هذا المرزبان فقال له المرزبان يا ممخرق كم تدافع وتموه
قال له الافشين يا طويل اللحية ما تقول قال كيف يكتب اليك أهل مملكتك قال
كما كانوا يكتبون إلى أبى وجدى قال فقل قال لا أقول فقال المرزبان أليس يكتبون اليك
بكذا وكذا بالاشر وسنية قال بلى قال أفليس تفسيره بالعربية إلى إله الآلهة من
عبده فلان بن فلان قال بلى قال محمد بن عبدالملك والمسلمون يحتملون أن يقال لهم
هذا فما بقيت لفرعون حين قال لقومه أنا ربكم الاعلى قال كانت هذه عادة القوم
لابى وجدى ولى قبل أن أدخل في الاسلام فكرهت أن أضع نفسى دونهم
فتفسد على طاعتهم فقال له اسحاق بن ابراهيم بن مصعب ويحك يا حيدر كيف
تحلف بالله لنا فنصدقك ونصدق يمينك ونجريك مجرى المسلمين وأنت تدعى
ما ادعى فرعون قال يا أبا الحسين هذه سورة قرأها عجيف على على بن هشام
وأنت تقرأها على فأنظر غدا من يقرأها عليك * قال ثم قدم مازيار صاحب
طبرستان فقالوا للافشين تعرف هذا قال لا قالوا للمازيار تعرف هذا قال نعم هذا
الافشين فقالوا له هذا المازيار قال نعم قد عرفته الآن قالوا هل كاتبته قال لا قالوا للمازيار
هل كتب اليك قال نعم كتب أخوه خاش إلى أخى قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين
الابيض غيرى وغيرك وغير بابك فأما بابك فانه بحمقه قتل نفسه ولقد جهدت أن أصرف
عنه الموت فأبى حمقه إلا أن دلاه فيما وقع فيه فان خالفت لم يكن للقوم من يرمونك
ـ308ـ
به غيرى ومعى الفرسان وأهل النجدة والبأس فإن وجهت إليه لم يبق أحد يحاربنا
إلا ثلاثة العرب والمغاربة والاتراك والعربى بمنزلة الكلب أطرح له كسرة ثم
اضرب رأسه بالدبوس وهؤلاء الذباب يعنى المغاربة إنما هم أكلة رأس وأولاد
الشياطين يعنى الاتراك فإنما هى ساعة حتى تنفذ سهامهم ثم تجول الخيل عليهم جولة
فتأتى على آخرهم ويعود الدين إلى مالم يزل عليه أيام العجم فقال الافشين هذا يدعى
على أخيه وأخى دعوى لا يجب على ولو كنت كتبت بهذا الكتاب إليه لاستميله
إلى ويثق بناحيتى كان غير مستنكر لانى إذا نصرت الخليفة بيدى كنت بالحيلة
أحرى أن أنصره لآخذ بقفاه وآتى به الخليفة لاحظى به عنده كما حظى به عبدالله
ابن طاهر عند الخليفة ثم نحى المازيار ولما قال الافشين للمرزبان التركشى ما قال
وقال لاسحاق بن إبراهيم ما قال زجر بن أبى دؤاد الافشين فقال له الافشين أنت
يا أبا عبدالله ترفع طيلسانك بيدك فلا تضعه على عاتقك حتى تقتل به جماعة فقال له
ابن أبى دؤاد أمطهر أنت قال لا قال فما منعك من ذلك وبه تمام الاسلام والطهور
من النجاسة قال أوليس في دين الاسلام استعمال التقية قال بلى قال خفت أن أقطع
ذلك العضو من جسدى فأموت قال أنت تطعن بالرمح وتضرب بالسيف فلا يمنعك
ذلك من أن تكون في الحرب وتجزع من قطع قلفة قال تلك ضرورة تعنينى فأصبر
عليها إذا وقعت وهذا شئ أستجلبه فلا آمن معه خروج نفسى ولم أعلم أن في
تركها الخروج من الاسلام فقال ابن أبى دؤاد قد بان لكم أمره يابغا ( لبغا الكبير
أبى موسى التركى ) عليك به * قال فضرب بيده بغا على منطقته فجذبها فقال قد
كنت أتوقع هذا منكم قبل اليوم فقلب بغا ذيل القباء على رأسه ثم أخذ بمجامع
القباء من عند عنقه ثم أخرجه من باب الوزيرى إلى محبسه ( وفى هذه السنة ) حمل
عبدالله بن طاهر الحسن بن الافشين وأترنجة بنت أشناس إلى سامرا ( وحج
بالناس ) في هذه السنة محمد بن داود
ـ309ـ
* ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان فيها من وثوب على بن اسحاق بن يحيى بن معاذ وكان على المعونة
بدمشق من قبل صول أرتكين برجاء بن أبى الضحاك وكان على الخراج فقتله
وأظهر الوسواس ثم تكلم أحمد بن أبى دؤاد فيه فأطلق من محبسه فكان الحسن
ابن رجاء يلقاه في طريق سامرا فقال البحترى الطائى
عفا على بن إسحاق بفتكته * على غرائب تيه كن في الحسن
أنسته تنقيعه في اللفظ نازلة * لم تبق فيه سوى التسليم للزمن
فلم يكن كابن حجر حى ثارولا * أخى كليب ولا سيف بن ذى يزن
ولم يقل لك في وتر طلبت به * تلك المكارم لاقعبان من لبن
( وفيها ) مات محمد بن عبدالله بن طاهر بن الحسين فصلى عليه المعتصم في دار
محمد ( وفيها ) مات الافشين
* ذكر الخبر عن موته وما فعل به عند موته وبعده *
ذكر عن حمدون بن اسماعيل أنه قال لما جاءت الفاكهة الحديثة جمع المعتصم
من الفواكه الحديثة في طبق وقال لابنه هارون الواثق اذهب بهذه الفاكهة
بنفسك إلى الافشين فأدخلها اليه فحملت مع هارون الواثق حتى صعد بها اليه في
البناء الذى بنى له فحبس فيه الذى يسمى لؤلؤة فنظر اليه الافشين فافتقد بعض
الفاكهة إما الاجاص وإما الشاهلوج فقال للواثق لا إله إلا الله ما أحسنه من طبق
ولكن ليس لى فيه إجاص ولا شاهلوج فقال له الواثق هو ذا أنصرف أوجه به
إليك ولم يمس من الفاكهة شيئا فلما أراد الواثق الانصراف قال له الافشين أقرى
سيدى السلام وقل له أسألك أن توجه إلى ثقة من قبلك يؤدى عنى ما أقول فأمر
المعتصم حمدون بن اسماعيل وكان حمدون في أيام المتوكل في حبس سليمان بن وهب
في حبس الافشين هذا فحدث بهذا الحديث وهو فيه * قال حمدون فبعث بى المعتصم
ـ310ـ
إلى الافشين فقال لى إنه سيطول عليك فلا تحتبس * قال فدخلت عليه وطبق
الفاكهة بين يديه لم يمس منه واحدة فما فوقها فقال لى اجلس فجلست فاستمالنى
بالدهقنة فقلت لا تطول فان أمير المؤمنين قد تقدم إلى ألا أحتبس عندك
فأوجز فقال قل لامير المؤمنين أحسنت إلى وشرفتنى وأوطأت الرجال عقبى ثم
قبلت في كلاما لم يتحقق عندك ولم تتدبره بعقلك كيف يكون هذا وكيف يجوز
لى أن أفعل هذا الذى بلغك تخبر بأنى دسست إلى منكجور أن يخرج وتقبله
وتخبرانى قلت للقائد الذى وجهته إلى منكجور لا تحاربه واعذر وإن أحسست
بأحد منا فانهزم من بين يديه أنت رجل قد عرفت الحرب وحاربت الرجال وسست
العساكر هذا يمكن رأس عسكر يقول لجند يلقون قوما أفعلوا كذا وكذا هذا
مالا يسوغ لاحد أن يفعله ولو كان هذا يمكن ما كان ينبغى أن تقبله من عدو قد
عرفت سببه وأنت أولى بى انما أنا عبد من عبيدك وصنيعك ولكن مثلى ومثلك
يا أمير المؤمنين مثل رجل ربى عجلا له حتى أسمنه وكبر وحسنت حاله وكان له
أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه فعرضوا له بذبح العجل فلم يجبهم إلى ذلك فاتفقوا
جميعا على أن قالوا له ذات يوم ويحك لم تربى هذا الاسد هذا سبع وقد كبر
والسبع إذا كبر يرجع إلى جنسه فقال لهم ويحكم هذا عجل بقر ما هو سبع فقالوا
هذا سبع سل من شئت عنه وقد تقدموا إلى جميع من يعرفونه فقالوا له ان سألكم
عن العجل فقولوا له هذا سبع فكلما سأل الرجل انسانا عنه وقال له أما ترى هذا
العجل ما أحسنه قال الآخر هذا سبع هذا أسد ويحك فأمر بالعجل فذبح ولكنى أنا
ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسد الله الله في أمرى اصطنعتنى وشرفتنى وأنت
سيدى ومولاى أسأل الله أن يعطف بقلبك على * قال حمدون فقمت فانصرفت
وتركت الطبق على حاله لم يمس منه شيئا ثم مالبثنا الا قليلا حتى قيل إنه يموت
أو قد مات فقال المعتصم أروه ابنه فأخرجوه فطرحوه بين يديه فنتف لحيته وشعره
ثم أمر به فحمل إلى منزل ايتاخ * قال وكان أحمد بن أبى دؤاد دعا به في دار العامة
من الحبس فقال له قد بلغ أمير المؤمنين إنك يا حيدر أقلف قال نعم وانما أراد ابن
ـ311ـ
أبى داود أن يشهد عليه فان تشكف نسب إلى الخرع وإن لم يتكشف صح عليه
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 311 سطر 1 الى ص 320 سطر 25
أبى داود أن يشهد عليه فان تشكف نسب إلى الخرع وإن لم يتكشف صح عليه
أنه أقلف فقال نعم أنا أقلف وحضر الدار ذلك اليوم جميع القواد والناس وكان
ابن أبى دؤاد أخرجه إلى دار العامة قبل مصير الواثق اليه بفاكهة وقبل مصير
حمدون بن اسماعيل اليه * قال حمدون فقلت له أنت أقلف كما زعمت فقال الافشين
أخرجنى إلى مثل ذلك الموضع وجميع القواد والناس قد اجتمعوا فقال لى ما قال
وانما أراد أن يفضحنى إن قلت له نعم لم يقبل قولى وقال لى تكشف فيفضحنى
بين الناس فالموت كان أحب إلى من أن أتكشف بين يدى الناس ولكن يا حمدون
إن أحببت أن أتكشف بين يديك حتى ترانى فعلت قال حمدون فقلت له أنت عندى
صدوق وما أريد أن تكشف فلما انصرف حمدون فابلغ المعتصم رسالته أمر بمنع
الطعام منه الا القليل فكان يدفع اليه في كل يوم رغيف حتى مات فلما ذهب به
بعد موته إلى دار ايتاخ أخرجوه فصلبوه على باب العامة ليراه الناس ثم طرح
بباب العامة مع حشبته فأحرق وحمل الرماد وطرح في دجلة وكان المعتصم حين
أمر بحبسه وجه سليمان بن وهب الكاتب يحصى جميع ما في دار الافشين ويكتبه
في ليلة من الليالى وقصر الافشين بالمطيرة فوجد في داره بيت فيه تمثال انسان من
خشب عليه حلية كثيرة وجوهر وفى أذنيه حجران أبيضان مشتبكان عليهما ذهب
فأخذ بعض من كان مع سليمان أحد الحجرين وظن أنه جوهر له قيمة وكان ذلك
ليلا فلما أصبح ونزع عنه شباك الذهب وجده حجرا شبيها بالصدف الذى يسمى
الحبرون من جنس الصدف الذى يقال له البوق من صدف أخرج من منزله
صور السماجة وغيرها وأصنام وغير ذلك والاطواف والخشب التى كان أعدها
وكان له متاع بالوزيرية فوجد فيه أيضا صنم آخر ووجدوا في كتبه كتابا من كتب
المجوس يقال له زراره وأشياء كثيرة من الكتب فيها ديانته التى كان يدين بها ربه
وكان موت الافشين في شعبان من سنة 226 ( وحج ) بالناس في هذه السنة محمد
ابن داود بأمر أشناس وكان أشناس حاجا في هذه السنة فولى كل بلدة يدخلها
فدعى له على جميع المنابر التى مر بها من سامرا إلى مكة والمدينة وكان الذى دعا له
ـ312ـ
على منبر الكوفة محمد بن عبدالرحمن بن عيسى بن موسى وعلى منبر فيدهارون بن محمد
ابن أبى خالد المروروذى وعلى منبر المدينة محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان وعلى منبر
مكة محمد بن داود بن عيسى بن موسى وسلم عليه في هذه الكور كلها بالامارة وكانت
له ولايتها إلى أن رجع إلى سامرا
* ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من خروج أبى حرب المبرقع اليمانى بفلسطين وخلافه
على السلطان
* ذكر الخبر عن سبب خروجه وما آل اليه أمره *
ذكر لى بعض أصحابى ممن ذكر أنه خبير بامره أن سبب خروجه على
السلطان كان أن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب عنها وفيها إما
زوجته وإما أخته فما نعته ذلك فضربها بسوط كان معه فاتقته بذراعها فأصاب
السوط ذراعها فأثر فيها فلما رجع أبوحرب إلى منزله بكت وشكت اليه ما فعل
بها وأرته الاثر الذى بذراعها من ضربه فأخذ أبوحرب سيفه ومشى إلى الجندى
وهو غار فضربه به حتى قتله ثم هرب وألبس وجهه برقعا كى لا يعرف فصار
إلى جبل من جبال الاردن فطلبه السلطان فلم يعرف له خبر وكان أبوحرب
يظهر بالنهار فيقعد على الجبل الذى أوى اليه متبرقعا فيراه الرائى فيأتيه فيذكره
ويحرضه على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ويذكر السلطان وما يأتى إلى
الناس ويعيبه فما زال ذلك دأبه حتى استجاب له قوم من حراثى أهل تلك الناحية
وأهل القرى وكان يزعم أنه أموى فقال الذين استجابوا له هذا هو السفيانى
فلما كثرت غاشيته وتباعه من هذه الطبقة من الناس دعا أهل البيوتات من أهل
تلك الناحية فاستجاب له منهم جماعة من رؤساء اليمانية منهم رجل يقال له ابن
بيهس كان مطاعا في أهل اليمن ورجلان آخران من أهل دمشق فاتصل الخبر
ـ313ـ
بالمعتصم وهو عليل علته التى مات فيها فبعث اليه رجاء بن أيوب الحضارى في
زهاء ألف من الجند فلما صار رجاء اليه وجده في عالم من الناس فذكر الذى
أخبرنى بقصته أنه كان في زهاء مائة ألف فكره رجاء مواقعته وعسكر بحذائه
وطاوله حتى كان أول عمارة الناس الارضين وحراثتهم وانصرف من كان
من الحراثين مع أبى حرب إلى الحراثة وأرباب الارضين إلى أرضيهم وبقى
أبوحرب في نفر زهاء ألف أو ألفين ناجزه رجاء الحرب فالتقى العسكران
عسكر رجاء وعسكر المبرقع فلما التقوا تأمل رجاء عسكر المبرقع فقال لاصحابه
ما أرى في عسكره رجلا له فروسية غيره وإنه سيظره لاصحابه من نفسه بعض
ما عنده من الرجلة فلا تعجلوا عليه قال وكان الامر كما قال رجاء فما لبث المبرقع
أن حمل على عسكر رجاء فقال رجاء لاصحابه أفرجوا له فأفرجوا له حتى جاوزهم
ثم كر راجعا فأمر رجاء أصحابه أن يفرجوا له فأفرجوا له حتى حاوزهم ورجع
إلى عسكر نفسه ثم أمهل رجاء وقال لاصحابه إنه سيحمل عليكم مرة أخرى فأفرجوا
له فإذا أراد الرجوع فحولوا بينه وبين ذلك وخذوه ففعل المبرقع ذلك فحمل على
أصحاب رجاء فأفرجوا له حيت جاوزهم ثم كر راجعا فأحاطوا به فأخذوه فأنزلوه
عن دابته قال وقد كان قدم على رجاء حين ترك معاجلة المبرقع الحرب من قبل
المعتصم مستحث فأخذ الرسول فقيده إلى أن كان من أمره وأمر أبى حرب
ما كان مما ذكرنا ثم أطلقه قال فلما كان يوم قدوم رجاء بأبى حرب على المعتصم
عزله المعتصم على ما فعل برسوله فقال له رجاء يا أمير المؤمنين جعلنى الله فداك
وجهتنى في ألف إلى مائة ألف فكرهت أن أعاجله فأهلك ويهلك من معى ولا
نغنى شيئا فتمهلت حتى خف من معه ووجدت فرصة ورأيت لحربه وجها وقياما
فناهضته وقد خف من معه وهو في ضعف ونحن في قوة وقد جئتك بالرجل
أسيرا ( قال أبوجعفر ) وأما غير من ذكرت أنه حدثنى حديث أبى حرب على
ما وصفت فانه زعم أن خروجه إنما كان في سنة 226 وإنه خرج بفلسطين أو
بالرملة فقالوا إنه سفيانى فصار في خمسين ألفا من أهل اليمن وغيرهم واعتقد ابن
ـ314ـ
بيهس وآخر ان معه من أهل دمشق فوجه اليهم المعتصم رجاء الحضارى في جماعة
كبيرة فواقعهم بدمشق فقتل من أصحاب ابن بيهس وصاحبيه نحوا من خمسة آلاف
وأخذ ابن بيهس أسيرا وقتل صاحبيه وواقع أبا حرب بالرملة فقتل من أصحابه
نحوا من عشرين ألفا وأسر أبا حرب فحمل إلى سامرا فجعل وابن بيهس في المطبق
( وفى هذه السنة ) أظهر جعفر بن مهرجش الكردى الخلاف فبعث اليه
المعتصم في المحرم ايتاخ إلى جبال الموصل لحربه فوثب بجعفر بعض أصحابه فقتله
( وفيها ) كانت وفاة بشر بن الحارث الحافى في شهر ربيع الاول وأصله من
مرو ( وفيها ) كانت وفاة المعتصم وذلك فيما ذكر يوم الخميس فقال بعضهم
لثمانى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول لساعتين مضتا من النهار
* ذكر الخبر عن العلة التى كانت منها وفاته وقدر مدة عمره وصفته *
ذكر أن بدء علته أنه احتجم أول يوم من المحرم واعتل عندها فذكر عن
محمد بن أحمد بن رشيد عن زنام الزامر قال قد وجد المعتصم في علته التى توفى
فيها إفاقة فقال هيؤ إلى الزلال لاركب غدا قال فركب وركبت معه فمر في دجلة
بإزاء منازله فقال يا زنام ازمر لى
يا منزلا لم تبل أطلاله * حاشى لاطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكننى * بكيت عيشى فيك إذ ولى
والعيش أولى ما بكاه الفتى * لابد للمحزون أن يسلى
قال فما زلت أزمر هذا الصوت حتى دعا برطلية فشرب منها قدحا
وجعلت أزمره وأكرره وقد تناول منديلا بين يديه فما زال يبكى ويمسح
دموعه فيه وينتحب حتى رجع إلى منزله ولم يستتم شرب الرطلية * وذكر
عن على بن الجعدانه قال لما احتضر المعتصم جعل يقول ذهبت الحيل
ليست حيلة حتى أصمت * وذكر عن غيره أنه جعل يقول إنى أخذت من
بين هذا الخلق * وذكر عنه أنه قال لو علمت أن عمرى هكذا قصير ما فعلت
ما فعلت فلما مات دفن بسامرا فكانت خلافته ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين
ـ315ـ
وقيل كان مولده سنة 180 في شعبان وقيل كان في سنة 179 فان كان مولده سنة 180
فان عمره كله كان ستا وأربعين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوما وإن كان مولده سنة
179 فان عمره كان سبعا وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما وكان فيما ذكر
أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا مشرب اللون حمرة حسن العينين وكان مولده
بالخلد وقال بعضهم ولد سنة 180 في الشهر الثامن وهو ثامن الخلفاء والثامن من
ولد العباس وعمره كان ثمانيا وأربعين سنة ومات عن ثمانية بنين وثمان بنات
وملك ثمان سنين وثمانية أشهر فقال محمد بن عبد الملك الزيات
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت * عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم الحفيظ كنت على ال * دنيا ونعم الظهير للدين
لاجبر الله أمة فقدت * مثلك إلا بمثل هارون
وقال مروان بن أبى الجنوب وهو ابن أبى حفصة
أبوإسحاق مات ضحى فمتنا * وأمسينا بهارون حيينا
لئن جاء الخميس بما كرهنا * لقد جاء الخميس بما هوينا
* ( ذكر الخبر عن بعض أخلاق المعتصم وسيره ) *
ذكر عن ابن أبى دؤاد أنه ذكر المعتصم بالله فأسهب في ذكره وأكثر في
وصفه وأطنب في فضله وذكر من سعة أخلاقه وكرم اعراقه وطيب مركبه
ولين جانبه وجميل عشرته فقال قال لى يوما ونحن بعمورية ما تقول في البسر
يا أبا عبدالله قلت لامير المؤمنين نحن ببلاد الروم واليسر بالعراق قال صدقت
قد وجهت إلى مدينة السلام فجاؤا بكباستين وعلمت أنك تشتهيه ثم قال يا إيتاخ
هات إحدى الكباستين فجاء بكباسة بسر فمد ذراعه وقبض عليها بيده قال كل
بحياتى عليك من يدى فقلت جعلنى الله فداك يا أمير المؤمنين بل تضعها فآكل
كما أريد قال لا والله إلا من يدى قال فوالله مازال حاسرا عن ذراعه ومادا يده
وأنا أجتنى من العذق وآكل حتى رمى به خاليا ما فيه بسرة قال وكنت كثيرا
ما أزامله في سفره ذلك إلى أن قلت له يوما يا أمير المؤمنين لو زاملك بعض
مواليك وبطانتك فاسترحت منى اليهم مرة ومنهم إلى مرة أخرى كان ذلك
ـ316ـ
أنشط لقلبك وأطيب لنفسك وأشد لراحتك قال فان سيما الدمشقى يزاملنى اليوم
فمن يزاملك أنت قلت الحسن بن يونس قال فأنت واذك قال فدعوت الحسن
فزاملنى وتهيأ ان ركب المعتصم بغلا فاختار أن يكون منفردا قال فجعل يسير
بسير بعيرى فإذا أراد أن يكلمنى رفع رأسه إلى وإذا أردت أن أكلمه خفضت رأسى
قال فانتهينا إلى واد ولم نعرف غوره وقد خلفنا العسكر وراءنا فقال لى مكانك
حتى أتقدم فأعرف غور الماء وأطلب قلته واتبع أنت موضع سيرى قال فتقدم
فدخل الوادى وجعل يطلب قلة الماء فمرة ينحرف عن يمينه ومرة ينحرف عن
شماله وتارة يمشى لسننه وأنا خلفه متبع لاثره حتى قطعنا الوادى قال واستخرجت
منه لاهل الشاش ألفى ألف درهم لكرى نهر لهم اندفن في صدر الاسلام فأضر
ذلك بهم فقال لى يا أبا عبدالله مالى ولك تأخذ مالى لاهل الشاش ويرغانة قلت هم
رعيتك يا أمير المؤمنين والاقصى والادنى في حسن نظر الامام سواء وقال غيره
إنه إذا غضب لايبالى من قتل ولا ما فعل * وذكر عن الفضل بن مروان أنه
قال لم يكن للمعتصم لذة في تزيين البناء وكانت غايته فيه الاحكام قال ولم يكن
بالنفقة على شئ أسمح منه بالنفقة في الحرب * وذكر محمد بن راشد قال قال لى
أبوالحسين إسحاق بن إبراهيم دعانى أمير المؤمنين المعتصم يوما فدخلت عليه وعليه
صدرة وشى ومنطقة ذهب وخف أحمر فقال لى يا إسحاق أحببت أن أضرب
معك بالصوالجة فبحياتى عليك إلا لبست مثل لباسى فاستعفيته من ذلك فأبى
فلبست مثل لباسه ثم قدم اليه فرس محلاة بحلية الذهب ودخلنا الميدان فلما ضرب
ساعة قال لى أراك كسلان وأحسبك تكره هذا الزى فقلت هو ذاك يا أمير
المؤمنين فنزل وأخذ بيدى ومضى يمشى وأنا معه إلى أن صار إلى حجرة الحمام
فقال خذ ثيابى يا إسحاق فأخذت ثيابه حتى تجرد ثم أمرنى بنزع ثيابى ففعلت
ثم دخلنا أنا وهو الحمام وليس معنا غلام فقمت عليه ودلكته وتولى أمير المؤمنين
المعتصم منى مثل ذلك وأنا في كل ذلك أستعفيه فيأبى على ثم خرج من الحمام
فأعطيته ثيابه ولبست ثيابى ثم أخذ بيدى ومضى يمشى وأنا معه حتى صار إلى
ـ317ـ
مجلسه فقال يا إسحاق جئنى بمصلى ومخدتين فجئته بذلك فوضع المخدتين ونام على
وجهه ثم قال هات مصلى ومخدتين فجئت بهما فقال ألقه ونم عليه بحذائى فحلفت
ألا أفعل فجلست عليه ثم حضر إيتاخ التركى واشناس فقال لهما امضيا إلى حيث
اذا صحت سمعتما ثم قال يا اسحاق في قلبى أمر أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة وانما
بسطتك في هذا الوقت لافشيه اليك فقلت قل يا سيدى يا أمير المؤمنين فانما أنا
عبدك وابن عبدك قال نظرت إلى أخى المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا
واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم قلت ومن الذين اصطنعهم أخوك قال
طاهر بن الحسين فقد رأيت وسمعت وعبدالله بن طاهر فهو الرجل الذى لم ير
مثله وأنت فأنت والله لا يعتاض السلطان منك أبدا وأخوك محمد بن
ابراهيم وأين مثل محمد وأنا فاصطنعت الافشين فقد رأيت إلى ما صار أمره واشناس
ففشل أيه وايتاخ فلا شئ ووصيف فلا مغنى فيه فقلت يا أمير المؤمنين جعلنى
الله فداك أجيب على أمان من غضبك قال قلت يا أمير المؤمنين أعزك الله نظر
أخوك إلى الاصول فاستعملها فأنجبت فروعها واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم
تنجب إذ لا أصول لها قال يا اسحاق لمقاساة ما مر بى في طول هذه المدة أسهل
على من هذا الجواب * وذكر عن اسحاق بن ابراهيم الموصلى أنه قال أتيت أمير
المؤمنين المعتصم بالله يوما وعنده قينة كان معجبا بها وهى تغنيه فلما سلمت وأخذت
مجلسى قال لها خذى فيما كنت فيه فغنت فقال لى كيف تراها يا اسحاق قلت يا أمير
المؤمنين أراها تقهره بحذق وتختله برفق ولا تخرج من شئ إلا إلى أحسن منه وفى صوتها
قطع شذور أحسن من نظم الدر على النحور فقال يا اسحاق لصفتك لها أحسن منها
ومن غنائها فقال لابنه هارون اسمع هذا الكلام * وذكر عن اسحاق بن ابراهيم
الموصلى أنه قال قلت للمعتصم في شئ فقال لى يا اسحاق إذا نصر الهوى بطل الرأى
فقلت له كنت أحب يا أمير المؤمنين أن يكون معى شبابى فأقوم من خدمتك بما
أنويه قال لى أولست كنت تبلغ اذ ذاك جهدك قلت بلى قال فأنت الآن تبلغ جهدك
فسيان اذا * وذكر عن أبى حسان أنه قال كانت أم أبى اسحاق المعتصم من مولدات
ـ318ـ
الكوفة يقال لها ماردة * وذكر عن الفضل بن مروان أنه قال كانت أم المعتصم
ماردة سغدية وكان أبوها نشأ بالسواد قال أحسبه با لبندنيجين وكان للرشيد من
ماردة مع أبى اسحاق أ بواسماعيل وأم حبيب وآخران لم يعرف أسماؤهما *
وذكر عن أحمد بن أبى دؤاد أنه قال تصدق المعتصم ووهب على يدى وبسببى بقيمة
مائة ألف ألف درهم
* خلافة هارون الواثق أبى جعفر *
وبويع في يوم توفى المعتصم ابنه هارون الواثق بن محمد المعتصم وذلك في
يوم الاربعاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة 227 وكان يكنى أبا جعفر
وأمه أم ولد رومية تسمى قراطيس وهلك هذه السنة توفيل ملك الروم وكان
ملكه اثنتى عشرة سنة ( وفيها ) ملكت بعده امرأته تدورة وابنها ميخائيل بن
توفيل صبى ( وحج ) بالناس فيها جعفر بن المعتصم وكانت أم الواثق خرجت
معه تريد الحج فماتت بالحيرة لاربع خلون من ذى القعدة ودفنت بالكوفة في
دار داود بن عيسى
* ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من الواثق إلى أشناس أن توجه وألبسه وشاحين بالجوهر
في شهر رمضان ( وفيها ) مات أبوالحسن المدائنى في منزل اسحاق بن ابراهيم
الموصلى ( وفيها ) مات حبيب بن أوس الطائى أبوتمام الشاعر ( وفيها ) حج
سليمان بن عبدالله بن طاهر ( وفيها ) غلا السعر بطريق مكة فبلغ رطل خبز بدرهم
ورواية ماء بأربعين درهما وأصاب الناس في الموقف حر شديد ثم مطر شديد
فيه برد فأضر بهم شدة الحر ثم شدة البرد في ساعة واحدة ومطروا بمنى في يوم
النحر مطرا شديدا لم يروا مثله وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة قتلت عدة
من الحاج ( وحج ) بالناس في هذه السنة محمد بن داود
ـ319ـ
* ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من حبس الواثق بالله الكتاب وإلزامهم أموالا فدفع أحمد بن
اسرائيل إلى اسحاق بن يحيى بن معاذ صاحب الحرس وأمر بضربه كل يوم عشرة
أسواط فضربه فيما قيل نحوا من ألف سوط فأدى ثمانين ألف دينار وأخذ من
سليمان بن وهب كاتب ايتاخ أربعمائة ألف دينار ومن الحسن بن وهب أربعة عشر
ألف دينار وأخذ من أحمد بن الخصيب وكنا به ألف ألف دينار ومن ابراهيم بن
رباح وكتابه مائة ألف دينار ومن نجاح ستين ألف ألف دينار ومن أبى الوزير صلحا
مائة ألف وأربعين ألف دينار وذلك سوى ما أخذ من العمال بسبب عمالاتهم
ونصب محمد بن عبدالملك لابن أبى دؤاد سائر أصحاب المظالم العداوة فكشفوا
وحبسوا وأجلس اسحاق بن ابراهيم فنظر في أمرهم وأقيموا للناس ولقوا كل جهد
( ذكر الخبر عن السبب الذى بعث الواثق على فعله ما ذكرت بالكتاب في هذه السنة )
* ذكر عن عزون بن عبدالعزيز الانصارى أنه قال كنا ليلة في هذه السنة عند
الواثق فقال لست أشتهى الليلة النبيذ ولكن هلموا نتحدث الليلة فجلس في رواقه
الاوسط في الهارونى في البناء الاول الذى كان ابراهيم بن رباح بناه وقد كان في
أحد شقى ذلك الرواق قبة مرتفعة في السماء بيضاء كأنها بيضة إلا قدر ذراع فيما ترى
العين حولها في وسطها ساج منقوش مغشى باللازورد والذهب وكانت تسمى
قبة المنطقة وكان ذلك الرواق يسمى رواق قبة المنطقة قال فحدثنا عامة الليل
فقال الواثق من منكم يعلم السبب الذى به وثب جدى الرشيد على البرامكة فأزال
نعمتهم قال عزون فقلت أنا والله أحدثك يا أمير المؤمنين كان سبب ذلك أن
الرشيد ذكرت له جارية لعون الخياط فأرسل فاعترضها فرضى جمالها وعقلها
وحسن أدبها فقال لعون ما تقول في ثمنها قال يا أمير المؤمنين أمر ثمنها واضح
مشهور حلفت بعتقها وعتق رقيقى وصدقة مالى الايمان المغلظة التى لا
ـ320ـ
مخرج منها لى وأشهدت على بذلك العدول أن لا أنقص ثمنها عن مائة ألف دينار ولا
أحتال في ذلك بشئ من الحيل هذه قضيتها فقال أمير المؤمنين قد أخذتها
منك بمائة ألف دينار ثم أرسل إلى يحيى بن خالد يخبره بخبر الجارية
ويأمره أن يرسل اليه بمائة ألف دينار فقال يحيى هذا مفتاح سوء إذا اجترأ في
ثمن جارية واحدة على طلب مائة ألف دينار فهو أحرى أن يطلب المال على قدر
ذلك فأرسل يخبره أنه لايقدر على ذلك فغضب عليه الرشيد وقال ليس في بيت مالى
مائة ألف دينار فأعاد عليه لابد منها فقال يحيى اجعلوها دراهم ليراها فيستكثرها
فلعله يردها فأرسل بها دراهم وقال هذه قيمة مائة ألف دينار وأمر أن توضع في
رواقه الذى يمر فيه إذا أراد المتوضأ لصلاة الظهر قال فخرج الرشيد في ذلك
الوقت فإذا جبل من بدر فقال ما هذا قالوا ثمن الجارية لم تحضر دنانير فأرسل
قيمتها دراهم فاستكثر الرشيد ذلك ودعا خادما له فقال اضمم هذه إليك واجعل
لى بيت مال لاضم إليه ما أريده وسماه بيت مال العروس وأمر برد الجارية إلى
عون وأخذ في التفتيش عن المال فوجد البرامكة قد استهلكوه فأقبل يهم بهم
ويمسك فكان يرسل إلى الصحابة وإلى قوم من أهل الادب من غيرهم فيسامرهم
ويتعشى معهم فكان فيمن يحضر إنسان كان معروفا بالادب وكان يعرف بكنيته
يقال له أبوالعود فحضر ليلة فيمن حضره فأعجبه حديثه فأمر خادما له أن يأتى
يحيى بن خالد إذا أصبح فيأمره أن يعطيه ثلاثين ألف درهم ففعل فقال يحيى
لابى العود أفعل وليس بحضرتنا اليوم مال يجئ المال ونعطيك إن شاء الله ثم
دافعه حتى طالت به الايام قال فأقبل أبوالعود يحتال أن يجد من الرشيد وقتا
يحرضه فيه على البرامكة وقد كان شاع في الناس ما كان يهم به الرشيد في
أمرهم فدخل عليه ليلة فتحدثوا فلم يزل أبوالعود يحتال للحديث حتى وصله
بقول عمر بن أبى ربيعة
وعدت هند وما كانت تعد * ليت هندا أنجزتنا ما تعد
واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد
ـ321ـ
فقال الرشيد أجل والله إنما العاجز من لايستبد حتى انقض المجلس وكان
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 321 سطر 1 الى ص 330 سطر 25
فقال الرشيد أجل والله إنما العاجز من لايستبد حتى انقض المجلس وكان
يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادما يأتيه بأخباره وأصبح يحيى غاديا على الرشيد
فلما رآه قال قد أردت البارحة أن أرسل إليك بشعر أنشدنيه بعض من كان عندى
ثم كرهت أن أزعجك فأنشده البيتين فقال ما أحسنهما يا أمير المؤمنين وفطن لما
أراد فلما انصرف أرسل إلى ذلك الخادم فسأله عن إنشاد ذلك الشعر فقال
أبوالعود أنشده فدعا الوزير يحيى بأبى العود فقال له إنا كنا قد لويناك بمالك
وقد جاءنا مال ثم قال لبعض خدمه اذهب فأعطه ثلاثين ألف درهم من بيت
مال أمير المؤمنين وأعطه من عندى عشرين ألف درهم لمطلنا إياه واذهب إلى
الفضل وجعفر فقل لهما هذا رجل مستحق أن يبر وقد كان أمير المؤمنين أمر
له بمال فأطلت مطله ثم حضر المال فأمرت أن يعطى ووصلته من عندى صلة
وقد أحببت أن تصلاه فسألا بكم وصلة قال بعشرين ألف درهم فوصله كل واحد
منهما بعشرين ألف درهم فانصرف بذلك المال كله إلى منزله وجد الرشيد في أمرهم
حتى وثب عليهم وأزال نعمتهم وقتل جعفرا وصنع ما صنع فقال الواثق صدق
والله جدى إنما العاجز من لا يستبد وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلها قال
عزون أحسبه سيوقع بكتابه فما مضى أسبوع حتى أوقع بكتابه وأخذ إبراهيم
ابن رباح وسليمان بن وهب وأبا الوزير وأحمد بن الخصيب وجماعتهم قال وأمر
الواثق بحبس سليمان بن وهب كاتب إيتاخ وأخذه بمائتى ألف درهم وقيل
دينار فقيد وألبس مدرعة من مدارع الملاحين فأدى مائة ألف درهم وسأل أن
يؤخذ بالباقى عشرين شهرا فأجابه الواثق إلى ذلك وأمر بتخلية سبيله ورده إلى
كتابة إيتاخ وأمره بلبس السواد ( وفى هذه السنة ) ولى شارباميان لايتاخ اليمن
وشخص إليها في شهر ربيع الآخر ( وفيها ) ولى محمد بن صالح بن العباس المدينة
( وحج ) بالناس في هذه السنة محمد بن داود
( 21 7 )
ـ322ـ
* ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من توجيه الواثق بغا الكبير إلى الاعراب الذين عاثوا
بالمدينة وما حواليها
* ذكر الخبر عن ذلك *
ذكر أن بدء ذلك كان أن بنى سليم كانت تطاول على الناس حول المدينة بالشر
وكانوا إذا وردوا سوقا من أسواق الحجاز أخذوا سعرها كيف شاؤا ثم تراقى
بهم الامر إلى أن أوقعوا بالجار بناس من بنى كنانة وباهلة فأصابوهم وقتلوا
بعضهم وذلك في جمادى الآخر سنة 230 وكان رأسهم عزيزة بن قطاب السلمى
فوجه إليهم محمد بن صالح بن العباس الهاشمى وهو يومئذ عامل المدينة مدينة
الرسول صلى الله عليه وسلم حماد بن جرير الطبرى وكان الواثق وجه حمادا مسلحة
للمدينة لئلا يتطرقها الاعراب في مائتى فارس من الشاكرية فتوجه إليهم حماد
في جماعة من الجند ومن تطوع للخروج من قريش والانصار ومواليهم وغيرهم
من أهل المدينة فسار إليهم فلقيه طلائعهم وكانت بنو سليم كارهة للقتال فأمر
حماد بن جرير بقتالهم وحمل عليهم بموضع يقال له الرويثة من المدينة على ثلاث
مراحل وكانت بنو سليم يومئذ وأمدادها جاؤا من البادية في ستمائة وخمسين وعامة
من لقيهم من بنى عوف من بنى سليم ومعهم أشهب بن دويكل بن يحيى بن
حمير العوفى وعمه سلمة بن يحيى وعزيزة بن قطاب اللبيدى من بنى لبيد بن
سليم فكان هؤلاء قوادهم وكانت خيلهم مائة وخمسين فرسا فقاتلهم
حماد وأصحابه ثم أتت بنى سليم أمدادها خمسمائة من موضع فيه بدوهم وهو
موضع يسمى أعلى الرويثة بينها وبين موضع القتال أربعة أميال فاقتتلوا قتالا
شديدا فانهزمت سودان المدينة بالناس وثبت حماد وأصحابه وقريش
والانصار فصلوا بالقتال حتى قتل حماد وعامة أصحابه وقتل ممن ثبت من قريش
ـ323ـ
والانصار عدد صالح وحازت بنو سليم الكراع والسلاح والثياب وغلظ
أمر بنى سليم فاستباحت القرى والمناهل فيما بينها وبين مكة والمدينة حتى لم يمكن
أحدا أن يسللك ذلك الطريق وتطرقوا من يليهم من قبائل العرب فوجه إليهم الواثق
بغا الكبير أبا موسى التركى في الشاكرية والاتراك والمغاربة فقدمها بغا في شعبان
سنة 230 وشخص إلى حرة بنى سليم لايام بقين من شعبان وعلى مقدمته طردوش
التركى فلقيهم ببعض مياه الحرة وكانت الوقعة بشق الحرة من وراء السوارقية
وهى قريتهم التى كانوا يأوون اليها و السوارقية حصون وكان جل من لقيه منهم
بنو عرف فيهم عزيزة بن قطاب والاشهب وهما رأسا القواد يومئذ فقتل بغا منهم
نحوا من خمسين رجلا وأسر مثلهم فانهزم الباقون وانكشف بنو سليم لذلك
ودعاهم بغا بعد الوقعة إلى الامان على حكم أمير المؤمنين الواثق وأقام ب السوارقية
فأتوه واجتمعوا اليه وجمعهم من عشرة واثنين وخمسة وواحد وأخذ من جمعت
السوارقية من غير بنى سليم من أفناء الناس وهربت خفاف بنى سليم إلا أقلها
وهى التى كانت تؤذى الناس وتطرق الطريق وجل من صار في يده ممن ثبت
من بنى عوف كان آخر من أخذ منهم من بنى حبشى من بنى سليم فاحتبس عنده
من وصف بالشر والفساد وهم زهاء ألف رجل وخلى سبيل سائرهم ثم رحل
عن السوارقية بمن صار في يده من أسارى بنى سليم و مستأمنيهم إلى المدينة في
ذى القعدة سنة 230 فحبسهم فيها في الدار المعروفة بيزيد بن معاوية ثم شخص إلى
مكة حاجا في ذى الحجة فلما انقضى الموسم انصرف إلى ذات عرق ووجه إلى بنى
هلال من عرض عليهم مثل الذى عرض على بنى سليم فأقبلوا فأخذ من مردتهم
وعتاتهم نحوا من ثلثمائة رجل وخلى سائرهم ورجع من ذات عرق وهى على مرحلة
من البستان بينها وبين مكة مرحلتان ( وفى هذه السنة ) مات أ بوالعباس عبدالله
ابن طاهر بنيسابور يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول
بعد موت اشناس التركى بتسعة أيام ومات عبدالله بن طاهر واليه الحرب
والشرطة والسواد وخراسان وأعمالها والرى وطبرستان وما يتصل بها وكرمان
ـ324ـ
وخراج هذه الاعمال كان يوم مات ثمانية وأربعين ألف ألف درهم فولى الواثق
أعمال عبدالله بن طاهر كلها ابنه طاهرا ( وحج ) في هذه السنة إسحاق بن إبراهيم
ابن مصعب فولى احداث الموسم ( وحج ) بالناس في هذه السند محمد بن داود
* ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من أمر الفداء الذى جرى على يد خاقان الخادم بين المسلمين
والروم في المحرم منها فبلغت عدة المسلمين فيها قيل أربعة آلاف وثلثمائة واثنين
وستين إنسانا ( وفيها ) قتل من قتل من بنى سليم بالمدينة في حبس بغا
* ذكر الخبر عن سبب قتلهم وما كان من أمرهم *
ذكر أن بغا لما صار اليه بنو هلال بذات عرق فأخذ منهم من ذكرت أنه
أخذ منهم شخص معتمرا عمرة المحرم ثم انصرف إلى المدينة فجعل كل من أخذ
من بنى هلال واحتبسهم عنده مع الذين كان أخذ من بنى سليم وجمعهم جميعا في
دار يزيد بن معاوية في الاغلال والاقياد وكانت بنو سليم حبست قبل ذلك بأشهر
ثم سار بغا إلى بنى مرة في حبس المدينة نحو من ألف وثلثمائة رجل من بنى سليم وهلال
فنقبوا الدار ليخرجوا فرأت امرأة من أهل المدينة النقب فاستصرخت أهل المدينة
فجاؤا فوجدوهم وقد وثبوا على الموكلين فقتلوا منهم رجلا أو رجلين وخرج بعضهم أو
عامتهم فأخذوا سلاح الموكلين بهم واجتمع عليهم أهل المدينة أحرارهم وعبيدهم وعامل
المدينة يومئذ عبدالله بن أحمد بن داود الهاشمى فمنعوهم الخروج وباتوا محاصريهم
حول الدار حتى أصبحوا وكان وثوبهم عشية الجمعة وذلك أن عزيزة بن قطاب
قال لهم إنى أتشأم بيوم السبت ولم يزل أهل المدينة يعتقبون القتال وقاتلتهم بنو
سليم فظهر أهل المدينة عليهم فقتلوهم أجمعين وكان عزيزة يرتجز ويقول
لا بد من زحم وإن ضاق الباب * إنى أنا عزيزة بن القطاب
للموت خير للفتى من العاب * هذا وربى عمل للبواب
ـ325ـ
وقيده في يده قد فكه فرمى به رجلا فخر صريعا وقتلوا جميعا وقتلت سودان
المدينة من لقيت من الاعراب في أزقة المدينة ممن دخل يمتار حتى لقوا أعرابيا
خارجا من قبر النبى صلى الله عليه وسلم فقتلوه وكان أحد بنى أبى بكر بن كلاب
من ولد عبدالعزيز بن زرارة وكان بغا غائبا عنهم فلما قدم فوجدهم قد قتلوا شق
ذلك عليه ووجد وجدا شديدا * وذكر أن البواب كان قد ارتشى منهم ووعدهم
أن يفتح لهم الباب فعجلوا قبل ميعاده فكانوا يرتجزون ويقولون وهم يقاتلون
الموت خير للفتى من العار * قد أخذ البواب ألف دينار
وجعلوا يقولون حين أخذهم بغا
يا بغية الخير وسيف المنتبه * وجانب الجور البعيد المشتبه
من كان منا جانيا فلست به * إفعل هداك الله ما أمرت به
فقال أمرت أن أقتلكم وكان عزيزة بن قطاب رأس بنى سليم حين قتل أصحابه
صار إلى بئر فدخلها فدخل عليه رجل من أهل المدينة فقتله وصفت القتلى على
باب مروان بن الحكم بعضها فوق بعض * وحدثنى أحمد بن محمد أن مؤذن أهل
المدينة أذن ليلة حراستهم بنى سليم بليل ترهيبا لهم بطلوع الفجر وأنهم قد أصبحوا
فعجل الاعراب يضحكون ويقولون ياشربة السويق تعلموننا بالليل ونحن أعلم
به منكم فقال رجل من بنى سليم
متى كان ابن عباس أميرا * يصل لصقل نابيه صريف
يجور ولا يرد الجور منه * ويسطو ما لوقعته ضعيف
وقد كنا نرد الجور عنا * إذا انتضيت بأيدينا السيوف
أمير المؤمنين سما إلينا * سمو الليث ثار من الغريف
فإن يمنن فعفو الله نرجو * وإن يقتل فقاتلنا شريف
وكان سبب غيبة بغا عنهم أنه توجه إلى فدك لمحاربة من فيها ممن كان تغلب
عليها من بنى فزارة ومرة فلما شارفهم وجه اليهم رجلا من فزارة يعرض عليهم
الامان ويأتيه بأخبارهم فلما تقدم عليهم الفزارى حذرهم سطوته وزين لهم الهرب
ـ326ـ
فهربوا ودخلوا في البر وخلوا فدك إلا نفرا بقوافيها منهم وكان قصدهم خيبر
وجنفا ونواحيها فظفر ببعضهم واستأمن بعضهم وهرب الباقون مع رأس لهم
يقال له الركاض إلى موضع من البلقاء من عمل دمشق وأقام بغا بجنفاء وهى قرية
من حد عمل الشأم مما يلى الحجاز نحوا من أربعين ليلة ثم انصرف إلى المدينة بمن
صار في يديه من بنى مرة وفزارة ( وفى هذه السنة ) صار إلى بغا من بطون
غطفان وفزارة وأشجع جماعة وكان وجه إليهم وإلى بنى ثعلبة فلما صاروا إليه فيما
ذكر أمر محمد بن يوسف الجعفرى فاستحلفهم الايمان الموكدة ألا يتخلفوا عنه
متى دعاهم فحلفوا ثم شخص إلى ضرية لطلب بنى كلاب ووجه اليهم رسله فاجتمع
إليه منهم فيما قيل نحو ثلاثة آلاف رجل فاحتبس منهم من أهل الفساد نحوا
من ألف رجل وثلثمائة رجل وخلى سائرهم ثم قدم بهم المدينة في شهر رمضان سنة
231 فحبسهم في دار يزيد بن معاوية ثم شخص إلى مكة بغا وأقام بها حتى شهد الموسم
فبقى بنو كلاب في الحبس لايجرى عليهم شئ مدة غيبة بغا حتى رجع إلى المدينة فلما
صار إلى المدينة أرسل إلى من كان استحلف من ثعلبة وأشجع وفزارة فلم يجيبوه
وتفرقوا في البلاد فوجه في طلبهم فلم يلحق منهم كثير أحد ( وفى هذه السنة )
تحرك ببغداد قوم في ربض عمرو بن عطاء فأخذوا على أحمد بن نصر الخزاعى البيعة
ذكر الخبر عن سبب حركة هؤلاء القوم وما آل إليه أمرهم أمر أحمد بن نصر
وكان السبب في ذلك أن أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعى ومالك بن
الهيثم أحد نقباء بنى العباس وكان ابنه أحمد يغشاه أصحاب الحديث كيحيى بن معين
وابن الدورقى وابن خيثمة وكان يظهر المباينة لمن يقول القرآن مخلوق مع منزلة
أبيه كانت من السلطان في دولة بنى العباس ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك مع غلظة
الواثق كانت على من يقول ذلك وامتحانه إياهم فيه وغلبة أحمد بن أبى دؤاد عليه
فحدثنى بعض أشياخنا عمن ذكره أنه دخل على أحمد بن نصر في بعض تلك الايام
وعنده جماعة من الناس فذكر عنده الواثق فجعل يقول ألا فعل هذا الخنزير أو
قال هذا الكافر وفشا ذلك من امره فخوف بالسلطان وقيل له قد اتصل أمرك
ـ327ـ
به فخافه وكان فيمن يغشاه رجل فيما ذكر يعرف بأبى هارون السراج وآخر يقال
له طالب وآخر من أهل خراسان من أصحاب إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب
الشرطة ممن يظهر له القول بمقالته فحرك المطيفون به يعنى أحمد بن نصر من أصحاب الحديث
وممن ينكر القول بخلق القرآن من أهل بغداد أحمد وحملوه على الحركة لانكار
القول بخلق القرآن وقصدوه بذلك دون غيره لما كان لابيه وجده في دولة بنى
العباس من الاثر ولما كان له ببغداد وأنه كان أحد من بايع له أهل الجانب الشرقى
على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والسمع له في سنة 201 لما كثر الدعار
بمدينة السلام وظهر بها الفساد والمأمون بخراسان وقد ذكرنا خبره فيما مضى
وأنه لم يزل أمره على ذلك ثابتا إلى أن قدم المأمون بغداد في سنة 204 فرجوا استجابة
العامة له إذا هو تحرك للاسباب التى ذكرت * فذكر أنه أجاب من سأله ذلك وأن
الذى كان يسعى له في دعاء الناس له الرجلان اللذان ذكرت أسماءهما قبل وأن
أبا هارون السراج وطالبا فرقا في قوم مالا فأعطيا كل رجل منهم دينارا دينارا
وواعدهم ليلة يضربون فيها الطبل للاجتماع في صبيحتها للوثوب بالسلطان فكان
طالب بالجانب الغربى من مدينة السلام فيمن عاقده على ذلك وأبوهارون
بالجانب الشرقى فيمن عاقده عليه وكان طالب وأبوهارون أعطيا فيمن أعطيا
رجلين من بنى أشرس القائد دنانير يفرقانها في جيرانهم فانتبذ بعضهم نبيذا واجتمع
عدة منهم على شربه فلما ثملوا ضربوا بالطبل ليلة الاربعاء قبل الموعد بليلة وكان
الموعد لذلك ليلة الخميس في شعبان سنة 231 لثلاث تخلو منه وهم يحسبونها ليلة
الخميس التى اتعدوا لها فأكثروا ضرب الطبل فلم يجبهم أحد وكان إسحاق بن إبراهيم
غائبا عن بغداد وخليفته بها اخوه محمد بن إبراهيم فوجه إليه محمد بن ابراهيم غلاما
له يقال له رحش فأتاهم فسألهم عن قصتهم فلم يظهر له أحد ممن ذكر بضرب
الطبل فدل على رجل يكون في الحمامات مصاب بعينه يقال له عيسى الاعور فهدده
بالضرب فأقر على ابنى أشرس وعلى أحمد بن نصر بن مالك وعلى آخرين سماهم
فتتبع القوم من ليلتهم فأخذ بعضهم وأخذ طالبا ومنزله في الربض من الجانب
ـ328ـ
الغربى وأخذ أبا هارون السراج ومنزله في الجانب الشرقى وتتبع من سماه عيسى
الاعور في أيام وليال نصير وافى الحبس في الجانب الشرقى والغربى كل قوم في
ناحيتهم التى أخذوا فيها وقيد أبوهارون وطالب بسبعين رطلا من الحديد كل
واحد منهما واصيب في منزل ابنى أشرس علمان أخضران فيهما حمرة في بئر فتولى
إخراجهما رجل من أعوان محمد بن عياش وهو عامل الجانب الغربى وعامل
الجانب الشرقى العباس بن محمد بن جبريل القائد الخراسانى ثم أخذ خصى لاحمد
ابن نصر فتهدد فأقر بما أقر به عيسى الاعور فمضى إلى أحمد بن نصر وهو في الحمام
فقال لاعوان السلطان هذا منزلى فإن أصبتم فيه علما أو عدة أو سلاحا لفتنة
فأنتم في حل منه ومن دمى ففتش فلم يوجد فيه شئ فحمل إلى محمد بن إبراهيم بن مصعب
وأخذوا خصيين وابنين له ورجلا ممن كان يغشاه يقال له اسماعيل بن محمد بن معاوية
ابن بكر الباهلى ومنزله بالجانب الشرقى فحمل هؤلاء الستة إلى أمير المؤمنين
الواثق وهو بسامرا على بغال بأكف ليس تحتهم وطاء فقيد أحمد بن نصر بزوج
قيود وأخرجوا من بغداد يوم الخميس لليلة بقيت من شعبان سنة 231 وكان
الواثق قد أعلم بمكانهم وأحضر ابن أبى دؤاد وأصحابه وجلس لهم مجلسا عاما
ليمتحنوا امتحانا مكشوفا فحضر القوم واجتمعوا عنده وكان أحمد بن أبى دؤاد
فيما ذكر كارها قتله في الظاهر فلما أتى بأحمد بن نصر لم يناظره الواثق في الشغب
ولا فيا رفع عليه من ارادته الخروج عليه ولكنه قال له يا أحمد ما تقول في القرآن
قال كلام الله وأحمد بن نصر مستقتل قد تنور وتطيب قال أفمخلوق هو قال هو
كلام الله قال فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة قال يا أمير المؤمنين جاءت الآثار
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر
لا تضامون في رؤيته فنحن على الخبر قال وحدثنى سفيان بن عيينة بحديث يرفعه
أن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله يقلبه وكان النبى صلى الله عليه وسلم
يدعو يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك فقال له اسحاق بن ابراهيم ويلك انظر
ماذا تقول قال أنت أمرتنى بذلك فأشفق اسحاق من كلامه وقال أنا أمرتك بذلك
ـ329ـ
قال نعم أمرتنى أن أنصح له اذ كان أمير المؤمنين ومن نصيحتى له ألا يخالف
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الواثق لمن حوله ما تقولون فيه فأكثروا
فقال عبدالرحمن بن اسحاق وكان قاضيا على الجانب الغربى فعزل وكان حاضرا
وكان أحمد بن نصر ودا له يا أمير المؤمنين هو حلال الدم وقال أ بوعبدالله
الارمنى صاحب ابن أبى دؤاد اسقنى دمه يا أمير المؤمنين فقال الواثق القتل يأتى
على ماتريد وقال ابن أبى دؤاد يا أمير المؤمنين كافر يستتاب لعل به عاهة أو تغير
عقلى كأنه كره أن يقتل بسببه فقال الواثق اذا رأيتمونى قد قمت اليه فلا يقومن
أحد معى فإنى أحتسب خطاى اليه ودعا بالصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب
الزبيدى وكان في الخزانة كان أهدى إلى موسى الهادى فأمر سلما الخاسر الشاعر
أن يصفه له فوصفه فأجازه فأخذ الواثق الصمصامة وهى صفيحة موصولة من
أسفلها مسمورة بثلاثة مسامير تجمع بين الصفيحة والصلة فمشى إليه وهو في
وسط الدار ودعا بنطع فصير في وسطه وحبل فشد رأسه ومد الحبل فضربه
الواثق ضربه فوقعت على حبل العاتق ثم ضربه أخرى على رأسه ثم انتضى سيما
الدمشقى سيفه فضرب عنقه وحز رأسه * وقد ذكر أن بغا الشرابى ضربه ضربة
أخرى وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه فحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة
التى فيها بابك فصلب فيها وفى رجله زوج قيود وعليه سراويل وقميص وحمل
رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقى أياما وفى الجانب الغربى أياما ثم حول
إلى الشرقى وحظر على الرأس حظيرة وضرب عليه فسطاط وأقيم عليه الحرس
وعرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر وكتب في أذنه رقعة هذا رأس الكافر
المشرك الضال وهو أحمد بن نصر بن مالك ممن قتله الله على يدى عبدالله هارون
الامام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن ونفى
التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح
والحمد لله الذى عجل به إلى ناره وأليم عقابه وإن أمير المؤمنين سأله عن ذلك
فأقر بالتشبيه وتكلم بالكفر فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه * وأمر أن
ـ330ـ
يتتبع من وسم بصحبة أحمد بن نصر ممن ذكر أنه كان متشيعا له فوضعوا في الحبوس
ثم جعل نيف وعشرون رجلا وسموا في حبوس الظلمة ومنعوا من أخذ الصدقة
التى يعطاها أهل سجون ومنعوا من الزوار وثقلوا بالحديد وحمل أبوهارون
السراج وأخر معه إلى سامرا ثم ردوا إلى بغداد فجعلوا في المحابس وكان سبب
أخذ الذين أخذوا بسبب أحمد بن نصر أن رجلا قصارا كان في الربض جاء
إلى اسحاق بن ابراهيم بن مصعب فقال أنا أدلك على أصحاب أحمد بن نصر فوجه
معه من يتبعهم فلما اجتمعوا وجدوا على القصار سببا حبسوه معهم وكان له في
المهرزار نخل فقطع وانتهب منزله وكان ممن حبس بسببه قوم من ولد عمرو بن
اسفنديار فماتوا في الحبس فقال بعض الشعراء في أحمد بن أبى دؤاد
ما إن تحولت من إياد * صرت عذابا على العباد
أنت كما قلت من إياد * فارفق بذا الخلق يا إيادى
( وفى هذه السنة ) أراد الواثق الحج فاستعد له ووجه عمر بن فرج إلى الطريق
لاصلاحه فرجع فأخبره بقلة الماء فبدأ له ( وحج ) بالناس فيها محمد بن داود
( وفيها ) ولى الواثق جعفر بن دينار اليمن فشخص إليها في شعبان وحج هو وبغا
الكبير وعلى أحداث الموسم بغا الكبير وكان شخوص جعفر إلى اليمن في أربعة
آلاف فارس وألفى راجل وأعطى رزق ستة أشهر ( وعقد ) محمد بن عبدالملك
الزيات لاسحاق بن إبراهيم بن أبى خميصة مولى بنى قشير من أهل أضاخ فيها على
اليمامة والبحرين وطريق مكة مما يلى البصرة في دار الخلافة ولم يذكر أن
أحدا عقد لاحد في دار الخلافة إلا الخليفة غير محمد بن عبدالملك الزيات ( وفى هذه
السنة ) نقب قوم من اللصوص بيت المال الذى في دار العامة في جوف القصر
وأخذوا اثنين وأربعين ألفا من الدراهم وشيئا من الدنانير يسيرا فأخذوا بعد
وتتبع أخذهم يزيد الحلوانى صاحب الشرطة خليفة إيتاخ ( وفيها ) خرج محمد بن
عمرو الخارجى من بنى زيد بن تغلب في ثلاثة عشر رجلا في ديار ربيعة فخرج إليه
غانم بن أبى مسلم بن حميد الطوسى وكان على حرب الموصل في مثل عدته فقتل من
ـ331ـ
الخوارج أربعة وأخذ محمد بن عمرو أسيرا فبعث به إلى سامرا فبعث به إلى مطبق
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 331 سطر 1 الى ص 340 سطر 25
الخوارج أربعة وأخذ محمد بن عمرو أسيرا فبعث به إلى سامرا فبعث به إلى مطبق
بغداد ونصبت رؤس أصحابه وأعلامه عند خشبة بابك ( وفى هذه السنة ) قدم
وصيف التركى من ناحية أصبهان والجبال وفارس وكان شخص في طلب الاكراد
لانهم كانوا تطرقوا إلى هذه النواحى وقدم معه منهم بنحو من خمسمائة نفس فيهم
غلمان صغار جمعهم في قيود وأغلال فأمر بحبسهم وأجيز وصيف بخمسة وسبعين
ألف دينار وقلد سيفا وكسى ( وفى هذه السنة ) تم الفداء بين المسلمين وصاحب
الروم واجتمع فيها المسلمون والروم على نهر يقال له اللامس على سلوقية على
مسيرة يوم من طرسوس
* ذكر الخبر عن سبب هذا الفداء وكيف كان *
ذكر عن أحمد بن أبى قحطبة صاحب خاقان الخادم وكان خادم الرشيد
وكان قد نشأ بالثغر أن خاقان هذا قدم على الواثق وقدم معه نفر من وجوه
أهل طرسوس وغيرها يشكون صاحب مظالم كان عليهم يكنى أبا وهب فأحضر
فلم يزل محمد بن عبدالملك يجمع بينه وبينهم في دار العامة عند انصراف الناس
يوم الاثنين والخميس فيمكثون إلى وقت الظهر وينصرف محمد بن عبدالملك
وينصرفون فعزل عنهم وأمر الواثق بامتحان أهل الثغور في القرآن فقالوا
بخلقه جميعا إلا أربعة نفر فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه وأمر لجميع
أهل الثغور بجوائز على ما رأى خاقان وتعجل أهل الثغور إلى ثغورهم وتأخر
خاقان بعدهم قليلا فقدم على الواثق رسل صاحب الروم وهو ميخائيل بن توفيل
ابن ميخائيل بن اليون بن جورجس يسأله أن يفادى بمن في يده من أسارى
المسلمين فوجه الواثق خاقان في ذلك فخرج خاقان ومن معه في فداء أسارى
المسلمين في آخر سنة 230 على موعد بين خاقان ورسل صاحب الروم الالتقاء
للفداء في يوم عاشوراء وذلك في العاشر من المحرم سنة 231 ثم عقد الواثق لاحمد
ابن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلى على الثغور والعواصم وأمره بحضور الفداء
فخرج على سبعة عشر من البرد وكان الرسل الذين قدموا في طلب الفداء قد جرى
ـ332ـ
بينهم وبين ابن الزيات اختلاف في الفداء قالوا لا نأخذ في الفداء امرأة عجوزا
ولا شيخا كبيرا ولا صبيا فلم يزل ذلك بينهم أياما حتى رضوا عن كل نفس بنفس
فوجه الواثق إلى بغداد والرقة في شرى من يباع من الرقيق من مماليك فاشترى
من قدر عليه منهم فلم تتم العدة فأخرج الواثق من قصره من النساء الروميات
العجائز وغيرهن حتى تمت العدة ووجه ممن مع ابن أبى دؤاد رجلين يقال
لاحدهما يحيى بن آدم الكرخى ويكنى أبا رملة وجعفر بن الحداء ووجه معهما
كاتبا من كتاب العرض يقال له طالب بن داود وأمره بامتحانهم هو وجعفر
فمن قال القرآن مخلوق فودى به ومن أبى ذلك ترك في أيدى الروم وأمر لطالب
بخمسة آلاف درهم وأمر أن يعطوا جميع من قال إن القرآن مخلوق ممن فودى به
دينارا لكل إنسان من مال حمل معهم فمضى القوم * فذكر عن أحمد بن الحارث
أنه قال سألت ابن أبى قحطبة صاحب خاقان الخادم وكان السفير الموجه بين
المسلمين والروم وجه ليعرف عدة المسلمين في بلاد الروم فاتى ملك الروم
وعرف عدتهم قبل الفداء فذكر أنه بلغت عدتهم ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة
امرأة فأمر الواثق بفدائهم وعجل أحمد بن سعيد على البريد ليكون الفداء على
يديه ووجه من يمتحن الاسراء من المسلمين فمن قال منهم إن القرآن مخلوق وإن
الله عزوجل لا يرى في الآخرة فودى به ومن لم يقل ذلك ترك في أيدى الروم
ولم يكن فداء منذ أيام محمد بن زبيدة في سنة 4 أو 195 * قال فلما كان يوم
عاشوراء لعشر خلون من المحرم سنة 231 اجتمع المسلمون ومن معهم من العلوج
وقائدان من قواد الروم يقال لاحدهما القاس وللآخر طلسيوس والمسلمون
والمطوعة في أربعة آلاف بين فارس وراجل فاجتمعوا بموضع يقال له اللامس
فذكر عن محمد بن أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلى أن كتاب أبيه أتاه أن
من فودى به من المسلمين ومن كان معهم من أهل ذمتهم أربعة آلاف وستمائة
إنسان منهم صبيان ونساء ستمائة ومنهم من أهل الذمة أقل من خمسمائة والباقون
رجال من جميع الآفاق * وذكر أبوقحطبة وكان رسول خاقان الخادم إلى ملك
ـ333ـ
الروم لينظر كم عدد الاسرى ويعلم صحة ما عزم عليه ميخائيل ملك الروم أن
عدد المسلمين قبل الفداء كان ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة وصبى ممن كان
بال قسطنطينية وغيرها إلا من أحضره الروم ومحمد بن عبدالله الطرسوسى وكان
عندهم فأوفده أحمد بن سعيد بن سلم وخاقان مع نفر من وجوه الاسرى على
الواثق فحملهم الواثق على فرس فرس وأعطى لكل رجل منهم ألف درهم وذكر
محمد هذا أنه كان أسيرا في أيدى الروم ثلاثين سنة وأنه كان أسر في غزاة رامية
كان في العلافة فأسر وكان فيمن فودى به في هذا الفداء وقال فودى بنا في
يوم عاشوراء على نهر يقال له اللامس على سلوقية قريبا من البحر وأن عدتهم
كانت أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفسا النساء وأزواجهن وصبيانهن ثمانمائة
وأهل ذمة المسلمين مائة أو أكثر فوقع الفداء كل نفس عن نفس صغيرا أو كبيرا
فاستفرغ خاقان جميع من كان في بلد الروم من المسلمين ممن علم موضعه قال فلما
جمعوا للفداء وقف المسلمون من جانب النهر الشرقى والروم من الجانب الغربى
وهو مخاضة فكان هؤلاء يرسلون من ههنا رجلا وهؤلاء من ههنا رجلا فيلتقيان
في وسط النهر فاذا صار المسلم إلى المسلمين كبر وكبروا وإذا صار الرومى إلى الروم
تكلم بكلامهم وتكلموا شبيها بالتكبير وذكر عن السندى مولى حسين الخادم أنه قال
عقد المسلمون جسرا على النهر وعقد الروم جسرا فكنا نرسل الرومى على جسرنا
ويرسلون الروم المسلم على جسرهم فيصير هذا الينا وذاك اليهم وأنكر أن يكون
مخاضة وذكر عن محمد بن كريم أنه قال لما صرنا في أيدى المسلمين امتحننا جعفر
ويحيى فقلنا وأعطينا دينارين دينارين قال وكان البطريقان اللذان قدما بالاسرى
لا بأس بهما في معاشرتهما قال وخاف الروم عدد المسلمين لقلتهم وكثرة المسلمين فآمنهم
خاقان من ذلك وضرب بينهم وبين المسلمين أربعين يوما لا يغزون حتى
يصلون إلى بلادهم ومأمنهم وكان الفداء في أربعة أيام ففضل مع خاقان ممن كان
أمير المؤمنين أعد لفداء المسلمين عدة كبيرة وأعطى خاقان صاحب الروم ممن كان
قد فضل في يده مائة نفس ليكون عليهم الفضل استظهارا مكان من يخشى أن
ـ334ـ
يأسروه من المسلمين إلى انقضاء المدة ورد الباقين إلى طرسوس فباعهم قال
وكان خرج معنا ممن كان تنصر ببلاد الروم من المسلمين نحو من ثلاثين رجلا
فودى بهم قال محمد بن كريم ولما انقضت المدة بين خاقان والروم الاربعون
يوما غزا أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة شاتيا فأصاب الناس الثلج والمطر فمات
منهم قدر مائتى انسان وغرق منهم في البدندون قوم كثير وأسر منهم نحو من
مائتين فوجد أمير المؤمنين الواثق عليه لذلك وحصل جميع من مات وغرق خمسمائة
انسان وكان أقبل إلى أحمد بن سعيد وهو في سبعة آلاف بطريق من عظمائهم
فحيز عنه فقال له وجوه الناس إن عسكرا فيه سبعة آلاف لا يتخوف عليه فإن
كنت لا تواجه القوم فتطرق بلادهم فأخذ نحوا من ألف بقرة وعشرة آلاف
شاة وخرج فعزله الواثق وعقد لنصر بن حمزة الخزاعى يوم الثلاثاء لاربع عشرة
ليلة بقيت من جمادى الاولى من هذه السنة ( وفى هذه السنة ) مات الحسن بن
الحسين أخو طاهر بن الحسين بطبرستان في شهر رمضان ( وفيها ) مات الخطاب
ابن وجه الفلس ( وفيها ) مات أ بوعبدالله بن الاعرابى الراوية يوم الاربعاء
لثلاث عشرة خلت من شعبان وهو ابن ثمانين سنة ( وفيها ) ماتت أم أبيها بنت
موسى أخت على بن موسى الرضا ( وفيها ) مات مخارق المغنى وأبونصر أحمد
ابن حاتم راوية الاصمعى وعمرو بن أبى عمرو الشيبانى ومحمد بن سعدان النحوى
* ثم دخلت سنة اثنين وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من مسير بغا الكبير إلى بنى نمير حتى أوقع بهم
ذكر الخبر عن سبب مسيره اليهم وكيف كان الامر بينه وبينهم
حدثنى أحمد بن محمد بن خالد بمعظم خبرهم وذكر أنه كان مع بغا في ذلك السفر
وأما سياق الكلام فلغيره ذكر أن سبب شخوص بغا إلى بنى نمير كان أن عمارة
ابن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى امتدح الواثق بقصيدة فدخل عليه فأنشده
ـ335ـ
إياها فأمر له بثلاثين ألف درهم وبنزل فكلم عمارة الواثق في بنى نمير وأخبره
بعبثهم وفسادهم في الارض واغارتهم على الناس وعلى اليمامة وما قرب منها
فكتب الواثق إلى بغا يأمره بحربهم فذكر أحمد بن محمد أن بغا لما أراد الشخوص
من المدينة اليهم حمل معه محمد بن يوسف الجعفرى دليلا له على الطريق فمضى
نحو اليمامة يريدهم فلقى منهم جماعة بموضع يقال له الشريف فحاربوه فقتل بغا منهم
نيفا وخمسين رجلا وأسر نحوا من أربعين ثم سار إلى حظيان ثم سار إلى قرية لبنى
تميم من عمل اليمامة تدعى مرأة فنزل بها ثم تابع اليهم رسله يعرض عليهم الامان
ودعاهم إلى السمع والطاعة وهم في ذلك يمتنعون عليه ويشتمون رسله ويتفلتون إلى
حربه حتى كان آخر من وجه اليهم رجلين أحدهما من بنى عدى من تميم والآخر
من بنى نمير فقتلوا التميمى وأثبتوا النميرى جراحا فسار بغا اليهم من مرأة وكان
مسيره اليهم في أول صفر من سنة 232 فورد بطن نخل وسار حتى دخل نخيلة
وأرسل اليهم أن ائتونى فاحتملت بنو ضبة من نمير فركبت جبالها مياسر جبال
السود وهو جبل خلف اليمامة أكثر أهله باهلة فأرسل اليهم فأبوا أن يأتوه
فأرسل اليهم سرية فلم تدركهم فوجه سرايا فاصابت فيهم وأسرت منهم ثم إنه
أتبعهم بجماعة من معه وهم نحو من ألف رجل سوى من تخلف في العسكر من
الضعفاء والاتباع فلقيهم وقد جمعوا له وحشدوا لحربه وهم يومئذ نحو من ثلاثة
آلاف بموضع يقال له روضة الابان وبطن السر من القرنين على مرحلتين ومن
أضاخ على مرحلة فهزموا مقدمته وكشفوا ميسرته وقتلوا من أصحابه نحوا من
مائة وعشرين أو مائة وثلاثين رجلا وعقروا من ابل عسكره نحوا من سبعمائة
بعير ومائة دابة وانتهبوا الاثقال وبعض ما كان مع بغا من الاموال قال لى أحمد
لقيهم بغا وهجم عليهم وغلبه الليل فجعل بغا يناشدهم ويدعوهم إلى الرجوع وإلى
طاعة أمير المؤمنين ويكلمهم بذلك محمد بن يوسف الجعفرى فجعلوا يقولون له يا محمد
ابن يوسف قد والله ولدناك فما رعيت حرمة الرحم ثم جئتنا بهؤلاء العبيد والعلوج
تقاتلنا بهم والله لنرينك العبر ونحو ذلك من القول فلما دنا الصبح قال محمد بن يوسف
ـ336ـ
لبغا أوقع بهم من قبل أن يضئ الصبح فيروا قلة عددنا فيجترئوا علينا فأبى بغا
عليه فلما أضاء الصبح ونظروا إلى عدد من مع بغا وكانوا قد جعلوا رجالتهم
أمامهم وفرسانهم وراءهم ونعمهم ومواشيهم من ورائهم حملوا علينا فهزمونا حتى
بلغت هزيمتنا معسركنا وأيقنا بالهلكة قال وكان قد بلغ بغا أن خيلا لهم بمكان من
بلادهم فوجه من أصحابه نحوا من مائتى فارس اليها قال فبينا نحن فيما نحن فيه من
الاشراف على العطب وقد هزم بغا ومن معه إذ خرجت الجماعة التى كان بغا وجهها
من الليل إلى تلك الخيل وقد أقبلت منصرفة من الموضع الذى وجهت اليه من العسكر
في ظهور بنى نمير وقد فعلوا ببغا وأصحابه فنفخوا في صفاراتهم فلما سمعوا نفخ
الصفارات ونظروا إلى من خرج عليهم في أدبارهم قالوا عذر والله العبد وولوا
هاربين وأسلم فرسانهم رجالتهم بعد أن كانوا على غاية المحاماة عليهم قال لى أحمد
ابن محمد فلم يفلت من رجالهم كثير أحد حتى قتلوا عن آخرهم وأما الفرسان فطاروا
هرابا على ظهور الخيل وأما غير أحمد بن محمد فانه قال لم تزل الهزيمة على بغا وأصحابه
منذ غدوة إلى انتصاف النهار وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى
الآخرة سنة 232 ثم تشاغلوا بالنهب وعقر الابل والدواب حتى تاب إلى بغا من
كان انكشف من أصحابه واجتمع اليه من كان تفرق عنه فكروا على بنى نمير فهزموهم
وقتل منهم منذ زوال الشمس إلى وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رجل وأقام بغا بموضع
الوقعة على الماء المعروف ببطن السر حتى جمعت له رؤس من قتل من بنى نمير واستراح
هو وأصحابه ثلاثة أيام فحدثنى أحمد بن محمد أن من هرب من فرسان بنى نمير من
الوقعة أرسلوا إلى بغا يطلبون منه الامان فأعطاهم الامان فصاروا اليه فقيدهم
وأشخصهم معه وأما غيره فانه قال سار بغا من موضع الوقعة في طلب من شذ عنه
منهم فلم يدرك إلا الضعيف ممن لم يكن له نهوص منهم وبعض المواشى والنعم
ورجع إلى حصن باهلة قال وإنما قاتل بغا من بنى نمير بنو عبدالله بن نمير وبنو
بسرة وبلحجاج وبنو قطن وبنو سلاه وبنو شريح وبطون من الخوالف وهم من
بنى عبدالله بن نمير ولم يكن في القتال من بنى عامر بن نمير إلا القليل وبنو عامر
ـ337ـ
ابن نمير أصحاب نخل وشاء وليسوا أصحاب خيل وعبدالله بن نمير هى التى تحارب
العرب فقال عمارة بن عقيل لبغا
تركت الاعقفين وبطن قو * وملات السجون من القماش
فحدثنى أحمد بن محمد أن الذين دخلوا إلى بغا بالامان من بنى نمير لما قيدهم
وحبسهم وأشخصهم معه شغبوا في الطريق وحاولوا كسر قيودهم والهرب
فأمر باحضارهم واحدا بعد واحد فكان إذا حضر الواحد يضربه ما بين الاربعمائة
إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر فزعم أحد أنه حضر ضربهم ولم ينطق منهم
ناطق يتوجع من الضرب وأنه أحضر منهم شيخ قد علق في عنقه مصحفا ومحمد
ابن يوسف جالس إلى جنب بغا فضحك منه محمد بن يوسف وقال لبغا هذا
أخبث ما كان أصلحك الله حين علق المصحف في عنقه فضربه أربعمائة أو خمسمائة
فما توجع وما استغاث * وذكر أن فارسا من بنى نمير لقى بغا في وقعتهم التى ذكرت
أمرها بدعاء المجنون فطعن بغا ورمى المجنون رجل من الاتراك فأفلت وعاش
أياما ثلاثة ثم مات من رميته * قال ثم قدم عليه واجن الاشروسنى الصغدى
في سبعمائة رجل مددا له من الاشروسنيه الاشتيخنية فوجهه بغا ومحمد بن
يوسف الجعفرى في أثرهم فلم يزل يتبعهم حتى وغلوا في البلاد وصاروا بتبالة
وما يليها من حد عمل اليمن وفاتوه فانصرف ولم يصر في يديه منهم إلا ستة نفر
أو سبعة وأقام بحصن باهلة ووجه إلى جبال بنى نمير وسهلها من هلان والسود
وغيرها من عمل اليمامة سرايا في محاربة من امتنع ممن قبل الامان منهم فقتلوا جماعة
وأسروا جماعة وأقبل عدة من ساداتهم كلهم يطلب الامان لنفسه والبطن الذى
هو منه فقبل ذلك منهم وبسطهم وآنسهم ولم يزل مقيما إلى أن جمع اليه كل من
ظن أنه كان في هذه النواحى منهم وأخذ منهم زهاء ثمانمائة رجل فأثقلهم بالحديد
وحملهم إلى البصرة في ذى القعدة من سنة 232 وكتب إلى صالح العباسى بالمسير
بمن قبله في المدينة من بنى كلاب وفزارة ومرة وثعلبة وغيرهم واللحاق به فوافاه
صالح العباسى ببغداد وصاروا جميعا في المحرم إلى سامرا سنة 233 وكانت عدة من
( 22 7 )
ـ338ـ
قدم به بغا وصالح العباسى من الاعراب سوى من مات منهم وهرب وقتل في هذه
الوقائع التى وصفناها ألفى رجل ومائتى رجل من بنى نمير ومن بنى كلاب ومن
مرة وفزارة ومن ثعلبة وطيئ ( وفى هذه السنة ) أصاب الحاج في المرجع عطش
شديد في أربعة منازل إلى الربذة فبلغت الشربة عدة دنانير ومات خلق كثير
من العطش ( وفيها ) ولى محمد بن إبراهيم بن مصعب فارس ( وفيها ) أمر الواثق
بترك جباية اعشار سفن البحر ( وفيها ) اشتد البرد في نيسان حتى جمد الماء لخمس
خلون منه ( وفيها ) مات الواثق
* ذكر الخبر عن العلة التى كانت بها وفاته *
ذكر لى جماعة من أصحابنا أن علته التى توفى منها كانت الاستسقاء فعولج
بالاقعاد في تنور مسخن فوجد لذلك راحة وخفة مما كان به فأمرهم من غد ذلك
اليوم بزيادة في إسخان التنور ففعل ذلك وقعد فيه أكثر من قعوده في اليوم
الذى قبله فحمى عليه فأخرج منه وصير في محفة وحضره الفضل بن إسحاق الهاشمى
وعمر بن فرج وغيرهم ثم حضر ابن الزيات وابن أبى دؤاد فلم يعلموا بموته حتى
ضرب بوجهه المحفة فعلموا أنه قد مات ( وقد قيل ) إن أحمد بن أبى دؤاد حضره
وقد أغمى عليه فقضى وهو عنده فأقبل يغمضه ويصلح من شأنه . وكانت وفاته
لست بقين من ذى الحجة ودفن في قصره بالهارونى وكان الذى صلى عليه وأدخله
قبره وتولى أمره أحمد بن أبى دؤاد وكان الواثق أمر أحمد بن أبى دؤاد أن يصلى
بالناس يوم الاضحى في المصلى فصلى بهم العيد لان الواثق كان شديد العلة فلم يقدر على
الحضور إلى المصلى ومات من علته تلك
* ذكر الخبر عن صفة الواثق وسنه وقدر مدة خلافته *
ذكر من رآه وشاهده أنه كان أبيض مشربا حمرة جميلا ربعة حسن الجسم
قائم العين اليسرى وفيها نكت بياض وتوفى فيما زعم بعضهم وهو ابن ست
وثلاثين سنة وفى قول بعضهم وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة فقال الذين زعموا
أنه كان ابن ست وثلاثين كان مولده سنة 196 وكانت خلافته خمس سنين وتسعة
ـ339ـ
أشهر وخمسة أيام وقال بعضهم وسبعة أيام وإثنتى عشرة ساعة وكان ولد بطريق
مكة وأمه أم ولد رومية يقال لها قراطيس واسمه هارون وكنيته أبوجعفر .
وذكر أنه لما اعتل علته التى مات فيها وسقى بطنه أمر باحضار المنجمين فاحضروا
وكان ممن حضر الحسن بن سهل أخو الفضل بن سهل والفضل بن إسحاق الهاشمى
وإسماعيل بن نوبخت ومحمد بن موسى الخوارزمى المجوسى القطر بلى وسند صاحب
محمد بن الهيثم وعامة من ينظر في النجوم فنظروا في علته ونجمه ومولده فقالوا يعيش
دهرا طويلا وقدروا له خمسين سنة مستقبلة فلم يلبث إلا عشرة أيام حتى مات
* ذكر بعض أخباره *
ذكر الحسن بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام وقد قعد
مجلسا كان أول مجلس قعده فكان أول ما تغنى به من الغناء في ذلك المجلس أن تغنت
شارية جارية إبراهيم بن المهدى
ما درى الحاملون يوم استقلوا * نعشه للثواء أم للفناء
فليقل فيك با كياتك ما شئ * ن صباحا ووقت كل مساء
قال فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه ثم اندفع
بعض المغنين فغنى :
ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل
* قال فازداد والله في البكاء وقال ما سمعت كاليوم قط تعزية بأب وبغى
نفس ثم ارفض ذلك المجلس * وذكر عن عبدالله بن العباس بن الفضل بن الربيع
أن على بن الجهم قال في الواثق بعد أن ولى الخلافة
قد فاز ذو الدنيا وذو الدين * بدولة الواثق هارون
أفاض من عدل ومن نائل * ما أحسن الدنيا مع الدين
قد عم بالاحسان في فضله * فالناس في خفض وفى لين
ما أكثر الداعى له بالبقا * وأكثر التالى بآمين
وقال على بن الجهم أيضا فيه
ـ340ـ
وثقت بالملك الوا * ثق بالله النفوس
ملك يشقى به الما * ل ولا يشقى الجليس
أنس السيف به واست * وحش العلق النفيس
أسد تضحك عن ش * داته الحرب العبوس
يا بنى العباس يأبى الل * ه إلا أن تسوسوا
فغنت قلم جارية صالح بن ع بدالوهاب في هذين الشعرين وغنت في شعر
محمد بن كناسة :
في انقباض وحشمة فإذا * جالست أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسى على سجيتها * وقلت ما شئت غير محتشم
فغنته الواثق فاستحسنه فبعث إلى ابن الزيات ويحك من صالح بن ع بدالوهاب
هذا فابعث اليه فأشخصه وليحمل جاريته فغدا بها صالح إلى الواثق فأدخلت عليه
فلما تغنت ارتضاها فبعث إليه فقال قل فقال مائة ألف دينار يا أمير المؤمنين
وولاية مصر فردها ثم قال أحمد بن ع بدالوهاب أخو صالح في الواثق
أبت دار الاحبة أن تبينا * أجدك ما رأيت لها معينا
تقطع حسرة من حب ليلى * نفوس ما أثبن ولا جزينا
فصنعت فيه قلم جارية صالح فغناه زرزر الكبير للواثق فقال لمن ذا فقال
لقلم فبعث إلى ابن الزيات فأشخص صالحا ومعه قلم فلما دخلت عليه قال هذا لك
قالت نعم يا أمير المؤمنين قال بارك الله عليك وبعث إلى صالح استم وقل قولا
يتهيأ أن تعطاه فبعث اليه قد أهديتها إلى أمير المؤمنين فبارك الله لامير المؤمنين
فيها قال قد قبلتها يا محمد عوضه خمسة آلاف دينار وسماها اغتباط فمطله ابن
الزيات فأعادت الصوت وهو * أبت دار الاحبة * البيت فقال لها بارك الله عليك
وعلى من رباك فقالت يا سيدى وما ينتفع من ربانى وقد أمرت له بشئ لم يصل
إليه فقال الواثق ياسيمانة الدواة فكتب إلى ابن الزيات ادفع إلى صالح بن
ع بدالوهاب ما عوضناه من ثمن اغتباط خمسة آلاف دينار وأضعفها قال صالح
ـ341ـ
فصرت إلى ابن الزيات فقربنى وقال هذه الخمسة الاولى خذها والخمسة آلاف
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 341 سطر 1 الى ص 350 سطر 25
فصرت إلى ابن الزيات فقربنى وقال هذه الخمسة الاولى خذها والخمسة آلاف
الاخرى أدفعها اليك بعد جمعة فان سئلت فقل إنى قبضت المال قال فكرهت أن
أسأل فأقر بالقبض فاختفيت في منزلى حتى دفع إلى المال فقال لى سيمانة قبضت
المال قلت نعم وترك عمل السلطان وتجر بها حتى توفى
* خلافة جعفر المتوكل على الله *
( وفى هذه السنة ) بويع لجعفر المتوكل على الله بالخلافة وهو جعفر بن محمد
ابن هارون بن محمد بن عون الله بن محمد ذى الثفنات بن على السجاد بن عبدالله بن
العباس بن ع بدالمطلب
* ذكر الخبر عن سبب خلافته ووقتها *
حدثنى غير واحد أن الواثق لما توفى حضر الدار أحمد بن أبى دؤاد وإيتاخ
ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأحمد بن خالد أبوالوزير فعزموا على
البيعة لمحمد بن الواثق وهو غلام أمرد فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة
رصافية فاذا هو قصير فقال لهم وصيف أما تتقون الله تولون مثل هذا
الخلافة وهو لا يجوز معه الصلاة * قال فتناظروا فيمن يولونها فذكروا عدة
فذكر عن بعض من حضر الدار مع هؤلاء أنه قال خرجت من الموضع الذى
كنت فيه فمررت بجعفر المتوكل فاذا هو في قميص وسروال قاعد مع أبناء الاتراك
فقال لى ما الخبر فقلت لم ينقطع أمرهم ثم دعوا به فأخبره بغا الشرابى الخبر وجاء به
فقال أخاف أن يكون الواثق لم يمت قال فمر به فنظر إليه مسجى فجاء فجلس فألبسه
أحمد بن أبى دؤاد الطويلة وعممه وقبله بين عينيه وقال السلام عليك يا أمير
المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثم غسل الواثق وصلى عليه ودفن ثم صاروا من
فورهم إلى دار العامة ولم يكن لقب المتوكل * وذكر أنه كان يوم بويع له ابن ست
وعشرين سنة ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر وكان الذى كتب البيعة له محمد بن
عبدالملك الزيات وهو إذ ذاك على ديوان الرسائل واجتمعوا بعد ذلك على اختيار
ـ342ـ
لقب له فقال ابن الزيات نسميه المنتصر بالله وخاض الناس فيها حتى لم يشكوا
فيها فلما كان غداة يوم بكر أحمد بن أبى دؤاد إلى المتوكل فقال قد رويت في
لقب أرجوا أن يكون موافقا حسنا إن شاء الله وهو المتوكل على الله أمر بإمضائه
وأحضر محمد بن عبدالملك فأمر بالكتاب بذلك إلى الناس فنفذت إليهم الكتب
نسخة ذلك بسم الله الرحمن الرحيم أمر أبقاك الله أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يكون
الرسم الذى يجرى به ذكره على أعواد منابره وفى كتبه إلى قضاته وكتابه وعماله وأصحاب
قضاته وكتابه وعماله وأصحاب دواوينه وغيرهم من سائر من تجرى المكاتبة بينه
وبينه من عبدالله جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين فرأيك في العمل
بذلك وإعلامى بوصول كتابى اليك موفقا إن شاء الله وذكر أنه لما أمر للاتراك
برزق أربعة أشهر وللجند والشاكرية ومن يجرى مجراهم من الهاشميين برزق
ثمانية أشهر أمر للمغاربة برزق ثلاثة أشهر فأبوا أن يقبضوا فأرسل اليهم من
كان منكم مملوكا فليمض إلى أحمد بن أبى دؤاد حتى يبيعه ومن كان حرا صيرناه
أسوة الجند فرضوا بذلك وتكلم وصيف فيهم حتى رضى عنهم فأعطوا ثلاثة
ثم أجروا بعد ذلك مجرى الاتراك وبويع للمتوكل ساعة مات الواثق بيعة الخاصة
وبايعته العامة حين زالت الشمس من ذلك اليوم * وذكر عن سعيد الصغير
أن المتوكل قبل أن يستخلف ذكر له ولجماعة معه أنه رأى في المنام أن سكرا
سليمانيا يسقط عليه من السماء مكتوبا عليه جعفر المتوكل على الله فعبرها علينا
فقلنا هى والله أيها الامير أعزك الله الخلافة قال وبلغ الواثق ذلك فحبسه وحبس
سعيدا معه وضيق على جعفر بسبب ذلك ( وحج ) بالناس في هذه السنة
محمد بن داود
* ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من غضب المتوكل على محمد بن عبدالملك الزيات وحبسه إياه
ـ343ـ
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل اليه الامر *
أما السبب في غضبه عليه فانه كان فيما ذكر أن الواثق كان استوزر محمد
ابن عبدالملك الزيات وفوض اليه الامور وكان الواثق قد غضب على أخيه
جعفر المتوكل لبعض الامور فوكل عليه عمر بن فرج الرخجى ومحمد بن العلاء
الخادم فكانا يحفظانه ويكتبان بأخباره في كل وقت فصار جعفر إلى محمد بن
عبدالملك يسأله أن يكلم له أخاه الواثق ليرضى عنه فلما دخل عليه مكث واقفا
بين يديه مليا لا يكلمه ثم أشار اليه أن يقعد فقعد فلما فرغ من نظره في الكتب
التفت اليه كالمتهدد له فقال ما جاء بك قال جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضى عنى
فقال لمن حوله انظروا إلى هذا يغضب أخاه ويسألنى أن أسترضيه له اذهب
فانك إذا صلحت رضى عنك فقام جعفر كئيبا حزينا لما لقيه به من قبح اللقاء
والتقصير به فخرج من عنده فأتى عمر بن فرج ليسأله أن يختم له صكه ليقبض
أرزاقه فلقيه عمر بن فرج بالخيبة وأخذ الصك فرمى به إلى صحن المسجد وكان
عمر يجلس في مسجد وكان أبوالوزير أحمد بن خالد حاضرا فقام لينصرف فقام
معه جعفر فقال يا أبا الوزير أرأيت ما صنع بى عمر بن فرج قال جعلت فداك
أنا زمام عليه وليس يختم صكى بأرزاق إلا بالطلب والترفق به فابعث إلى بوكيلك
فبعث جعفر بوكيله فدفع اليه عشرين ألفا وقال انفق هذا حتى يهيئ الله أمرك
فأخذها ثم أعاد إلى أبى الوزير رسوله بعد شهر يسأله اعانته فبعث اليه بعشرة
آلاف درهم ثم صار جعفر من فوره حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبى دؤاد
فدخل عليه فقام له أحمد واستقبله على باب البيت وقبله والتزمه وقال ما جاء
بك جعلت فداك قال قد جئت لتسترضى لى أمير المؤمنين قال أفعل ونعمة عين
وكرامة فكلم أحمد بن أبى دؤاد الواثق فيه فوعده ولم يرض عنه فلما كان يوم
الحلبة كلم أحمد بن أبى دؤاد الواثق وقال معروف المعتصم عندى معروف وجعفر
ابنه فقد كلمتك فيه ووعدت الرضى فبحق المعتصم يا أمير المؤمنين إلا رضيت
عنه فرضى عنه من ساعته وكساه وانصرف الواثق وقد قلد أحمد بن أبى دؤاد
ـ344ـ
جعفرا بكلامه حتى رضى عنه أخوه شكرا فأحظاه ذلك عنده حين ملك وذكر
أن محمد بن عبدالملك كان كاتب إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده يا أمير
المؤمنين أتانى جعفر بن المعتصم يسألنى ان أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه في
زى المخنثين له شعر قفا فكتب اليه الواثق ابعث اليه فأحضره ومر من يجز شعر
قفاه ثم مر من يأخذ من شعره ويضرب به وجهه واصرفه إلى منزله * فذكر
عن المتوكل انه قال لما أتانى رسوله لبست سوادا لى جديدا وأتيته رجاء أن
يكون قد أتاه الرضى عنى فأتيته فقال يا غلام ادع لى حجاما فدعى به فقال خذ
شعره واجمعه فأخذه على السواد الجديد ولم يأته بمنديل فأخذ شعره وشعر قفاه
وضرب به وجهه قال المتوكل فما دخلنى من الجزع على شئ مثل ما دخلنى حين
أخذنى على السواد الجديد وقد جئته فيه طامعا في الرضى فاخذ شعرى عليه ولما
توفى الواثق أشار محمد بن عبدالملك بابن الواثق وتكلم في ذلك وجعفر في حجرة
غير الحجرة التى يتشاورون فيها فيمن يقعدون حتى بعث اليه فعقد له هناك فكان
سبب هلاك ابن الزيات وكان بغا الشرابى الرسول اليه يدعوه فسلم عليه بالخلافة
في الطريق فعقدوا له وبايعوه فأمهل حتى اذا كان يوم الاربعاء لسبع خلون من
صفر وقد عزم المتوكل على مكروه أن يناله به أمر ايتاخ بأخذه وعذابه فبعث
اليه ايتاخ فظن أنه دعى به فركب بعد غدائه مبادرا يظن أن الخليفة دعا به فلما
حاذى منزل ايتاخ قيل له اعدل إلى منزل أبى منصور فعدل وأوجس في نفسه خيفة
فلما جاء إلى الموضع الذى كان ينزل فيه ايتاخ عدل به عنه فأحس بالشر ثم أدخل
حجرة وأخذ سيفه ومنطقته وقلنسوة ودراعته فدفع إلى غلمانه وقيل لهم
انصرفوا فانصرفوا لا يشكون انه مقيم عند ايتاخ ليشرب النبيذ قال وقد
كان ايتاخ أعد له رجلين من وجوه أصحابه يقال لهما يزيد بن عبدالله
الحلوانى وهرثمة شارباميان فلما حصل محمد بن عبدالملك خرجا يركضان في
جندهما و شاكريتهما حتى أتيا دار محمد بن عبدالملك فقال لهم غلمان محمد أين
تريدون قد ركب أبوجعفر فهجما على داره وأخذا جميع ما فيها فذكر عن ابن
ـ345ـ
الحلوانى انه قال أتيت البيت الذى كان لمحمد بن عبدالملك يجلس فيه فرأيته رث
الهيئة قليل المتاع ورأيت فيه طنافس أربعة وقنانى رطليات فيها شراب ورأيت
بيتا ينام فيه جواريه فرأيت فيه بوريا ومخاد منضدة في جانب البيت على أن
جواريه كن ينمن فيه بلا فرش * وذكر أن المتوكل وجه في هذا اليوم من
قبض ما في منزله من متاع ودواب وجوار وغلمان فصير ذلك كله في الهارونى
ووجه راشدا المغربى إلى بغداد في قبض ما هنالك من أمواله وخدمه وأمر
أبا الوزير يقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت فأما ما كان بسامرا فحمل
إلى خزائن مسرور سيمانة بعد أن اشترى للخليفة وقيل لمحمد بن عبدالملك وكل
ببيع متاعك وأتوه بالعباس بن أحمد بن رشيد كاتب عجيف فوكله بالبيع عليه
فلم يزل أياما في حبسه مطلقا ثم أمر بتقييده فقيد وامتنع من الطعام وكان لا
يذوق شيئا وكان شديد الجزع في حبسه كثير البكاء قليل الكلام كثير التفكر
فمكث أياما ثم سوهر ومنع من النوم يساهر وينخس بمسلة ثم ترك يوما وليلة
فنام وانتبه فاشتهى فاكهة وعنبا فأتى به فأكل ثم أعيد إلى المساهرة ثم أمر
بتنور من خشب فيه مسامير حديد * فذكر عن ابن أبى دؤاد وأبى الوزير
أنهما قالا هو أول من أمر بعمل ذلك فعذب به ابن أسباط المصرى حتى
استخرج منه جميع ما عنده ثم ابتلى به فعذب به أياما * فذكر عن الدندانى عن
الموكل بعذابه أنه قال كنت أخرج وأقفل الباب عليه فيمد يديه إلى السماء جميعا
حتى يدق موضع كتفيه ثم يدخل التنور فيجلس والتنور فيه مسامير حديد وفى
وسطه خشبة معترضة يجلس عليها المعذب إذا أراد أن يستريح فيجلس على الخشبة
ساعة ثم يجئ الموكل به فاذا هو سمع صوت الباب يفتح قام قائما كما كان ثم
شددوا عليه قال المعذب له خاتلته يوما وأريته أنى أقفلت الباب ولم أقفله إنما
أغلقته بالقفل ثم مكثت قليلا ثم دفعت الباب غفلة فاذا هو قاعد في التنور على
الخشبة فقلت أراك تعمل هذا العمل فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه
فكان لا يقدر على القعود واستللت الخشبة حتى كانت تكون بين رجليه فما مكث
ـ346ـ
بعد ذلك إلا أياما حتى مات * واختلف في الذى قتل به فقيل بطح فضرب على
بطنه خمسين مقرعة ثم قلب فضرب على استه يثلها فمات وهو يضرب وهم لا
يعلمون فأصبح ميتا قد التوت عنقه ونتفت لحيته وقيل مات بغير ضرب * وذكر
عن مبارك المغربى أنه قال ما أظنه أكل في طول حبسه إلا رغيفا واحدا وكان
يأكل العنبة والعنبتين قال وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه
يا محمد بن عبدالملك لم يقنعك النعمة والدواب الفرة والدار النظيفة والكسوة
الفاخرة وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة ذق ما عملت بنفسك فكان يكرر
ذلك على نفسه فلما كان قبل موته بيوم ذهب عنه عتاب نفسه فكان لا يزيد على
التشهد وذكر الله فلما مات أحضره ابناه سليمان وعبيد الله كانا محبوسين وقد
طرح على باب من خشب في قميصه الذى حبس فيه وقد اتسخ فقالا الحمد الله الذى
أراح من هذا الفاسق فدفعت جثته اليهما فغسلاه على الباب الخشب وفناه
وحفرا له فلم يعمقا فذكر أن الكلاب نبشته وأكلت لحمه وكان إبراهيم بن العباس
على الاهواز وكان محمد بن عبدالملك له صديقا فوجه اليه محمد أحمد بن يوسف
أبا الجهم فأقامه للناس فصالحه عن نفسه بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم
فقال إبراهيم
وكنت أخى بإخاء الزمان * فلما أبى عدت حربا عوانا
وكنت أذم إليك الزمان * فأصبحت منك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات * فها أنا أطلب منك الامانا
وقال : أصبحت من رأى أبى جعفر * في هيئة تنذر بالصيلم
من غير ماذنب ولكنها * عداوة الزنديق للمسلم
وأحدر بعد ما قبض عليه مع راشد المغربى إلى بغداد لاخذ ماله بها فوردها
فأخذ روحا غلامه وكان قهرمانه في يده أمواله يتجر بها وأخذ عدة من أهل بيته
وأخذ معهم حمل بغل ووجدت له بيوت فيها أنواع التجارة من الحنطة والشعير
والدقيق والحبوب والزيت والزبيب والتين وبيت مملوء ثوما فكان جميع ما قبض
ـ347ـ
له مع قيمة ما وجد قمية تسعين ألف دينار وكان حبس المتوكل إياه يوم الاربعاء
لسبع خلون من صفر ووفاته يوم الخميس لاحدى عشرة بقيت من شهر ربيع
الاول ( وفيها ) غضب المتوكل على عمر بن فرج وذلك في شهر رمضان فدفع
إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب فحبس عنده وكتب في قبض ضياعه وأمواله
وصار نجاح بن سلمة إلى منزله فلم يجد فيه إلا خمسة عشر ألف درهم وحضر مسرور
سمانة فقبض جواريه وقيد عمر ثلاثين رطلا وأحضر مولاه نصر من بغداد فحمل
ثلاثين ألف دينار وحمل نصر من مال نفسه أربعة عشر ألف دينار وأصيب له
بالاهواز أربعون ألف دينار ولاخيه محمد بن فرج مائة ألف دينار وخمسون ألف
دينار وحمل من داره من المتاع ستة عشر بعيرا فرشا ومن الجوهر قيمة أربعين
ألف دينار وحمل من متاعه وفرشه على خمسين جملا كرت مرارا وألبس فرجية
صوف وقيد فمكث بذلك سبعا ثم أطلق عنه وقبض قصره وأخذ عياله ففتشوا
وكن مائة جارية ثم صولح على عشرة آلاف ألف درهم على أن يرد عليه ما حين
عنه من ضياع الاهواز فقط ونزعت عنه الجبة الصوف والقيد وذلك في شوال
وقال على بن الجهم بن بدر لنجاح بن سلمة يحرضه على عمر بن فرج
أبلغ نجاحا فتى الكتاب مألكة * يمضى بها الريح إصدارا وإيرادا
لا يخرج المال عفوا من يدى عمر * أو يغمد السيف في فوديه إغمادا
الرخجيون لا يوفون ما وعدوا * و الرخجيات لا يخلفن ميعادا
وقال أيضا يهجوه
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما * تيه الملوك وأفعال المماليك
أردت شكرا بلا بر ومرزئة * لقد سلكت سبيلا غير مسلوك
ظننت عرضك لم يقرع بقارعة * وما أراك على حال بمتروك
( وفى هذه السنة ) أمر المتوكل بابراهيم بن الجنيد النصرانى أخى أيوب كاتب
سمانة فضرب له بالاعمدة حتى أقر بسبعين ألف دينار فوجه معه مباركا المغربى إلى
بغداد حتى استخرجها من منزله وجئ به فحبس ( وفيها ) غضب المتوكل على أبى
ـ348ـ
الوزير في ذى الحجة وأمر بمحاسبته فحمل نحوا من ستين ألف دينار وحمل بدور
دراهم وحليا وأخذ له من متاع مصر اثنين وستين سفطا واثنين وثلاثين غلاما
وفرشا كثيرا وحبس بخيانته محمد بن عبدالملك أخو موسى بن عبدالملك والهيثم
ابن خالد النصرانى وابن أخيه سعدون بن على وصولح سعدون على أربعين ألف
دينار وصولح ابنا أخيه عبدالله وأحمد على نيف وثلاثين ألف دينار وأخذت
ضياعهم بذلك ( وفى هذه السنة ) استكتب المتوكل محمد بن الفضل الجرجرائى
( وفى هذه السنة ) عزل المتوكل يوم الاربعاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان
عن ديوان الخراج الفضل بن مروان وولاه يحيى بن خاقان الخراسانى مولى الازد
وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول في هذا اليوم ديوان زمام النفقات
وعزل عنه أبا الوزير ( وفيها ) ولى المتوكل ابنه محمدا المنتصر الحرمين واليمن
والطائف وعقد له يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ( وفيها فلج )
أحمد بن أبى دؤاد لست خلون من جمادى الآخرة ( فيها ) قدم يحيى بن هرثمة
مكة وهو والى طريق مكة بعلى بن محمد بن على الرضى بن موسى بن جعفر من
المدينة ( وفيها ) وثب ميخائيل بن توفيل على أمه تذورة فشمسها وأدخلها الدير
وقتل اللغثيط لانه اتهمها به وكان ملكها ست سنين ( وحج ) بالناس في هذه
السنة محمد بن داود
* ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من هرب محمد بن البعيث بن حلبس جئ به أسيرا من قبل
آذربيجان فحبس
* ذكر الخبر عن سبب هربه وما كان آل إليه أمره *
* ذكر أن السبب في ذلك كان أن المتوكل كان اعتل في هذه السنة وكان
مع ابن البعيث رجل يخدمه يسمى خليفة فأخبره بأن المتوكل قد توفى وأعد له
ـ349ـ
دواب فهرب هو وخليفة الذى أخبره الخبر إلى موضعه من آذربيجان وموضعه
منها مرند وقيل كانت له قلعتان تدعى إحداهما شاهى والاخرى يكدر
ويكدر خارج البحيرة وشاهى في وسط البحيرة والبحيرة قدر خمسين فرسخا من
حد أرمية إلى رستاق داخرقان بلاد محمد بن الرواد وشاهى قلعة ابن البعيث
حصينة يحيط بها ماء قائم ثم يركب الناس من أطراف المراغة إلى أرمية وهى
بحيرة لاسمك فيها ولا خير * وذكر أن ابن البعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم
ابن مصعب فتكلم فيه بغا الشرابى وأخذ منه الكفلاء نحوا من ثلاثين كفيلا
منهم محمد بن خالد بن يزيد ابن مزيد الشيبانى فكان يتردد بسامرا فهرب إلى
مرند فجمع بمرند الطعام وفيها عيون ماء فرم ما كان وهى من سورها وأتاه من
أراد الفتنة من كل ناحية من ربيعة وغيرهم فصار في نحو من ألفين ومائتى رجل
وكان الموالى بآذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة فقصر في طلبه فولى المتوكل حمدويه
ابن على بن الفضل السعدى آذربيجان ووجه من سامرا على البريد فلما صار إليها
جمع الجند والشاكرية ومن استجاب له فصار في عشرة آلاف فزحف إلى ابن
البعيث فألجأه إلى مدينة مرند وهى مدينة استدارتها فرسخان وفى داخلها بساتين
كثيرة ومن خارجها كما تدور شجر الا في موضع أبوابها وقد جمع فيها ابن البعيث
آلة الحصار وفيها عيون ماء فلما طالت مدته وجه المتوكل زيرك التركى في مائتى
ألف فارس من الاتراك فلم يصنع شيئا فوجه إليه المتوكل عمرو بن سيسل بن كال
في تسعمائة من الشاكرية فلم يغن شيئا فوجه إليه بغا الشرابى في أربعة آلاف
مابين تركى وشاكرى ومغربى وكان حمدويه بن على وعمر بن سيسل وزيرك زحفوا
إلى مدينة مرند وقطعوا ما حولها من الشجر فقطعوا نحوا من مائة ألف شجرة وغير
ذلك من شجر الغياض ونصبوا عليها عشرين منجنيقا وبنوا بحذاء المدينة ما يستكنون
فيه ونصب عليهم ابن البعيث من المجانيق مثل ذلك وكان معه من علوج
رساتيقه يرمون بالمقاليع فكان الرجل لا يقدر على الدنو من سور المدينة فقتل
من أولياء السلطان في حربه في ثمانية أشهر نحو من مائة رجل وجرح نحو من
ـ350ـ
أربعمائة وقتل وجرح من أصحابه مثل ذلك وكان حمدويه وعمرو وزيرك يغادونه
القتال ويراوحونه وكان السور من قبل المدينة ذليلا ومن القرار نحوا من
عشرين ذراعا وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلون بالحبال معهم الرماح
فيقاتلون فإذا حمل عليهم من أصحاب السلطان لجؤا إلى الحائط وكانوا ربما فتحوا
بابا يقال له باب الماء فيخرج منه العدة يقاتلون ثم يرجعون ولما قرب بغا
الشرابى من مرند بعث فيما ذكر عيسى بن الشيخ بن السليل الشيبانى ومعه أمانات
لوجوه أصحاب ابن البعيث ولابن البعيث أن ينزلوا وينزل على حكم أمير المؤمنين
وإلا قاتلهم فان ظفر بهم لم يستبق منهم أحدا ومن نزل فله الامان وكان عامة من مع
ابن البعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ فنزل منهم قوم كثير بالحبال ونزل ختن
ابن البعيث على أخته أبوالاغر * وذكر عن أبى الاغر هذا أنه قال ثم فتحوا باب
المدينة فدخل أصحاب حمدويه وزيرك وخرج ابن البعيث من منزله هاربا يريد
أن يخرج من وجه آخر فلحقه قوم من الجند معهم منصور قهرمانه وهو راكب
دابة يريد أن يصير إلى نهر عليه رحى ليستخفى في الرحى وفى عنقه السيف فأخذه أسيرا
وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه وبعض منازل أهل المدينة ثم نودى بعد ما انتهب
الناس برئت الذمة ممن انتهب وأخذوا له أختين وثلاث بنات وخالته والبواقى سرارى
فحصل في يد السلطان من حرمه ثلاث عشرة امرأة وأخذ من وجوه أصحابه المذكورين
نحو من مائتى رجل هرب الباقون فوافاهم بغا الشرابى من غد فنادى مناديه بالمنع من
النهب فكتب بغا الشرابى بالفتح لنفسه * وخرج المتوكل فيها إلى المدائن في جمادى
الاول ( وحج ) في هذه السنة إيتاخ وكان والى مكة والمدينة والموسم ودعى له على المنابر
* ذكر الخبر عن سبب حجه في هذه السنة *
ذكر أن إيتاخ كان غلاما خزريا لسلام الابرش طباخا فاشتراه منه المعتصم
في سنة 199 وكان لايتاخ رجلة وبأس فرفعه المعتصم ومن بعده الواثق حتى ضم
إليه من أعمال السلطان أعمالا كثيرة وولاه المعتصم معونة سامرا مع إسحاق بن
إبراهيم وكان من قبله رجل ومن قبل إسحاق رجل وكان من أراد المعتصم أو
ـ351ـ
الواثق قتله فعند إيتاخ يقتل وبيده يحبس منهم محمد بن عبدالملك الزيات وأولاد
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 351 سطر 1 الى ص 360 سطر 25
الواثق قتله فعند إيتاخ يقتل وبيده يحبس منهم محمد بن عبدالملك الزيات وأولاد
المأمون من سندس وصالح بن عجيف وغيرهم فلما ولى المتوكل كان إيتاخ في
مرتبته إليه الجيش والمغاربة والاتراك والموالى والبريد والحجابة ودار الخلافة
فخرج المتوكل بعد ما استوت له الخلافة متنزها إلى ناحية القاطول فشرب ليلة
فعربد على إيتاخ فهم إيتاخ بقتله فلما أصبح المتوكل قيل له فاعتذر إليه والتزمه وقال له
أنت أبى وربيتنى فلما صار المتوكل إلى سامرا ادس إليه من يشير عليه بالاستئذان
للحج ففعل وأذن له وصيره امير كل بلدة يدخلها وخلع عليه وركب جميع القواد
معه وخرج معه من الشاكرية والقواد والغلمان سوى غلمانه وحشمه بشر كثير
فحين خرج صيرت الحجابة إلى وصيف وذلك يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة بقيت
من ذى القعدة وقد قيل إن هذه القصة من أمر إيتاخ كانت في سنة 233 وأن
المتوكل إنما صير إلى وصيف الحجابة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة من سنة
233 ( وحج ) بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن موسى بن عيسى
* ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك مقتل إيتاخ الخزرى
* ذكر الخبر عن صفة مقتله *
ذكر عن إيتاخ أنه لما انصرف من مكة راجعا إلى العراق وجه المتوكل إليه
سعيد بن صالح الحاجب مع كسوة والطاف وأمره أن يلقاه بالكوفة أو ببعض
طريقه وقد تقدم المتوكل إلى عامله على الشرطة ببغداد بأمره فيه * فذكر عن
إبراهيم بن المدبر أنه قال خرجت مع إسحاق بن إبراهيم حين قرب إيتاخ من بغداد
وكان يريد أن يأخذ طريق الفرات إلى الانبار ثم يخرج إلى سامرا فكتب إليه
إسحاق بن ابراهيم إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قد أمر أن تدخل بغداد وأن يلقاك
بنو هاشم ووجوه الناس وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم فتأمر لهم بجوائز
ـ352ـ
قال فخرجنا حتى اذا كنا بالياسرية وقد شحن ابن ابراهيم الجسر بالجند والشاكرية
وخرج في خاصته وطرح له بالياسرية صفة فجلس عليها حتى قالوا قد قرب منك
فركب فاستقبله فلما نظر إليه أهوى إسحاق لينزل فحلف عليه إيتاخ ألا يفعل
قال وكان إيتاخ في ثلثمائة من أصحابه وغلمانه عليه قباء أبيض متقلدا سيفا بحمائل
فسارا جميعا حتى إذا صارا عند الجسر تقدمه اسحاق عند الجسر وعبر حتى
وقف على باب خزيمة بن خازم وقال لايتاخ تدخل أصلح الله الامير وكان
الموكلون بالجسر كلما مر بهم غلام من غلمانه قدموه حتى بقى في خاصة غلمانه
ودخل بين يديه قوم وقد فرشت له دار خزيمة وتأخر اسحاق وأمر ألا يدخل
الدار من غلمانه الا ثلاثة أو أربعة وأخذت عليه الابواب وأمر بحراسته من
ناحيه الشط وكسرت كل درجة في قصر خزيمة بن خازم فحين دخل أغلق الباب
خلفه فنظر فإذا ليس معه الا ثلاثة غلمان فقال قد فعلوها ولو لم يؤخذ ببغداد
ماقدروا على أخذه ولو دخل إلى سامرا فأراد بأصحابه قتل جميع من خالفه أمكنه
ذلك قال فأتى بطعام قرب الليل فأكل فمكث يومين أو ثلاثة ثم ركب اسحاق
في حراقة وأعد لايتاخ أخرى ثم أرسل اليه أن يصير إلى الحراقة وأمر بأخذ
سيفه فحدروه إلى الحراقة وصير معه قوم بالسلاح وصاعد اسحاق حتى صار إلى
منزله وأخرج ايتاخ حين بلغ دار اسحاق فأدخل ناحية منها ثم قيد فأثقل بالحديد
في عنقه ورجليه ثم قدم بابنيه منصور ومظرفر وبكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة
ابن زياد النصرانى بغداد وكان سليمان على أعمال السلطان وقدامة على ضياع إيتاخ
خاصة فحبسوا ببغداد فأما سليمان وقدامة فضربا فأسلم قدامة وحبس منصور
ومظفر * وذكر عن ترك مولى اسحق أنه قال وقفت على باب البيت الذى فيه
ايتاخ محبوس فقال لى يا ترك قلت ما تريد يا منصور قال أقرئ الامير السلام وقل له قد
علمت ما كان يأمرنى به المعتصم والواثق في أمرك فكنت أدفع عنك ما أمكننى
فلينفعنى ذلك عندك أما أنا فقد مر بى شدة ورخاء فما أبالى ماأكلت وما شربت
وأما هذان الغلامان فإنهما عاشا في نعمة ولم يعرفا البؤس فصير لهما مرقة ولحما وشيئا
ـ353ـ
يأكلان منه قال ترك فوقفت على باب مجلس إسحاق قال لى مالك يا ترك أتريد أن
تتكلم بشئ قلت نعم قال لى إيتاخ كذا وكذا قال وكانت وظيفة إيتاخ رغيفا
وكوزا من ماء ويأمر لابنيه بخوان فيه سبعة أرغفة وخمس غرف فلم يزل ذلك
قائما حياة إسحاق ثم لا أدرى ما صنع بهما فأما إيتاخ فقيد وصير في عنقه ثمانون
رطلا وقيد ثقيل فمات يوم الاربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة 235
وأشهد إسحاق على موته أبا الحسن إسحاق بن ثابت بن أبى عباد وصاحب بريد
بغداد والقضاة وأراهم إياه لا ضرب به ولا أثر * وحدثنى بعض شيوخنا أن إيتاخ
كان موته بالعطش وأنه أطعم فاستسقى فمنع الماء حتى مات عطشا وبقى ابناه في
الحبس حياة المتوكل فلما أفضى الامر إلى المنتصر أخرجهما فأما مظفر فانه لم
يعش بعد أن أخرج من السجن إلا ثلاثة أشهر حتى مات وأما منصور فعاش
بعده ( وفى هذه السنة ) قدم بغا الشرابى بابن البعيث في شوال وبخليفته أبى الاغر
وبأخوى ابن البعيث صقر وخالد وكانا نزلا بأمان وبابن لابن البعيث يقال له
العلاء خرج بأمان وقدم من الاسرى بنحو من مائة وثمانين رجلا ومات باقيهم
قبل أن يصلوا فلما قربوا من سامرا حملوا على الجمال يستشرفهم الناس فأمر المتوكل
بحبسه وحبسهم وأثقله حديدا * فذكر عن على بن الجهم أنه قال أتى المتوكل بمحمد
ابن البعيث فأمر بضرب عنقه فطرح على نطع وجاء السيافون فلوحوا له فقال
ابمتوكل وغلظ عليه ما دعاك يا محمد إلى ما صنعت قال الشقوة وأنت الحبل الممدود
بين الله وبين خلقه وإن لى فيك لظنين أسبقهما إلى قلبى أولاهما بك وهو العفو
ثم اندفع بلا فصل فقال
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلى * إمام الهدى والصفح بالناس أجمل
وهل أنا إلا جبلة من خطية * وعفوك من نور النبوة يجبل
فإنك خير السابقين إلى العلى * ولا شك أن خير الفعالين تفعل
قال على ثم التفت إلى المتوكل فقال إن معه لادبا وبادرت فقلت بل يفعل أمير
المؤمنين خيرهما ويمن عليك فقال ارجع إلى منزلك * وحدثنى . . أنه أنشدنى
( 22 7 )
ـ354ـ
بالمراغة جماعة من أشياخها أشعارا لابن البعيث بالفارسية ويذكرون أدبه وشجاعته
وله أخبار وأحاديث وحدثنى بعض من ذكر أنه شهد المتوكل حين أتى بابن البعيث
وكلمه ابن البعيث بما كلمه به فتكلم فيه المعتز وهو جالس مع أبيه المتوكل فاستوهبه
فوهب له وعفى عنه * وكان ابن البعيث حين هرب قال
كم قد قضيت أمورا كان أهملها * غيرى وقد أخذ الافلاس بالكظم
لا تعذلينى فيما ليس ينفعنى * إليك عنى جرى المقدار بالقلم
ساتلف المال في عسر وفى يسر * إن الجواد الذى يعطى على العدم
وكان ابن البعيث حين هرب خلف في منزله ثلاثة بنين له يقال لهم بعيث وجعفر
وحلبس وجوارى فحبسوا ببغداد في قصر الذهب فتكلم بغا الشرابى بعد موت
ابن البعيث ومات بعد دخوله سامرا بشهر في أبى الاغر ختنه فأطلق وأطلقت خالة
لابن البعيث فخرجت من السجن فماتت فرحا من يومها وبقى الباقون في الحبس *
وذكر أن ابن البعيث صير في عنقه مائة رطل فلم يزل مكبوبا على وجهه حتى مات
* ولما أخذ ابن البعيث أخرج من الحبس من كان محبوسا بسبب كفالته به وقد
كان بعضهم مات في الحبس فأخرج بعد باقى عياله وصير بنوه حلبس والبعيث
وجعفر في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان وأجريت عليهم الانزال
( وفى هذه السنة ) أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة
العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب وبتصيير كرتين على مؤخر
السروج وبتصيير زرين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة
التى يلبسها المسلمون وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالف لونها
لون الثوب الظاهر الذى عليه وأن تكون إحدى الرقعتين بين يديه عنه صدره
والاخرى منهما خلف ظهره وتكون كل واحدة من الرقعتين قدر أربع أصابع
ولونهما عسليا ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسلى ومن خرج
من نسائهم فبرزت فلا تبرز إلا في ازار عسلى وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزنانير
وبمنعهم لبس المناطق وأمر بهدم بيعهم المحدثة وبأخذ العشر من منازلهم وان كان
ـ355ـ
الموضع واسعا صير مسجدا وان كان لا يصلح أن يكون مسجدا صير فضاء وأمر
أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة تفريقا بين منازلهم
وبين منازل المسلمين ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التى
يجرى أحكامهم فيها على المسلمين ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين ولا
يعلمهم مسلم ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبا وأن يشمعلوا في الطريق وأمر
بتسوية قبورهم مع الارض لئلا تشبه قبور المسلمين * وكتب إلى عماله في الآفاق
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعزته التى لا تحاول وقدرته
على ما يريد اصطفى الاسلام فرضيه لنفسه وأكرم به ملائكته وبعث به رسله وأيد
به أولياءه وكنفه بالبر وحاطه بالنصر وحرسه من العاهة وأظهره على الاديان
مبرءا من الشبهات معصوما من الآفات محبوا بمناقب الخير مخصوصا من الشرائع
بأطهرها وأفضلها ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها ومن الاحكام بأعدلها وأقنعها
ومن الاعمال بأحسنها وأقصدها وأكرم أهله بما حل لهم من حلاله وحرم عليهم
من حرامه وبين لهم من شرائعه وأحكامه وحد لهم من حدوده ومناهجه وأعد لهم من سعة
جزائه وثوابه فقال كتابه فيما أمر به ونهى عنه وفيما حض عليه فيه ووعظ " إن الله يأمر
بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم
لعلكم تذكرون " وقال فيما حرم على أهله مما غمط فيه من ردئ المطعم والمشرب
والمنكح لينزههم عنه وليظهر به دينهم ليفظلهم عليهم تفضيلا " حرمت عليكم الميتة
والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة إلى آخر الآية ثم ختم ما حرم
عليهم من ذلك في هذه الآية بحراسة دينه ممن عند عنه وبإتمام نعمته على أهله الذين
اصطفاهم فقال عزوجل ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم
وأخشونى اليوم اكملت لكم دينكم الآية ) وقال عزوجل ( حرمت عليكم
أمهاتكم وبناتكم الآية ) وقال ( إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام
رجس من عمل الشيطان الآية ) فحرم على المسملين من مآكل أهل الاديان أرجسها
وأنجسها ومن شرابهم أدعاه إلى المداوة والبغضاء وأصده عن ذكر الله وعن
ـ356ـ
الصلاة ومن مناكحهم أعظمها عنده وزرا وأولاها عند ذى الحجى والالباب
تحريما ثم حباهم محاسن الاخلاق وفضائل الكرامات فجعلهم أهل الايمان
والامانة والفضل والتراحم واليقين والصدق ولم يجعل في دينهم التقاطع والتدابر
ولاالحمية ولا التكبر ولا الخيانة ولا الغدر ولا التباغى ولا التظالم بل أمر بالاولى
ونهى عن الاخرى ووعد وأوعد عليها جنته وناره وثوابه وعقابه فالمسلمون بما
اختصهم الله من كرامته وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذى اختاره لهم بائنون
على الاديان بشرائعهم الزاكية وأحكامهم المرضية الطاهرة وبراهينهم المنيرة
وبتطهير الله دينهم بما أحل وحرم فيه لهم وعليهم قضاء من الله عزوجل في اعزاز
دينه حتما ومشيئة منه في اظهار حقه ماضية وإرادة منه في اتمام نعمته على أهله
نافذة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وليجعل الله الفوز والعاقبة
للمتقين والخزى في الدنيا والآخرة على الكافرين * وقد رأى أمير المؤمنين وبالله
توفيقه وإرشاده أن يحمل أهل الذمة جميعا بحضرته وفى نواحى أعماله أقربها
وأبعدها وأخصهم وأخسهم على تصيير طيالستهم التى يلبسونها من لبسها من
تجارهم وكتابهم وكبيرهم وصغيرهم على ألوان الثياب العسلية لا يتجاوز ذلك منهم
متجاوز إلى غيره ومن قصر عن هذه الطبقة من أتباعهم وأرذالهم ومن يقعد به
حاله عن لبس الطيالسة منهم أخذ بتركيب خرقتين صبغهما ذلك الصبغ يكون
استدارة كل واحدة منهما شبرا تاما في مثله على موضع أمام ثوبه الذى يلبسه تلقاء
صدره ومن وراء ظهره وأن يؤخذ الجميع منهم في قلانسهم بتركيب أزرة عليها
يخالف ألوانها ألوان القلانس ترتفع في أماكنها التى تقع بها لئلا تلصق فتستر
ولا ما يركب منها على حباك فيخفى وكذلك في سروجهم باتخاذ ركب خشب لها
ونصب أكر على قرابيسها تكون ناتئة عنها وموفية عليها لا يرخص لهم في ازالتها
عن قرابيسهم وتأخيرها إلى جوانبها بل تتفقد ذلك منهم ليقع ما وقع من الذى
أمر أمير المؤمنين بحملهم عليه ظاهرا يبينه الناظر من غير تأمل وتأخذه الاعين
من غير طلب وأن نؤخذ عبيدهم وإماؤهم ومن يلبس المناطق من تلك الطبقة بشد
ـ357ـ
الزنانير والكساتيج مكان المناطق التى كانت في أوساطهم وأن توعز إلى عمالك
فيما أمر به أمير المؤمنين في ذلك إيعازا تحدوهم به إلى استقصاء ما تقدم اليهم فيه
وتحذرهم إدهانا وميلا وتتقدم اليهم في إنزال العقوبة بمن خالف ذلك من جميع
أهل الذمة عن سبيل عناد وتهوين إلى غيره ليقتصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم
على السبيل التى أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها وأخذهم بها إن شاء الله فاعلم ذلك
من رأى أمير المؤمنين وأمره وأنفذ إلى عمالك في نواحى عملك ما ورد عليك من
كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله وأمير المؤمنين يسأل الله ربه ووليه أن يصلى
على محمد عبد ورسوله صلى الله عليه وملائكته وأن يحفظه فيما استخلفه عليه
من أمر دينه ويتولى ما ولاه مما لا يبلغ حقه فيه إلا بعونه حفظا يحمل به ما حمله
وولاية يقضى بها حقه منه ويوجب بها له أكمل ثوابه وأفضل مزيده إنه كريم
رحيم وكتب ابراهيم بن العباس في شوال سنة خمس وثلاثين ومائتين * فقال
على بن الجهم :
العسليات التى فرقت * بين ذوى الرشدة والغى
وما على العاقل إن يكثروا * فإنه أكثر للفى
( وفى هذه السنة ) ظهر بسامرا رجل يقال له محمود بن الفرج ا لنيسابورى
فزعم أنه ذو القرنين ومعه سبعة وعشرون رجلا عند خشبة بابك وخرج من
أصحابه بباب العامة رجلان وببغداد في مسجد مدينتها آخران وزعما أنه
نبى وأنه ذو القرنين فأتى به وبأصحابه المتوكل فأمر بضربه بسياط فضرب
ضربا شديدا فمات من بعد من ضربه ذلك وحبس أصحابه وكانوا قدموا من نيسابور
ومعهم شئ يقرؤنه وكان معهم عيالاتهم وفيهم شيخ يشهد له بالنبوة ويزعم أنه
يوحى اليه وأن جبريل يأتيه بالوحى فضرب محمود مائة ضرب فلم ينكر نبوته حين
ضرب وضرب الشيخ الذى كان يشهد له أربعين سوطا فأنكر نبوته حين ضرب وحمل
محمود إلى باب العامة فأكذب نفسه وقال الشيخ قد اختدعنى وأمر أصحاب محمود أن
يصفعوه فصفعوه كل واحد منهم عشر صفعات وأخذ له مصحف فيه كلام قد جمعه
ـ358ـ
ذكر أنه قرآنه وأن جبريل عليه السلام كان يأتيه به ثم مات يوم الاربعاء لثلاث خلون
من ذى الحجة في هذه السنة ودفن في الجزيرة ( وفى هذه السنة ) عقد المتوكل البيعة لبنيه
الثلاثة لمحمد وسماه المنتصر ولابى عبدالله بن قبيحة ويختلف في اسمه فقيل إن اسمه محمد
وقيل اسمه الزبير ولقبه المعتز ولابراهيم وسماه المؤيد بولاية العهد وذلك فيما قيل
يوم السبت لثلاث بقين من ذى الحجة وقيل لليلتين بقيتا منه وعقد لكل واحد
منهم لواءين أحدهما أسود هو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل وصم
إلى كل واحد من العمل ما أنا ذاكره فكان ماضم إلى ابنه محمد المنتصر من ذلك أفريقية
والمغرب كله من عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب وجند قنسر بن
والعواصم والثغور الشأمية والجزرية وديار مضر وديار ربيعة والموصل وهيت
وعانات والخابور وقرقيسيا وكور باجرمى وتكريت وطساسيج السواد وكور
دجلة والحرمين واليمن وعك وحضرموت واليمامة والبحرين والسند ومكران
وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الاهواز و المستغلات بسامرا وماه الكوفة
وماه البصرة وماسبذان ومهرجان قذق وشهر زور ودراباذ والصامغان
وأصبهان وقم وقاشان وقزوين وأمور الجبل والضياع المنسوبة إلى الجبال
وصدقات العرب بالبصرة وكان ما ضم إلى ابنه المعتز كور خراسان وما يضاف
اليها وطبرستان والرى وأرمينية وآذربيجان وكور فارس ضم اليه في سنة 40
خزن بيوت الاموال في جميع الآفاق ودور الضرب وأمر بضرب اسمه على
الدراهم وكان ما ضم إلى ابنه المؤيد جند دمشق وجند حمص وجند الاردن وجند
فلسطين فقال أبوالغصن الاعرابى
إن ولاة المسلمين الجله * محمد ثم أ بوعبدالله
ثمت إبراهيم آبى الذله * بورك في بنى خليفة الله
وكتب بينهم كتابا نسخته هذا كتاب كتبه عبدالله جعفر الامام المتوكل على
الله أمير المؤمنين وأشهد الله على نفسه بجميع ما فيه ومن حضر من أهل بيته وشيعته
وقواده وقضاته وكفاته وفقهائه وغيرهم من المسلمين لمحمد المنتصر بالله ولابى
ـ359ـ
عبدالله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله بنى أمير المؤمنين في أصالة من رأيه وعموم
من عافية في بدنه واجتماع من فهمه مختارا لما شهد به متوخيا بذلك طاعة ربه وسلامة
رعيته و استقامتها وانقياد طاعتها واتساع كلمتها وصلاح ذات بينها وذلك في ذى
الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين إلى محمد المنتصر بالله بن جعفر الامام المتوكل
على الله أمير المؤمنين ولاية عهد المسلمين في حياته والخلافة عليهم من بعده
وأمره بتقوى الله التى هى عصمة من اعتصم بها ونجاة من لجأ اليها وعز من
اقتصر عليها فان بطاعة الله تتم النعمة وتجب من الله الرحمة والله غفور رحيم
وجعل عبدالله جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين الخلافة من بعد محمد
المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين إلى أبى عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين ثم من
بعد أبى عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين الخلافة إلى إبراهيم المؤيد بالله ابن
أمير المؤمنين وجعل عبدالله جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين لمحمد
المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين على أبى عبدالله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابنى
أمير المؤمنين السمع والطاعة والنصيحة والمشايعة والموالاة لاوليائه والمعاداة
لاعدائه في السر والجهر والغضب والرضا والمنع والاعطاء والتمسك ببيعته والوفاء
بعهده لا يبغيانه غائلة ولا يحاولانه مخاتلة ولا يمالئان عليه عدوا ولا يستبدان
دونه بأمر يكون فيه نقض لما جعل اليه أمير المؤمنين من ولاية العهد في حياته
والخلافة من بعده وجعل عبدالله جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين
على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لابى عبدالله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد
بالله ابنى أمير المؤمنين الوفاء بما عقده لهما وعهد به اليهما من الخلافة بعد محمد
المنتصر بالله أبن أمير المؤمنين وإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخليفة من
بعد أبى عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين والاتمام على ذلك ولا يخلعهما
ولا واحدا منهما ولا يعقد دونهما ولادون واحد منهما بيعة لولد ولا لاحد من
جميع البرية ولا يؤخر منهما مقدما ولا يقدم منهما مؤخرا ولا ينقصهما ولا واحدا
منهما شيئا من أعمالهما التى ولاهما عبدالله جعفر الامام المتوكل على الله أمير المؤمنين
ـ360ـ
وكل واحد منهما من الصلاة والمعاون والقضاء والمظالم والخراج والضياع والغنيمة
والصدقات وغير ذلك من حقوق أعمالهما وما في عمل كل واحد منهما من البريد
والطرز وخزن بيوت الاموال والمعاون ودور الضرب وجميع الاعمال التى
جعلها أمير المؤمنين ويجعلها إلى كل واحد منهما ولا ينقل عن واحد منهما أحدا
من ناحيته من القواد والجند والشاكرية والموالى والغلمان وغيرهم ولا يعترض
عليه في شئ من ضياعه وأقطاعه وسائر أمواله وذخائره وجميع ما في يده وما حواه
وملكت يده من تالد وطارف وقديم ومستأنف وجميع ما يستفيده ويستفاد له
بنقص ولا يحرم ولايجنف ولا يعرض لاحد من عماله وكتابه وقضاته وخدمه
ووكلائه وأصحابه وجميع أسبابه بمناظرة ولا محاسبة ولا غير ذلك من الوجوه
والاسباب كلها ولا يفسخ فيما وكده أمير المؤمنين لهما في هذا العقد والعهد بما يزيل
ذلك عن جهته أو يؤخره عن وقته أو يكون ناقضا لشئ منه وجعل عبدالله جعفر
المتوكل على الله أمير المؤمنين على أبى عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين إن أفضت
اليه الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لابراهيم المؤيد بالله ابن
أمير المؤمنين مثل الشرائط التى اشترطها على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين
بجميع ما سمى فيه ووصف في هذا الكتاب وعلى ما بين وفسر مع الوفاء من أبى عبدالله
المعتز بالله ابن أمير المؤمنين بما جعله أمير المؤمنين لابراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين
من الخلافة وتسليم ذلك رضيا ممضيا له مقدما ما فيه حق الله عليه وما أمره به
أمير المؤمنين غير ناكث ولاناكب بذلك ولا مبدل فإن الله تعالى جده وعز ذكره
يتوعد من خالف أمره وعند عن سبيله في محكم كتابه " فمن بدله بعد ماسمعه فإنما إثمه
على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم " على أن لابى عبدالله المعتز بالله ابن
أمير المؤمنين ولابراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن
أمير المؤمنين وهما مقيمان بحضرته أو أحدهما أو كانا غائبين عنه مجتمعين كانا
أو متفرقين وليس أ بوعبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بخراسان
وأعمالها المتصلة بها والمضمومة اليها وليس إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين
ـ361ـ
في ولايته بالشأم وأجنادهما فعلى محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين أن يمضى أبا
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 361 سطر 1 الى ص 370 سطر 25
في ولايته بالشأم وأجنادهما فعلى محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين أن يمضى أبا
عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين إلى خراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة
اليها وأن يسلم له ولايتها وأعمالها كلها وأجنادها والكور الداخلة فيما ولى جعفر الامام
المتوكل على الله أمير المؤمنين أبا عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين فلا يعوقه
عنها ولا يحبسه قبله ولا في شئ من البلدان دون خراسان والكور والاعمال
المضمومة اليها وأن يعجل إشخاصه اليها واليا عليها وعلى جميع أعمالها مفردا بها
مفوضا اليها أعمالها كلها لينزل حيث أحب من كور عمله ولا ينقله عنها وأن
يشخص معه جميع من ضم اليه أمير المؤمنين ويضم من مواليه وقواده وشاكريته
وأصحابه وكتابه وعماله وخدمه ومن اتبعه من صنوف الناس بأهاليهم وأولادهم
وعيالهم وأموالهم ولا يحبس عنه أحدا ولا يشرك في شئ من أعماله أحدا ولا يوجه
عليه أمينا ولا كاتبا ولا بريدا ولايضرب على يده في قليل ولا كثير وأن يطلق
محمد المنتصر بالله لابراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخروج إلى الشأم وأجنادها
فيمن ضم أمير المؤمنين ويضمه اليه من مواليه وقواده وخدمه وجنوده وشاكريته
وصحابته وعماله وخدامه ومن اتبعه من صنوف الناس بأهليها وأولادهم وأموالهم
ولا يحبس عنهم أحدا ويسلم اليه ولايتها وأعمالها وجنودها كلها لا يعوقه عنها
ولا يحبسه قبله ولا في شئ من البلدان دونها وأن يعجل إشخاصه إلى الشأم
وأجنادها واليا عليها ولا ينقله عنها وأن عليه له فيمن ضم اليه من القواد والموالى
والغلمان والجنود والشاكرية وأصناف الناس وفى جميع الاسباب والوجوه مثل
الذى اشترط على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لابى عبدالله المعتز بالله ابن
أمير المؤمنين في خراسان وأعمالها على ما رسم من ذلك وبين ولخص وشرح في
هذا الكتاب ولابراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على أبى عبدالله المعتز بالله
ابن أمير المؤمنين إذا أفضت الخلافة اليه وإبراهيم المؤيد بالله مقيم بالشام أن يقره
بها أو كان بحضرته أو كان غائبا عنه أن يمضيه إلى عمله من الشأم ويسلم اليه أجنادها
وولايتها وأعمالها كلها ولايعوقه عنها عنها ولا يحبسه قبله ولا في شئ من البلدان
ـ362ـ
دونها وأن يعجل إشخاصه اليها واليا عليها وعلى جميع أعمالها على مثل الشرط الذى
أخذ لابى عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين
في خراسان وأعمالها على ما رسم ووصف وشرط في هذا الكتاب لم يجعل أمير
المؤمنين لواحد ممن وقعت عليه وله هذه الشروط من محمد المنتصر بالله وأبى
عبدالله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله بنى أمير المؤمنين أن يزيل شيئا مما اشترطنا
في هذا الكتاب ووكدنا وعليهم جميعا الوفاء به لا يقبل الله منهم إلا ذلك ولا
التمسك إلا بعهد الله فيه وكان عهد الله مسؤلا أشهد الله رب العالمين جعفر الامام
المتوكل على الله أمير المؤمنين ومن حضره من المسلمين بجميع ما في هذا الكتاب
على إمضائه إياه على محمد المنتصر بالله وأبى عبدالله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله
بنى أمير المؤمنين بجميع ما سمى ووصف فيه وكفى بالله شهيدا ومعينا لمن أطاعه
راجيا ووفى بعهده خائفا وحسيبا ومعاقبا من خالفه معاندا أو صدف عن أمره
مجاهدا وقد كتب هذا الكتاب أربع نسخ وقعت شهادة الشهود بحضرة أمير
المؤمنين في كل نسخة منها في خزانة أمير المؤمنين نسخة وعند محمد المنتصر ابن
أمير المؤمنين نسخة وعند أبى عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين نسخة ونسخة
عند إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين وقد ولى جعفر الامام المتوكل على الله
أبا عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين أعمال فارس وأرمينية وآذربيجان إلى
ما يلى أعمال خراسان وكورها والاعمال المتصلة بها والمضمومة اليها على أن يجعل له
على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين في ذلك الذى جعل له في الحياطة في نفسه
والوثاق في أعماله و المضمومين اليه وسائر من يستعين به من الناس جميعا في خراسان
والكور المضمومة اليها والمتصلة بها على ما سمى ووصف في هذا الكتاب * وقال
إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول يمدح بنى المتوكل الثلاثة المنتصر والمعتز والمؤيد
أضحت عرى الاسلام وهى منوطة * بالنصر والاعزاز والتأييد
بخليفة من هاشم وثلاثة * كنفوا الخلافة من ولاة عهود
قمر توالت حوله أقماره * يكنفن مطلع سعده بسعود
ـ363ـ
كنفتهم الآباء واكتنف بهم * فسعوا بأكرم أنفس وجدود
وله في المعتز بالله
أشرق المشرق بالمع * تز بالله ولاحا
إنما المعتز طيب * بث في الناس ففاحا
وله أيضا فيها
الله أظهر دينه * وأعزه بمحمد
والله أكرم بالخلا * فة جعفر بن محمد
والله أيد عهده * بمحمد ومحمد
ومؤيد لمؤيدي * ن إلى النبى محمد
( وفيها ) كانت وفاة إسحاق بن إبراهيم صاحب الجسر في يوم الثلاثاء لست
بقين من ذى الحجة وقيل كانت وفاته لسبع بقين منه وصبر ابنه مكانه وكسى
خمس خلع وقلد سيفا وبعث المتوكل حين انتهى اليه خبر مرضه بابنه المعتز
لعيادته مع بغا الشرابى وجماعة من القواد والجند * وذكر أن ماء دجلة تغير في
هذه السنة إلى الصفرة ثلاثة أيام ففزع الناس لذلك ثم صار في لون ماء المدود
وذلك في ذى الحجة ( وفيها ) أتى المتوكل بيحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن على
ابن أبى طالب عليه السلام من بعض النواحى وكان فيما ذكر قد جمع قوما فضربه
عمر بن فرج ثمان عشرة مقرعة وحبس ببغداد في المطبق ( وحج ) بالناس في
هذه السنة محمد بن داود
* ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من مقتل محمد بن ابراهيم بن مصعب بن زريق أخى إسحاق
ابن ابراهيم بفارس
ـ364ـ
* ذكر الخبر عن مقتله وكيف قتل *
* حدثنى غير واحد عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم ان أباه اسحاق بلغه عنه
انه أكول لا يملا جوفه شئ وانه أمر باتخاذ الطعام والاكثار منه ثم أرسل
اليه فدعاه ثم أمره أن يأكل وقال له إنى أحب أن أرى أكلك فأكل وأكثر حتى
عجب اسحاق منه ثم قدم اليه بعد ما ظن انه شبع وامتلا من الطعام حمل مشوى
فأكل منه حتى لم يبق منه إلا عظاما فلما فرغ من أكله قال يا بنى مال أبيك لا يقوم
بطعام بطنك فالحق أمير المؤمنين فان ماله أحمل لك من مالى فوجهه إلى الباب
وألزمه الباب فكان في خدمة السلطان حياة أبيه وخليفة أبيه ببابه حتى مات
أبوه اسحاق فعقد له المعتز على فارس وعقد المنتصر له على اليمامة والبحرين وطريق
مكة في المحرم من هذه السنة وضم اليه المتوكل أعمال أبيه كلها وزاده المنتصر
ولاية مصر وذلك أنه كان فيما ذكر حمل إلى المتوكل وأولياء عهده مما كان في
خزائن أبيه من الجوهر والاشياء النفيسة ما حظى به عندهم فرفعوه ورفعوا مرتبته
فلما بلغ محمد بن ابراهيم ما فعل بابن أخيه محمد بن اسحاق تنكر للسلطان وبلغ المتوكل
عنه أمور أنكرها * فاخبرنى بعضهم أن تنكر محمد بن ابراهيم إنما كان لابن
أخيه محمد بن اسحاق واعتلاله عليه بحمل خراج فارس اليه وان محمدا شكا إلى
المتوكل ما كان من تنكر عمه محمد بن ابراهيم في ذلك فبسط يده عليه وأطلق له
العمل فيه بما أحب فوق محمد بن اسحاق الحسين بن اسماعيل بن ابراهيم بن مصعب
فارس وعزل عمه وتقدم محمد إلى الحسين بن اسماعيل في قتل عمه محمد بن ابراهيم
فذكر انه لما صار إلى فارس أهدى اليه في يوم النيروز هدايا فكان فيما أهدى
اليه حلوى فأكل محمد بن ابراهيم منها ثم دخل الحسين بن اسماعيل عليه فأمر
بإدخاله إلى موضع آخر واعادة الحلوى عليه فأكل أيضا منها فعطش فاستسقى فمنع
الماء ورام الخروج من الموضع الذى أدخل اليه فاذا هو محبوس لا سبيل له إلى
الخروج فعاش يومين وليلتين ومات فحمل ماله وعياله إلى سامرا على مائة جمل
ولما ورد نعى محمد بن ابراهيم على المتوكل أمر بالكاتب منه إلى طاهر بن عبدالله
ـ365ـ
ابن طاهر فكتب * أما بعد فان أمير المؤمنين يوجب لك مع كل فائدة ونعمة
تهنئتك بمواهب الله وتعزيتك عن ملمات اقداره وقد قضى الله في محمد بن ابراهيم
مولى أمير المؤمنين ما هو قضاؤه في عباده حتى يكون الفناء لهم والبقاء له وأمير
المؤمنين يعزيك عن محمد بما أوجب الله لمن عمل بما امره به في مصائبه من جزيل
ثوابه وأجره فليكن الله وما قربك منه أولى بك في أحوالك كلها فان مع شكر
الله مزيده ومع التسليم لامر الله رضاه وبالله توفيق أمير المؤمنين والسلام ( وفى
هذه السنة ) توفى الحسن بن سهل في قول بعضهم في أول ذى الحجة منها وقال
قائل هذه المقالة مات محمد بن اسحاق بن ابراهيم في هذا الشهر لاربع بقين منه *
وذكر عن القاسم بن أحمد الكوفى قال كنت في خدمة الفتح بن خاقان في
سنة 235 وكان الفتح يتولى للمتوكل اعمالا منها أخبار الخاصة والعامة بسامرا
والهارونى وما يليها فورد كتاب ابراهيم بن عطاء المتولى الاخبار بسامرا يذكر
وفاة الحسن بن سهل وأنه شرب شربة دواء في صبيحة يوم الخميس لخمس ليال
بقين من ذى القعدة من سنة 235 أفرطت عليه وانه توفى في هذا اليوم وقت
الظهر وان المتوكل أمر بتجهيز جهازه من خزائنه فلما وضع على سريره تعلق
به جماعة من التجار من غرماء الحسن بن سهل ومنعوه من دفنه فتوسط أمرهم
يحيى بن خاقان وابراهيم بن عتاب ورجل يعرف ببرغوث فقطعوا أمرهم ودفن
فلما كان من الغد ورد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام بوفاة محمد بن اسحاق
ابن ابراهيم بعد الظهر يوم الخميس لخمس خلون من ذى الحجة فجزع عليه المتوكل
جزعا وقال تبارك الله وتعالى كيف توافت منية الحسن ومحمد بن اسحاق في
وقت واحد ( وفيها ) أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن على وهدم ما حوله
من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره وان يمنع الناس
من اتيانه فذكر ان عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية من وجدناه عند قبره
بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق فهرب الناس وامتنعوا من المصير اليه وحرث ذلك
الموضع وزرع ما حواليه ( وفيها ) استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان
ـ366ـ
وصرف محمد بن الفضل الجرجرائى ( وفيها ) حج محمد المنتصر وحجت معه
جدته شجاع أم المتوكل فشيعها المتوكل إلى النجف ( وفيها ) هلك أبوسعيد
محمد بن يوسف المروزى الكبح فاه ذكر أن فارس بن بغا الشرابى وهو خليفة
أبيه عقد لابى سعيد هذا وهو مولى طيئ على آذربيجان وأرمينية فعسكر بالكرخ
كرخ فيروز فلما كان لسبع بقين من شوال وهو بالكرخ مات فجاءه لبس أحد
خفيه ومد الآخر ليلبسه فسقط ميتا فولى المتوكل ابنه يوسف ما كان أبوه وليه
من الحرب وولاه بعد ذلك خراج الناحية وضياعها فشخص إلى الناحية فضبطها
ووجه عماله في كل ناحية ( وحج ) بالناس في هذه السنة المنتصر محمد بن
جعفر المتوكل
* ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من وثوب أهل أرمينية بيوسف بن محمد فيها
* ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به *
قد ذكرنا فيما مضى قبل سبب استعمال المتوكل يوسف بن محمد هذا على أرمينية فأما
سبب وثوب أهل أرمينية به فانه كان فيما ذكر أنه لما صار إلى عمله من أرمينية
خرج رجل من البطارقة يقال له بقراط بن أشوط وكان يقال له بطريق البطارقة
يطلب الامارة فأخذه يوسف بن محمد وقيده وبعث به إلى باب الخليفة فأسلم
بقراط وابنه فذكر أن يوسف لما حمل بقراط بن أشوط اجتمع عليه ابن أخى
بقراط بن أشوط وجماعة من بطارقة أرمينية وكان الثلج قد وقع في المدينة التى
فيها يوسف وهى فيما قيل طرون فلما سكن الثلج أناخوا عليها من كل ناحية
وحاصروا يوسف ومن معه في المدينة فخرج يوسف إلى باب المدينة فقاتلهم
فقتلوه وكل من قاتل معه فأما من لم يقاتل معه فانهم قالوا له ضع ثيابك وانج
عريانا فطرح قوم منهم كثير ثيابهم ونجوا عراة حفاة فمات أكثرهم من البرد
ـ367ـ
وسقط أصابع قوم منهم ونجوا وكانت البطارقة لما حمل يوسف بقراط بن
أشوط تحالفوا على قتله ونذروا دمه وواقفهم على ذلك موسى بن زرارة وهو
على ابنة بقراط فنهى سوادة بن عبدالحميد الجحافى يوسف بن أبى سعيد عن
المقام بموضعه وأعلمه بما أتاه من أخبار البطارقة فأبى أن يفعل فوافاه القوم
في شهر رمضان فأحدقوا بسور المدينة والثلج ما بين عشرين ذراعا إلى أقل حول
المدينة إلى خلاط إلى دبيل والدنيا كلها ثلج وكان يوسف قبل ذلك قد فرق
أصحابه في رساتيق عمله فتوجه إلى كل ناحية منها قوم من أصحابه فوجه إلى كل
طائفة منهم من البطارقة وممن معهم جماعة فقتلوهم وقتلوا في يوم واحد وكانوا
قد حاصروه في المدينة أياما فخرج اليهم فقاتل حتى قتل فوجه المتوكل بغا
الشرابى إلى أرمينية طالبا بدم يوسف فشخص اليها من ناحية الجزيرة فبدأ
بأرزن بموسى بن زرارة وهو . . . وله إخوة إسماعيل وسليمان وأحمد وعيسى
ومحمد وهارون فحمل بغا موسى بن زرارة إلى باب الخليفة ثم سار فأناخ بجبل
الخويثية وهم جمة أهل أرمينية وقتلة يوسف بن محمد فحاربهم فظفر بهم فقتل
زهاء ثلاثين ألفا وسبى منهم خلقا كثيرا فباعهم بأرمينية ثم سار إلى بلاد ألباق
فأسر أشوط بن حمزة أبا العباس وهو صاحب الباق والباق من كور البسفرجان
وبنى النشوى ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهرا ثم سار إلى
تفليس ( وفى هذه السنة ) ولى عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون
السواد ( وفيها ) قدم محمد بن عبدالله بن طاهر من خراسان لثمان بقين من
شهر ربيع الآخر فولى الشرطة والجزية وأعمال السواد وخلافة أمير المؤمنين
بمدينة السلام ثم صار إلى بغداد ( وفيها ) عزل المتوكل محمد بن أحمد بن أبى دؤاد
عن المظالم وولاها محمد بن يعقوب المعروف بأبى الربيع ( وفيها ) رضى عن ابن
أكثم وكان ببغداد فأشخص إلى سامرا فولى القضاء على القضاة ثم ولى أيضا
المظالم وكان عزل المتوكل محمد بن أبى دؤاد عن مظالم سامرا لعشر بقين
من صفر من هذه السنة ( وفيها ) غضب المتوكل على بن أبى دؤاد وأمر بالتوكيل
ـ368ـ
على ضياع أحمد بن أبى دؤاد لخمس بقين من صفر وحبس يوم السبت لثلاث خلون
من شهر ربيع الاول ابنه أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبى دؤاد في ديوان الخراج
وحبس إخوته عند عبيد الله بن السرى خليفة صاحب الشرطة فلما كان يوم الاثنين
حمل أبوالوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجواهر بقيمة عشرين
ألف دينار ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم وأشهد عليهم
جميعا ببيع كل ضيعة لهم وكان أحمد بن أبى دؤاد قد فلج فلما كان يوم الاربعاء
لسبع خلون من شعبان أمر المتوكل بولد أحمد بن أبى دؤاد فحدروا إلى بغداد
فقال أب والعتاهية
لو كنت في الرأى منسوبا إلى رشد * وكان عزمك عزما فيه توفيق
لكان في الفقه شغل لو قنعت به * عن أن تقول كلام الله مخلوق
ماذا عليك وأصل الدين يجمعهم * ما كان في الفرع لولا الجهل والموق
وأقيم فيها الخلنجى للناس في جمادى الآخرة ( وفيها ) ولى ابن أكثم قضاء
الشرقية حيان بن بشر وولى سوار بن عبدالله العنبرى قضاء الجانب الغربى وكلاهما
أعور فقال الجماز ;
رأيت من الكبائر قاضيين * هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين قدا * كما اقتسما قضاء الجانبين
وتحسب منهما من هز رأسا * لينظر في مواريث ودين
كأنك قد وضعت عليه دنا * فتحت بزاله من فرد عين
هما فأل الزمان بهلك يحيى * إذا افتتح القضاء بأعورين
( وفيها ) أمر المتوكل في يوم الفطر منها بإنزال جثة أحمد بن نصر بن مالك
الخزاعى ودفعه إلى أوليائه
* ذكر الخبر عما فعل به وما كان من الامر بسبب ذلك *
ذكر أن المتوكل لما أمر بدفع جثته إلى أوليائه لدفنه فعل ذلك فدفع اليهم
وقد كان المتوكل لما أفضت اليه الخلافة نهى عن الجدال في القرآن وغيره
ـ369ـ
ونفذت كتبه بذلك إلى الآفاق وهم بإنزال أحمد بن نصر عن خشبته فاجتمع
الغوغاء والرعاع إلى موضع تلك الخشبة وكثروا وتكلموا فبلغ ذلك المتوكل
فوجه اليهم نصر بن الليث فأخذ منهم نحوا من عشرين رجلا فضربهم وحبسهم
وترك إنزال أحمد بن نصر من خشبته لما بلغه من تكثير العامة في أمره وبقى
الذين أخذوا بسببه في الحبس حينا ثم أطلقوا فلما دفع بدنه إلى أوليائه في الوقت
الذى ذكرت حمله ابن أخيه موسى إلى بغداد وغسل ودفن وضم رأسه إلى بدنه
وأخذ عبدالرحمن بن حمزة جسده في منديل مصرى فمضى به إلى منزله فكفنه وصلى
عليه وتولى ادخاله القبر مع بعض أهله رجل من التجار يقال له الابزارى فكتب
صاحب البريد ببغداد وكان يعرف بابن الكلبى من موضع بناحية واسط يقال له الكلتانية
إلى المتوكل بخبر العامة وما كان من اجتماعها وتمسحها بالجنازة جنازة أحمد بن نصر
ومجسة رأسه فقال المتوكل ليحيى بن أكثم كيف دخل ابن الابزارى القبر على
كبرة خزاعة فقال يا أمير المؤمنين كان صديقا له فأمر المتوكل بالكتاب إلى محمد
ابن عبدالله بن طاهر بمنع العامة من الاجتماع والحركة في مثل هذا وشبهه وكان
بعضهم أوصى ابنه عند موته أن يرهب العامة فكتب المتوكل ينهى عن الاجتماع *
وغزا الصائفة في هذه السنة على بن يحيى الارمنى ( وحج ) بالناس فيها على بن عيسى
ابن جعفر بن أبى جعفر المنصور وكان والى مكة
* ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من ظفر بغا باسحاق بن اسماعيل مولى بنى أمية بتفليس وإحراقه
مدينة تفليس
* ذكر الخبر عما كان من بغا في ذلك *
* ذكر أن بغا لما صار إلى دبيل بسبب قتل القاتلين من أهل أرمينية
يوسف بن محمد أقام بها شهرا فلما كان يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الاول
( 24 7 )
ـ370ـ
من سنة 238 وجه بغازيرك التركى فجاوز الكر وهو نهر عظيم مثل الصراة ببغداد
وأكبر وهو مابين المدينة وتفليس في الجانب الغربى وصغدبيل في الجانب
الشرقى وكان معسكر بغا في الشرقى فجاوز زيرك الكر إلى ميدان تفليس ولتفليس
خمسة أبواب باب الميدان وباب قريش وباب الصغير وباب الربض وباب صغدبيل
والكر نهر ينحدر مع المدينة ووجه بغا أيضا أبا العباس الواثى النصرانى إلى
أهل أرمينية عربها وعجمها فأتاهم زيرك مما يلى الميدان وأ بوالعباس مما يلى باب
الربض فخرج اسحاق بن اسماعيل إلى وزيرك فناوشه القتال ووقف بغا على تل مطل
على المدينة مما يلى صغدبيل لينظر ما يصنع زيرك وأ بوالعباس فبعث بغا النفاطين
فضربوا المدينة بالنار وهى من خشب الصنوبر فهاجت الريح في الصنوبر فأقبل
إسحاق بن اسماعيل إلى المدينة لينظر فإذا النار قد أخذت في قصره وجواريه وأحاطت
به النار ثم أتاه الاتراك والمغاربة فأخذوه أسيرا وأخذوا ابنه عمرا فأتوا بهما بغا
فأمر بغا به فرد إلى باب الحسك فضربت عنقه هناك صبرا وحمل رأسه إلى بغا
وصلب جيفته على الكر وكان شيخا محدورا ضخم الرأس يخضب بالوسمة آدم
أصلع أحول فنصب رأسه على باب الحسك وكان الذى تولى قتله غامش خليفة
بغا واحترق في المدينة نحو من خمسين ألف إنسان فطفئت النار في يوم وليلة
لانها نار الصنوبر لابقاء لها وصحبهم المغاربة فأسروا من كان حيا وسلبوا الموتى
وكانت امرأة إسحاق نازلة بصغدبيل وهى حذاء تفليس في الجانب الشرقى وهى
مدينة بناها كسرى أنو شروان وكان اسحاق قد حصنها وحفر خندقها وجعل فيها
مقاتلة من الخويثية وغيرهم وأعطاهم بغا الامان على أن يضعوا أسحلتهم ويذهبوا
حيث شاؤا وكانت امرأة إسحاق ابنة صاحب السرير ثم وجه بغا فيما ذكر زيرك
إلى قلعة الجردمان وهى بين برذعة وتفليس في جماعة من جنده ففتح زيرك الجردمان
وأخذ بطريقها القطريج أسيرا فحمله إلى العسكر ثم نهض بغا إلى عيسى بن يوسف
ابن أخت اصطفانوس وهو في قلعة كثيش من كورة البيلقان وبينها وبين البيلقان
عشرة فراسخ وبينها وبين برذعة خمسة عشر فرسخا فحاربه ففتحها وأخذه وحمله
ـ371ـ
وحمل ابنه معه وأباه وحمل أبا العباس الواثى واسمه سنباط بن أشوط وحمل معه
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 371 سطر 1 الى ص 380 سطر 24
وحمل ابنه معه وأباه وحمل أبا العباس الواثى واسمه سنباط بن أشوط وحمل معه
معاوية بن سهل بن سنباط بطريق أران وحمل أذرنرسى بن إسحاق الخاشنى ( وفى
هذه السنة ) جاءت الروم ثلثمائة مركب مع عرفا وابن قطونا وأمر دنافة وهم
كانوا الرؤساء في البحر مع كل واحد منهم مائة مركب فأناخ ابن قطونا بدمياط
وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة يكون فيها الماء إلى صدر الرجل فمن جازها إلى
الارض أمن من مراكب البحر فجازها قوم فسلموا وغرق قوم كثير من نساء
وصبيان واحتمل من كانت له قوة في السفن فنجوا إلى ناحية الفسطاط وبينها وبين
الفسطاط مسيرة أربعة أيام وكان والى معونة مصر عنبسة بن اسحاق الضبى فلما
قرب العيد أمر الجند الذين بدمياط أن يحضروا الفسطاط ليتجمل بهم في العيد
وأخلى دمياط من الجند فانتهى مراكب الروم من ناحية شطا التى يعمل فيها
الشطوى فأناخ بها مائة مركب من الشلندية يحمل كل مركب ما بين الخمسين رجلا
إلى المائة فخرجوا إليها وأحرقوا ما وصلوا اليها من دورها وأخصاصها واحتملوا
سلاحا كان فيها أرادوا حمله إلى أبى حفص صاحب أقريطش نحو من ألف قناة
وآلتها وقتلوا من أمكنهم قتله من الرجال وأخذوا من الامتعة والقند والكتان
ما كان عبى ليحمل إلى العراق وسبوا من المسلمات و القبطيات نحوا من ستمائة
امرأة ويقال إن المسلمات منهن مائة وخمس وعشرون امرأة والباقى من نساء
القبط ويقال إن الروم الذين كانوا في ا لشلنديات التى أناخت بدمياط كانوا نحوا من
خمسة آلاف رجل فأوقروا سفنهم من المتاع والاموال والنساء وأحرقوا خزانة
القلوع وهى شرع السفن وأحرقوا مسجد الجامع بدمياط وأحرقوا كنائس وكان
من حذر منهم ممن غرق في بحيرة دمياط من النساء والصبيان أكثر ممن سباه الروم
ثم رحل الروم عنها * وذكر أن ابن الاكشف كان محبوسا في سجن دمياط حبسه
عنبسة فكسر قيده وخرج فقاتلهم وأعانه قوم فقتل من الروم جماعة ثم صاروا
إلى أشتوم تنيس فلم يحمل الماء سفنهم اليها فخشوا أن توحل فلما لم يحملهم الماء
صاروا إلى اشتومها وهى مرسى بينه وبين تنيس أربعة فراسخ وأقل وله سور
ـ372ـ
وباب حديد كان المعتصم أمر بعمله فخربوا عامته وأحرقوا ما فيه من المجانيق و العرادات
وأخذوا بابيه الحديد فحملوهما ثم توجهوا إلى بلادهم لم يعرض لهم أحد وخرج المتوكل
في هذه السنة يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة من سامرا يريد المدائن
فصار إلى الشماسية يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة فأقام
هنالك إلى يوم السبت وعبر بالعشى إلى قطربل ثم رجع ودخل بغداد يوم الاثنين
لاحدى عشرة ليلة بقيت منه فمضى في سوقها وشارعها حتى نزل ا لزعفرانية ثم
صار إلى المدائن * وغزا الصائفة فيها على بن يحيى الارمنى ( وحج ) بالناس فيها
على بن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر
* ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما ذكر فيها من ذلك امر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس دراعتين عسليتين
على الاقبية والدراريع في المحرم منها ثم أمره في صفر بالاقتصار في مراكبهم على
ركوب البغال والحمر دون الخيل والبراذين ( وفيها ) نفى المتوكل على بن الجهم
ابن بدر إلى خراسان ( وفيها ) قتل صاحب الصنارية بباب العامة في جمادى الآخرة
منها ( وفيها ) أمر المتوكل بهدم البيع المحدثة في الاسلام ( وفيها ) مات أبوالوليد
محمد بن أحمد بن أبى دؤاد ببغداد في ذى الحجة ( وفيها ) غزا الصائفة على بن يحيى
الارمنى ( وحج ) بالناس فيها عبدالله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد
ابن على وكان والى مكة ( وفيها ) حج جعفر بن دينار وكان والى طريق مكة
مما يلى الكوفة فولى أحداث الموسم ( وفيها ) اتفق شعانين النصارى ويوم
النيروز وذلك يوم الاحد لعشرين ليلة خلت من ذى القعدة فذكر أن النصارى
زعمت أنهما لم يجتمعا في الاسلام قط
ـ373ـ
* ثم دخلت سنة أربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما ذكر فيها من ذلك وثوب أهل حمص بعاملهم على المعونة
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما آل اليه أمرهم ووثوبهم
ذكر أن عاملهم على المعونة قتل رجلا كان من رؤسائهم وكان العامل يومئذ
أ بوالمغيث الرافعى موسى بن ابراهيم فوثب أهل حمص في جمادى الآخرة من هذه
السنة فقتلوا جماعة من أصحابه ثم أخرجوه وأخرجوا صاحب الخراج من مدينتهم
فبلغ ذلك المتوكل فوجه اليهم عتاب بن عتاب ووجه معه محمد بن عبدويه كرداس
الانبارى وأمره أن يقول لهم إن أمير المؤمنين قد أبدلكم رجلا مكان رجل
فان سمعوا وأطاعوا ورضوا فول عليهم محمد بن عبدويه إن أبواو ثبتوا على الخلاف
فأقم بمكانك واكتب إلى أمير المؤمنين حتى يوجه اليك رجاء أو محمد بن رجاء
الحضارى أو غيره من الخيل لمحاربتهم فخرج عتاب بن عتاب من سامرا يوم الاثنين
لخمس بقين من شهر جمادى الآخرة فرضوا بمحمد بن عبدويه فولاه عليهم فعمل
فيهم الاعاجيب ( وفيها ) مات أحمد بن أبى دؤاد ببغداد في المحرم بعد ابنه أبى
الوليد محمد وكان ابنه محمد توفى قبله بعشرين يوما في ذى الحجة ببغداد ( وفيها )
عزل يحيى بن أكثم عن القضاء في صفر وقبض منه ما كان له ببغداد ومبلغه خمسة
وسبعون ألف دينار ومن اسطوانة في داره ألفا دينار وأربعة آلاف جريب
بالبصرة ( وفيها ) ولى جعفر بن عبدالواحد بن جعفر بن سليمان بن على القضاء
على القضاة في صفر ( وحج ) بالناس في هذه السنة عبدالله بن محمد بن داود وحج
جعفر بن دينار وهو والى الاحداث بالموسم
* ثم دخلت سنة احدى وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من وثوب أهل حمص بعاملهم على المعونة وهو محمد بن عبدويه
ـ374ـ
* ذكر الخبر عما كان من أمرهم فيها وما آل اليه الامر بينهم *
ذكر أن أهل حمص وثبوا في جمادى الآخرة من هذه السنة بمحمد بن عبدويه
عاملهم على المعونة وأعانهم على ذلك قوم من نصارى حمص فكتب بذلك إلى المتوكل
فكتب اليه يأمره بمناهضتهم وأمده بجند من راتبة دمشق مع صالح العباسى التركى
وهو عامل دمشق وجند من جند الرملة فأمره أن يأخذ من رؤسائهم ثلاثة نفر
فيضربهم بالسياط ضرب التلف فاذا ماتوا صلبهم على أبوابهم وأن يأخذ بعد ذلك
من وجوههم عشرين انسانا فيضربهم ثلثمائة سوط كل واحد منهم ويحملهم في الحديد
إلى باب أمير المؤمنين وأن يخرب ما بها من الكنائس والبيع وأن يدخل البيعة
التى إلى جانب مسجدها في المسجد وأن لا يترك في المدينة نصرانيا الا أخرجه منها
وينادى فيهم قبل ذلك فمن وجده فيها بعد ثلاثة أحسن أدبه وأمر لمحمد بن عبدويه
بخمسين ألف درهم وأمر لقواده ووجوه أصحابه بصلات وأمر لخليفته على بن
الحسين بخمسة عشرة ألف درهم ولقواده بخمسة آلاف خمسة آلاف درهم وأمر
بخلع فأخذ محمد بن عبدويه عشرة منهم فكتب بأخذهم وأنه قد حملهم إلى دار
أمير المؤمنين ولم يضربهم فوجه المتوكل رجلا من أصحاب الفتح بن خاقان يقال
له محمد بن رزق الله ليرد من الذين وجه بهم ابن عبدويه محمد بن عبد الحميد الحيدى
والقاسم بن موسى بن فوعوس إلى حمص وأن يضربهما ضرب التلف ويصلبهما
على باب حمص فردهما وضربهما بالسياط حتى ماتا وصلبهما على باب حمص وقدم
بالآخرين سامرا وهم ثمانية فلما صاروا مات واحد منهم فأخذ المتوكل بهم رأسه
وقدم بسبعة منهم سامرا وبرأس الميت ثم كتب محمد بن عبدويه أنه أخذ عشرة
نفر منهم بعد ذلك وضرب منهم خمسة نفر بالسياط فماتوا ثم ضرب خمسة فلم يموتوا
ثم كتب محمد بن عبدويه بعد ذلك أنه ظفر برجل منهم من المخالفين يقال له عبدالملك
ابن اسحاق بن عمارة وكان فيما ذكر رأسا من رؤس الفتنة فضربه بباب حمص
بالسياط حتى مات وصلبه على حصن يعرف بتل العباس ( وفى هذه السنة )
مطر الناس فيما ذكر بسامرا مطرا جوادا في آب ( وفيها ) ولى القضاء بالشرقية
ـ375ـ
في المحرم أبوحسان الزيادى ( وفيها ) ضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم
صاحب خان عاصم ببغداد ضرب فيما قيل ألف سوط
* ذكر الخبر عن سبب ضربه وما كان من أمره في ذلك *
وكان السبب في ذلك أنه شهد عند أبى حسان الزيادى قاضى الشرقية عليه
أنه شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة سبعة عشر رجلا شهاداتهم فيما ذكر مختلفة
من هذا النحو فكتب بذلك صاحب بريد بغداد إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان
فأنهى عبيد الله ذلك إلى المتوكل فأمر المتوكل أن يكتب إلى محمد بن عبدالله بن
طاهر يأمره بضرب عيسى هذا بالسياط فإذا مات رمى به في دجلة ولم تدفع جيفته
إلى أهله فكتب عبيد الله إلى الحسن بن عثمان جواب كتابه إليه في عيسى
( بسم الله الرحمن الرحيم ) أبقاك الله وحفظك وأتم نعمته عليك وصل كتابك
في الرجل المسمى عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب الخانات وما شهد به
الشهود عليه من شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنهم وإكفارهم
ورميهم بالكبائر ونسبتهم إلى النفاق وغير ذلك مما خرج به إلى المعاندة لله ولرسوله
صلى الله عليه وسلم وتثبتك في أمر أولئك الشهود وما شهدوا به وما صح عندك
من عدالة من عدل منهم ووضح لك من الامر فيما شهدوا به وشرحك ذلك في
رقعة درج كتابك فعرضت على أمير المؤمنين أعزه الله ذلك فأمر بالكتاب إلى
أبى العباس محمد بن عبدالله بن طاهر مولى أمير المؤمنين أبقاه الله بما قد نفذ إليه
مما يشبه ما عنده أبقاه الله من نصرة دين الله وإحياء سنته والانتقام ممن ألحد
فيه وأن يضرب الرجل حدا في مجمع الناس حد الشتم وخمسمائة سوط بعد الحد
للامور العظام التى اجترأ عليها فإن مات ألقى في الماء من غير صلاة ليكون ذلك ناهيا
لكل ملحد في الدين خارج من جماعة المسلمين وأعلمتك ذلك لتعرفه إن شاء الله
تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته * وذكر أن عيسى بن جعفر بن محمد بن
عاصم هذا وقد قال بعضهم إن اسمه أحمد بن محمد بن عاصم لما ضرب ترك في
الشمس حتى مات ثم رمى به في دجلة ( وفى هذه السنة ) انقضت الكواكب
ـ376ـ
ببغداد وتناثرت وذلك ليلة الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة ( وفيها ) وقع
بها الصدام فنفقت الدواب والبقر ( وفيها ) أغارت الروم على عين زربة فأسرت
من كان بها من الزط مع نسائهم وذراريهم وجواميسهم وبقرهم ( وفيها ) كان
الفداء بين المسلمين والروم
* ذكر الخبر عن السبب الذى كان من أجله *
ذكر أن تذورة صاحبة الروم أم ميخائيل وجهت رجلا يقال له جورجيس
ابن فرنافس يطلب الفدى لمن في أيدى الروم من المسلمين وكان المسلمون قد
قاربوا عشرين ألفا فوجه المتوكل رجلا من الشيعة يقال له نصر بن الازهر بن
فرج ليعرف صحة من في أيدى الروم من أسارى المسلمين ليأمر بمفاداتهم وذلك
في شعبان من هذه السنة . . . بعد أن أقام عندهم حينا فذكر أن تذورة
أمرت بعد خروج نصر بعرض أسراها وإعراض التنصر عليهم فمن تنصر منهم
كان أسوة من تنصر قبل ذلك ومن أبى عليها قتلته فذكر أنها قتلت من الاسرى
اثنى عشر ألفا ويقال إن قنقلة الخصى كان يقتلهم من غير أمرها ونفذ كتاب
المتوكل إلى عمال الثغور الشامية والجزرية أن شنيفا الخادم قد جرى بينه وبين
جورجس رسول عظيم الروم في أمر الفداء قول وقد اتفق الامر بينهما وسأل
جورجس هذا هدنة لخمس ليال تخلو من رجب سنة 241 إلى سبع ليال بقين من
شوال من هذه السنة ليجمعوا الاسرى ولتكون مدة لهم إلى انصرافهم إلى مأمنهم
فنفذ الكتاب بذلك يوم الاربعاء لخمس خلون من رجب وكان الفداء يقع في يوم
الفطر من هذه السنة وخرج جورجس رسول ملكة الروم إلى ناحية الثغور
يوم السبت لثمان بقين من رجب على سبعين بغلا اكتريت له وخرج معه أبوقحطبة
المغربى الطرطوسى لينظروا وقت الفطر وكان جورجيس قدم معه جماعة من
البطاركة وغلمانه بنحو من خمسين إنسانا وخرج شنيف الخادم للفداء في النصف
من شعبان معه مائة فارس ثلاثون من الاتراك وثلاثون من المغاربة
وأربعون من فرسان الشاكرية فسأل جعفر بن عبدالواحد وهو
ـ377ـ
قاضى القضاة أن يؤذن له في حضور الفداء وأن يستخلف رجلا يقوم مقامه
فأذن له وأمر له بمائة وخمسين ألفا معونة وأرزاق ستين ألفا فاستخلف ابن
أبى الشوارب وهو يومئذ فتى حدث السن وخرج فلحق شنيفا وخرج أهل بغداد
من أوساط الناس فذكر أن الفداء وقع من بلاد الروم على نهر اللامس
يوم الاحد لاثنتى عشرة ليلة خلت من شوال سنة 241 فكان أسرى المسلمين
سبعمائة وخمسة وثمانين إنسانا ومن النساء مائة وخمس وعشرين امرأة ( وفى هذه
السنة ) جعل المتوكل كورة شمشاط عشرا ونقلهم من الخراج إلى العشر وأخرج
لهم بذلك كتابا ( وفى هذه السنة ) غارت البجة على حرس من أرض مصر فوجه
المتوكل لحربهم محمد بن عبدالله القمى
* ذكر الخبر عن أمرهم وما آلت إليه حالهم *
ذكر أن البجة كانت لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم قديمة
قد ذكرنا فيما مضى قبل من كتابنا هذا وهم جنس من أجناس الحبش بالمغرب
وبالمغرب من السودان البجة والنوبة وأهل غانة الغافر وبينور ورعوين والفروية
ويكسوم ومكاره أكرم والخمس وفى بلاد البجة معادن ذهب فهم يقاسمون من يعمل
فيها ويؤدون إلى عمال السلطان من مصر في كل سنة عن معادنهم أربعمائة مثقال تبر
قبل أن يطبخ ويصفى فلما كان أيام المتوكل امتنعت البجة عن أداء ذلك الخراج سنين
متوالية فذكر أن المتوكل ولى بريد مصر رجلا من خدمه يقال له يعقوب بن ابراهيم
الباذغيسى مولى الهادى وهو المعروف بقوصرة وجعل اليه بريد مصر و الاسكندرية
وبرقة ونواحى المغرب فكتب يعقوب إلى المتوكل أن البجة قد نقضت العهد الذى كان
بينها وبين المسلمين وخرجت من بلادها إلى معادن الذهب والجوهر وهى على
التخوم فيما بين أرض مصر وبلاد البجة فقتلوا عدة من المسلمين ممن كان يعمل في
المعادن ويستخرج الذهب والجوهر وسبوا عدة من ذراريهم ونسائهم وذكروا
أن المعادن لهم في بلادهم وأنهم لا يأذنون للمسلمين في دخولها وأن ذلك أوحش
جميع من كان يعمل في المعادن من المسلمين فانصرفوا عنها خوفا على أنفسهم وذراريهم
ـ378ـ
فانقطع بذلك ما كان يؤخذ للسلطان بحق الخمس من الذهب والفضة والجوهر
الذى يستخرج من المعادن فاشتد انكار المتوكل لذلك وأحفظه وشاور في أمر
البجة فأنهى اليه بأنهم قوم أهل بدو وأصحاب ابل وماشية وان الوصول إلى بلادهم
صعب لا يمكن أن يسلك اليهم الجيوش لانها مفاوز وصحارى وبين أرض الاسلام
وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة لا ماء فيها ولازرع ولامعقل ولا
حصن وأن من يدخلها من أولياء السلطان يحتاج أن يتزود لجميع المدة التى يتوهم
أن يقيمها في بلادهم إلى أن يخرج إلى أرض الاسلام فان امتد به المقام حتى يتجاوز
تلك المدة هلك وجميع من معه وأخذتهم البجة بالايدى دون المحاربة وأن أرضهم
أرض لا ترد على السلطان شيئا من خراج ولاغيره فامسك المتوكل عن التوجيه
اليهم وجعل أمرهم يتزيد وجرأتهم على المسلمين تشتد حتى خاف أهل الصعيد من
أرض مصر على أنفسهم وذراريهم منهم فولى المتوكل محمد بن عبدالله المعروف
بالقمى محاربتهم وولاه معاون تلك الكور وهى قفط والاقصر وإسنا وأرمنت
وأسوان وتقدم اليه في محاربة البجة وأن يكاتب عنبسة بن اسحاق الضبى العامل على
حرب مصر وكتب إلى عنبسة باعطائه جميع ما يحتاج اليه من الجند والشاكرية
المقيمين بمصر فازاح عنبسة علته في ذلك وخرج إلى أرض البجة وانضم اليه جميع
من كان يعمل في المعادن وقوم كثير من المطوعة فكانت عدة من معه نحوا من
عشرين ألف انسان بين فارس وراجل ووجه القلزم فحمل في البحر سبعة مراكب
موقرة بالدقيق والزيت والتمر والسويق والشعير وأمر قوما من أصحابه أن يلججوا
بها في البحر حتى يوافوه في ساحل البحر من أرض البجة فلم يزل محمد بن عبدالله
القمى يسير في أرض البجة حتى جاوز المعادن التى يعمل فيها الذهب وصار إلى
حصونهم وقلاعهم وخرج اليه ملكهم واسمه على بابا واسم ابنه لعيس في جيش
كثير وعدد أضعاف من كان مع القمى من الناس وكانت البجة على ابلهم ومعهم
الحراب وابلهم فره تشبه بالمهارى في النجابة فجعلوا يلتقون أياما متوالية فيتناوشون
ولا يصححون المحاربة وجعل ملك البجة يتطارد للقمى لكى تطول الايام طمعا
ـ379ـ
في نفاد الزاد والعلوفة التى معهم فلا يكون لهم قوة ويموتون هزلا فيأخذهم البجة
بالايدى فلما توهم عظيم البجة أن الازواد قد نفدت أقبلت السبع المراكب التى حملها
القمى حتى خرجت إلى ساحل من سواحل البحر في موضع يعرف بصنجة فوجه
القمى إلى هنالك جماعة من أصحابه يحمون المراكب من البجة وفرق ما كان فيها
على أصحابه واتسعوا في الزاد والعلوفة فلما رأى ذلك على بابا رئيس البجة قصد
لمحاربتهم وجمع لهم فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت الابل التى يحاربون عليها
ابلا زعرة تكثر الفزع والرعب من كل شئ فلما رأى ذلك القمى جمع أجراس
الابل والخيل التى كانت في عسكره كلها فجعلها في أعناق الخيل ثم حمل على البجة
فنفرت ابلهم لاصوات الاجراس واشتد رعبها فحملتهم على الجبال والاودية
فمزقتهم كل ممزق واتبعهم القمى بأصحابه فأخذهم قتلا وأسرا حتى أدركه الليل وذلك
في أول سنة 241 ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على احصاء القتلى لكثرتهم فلما
أصبح القمى وجدهم قد جمعوا جمعا من الرجالة ثم صاروا إلى موضع أمنوا فيه طلب
القمى فوافاهم القمى في الليل في خيله فهرب ملكهم فأخذ تاجه ومتاعه ثم طلب
على بابا الامان على أن يرد إلى مملكته وبلاده فأعطاه القمى ذلك فأدى اليه
الخراج للمدة التى كان منعها وهى أربع سنين لكل سنة أربعمائة مثقال واستخلف
على بابا على مملكته ابنه لعيس وانصرف القمى بعلى بابا إلى باب المتوكل فوصل اليه
في آخر سنة 241 فكسا على بابا هذا دراعة ديباج وعمامة سوداء وكسا جمله
رجلا مدبجا وجلال ديباج ووقف بباب العامة مع قوم من البجة نحو من سبعين
غلاما على الابل بالرحال ومعهم الحراب في رؤس القوم الذين قتلوا من عسكرهم
قتلهم القمى فأمر المتوكل أن يقبضوا من القمى يوم الاضحى من سنة 241 وولى
المتوكل البجة وطريق مابين مصر ومكة سعدا الخادم الايتاخى فولى سعد محمد
ابن عبدالله القمى فخرج القمى بعلى بابا وهو مقيم على دينه فذكر بعضهم أنه رأى
معه صنما من حجارة كهيئة الصبى يسجد له ( ومات ) في هذه السنة يعقوب بن
ابراهيم المعروف بقوصرة في جمادى الآخرة ( وحج ) بالناس في هذه السنة عبدالله
ـ380ـ
ابن محمد بن داود وحج جعفر بن دينار فيها وهو والى طريق مكة واحداث الموسم
* ثم دخلت سنة اثنين وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك الزلازل الهائلة التى كانت بقومس ورساتيقها في شعبان فتهدمت فيها
الودر ومات من الناس به مما سقط عليهم من الحيطان وغيرها بشر كثير ذكر أنه بلغت
عدتهم خمسة وأربعين ألفا وستة وتسعين نفسا وكان عظم ذلك بالدامغان وذكر أنه
كان بفارس وخراسان والشأم في هذه السنة زلازل وأصوات منكرة وكان
باليمن أيضا مثل ذلك مع خسف بها ( وفيها ) خرجت الروم من ناحية شمشاط
بعد خروج على بن يحيى الارمنى من الصائفة حتى قاربوا آمد ثم خرجوا من
الثغور الجزرية فانتهبوا عدة قرى وأسروا نحوا من عشرة آلاف إنسان وكان
دخولهم من ناحية أبريق قرية قريباس ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم فخرج
قربياس وعمر بن عبد الله الاقطع وقوم من المتطوعة في أثرهم فلم يلحقوا منهم
أحدا فكتب إلى على بن يحيى أن يسير إلى بلادهم شاتيا ( وفيها ) قتل المتوكل
عطاردا رجلا كان نصرانيا فأسلم فمكث مسلما سنين كثيرة ثم ارتد فاستتيب
فأبى الرجوع إلى الاسلام فضربت عنقه لليلتين خلتا من شوال وأحرق بباب
العامة ( وفى هذه السنة ) مات أبوحسان الزيادى قاضى الشرقية في رجب
( وفيها ) مات الحسن بن على بن الجعد قاضى مدينة المنصور ( وحج ) بالناس
فيها عبدالصمد بن موسى بن محمد بن ابراهيم الامام ابن محمد بن على وهو والى مكة
وحج فيها جعفر بن دينار وهو والى طريق مكة وأحداث الموسم
* ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
( ففيها ) كان شخوص المتوكل إلى دمشق لعشر بقين من ذى القعدة
فضحى ببلد فقال يزيد بن محمد المهلبى حين خرج
ـ381ـ
أظن الشأم تشمت بالعراق * إذا عزم الامام على انطلاق
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 381 سطر 1 الى ص 390 سطر 24
أظن الشأم تشمت بالعراق * إذا عزم الامام على انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيها * فقد تبلى المليحة بالطلاق
( وفيها ) مات ابراهيم بن العباس فولى ديوان الضياع الحسن بن مخلد
ابن الجراح خليفة إبراهيم في شعبان ومات هاشم بن بنجور في ذى الحجة
( وحج ) بالناس فيها عبدالصمد بن موسى وحج جعفر بن دينار وهو والى
طريق مكة وأحداث الموسم
* ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك دخول المتوكل دمشق في صفر وكان من لدن شخص من سامرا
إلى أن دخلها سبعة وتسعون يوما وقيل سبعة وسبعون يوما وعزم على المقام بها ونقل
دواو بن الملك اليها وأمر بالبناء بها فتحرك الاتراك في أرزاقهم وأرزاق عيالاتهم
فامر لهم بما أرضاهم . ثم استوبأ البلد وذلك أن الهواء بها بارد ندى والماء
ثقيل والريح تهب فيها مع العصر فلا تزال تشتد حتى يمضى عامة الليل وهى كثيرة
البراغيث وغلت فيها الاسعار وحال الثلج بين السابلة والمبرة ( وفيها ) وجه
المتوكل بغا من دمشق لغزو الروم في شهر ربيع الآخر فغزا الصائفة فافتتح صمله
وأقام المتوكل بدمشق شهرين وأياما ثم رجع إلى سامرا فأخذ في منصرفه على
الفرات ثم عدل إلى الانبار ثم عدل من الانبار على طريق الحرف اليها فدخلها يوم
الاثنين لسبع بقين من جمادى الآخرة ( وفيها ) عقد المتوكل لابى الساج على
طريق مكة مكان جعفر بن دينار فيما زعم بعضهم والصواب عندى أنه عقد له
على طريق مكة في سنة 242 ( وفيها ) أتى المتوكل فيما ذكر بحربة كانت
للنبى صلى الله عليه وسلم تسمى العنزة ذكر أنها كانت للنجاشى ملك الحبشة
فوهبها للزبير بن العوام فأهداها الزبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت
عند المؤذنين وكان يمشى بها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين
ـ382ـ
وكانت تركز بين يديه في الفناء فيصلى اليها فأمر المتوكل بحملها بين يديه فكان
يحملها بين يديه صاحب الشرطة ويحمل حربته خليفة صاحب الشرطة ( وفيها )
غضب المتوكل على بختيشوع وقبض ماله ونفاه إلى البحرين فقال أعرابى
يا سخطة جاءت على مقدار * ثار له الليث على اقتدار
منه وبختيشوع في اغترار * لما سعى بالسادة الاقمار
بالامراء القادة الابرار * ولاة عهد السيد المختار
وبالموالى وبنى الاحرار * رمى به في موحش القفار
بساحل البحرين للصغار
( وفى هذه السنة ) اتفق عيد المسلمين الاضحى وشعانين النصارى وعيد
الفطر لليهود ( وحج ) بالناس فيها عبدالصمد بن موسى
* ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
( ففيها ) أمر المتوكل ببناء الماحوزة وسماها الجعفرى وأقطع القواد وأصحابه
فيها وجد في بنائها وتحول إلى المحمدية ليتم أمر الماحوزة وأمر بنقض القصر
المختار والبديع وحمل ساجهما إلى الجعفرى وأنفق عليها فيما قيل أكثر من
ألفى ألف دينار وجمع فيها القراء فقرؤا وحضر أصحاب الملاهى فوهب لهم ألفى ألف
درهم وكان يسميها هو وأصحابه الخاصة المتوكلية وبنى فيها قصرا سماه لؤلؤة لم
ير مثله في علوه وأمر بحفر نهر يأخذ رأسه خمسة فراسخ فوق الماحوزة من
موضع يقال له كرمى يكون شربا لما حولها من فوه النهر اليها وأمر بأخذ جبلتا
والخصاصة العليا والسفلى وكرمى وحمل أهلها على بيع منازلهم وأرضهم فأجبروا
على ذلك حتى تكون الارض والمنازل في تلك القرى كلها له ويخرجهم عنها وقدر
للنهر من النفقة مائتى ألف دينار وصير النفقة عليه إلى دليل بن يعقوب النصرانى
كاتب بغا في ذى الحجة من سنة 245 وألقى في حفر النهر اثنى عشر
ألف رجل يعملون فيه فلم يزل دليل يعتمل فيه ويحمل المال بعد المال
ـ383ـ
ويقسم عامته في الكتاب حتى قتل المتوكل فبطل النهر وأخربت الجعفرية ونقضت
ولم يتم أمر النهر ( وزلزلت ) في هذه بلاد المغرب حتى تهدمت الحصون
والمنازل والقناطر فأمر المتوكل بتفرقة ثلاثة آلاف ألف درهم في الذين أصيبوا
بمنازلهم وزلزل عسكر المهدى ببغداد فيها وزلزلت المدائن ( وبعث ) ملك الروم
فيها بأسرى من المسلمين وبعث يسأل المفاداة بمن عنده وكان الذى قدم من قبل
صاحب الروم رسولا إلى المتوكل شيخا يدعى أ طروبيليس معه سبعة وسبعون
رجلا من أسرى المسلمين أهداهم ميخائيل بن توفيل ملك الروم إلى المتوكل
وكان قدومه عليه لخمس بقين من صفر من هذه السنة فأنزل على شنيف الخادم ثم
وجه المتوكل نصر بن الازهر الشيعى مع رسول صاحب الروم فشخص في هذه
السنة ولم يقع الفداء إلا في سنة 46 * وذكر أنه كانت في هذه السنة بأنطاكية
زلزلة ورجفة في شوال قتلت خلقا كثيرا وسقط منها ألف ألف وخمسمائة دار
وسقط من سورها نيف وتسعون برجا وسمعوا أصواتا هائلة لا يحسنون وصفها
من كوى المنازل وهرب أهلها إلى الصحارى وتقطع جبلها الاقرع وسقط في
البحر فهاج البحر في ذلك اليوم وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن وغار منها نهر
على فرسخ لايدرى أين يذهب وسمع فيها فيما قيل أهل تنيس في مصر ضجة دائمة
هائلة فمات منها خلق كثير ( وفيها ) زلزلت بالس والرقة وحران ورأس
عين وحمس ودمشق والرها وطرسوس والمصيصة وأدنة وسواحل الشأم
ورجفت اللاذيقية فما بقى منها منزل ولا أفلت من أهلها إلا اليسير وذهبت جبلة
بأهلها ( وفيها ) غارت مشاش عين مكة حتى بلغ ثمن القربة بمكة ثمانين درهما
فبعثت أم المتوكل فأنفق عليها ( وفيها ) مات إسحاق بن أبى إسرائيل وسوار بن
عبدالله وهلال الرازى ( وفيها ) هلك نجاح بن سلمة
* ذكر الخبر عن سبب هلاكه *
* حدثنى الحارث بن أبى أسامة ببعض ما أنا ذاكره من أخباره وببعض
ذلك غيره أن نجاح بن سلمة كان على ديوان التوقيع والتتبع على العمال وكان قبل
ـ384ـ
ذلك كاتب إبراهيم بن رباح الجوهرى وكان على الضياع فكان جميع العمال يتقونه
ويقضون حوائجه ولا يقدرون على منعه من شئ يريده وكان المتوكل ربما نادمه
وكان انقطاع الحسن بن مخلد وموسى بن عبدالملك إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وهو
وزير المتوكل وكانا يحملان اليه كل ما يأمرهما به وكان الحسن بن خلد على ديوان الضياع
وموسى على ديوان الخراج فكتب نجاح بن سلمة رقعة إلى المتوكل في الحسن وموسى
يذكر أنهما قد خانا وقصرا فيما هما بسبيله وأنه يستخرج منهما أربعين ألف ألف درهم
فأدناه المتوكل وشاربه تلك العشية وقال يا نجاح خذل الله من يخذلك فبكر إلى
غدا حتى أدفعهما اليك فغذا وقد رتب أصحابه وقال يا فلان خذ أنت الحسن
ويا فلان خذ أنت موسى فغدا نجاح إلى المتوكل فلقى عبيد الله وقد أمر عبيد الله
أن يحجب نجاح عن المتوكل فقال له يا أبا الفضل انصرف حتى ننظر وتنظر في
هذا الامر وأنا أشير عليك بأمر لك فيه صلاح قال وما هو قال أصلح بينك
وبينهما وتكتب رقعة تذكر فيها أنك كنت شاربا وأنك تكلمت بأشياء تحتاج
إلى معاودة النظر فيها وأنا أصلح الامر عند أمير المؤمنين فلم يزل يخدعه حتى
كتب رقعة بما أمره به فأدخلها على المتوكل وقال يا أمير المؤمنين قد رجع نجاح
عما قال البارحة وهذه رقعة موسى والحسن يتقبلان به بما كتبا فتأخذ ما ضمنا
عنه ثم تعطف عليهما فتأخذ منهما قريبا مما ضمن لك عنهما فسر المتوكل وطمع
فيما قال له عبيد الله فقال ادفعه اليهما فانصرفا به وأمرا بأخذ قلنسوته عن رأسه
وكانت خزا فوجد البرد فقال ويحك يا حسن قد وجدت البرد فأمر بوضع
قلنسوته على رأسه وصار به موسى إلى ديوان الخراج ووجها إلى ابنيه أبى الفرج
وأبى محمد فأخذ أبوالفرج وهرب أبومحمد ابن بنت حسن بن شنيف وأخذ
كاتبه إسحاق بن سعد بن مسعود القطربلى وعبدالله بن مخلد المعروف بابن البواب
وكان انقطاعه إلى نجاح فأقر لهما نجاح وابنه بنحو من مائة وأربعين ألف دينار
سوى قيمة قصورهما وفرشهما و مستغلاتهما بسامرا وبغداد وسوى ضياع لهما
كثيرة فأمر بقبض ذلك كله وضرب مرارا بالمقارع في غير موضع الضرب نحوا
ـ385ـ
من مائتى مقرعة وغمز وخنق خنقه موسى الفرانق والمعلوف * فأما الحارث
فانه قال عصر خصيتيه حتى مات فأصبح ميتا يوم الاثنين لثمان بقين من ذى القعدة
من هذه السنة فأمر بغسله ودفنه فدفن ليلا وضرب ابنه محمد وعبدالله بن مخلد
وإسحاق بن سعد نحوا من خمسين خمسين فأقر إسحاق بخمسين ألف دينار وأقر
عبدالله بن مخلد بخمسة عشر ألفا دينار وقيل عشرين ألف دينار وكان ابنه أحمد
ابن بنت حسن قد هرب فظفر به بعد موت نجاح فحبس في الديوان وأخذ جميع
ما في دار نجاح وابنه أبى الفرج من متاع وقبضت دورهما وضياعهما حيث كانت
وأخرجت عيالهما وأخذ وكيله بناحية السواد وهو ابن عياش فأقر بعشرين ألف
دينار وبعث إلى مكة في طلب الحسن بن سهل بن نوح الاهوازى وحسن بن
يعقوب البغدادى وأخذ بسببه قوم فحبسوا ( وقد ذكر ) في سبب هلاكه غير
ما قد ذكرناه ذكر أنه كان يضاد عبيد الله بن يحيى بن خاقان وكان عبيد الله متمكنا
من المتوكل واليه الوزارة وعامة أعماله وإلى نجاح توقيع العامة فلما عزم المتوكل
على بناء الجعفرى قال له نجاح وكان في الندماء وقال يا أمير المؤمنين أسمى لك
قوما تدفعهم إلى حتى أستخرج لك منهم أموالا تبنى بها مدينتك هذه فإنه يلزمك
من الاموال في بنائها ما يعظم قدره ويجل ذكره فقال له سمهم فرفع رقعة يذكر
فيها موسى بن عبدالملك وعيسى بن فرخانشاه خليفة الحسن بن مخلد والحسن
ابن مخلد وزيدان بن إبراهيم خليفة موسى بن عبدالملك وعبيد الله بن يحيى وأخويه
عبدالله بن يحيى وزكرياء وميمون بن إبراهيم ومحمد بن موسى المنجم وأخاه أحمد
ابن موسى وعلى بن يحيى بن أبى منصور وجعفر المعلوف مستخرج ديوان الخراج
وغيرهم نحوا من عشرين رجلا فوقع ذلك من المتوكل موقعا أعجبه وقال له اغد
غدوة فلما أصبح لم يشك في ذلك وناظر عبيد الله بن يحيى المتوكل فقال له ياأمير المؤمنين
أراد أن لا يدع كاتبا ولاقائدا ولا عاملا إلا أوقع بهم فمن يقوم بالاعمال يا أمير المؤمنين
وغدا نجاح فأجلسه عبيد الله في مجلسه ولم يؤذن له وأحضر موسى بن عبدالملك
والحسن بن مخلد فقال لهما عبيد الله إنه إن دخل إلى أمير المؤمنين دفعكما إليه
( 25 7 )
ـ386ـ
فقتلكما وأخذ ماتملكان ولكن اكتبا إلى أمير المؤمنين رقعة تقبلان به فيها بألفى
ألف دينار فكتبا رقعة بخطوطهما وأوصلها عبيد الله بن يحيى وجعل يختلف بين
أمير المؤمنين ونجاح وموسى بن عبدالملك والحسن بن مخلد فلم يزل يدخل ويخرج
ويعين موسى والحسن ثم أدخلهما على المتوكل فضمنا ذلك وخرج معهما فدفعه
إليهما جميعا والناس جميعا الخواص والعوام وهما لايشكان أنهما وعبيد الله
ابن يحيى مدفوعون إلى نجاح للكلام الذى دار بينه وبين المتوكل فأخذاه وتولى
تعذيبه موسى بن عبدالملك فحبسه في ديوان الخراج بسامرا وضربه دررا وأمر
المتوكل بكاتبه إسحاق بن سعد وكان يتولى خاص أموره وأمر ضياع بعض الولد
أن يغرم واحدا وخمسين ألف دينار وحلف على ذلك وقال إنه أخذ منى في أيام
الواثق وهو يختلف عن عمر بن فرج خمسين دينارا حتى أطلق أرزاقى فخذوا لكل
دينار ألفا وزيادة ألف فضلا كما أخذ فضلا فحبس ونجم عليه في ثلاثة أنجم ولم يطلق
حتى أدى تعجيل سبعة عشر ألف دينار وأطلق بعد أن أخذ منه كفلاء بالباقى وأخذ
عبدالله بن مخلد فأغرم سبعة عشر ألف دينار ووجه عبيد الله الحسين بن اسماعيل وكان
أحد حجاب المتوكل وعتاب بن عتاب عن رسالة المتوكل أن يضرب نجاح خمسين
مقرعة إن هو لم يقر ويؤد ما وصف عليه فضربه ثم عاوده في اليوم الثانى بمثل
ذلك ثم عاوده في اليوم الثالث بمثل ذلك فقال أبلغ أمير المؤمنين أنى ميت وأمر
موسى بن عبدالملك جعفرا المعلوف ومعه عونان من أعوان ديوان الخراج فعصروا
مذاكيره حتى برد فمات فأصبح فركب إلى المتوكل فأخبره بما حدت من وفاة
نجاح فقال لهما المتوكل إنى أريد مالى الذى ضمنتماه فاحتالاه فقبضا من أمواله
وأموال ولده جملة وحبسا أبا الفرج وكان على ديوان زمام الضياع من قبل
أبى صالح بن يزداد وقبضا أمتعته كلها وجميع ملكه وكتبا على ضياعه لامير المؤمنين
وأخذا ما أخذا من أصحابه فكان المتوكل كثيرا ما يقول لهما كلما شرب ردوا على
كاتبى وإلا فهاتوا المال وضم توقيع ديوان العامة إلى عبيد الله بن يحيى فاستخلف
عليه يحيى بن عبدالرحمن بن خاقان ابن عمه ومكث موسى بن عبدالملك والحسن
ـ387ـ
ابن مخلد على ذلك يطالبهما المتوكل بالاموال التى ضمناها من قبل نجاح فما أتى على
ذلك إلا يسيرا حتى ركب موسى بن عبدالملك يشيع المنتصر من الجعفرى وهو
يريد سامرا إلى منزله الذى ينزله بالجوسق فبلغه معه ساعة ثم انصرف راجعا
فبينا هو يسير إذ صاح بمن معه خذونى فبدروه فسقط على أيديهم مفلوجا فحمل
إلى منزله فمكث يومه وليلته ثم توفى فصير على ديوان الخراج أيضا عبيد الله
ابن يحيى بن خاقان فاستخلف عليه أحمد بن إسرائيل كاتب المعتز وكان أيضا خليفته
على كتابة المعتز فقال القصافى
ما كان يخشى نجاح صولة الزمن * حتى أديل لموسى منه والحسن
غدا على نعم الاحرار يسلبها * فراح وهو سليب المال والبدن
( وفيها ) ضرب بختيشوع المتطيب مائة وخمسين مقرعة وأثقل بالحديد وحبس
في المطبق في رجب ( وفيها ) أغارت الروم على سميساط فقتلوا وسبوا نحوا
من خمسمائة وغزا على بن يحيى الارمنى والصائفة ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من
الصعود إليها ثلاثين يوما فبعث ملك الروم إليهم بطريقا يضمن لكل رجل منهم
ألف دينار على أن يسلموا إليه لؤلؤة فأصعدوه إليهم ثم أعطوا أرزاقهم الفائتة
وما أرادوا فسلموا لؤلؤة والبطريق إلى بلكاجور في ذى الحجة وكان البطريق
الذى كان صاحب الروم وجهه إليهم يقال له لغثيط فلما دفعه أهل لؤلؤة إلى
بلكاجور وقيل إن على بن يحيى الارمنى حمله إلى المتوكل فدفعه المتوكل إلى الفتح
ابن خاقان فعرض عليه الاسلام فأبى فقالوا نقتلك فقال أنتم أعلم وكتب ملك
الروم يبذل مكانه ألف رجل من المسلمين ( وحج ) بالناس في هذه السنة محمد
ابن سليمان بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم الامام وهو يعرف بالزينبى وهو والى
مكة * وكان نيروز المتوكل الذى أرفق أهل الخراج بتأخيره إياه عنهم فيها يوم السبت
لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول ولسبع عشرة ليلة خلت من
حزيران ولثمان وعشرين من أرديوهشت ماه فقال البحترى الطائى
إن يوم النيروز عاد إلى العه * د الذى كان سنه أردشير
ـ388ـ
* ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك غزو عمر بن عبدالله الاقطع الصائفة فأخرج سبعة آلاف رأس وغزوة
قربياس فأخرج خمسة آلاف رأس وغزو الفضل بن قارن بحرا في عشرين مركبا
فافتتح حصن أنطاكيه وغزوة بلكاجور فغنم وسبى وغزو على بن يحيى الارمنى
الصائفة فأخرج خمسة آلاف رأس ومن الدواب والرمك والحمير نحوا من
عشرة آلاف ( وفيها ) تحول المتوكل إلى المدينة التى بناها الماحوزة فنزلها
يوم عاشوراء من هذه السنة ( وفيها ) كان الفداء في صفر على يدى على بن يحيى
الارمنى ففودى بألفين وثلثمائة وسبعة وستين نفسا وقال بعضهم لم يتم الفداء في
هذه السنة إلا في جمادى الاولى * وذكر عن نصر بن الازهر الشيعى وكان
رسول المتوكل إلى ملك الروم في أمر الفداء أنه قال لما صرت إلى ال قسطنطينية
حضرت دار ميخائيل الملك بسوادى وسيفى وخنجرى وقلنسوتى فجرت بينى وبين
خال الملك بطرناس المناظرة وهو القيم بشأن الملك وأبوا أن يدخلونى بسيفى
وسوادى فقلت أنصرف فانصرفت فرددت من الطريق ومعى الهدايا نحو من ألف
نافجة مسك وثياب حرير وزعفران كثير وطرائف وقد كان أذن لوفود برجان
وغيرهم ممن ورد عليه وحملت الهدايا التى معى فدخلت عليه فاذا هو على سرير فوق
سرير وإذا البطارقة حوله قيام فسلمت ثم جلست على طرف السرير الكبير وقد
هئ لى مجلس ووضعت الهدايا بين يديه وبين يديه ثلاثة تراجمة غلام فراش كان
لمسرور الخادم وغلام لعباس بن سعيد الجوهرى وترجمان له قديم يقال له سرحون
فقالوا لى ما نبلغه قلت لا تزيدون على ما أقول لكم شيئا فأقبلوا يترجمون ما أقول
فقبل الهدايا ولم يأمر لاحد منها بشئ وقربنى وأكرمنى وهيأ لى منزلا بقربه
فخرجت فنزلت في منزلى وأتاه أهل لؤلؤة برغبتهم في النصرانية وأنهم معه ووجهوا
برجلين ممن فيها رهينة من المسلمين * قال فتغافل عنى نحوا من أربعة أشهر حتى
ـ389ـ
أتاه كتاب مخالفة أهل لؤلؤة وأخذهم رسله واستيلاء العرب عليها فراجعوا مخاطبتى
وانقطع الامر بينى وبينهم في الفداء على أن يعطوا جميع من عندهم وأعطى جميع
من عندى وكانوا أكثر من ألف قليلا وكان جميع الاسرى الذين في أيديهم أكثر
من ألفين منهم عشرون امرأة معهن عشرة من الصبيان فأجابونى إلى المحالفة
فاستخلفت خاله فخلف عن ميخائيل فقلت أيها الملك قد حلف لى خالك فهذه اليمين
لازمة لك فقال برأسه نعم ولم أسمعه يتكلم بكلمة منذ دخلت بلاد الروم إلى
أن خرجت منها إنما يقول الترجمان وهو يسمع فيقول برأسه نعم أولا وليس
يتكلم وخاله المدبر أمره ثم خرجت من عنده بالاسرى بأحسن حال حتى إذا جئنا
موضع الفداء أطلقنا هؤلاء جملة وكان عداد من صار في أيدينا من
المسلمين أكثر من ألفين منهم عدة ممن كان تنصر وصار في أيديهم أكثر من ألف
قليلا وكان قوم تنصروا فقال لهم ملك الروم لا أقبل منكم حتى تبلغوا موضع الفداء
فمن أراد أن أقبله في النصرانية فليرجع من موضع الفداء وإلا فليضمن ويمض مع
أصحابه وأكثر من تنصر أهل المغرب وأكثر من تنصر بال قسطنطينية وكان هنالك
صائغان قد تنصرا فكانا يحسنان إلى الاسرى فلم يبق في بلاد الروم من المسلمين
ممن ظهر عليه الملك إلا سبعة نفر خمسة اتى بهم من سقلية أعطيت فداءهم على أن
يوجه بهم إلى سقلية ورجلين كانا من رهائن لؤلؤة فتركهما قلت اقتلوهما فانهما
رغبا في النصرانية * ومطر أهل بغداد في هذه السنة واحدا وعشرين يوما في
شعبان ورمضان حتى نبت العشب فوق الاجاجير وصلى المتوكل فيها صلاة الفطر
بالجعفرية وصلى عبد الصمد بن موسى في مسجد جامعها ولم يصل بسامرا أحد *
وورد فيها الخبر أن سكة بناحية بلخ تنسب إلى الدهاقين مطرت دما عبيطا
( وحج ) بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبى وحج فيها محمد بن عبدالله
ابن طاهر فولى أعمال الموسم وضحى أهل سامرا فيها يوم الاثنين على الرؤية وأهل
مكة يوم الثلاثاء
ـ390ـ
* ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك مقتل المتوكل
* ( ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف قتل ) *
( قال أبوجعفر ) ذكر لى أن سبب ذلك كان أن المتوكل كان أمر بانشاء
الكتب بقبض ضياع وصيف باصبهان والجبل وأقطاعها الفتح بن خاقان فكتبت
الكتب بذلك وصارت إلى الخاتم على أن تتقدم يوم الخميس لخمس خلون من
شعبان فبلغ ذلك وصيفا واستقر عنده الذى أمر به في أمره وكان المتوكل أراد
أن يصلى بالناس في يوم الجمعة في شهر رمضان في آخر جمعة منه وكان قد شاع في
الناس في أول رمضان أن أمير المؤمنين يصلى في آخر جمعة من الشهر بالناس فاجتمع الناس
لذلك واحتشدوا وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا هو ركب
فلما كان يوم الجمعة أراد الركوب للصلاة فقال له عبيد الله بن يحيى والفتح
ابن خاقان يا أمير المؤمنين إن الناس قد اجتمعوا وكثروا من أهل بيتك وبعض
متظلم وبعض طالب حاجة وأمير المؤمنين يشكو ضيق الصدر ووعكة فان
رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهود بالصلاة ونكون معه جميعا فليفعل
فقال قد رأيت ما رأيتما فأمر المنتصر بالصلاة فلما نهض المنتصر ليركب للصلاة
قالا يا أمير المؤمنين قد رأينا وأمير المؤمنين أعلى عينا قال وما هو اعرضاه
على قال يا أمير المؤمنين مر أبا عبدالله المعتز بالله بالصلاة لتشرفه بذلك في هذا
اليوم الشريف فقد اجتمع أهل بيته والناس جميعا فقد بلغ الله به * قال وقد كان
ولد للمعتز قبل ذلك بيوم فأمر المعتز فركب وصلى بالناس فأقام المنتصر في منزله
وكان بالجعفرية وكان ذلك مما زاد في إغرائه فلما فرغ المعتز من خطبته قام اليه
عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان فقبلا يديه ورجليه وفرغ المعتز من الصلاة
فانصرف وانصرفا معه ومعهم الناس في موكب الخلافة والعالم بين يديه حتى دخل
ـ391ـ
على أبيه وهما معه ودخل معه داود بن محمد بن أبى العباس الطوسى فقال داود
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 391 سطر 1 الى ص 400 سطر 25
على أبيه وهما معه ودخل معه داود بن محمد بن أبى العباس الطوسى فقال داود
يا أمير المؤمنين ائذن لى فأتكلم قال قل فقال والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت الامين
والمأمون والمعتصم صلوات الله عليهم ورأيت الواثق بالله فوالله ما رأيت رجلا
على منبر أحسن قواما ولا أحسن بديها ولاأجهر صوتا ولا أعذب لسانا ولا
أخطب من المعتز بالله أعزه الله يا أمير المؤمنين ببقائك وأمتعك الله وإيانا بحياته فقال له
المتوكل أسمعك الله خيرا وأمتعنا بك فلما كان يوم الاحد وذلك يوم الفطر وجد المتوكل
فترة فقال مروا المنتصر فليصل بالناس فقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان يا أمير
المؤمنين قد كان الناس تطلعوا إلى رؤية أمير المؤمنين في يوم الجمعة فاجتمعوا
واحتشدوا فلم يركب أمير المؤمنين ولا نأمن إن هو لم يركب أن يرجف الناس
بعلته ويتكلموا في أمره فان رأى أمير المؤمنين أن يسر الاولياء ويكبت الاعداء
بركوبه فعل فأمرهم بالتأهب والتهيئ لركوبه فركب فصلى بالناس وانصرف
إلى منزله فأقام يومه ذلك ومن الغد لم يدع بأحد من ندمائه * وذكر أنه ركب
يوم الفطر وقد ضرب له المصاف نحوا من أربعة أميال وترجل الناس بين يديه
فصلى بالناس ورجع إلى قصره فأخذ حفنة من تراب فوضعها على رأسه فقيل له
في ذلك فقال انى رأيت كثرة هذا الجمع ورأيتهم تحت يدى فأحببت أن أتواضع
لله عزوجل فلما كان من غد يوم الفطر لم يدع بأحد من ندمائه فلما كان اليوم الثالث
وهو يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال أصبح نشيطا فرحا مسرورا فقال كأنى
أجد مس الدم فقال الطيفورى وابن الابرش وهما طبيباه يا أمير المؤمنين عزم الله
لك على الخير افعل ففعل واشتهى لحم جزور فأمر به فأحضر بين يديه فاتخذه
بيده * وذكر عن أبن الحفصى المغنى أنه كان حاضر المجلس قال ابن الحفصى
ما كان أحد ممن يأكل حاضرا غيرى وغير عثعث وزنام وبنان غلام أحمد بن يحيى
ابن معاذ فانه جاء مع المنتصر * وكان المتوكل والفتح بن خاقان يأكلان معا ونحن
في ناحية بإزائهم والندماء مفترقون في حجرهم لم يدع بأحد منهم بعد قال ابن الحفصى
فالتفت إلى أمير المؤمنين فقال كل أنت وعثعث بين يدى ويأكل معكما نصر بن
ـ392ـ
سعيد الجهبذ قال فقلت ياسيدى نصر والله يأكلنى فكيف ما يوضع بين أيدينا
فقال كلوا بحياتى فأكلنا ثم علقنا أيدينا بحذائه قال فالتفت أمير المؤمنين التفاتة
فنظر إلينا معلقى الايدى فقال مالكم لا تأكلون قلت يا سيدى قد نفد ما بين أيدينا
فأمر أن يزاد فغرف لنا من بين يديه قال ابن الحفصى ولم يكن أمير المؤمنين في يوم
من الايام أسر منه في ذلك اليوم قال وأخذ مجلسه ودعا بالندماء والمغنين فحضروا
وأهدت اليه قبيحة أم المعتز مطرف خز أخضر لم ير الناس مثله حسنا فنظر اليه فأطال
النظر فاستحسنه وكثر تعجبه منه وأمر به فقطع نصفين وأمر برده عليها ثم قال
لرسولها أذكرتنى به ثم قال والله إن نفسى لتحدثنى انى لا ألبسه وما أحب أن
يلبسه أحد بعدى وإنما أمرت بشقه لئلا يلبسه أحد بعدى فقلنا له ياسيدنا هذا
يوم سرور يا أمير المؤمنين نعيذك بالله أن تقول هذا ياسيدنا قال وأخذ في الشراب
واللهو ولهج يقول أنا والله مفارقكم عن قليل قال فلم يزل في لهوه وسروره إلى
الليل ( وذكر بعضهم ) أن المتوكل عزم هو والفتح أن يصيرا غداهم عند عبدالله
ابن عمر البازيار يوم الخميس لخمس ليال خلون من شوال على أن يفتك بالمنتصر
ويقتل وصيفا وبغا وغيرهما من قواد الاتراك ووجوههم فكثر عبثه يوم الثلاثاء
قبل ذلك بيوم فيما ذكر ابن الحفصى بابنه المنتصر مرة يشتمه ومرة يسقيه فوق
طاقته ومرة يأمر بصفعه ومرة يتهدده بالقتل فذكر عن هارون بن محمد بن سليمان
الهاشمى أنه قال حدثنى بعض من كان في الستارة من النساء أنه التفت إلى الفتح
فقال له برئت من الله ومن قرابتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم تلطمه
يعنى المنتصر فقام الفتح ولطمه مرتين يمر يده على قفاه ثم قال المتوكل لمن حضر
اشهدوا جميعا أنى قد خلعت المستعجل فقال المنتصر يا أمير المؤمنين ثم التفت اليه فقال
سميتك المنتصر فسماك الناس لحمقك المنتظر ثم صرت الآن المستعجل فقال المنتصر
يا أمير المؤمنين لو أمرت بضرب عنقى كان أسهل على مما تفعله بى فقال اسقوه
ثم أمر بالعشاء فأحضر وذلك في جوف الليل فخرج المنتصر من عنده وأمر بنانا
غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه فلما خرج وضعت المائدة بين يدى المتوكل وجعل
ـ393ـ
يأكلها ويلقم وهو سكران * وذكر عن ابن الحفصى أن المنتصر لما خرج إلى
حجرته أخذ بيد زرافة فقال له امض معى فقال يا سيدى إن أمير المؤمنين لم يقم
فقال إن أمير المؤمنين قد أخذه النبيذ والساعة يخرج بغا والندماء وقد أحببت أن
تجعل أمر ولدك إلى فان أو تامش سألنى أن أزوج ابنه من ابنتك وابنك من ابنته
فقال له زرافة نحن عبيدك ياسيدى فمرنا بأمرك وأخذ المنتصر بيده وانصرف به
معه قال وكان زرافة قد قال لى قبل ذلك ارفق بنفسك فان أمير المؤمنين سكران
والساعة يفيق وقد دعانى تمرة وسألنى أن أسألك أن تصير اليه فنصير جميعا إلى
حجرته قال فقلت له أنا أتقدمك إليه قال ومضى زرافة مع المنتصر إلى حجرته
فذكر بنان غلام أحمد بن يحيى أن المنتصر قال له أملكت ابن زرافة من ابنة
أوتامش وابن أوتامش من ابنة زرافة قال بنان فقلت للمنتصر يا سيدى فأين
النثار فهو يحسن الاملاك فقال غدا إن شاء الله فان الليل قد مضى قال وانصرف
زرافة إلى حجرة تمرة فلما دخل دعا بالطعام فأتى به فما أكل الا أيسر ذلك حتى
سمعنا الضجة والصراخ فقمنا فقال بنان فما هو إلا أن خرج زرافة من منزل تمرة
إذا بغا قد استقبل المنتصر فقال المنتصر ما هذه الضجة قال خير يا أمير المؤمنين قال
ما تقول ويلك قال أعظم الله أجرك في سيدنا أمير المؤمنين كان عبدالله دعاه فأجابه
قال فجلس المنتصر وأمر بباب البيت الذى قتل فيه المتوكل والمجلس فأغلق وأغلقت
الابواب كلها وبعث إلى وصيف يأمره باحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل *
وذكر عن عثعث أن المتوكل دعا بالمائدة بعد قيام المنتصر وخروجه
ومعه زرافة وكان بغا الصغير المعروف بالشرابى قائما عند الستر وذلك اليوم
كان نوبة بغا الكبير في الدار وكان خليفته في الدار ابنه موسى وموسى هذا هو
ابن خالة المتوكل وبغا الكبير يومئذ بسمسياط فدخل بغا الصغير إلى المجلس
فأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم فقال له الفتح ليس هذا وقت انصرافهم
وأمير المؤمنين لم يرتفع فقال له بغا إن أمير المؤمنين أمرنى إذا جاوز السبعة
أن لا أترك في المجلس أحدا وقد شرب أربعة عشر رطلا فكره الفتح قيامهم
ـ394ـ
فقال له بغا ان حرم أمير المؤمنين خلف الستارة وقد سكر فقوموا واخرجوا
فخرجوا جميعا فلم يبق الا الفتح وعثعث وأربعة من خدم الخاصة منهم شفيع
وفرج الصغير ومؤنس وأبوعيسى مارد المحرزى قال ووضع الطباخ المائدة
بين يدى المتوكل فجعل يأكل ويلقم ويقول لمارد كل معى حتى أكل بعض
طعامه وهو سكران ثم شرب أيضا بعد ذلك * فذكر عثعث أن أبا أحمد بن
المتوكل أخا المؤيد لامه كان معهم في المجلس فقام إلى الخلاء وقد كان بغا الشرابى
أغلق الابواب كلها غير باب الشط ومنه دخل القوم الذين عينوا القتلة فبصر بهم
أبو أحمد فصاح بهم ما هذا يا سفل وإذا بسيوف مسللة قال وقد كان تقدم النفر
الذين تولوا قتله بلغون التركى وباغر وموسى بن بغا وهارون بن صوار تكين
وبغا الشرابى فلما سمع المتوكل صوت أبى أحمد رفع رأسه فرأى القوم فقال
يا بغا ما هذا قال هؤلاء رجال النوبة التى تبيت على باب سيدى أمير المؤمنين
فرجع القوم إلى ورائهم عند كلام المتوكل لبغا ولم يكن واجن وأصحابه وولد
وصيف حضروا معهم بعد قال عثعث فسمعت بغا يقول لهم يا سفل أنتم مقتولون
لا محالة فموتوا كراما فرجع القوم إلى المجلس فابتدره بغلون فضربه ضربة على
كتفه وأذنه فقده فقال مهلا قطع الله يدك ثم قام وأراد الوثوب به فاستقبله بيده
فأبانها وشركه باغر فقال الفتح ويلكم أمير المؤمنين فقال بغا يا جلفى لا تسكت
فرمى الفتح بنفسه على المتوكل فبعجه هارون بسيفه فصاح الموت واعتوره
هارون وموسى بن بغا بأسيافهما فقتلاه وقطعاه وأصابت عثعث ضربة في رأسه
وكان مع المتوكل خادم صغير فدخل تحت الستارة فنجا وتهارب الباقون قال
وقد كانوا قالوا لوصيف في وقت ما جاؤا اليه كن معنا فانا نتخوف أن لايتم
مانريد فنقتل فقال لا بأس عليكم فقالوا له فأرسل معنا بعض ولدك فأرسل معهم
خمسة من ولده صالحا وأحمد وعبدالله ونصرا وعبيد الله حتى صاروا إلى ما أرادوا
ودكر عن زرقان خليفة زرافة على البوابين وغيرهم ان المنتصر لما أخذ بيد
زرافة فاخرجه من الدار ودخل القوم نظر اليهم عثعث فقال للمتوكل قد فرغنا
ـ395ـ
من الاسد والحيات والعقارب وصرنا إلى السيوف وذلك انه كان ربما أشلى
الحية والعقرب أو الاسد فلما ذكر عثعث السيوف قال له ويلك أى شئ تقول
فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه فقام الفتح في وجوههم فقال لهم ياكلاب وراءكم
وراءكم فبدر اليه بغا الشرابى فبعج بطنه بالسيف وبدر الباقون إلى المتوكل وهرب
عثعث على وجهه وكان أبوأحمد في حجرته فلما سمع الضجة خرج فوقع على
أبيه فبادره بغلون فضربه ضربتين فلما رأى السيوف تأخذه خرج وتركهم وخرج
القوم إلى المنتصر فسلموا عليه بالخلافة وقالوا مات أمير المؤمنين وقاموا على رأس
زرافة بالسيوف فقالوا له بايع فبايعه وأرسل المنتصر إلى وصيف ان الفتح قتل
أبى فقتلته به فاحضر في وجوه أصحابك فحضر وصيف وأصحابه فبايعوا قال وكان
عبيد الله بن يحيى في حجرته لايعلم بشئ من أمر القوم ينفذ الامور ( وقد ذكر )
أن امرأة من نساء الاتراك ألقت رقعة تخبر ما عزم عليه القوم فوصلت الرقعة
إلى عبيد الله فشاور الفتح فيها وكان ذلك وقع إلى أبى نوح عيسى بن ابراهيم
كاتب الفتح بن خاقان فأنهاه إلى الفتح فاتفق رأيهم على كتمان المتوكل لما رأوا
من سروره فكرهوا أن ينغصوا عليه يومه وهان عليهم أمر القوم ووثقوا بأن
ذلك لا يجسر عليه أحد ولا يقدر * فذكر ان أبا نوح احتال في الهرب من ليلته
وعبيد الله جالس في عمله ينفذ الامور وبين يديه جعفر بن حامد إذ طلع عليه
بعض الخدم فقال ياسيدى مايجلسك قال وما ذاك قال الدار سيف واحد فأمر
جعفر بالخروج فخرج وعاد فأخبره ان أمير المؤمنين والفتح قد قتلا فخرج فيمن
معه من خدمه وخاصته فأخبر ان الابواب مغلقة فأخذ نحو الشط فإذا أبوابه
أيضا مغلقة فأمر بكسر ما كان يلى الشط فكسرت ثلاثة أبواب حتى خرج
إلى الشط فصار إلى زورق فقعد فيه ومعه جعفر بن حامد وغلام له فصار إلى
منزل المعتز فسأل عنه فلم يصادفه فقال إنا لله وإنا اليه راجعون قتلنى وقتل نفسه
فتلهف عليه واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة يوم الاربعاء من الابناء والعجم
والارمن والزواقيل والاعراب و الصعاليك وغيرهم فقال بعضهم كانوا زهاء
ـ396ـ
عشرين ألف فارس وقال آخرون كان معه ثلاثة عشر ألف رجل وقال آخرون
كان معه ثلاثة عشر ألف لجام وقال المقللون ما بين الخمسة آلاف إلى العشرة
آلاف فقالوا له إنما كنت تصطنعنا لهذا اليوم فأمر بأمرك وأذن لنا نمل على القوم
ميلة نقتل المنتصر ومن معه من الاتراك وغيرهم فأبى ذلك وقال ليس في هذا
حيلة والرجل في أيديهم يعنى المعتز * وذكر عن على بن يحيى المنجم أنه قال كنت
أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتابا من كتب الملاحم فوقفت على موضع من
الكتاب فيه ان الخليفة العاشر يقتل في مجلسه فتوقفت عن قراءته وقطعته فقال
لى مالك قد وقفت قلت خير قال لابد والله من أن تقرأه فقرأته وحدت عن
ذكر الخلفاء فقال المتوكل ليت شعرى من هذا الشقى المقتول * وذكر عن سلمة
ابن سعيد النصرانى ان المتوكل رأى أشوط بن حمزة الارمنى قبل قتله بأيام
فتأفف برؤيته وأمر بإخراجه فقيل له يا أمير المؤمنين أليس قد كنت تحب
خدمته قال بلى ولكنى رأيت في المنام منذ ليال كأنى قد ركبته فالتفت إلى وقد
صار رأسه مثل رأس البغل فقال لى إلى كم تؤذينا انما بقى من أجلك تمام خمسة
عشر سنة غير أيام قال كان بعدد أيام خلافته * وذكر عن ابن أبى ربعى أنه
قال رأيت في منامى كأن رجلا من باب الرستن على عجلة ووجهه إلى الصحراء
وقفاه إلى المدينة وهو ينشد
يا عين ويلك فاهملى * بالدمع سحا واسبلى
دلت على قرب القيا * مة قتلة المتوكل
* وذكر أن حبشى بن أبى ربعى مات قبل قتل المتوكل بسنتين * وذكر
عن محمد بن سعيد قال قال أ بوالوارث قاضى نصيبين رأيت في النوم آتيا أتانى
وهو يقول :
يانائم العين في جثمان يقظان * ما بال عينك لاتبكى بتهتان
أما رأيت صروف الدهر مافعلت * بالهاشمى وبالفتح بن خاقان
وسوف يتبعهم قوم لهم غدروا * حتى يصيروا كأمس الذاهب الفانى
ـ397ـ
فأتى البريد بعد أيام بقتلهما جميعا ( قال أبوجعفر ) وقتل ليلة الاربعاء بعد
العتمة بساعة لاربع خلون من شوال وقيل بل قتل ليلة الخميس فكانت خلافته
أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام وقتل يوم قتل وهو فيما قيل ابن أربعين
سنة وكان ولد بفم الصلح في شوال من سنة 206 وكان أسمر حسن العينين خفيف
العارضين نحيفا
* ذكر الخبر عن بعض أمور المتوكل وسيرته *
* ذكر عن مروان بن أبى الجنوب أبى السمط أنه قال أنشدت أمير المؤمنين
فيه شعرا وذكرت الرافضة فيه فعقد لى على البحرين واليمامة وخلع على أربع
خلع في دار العامة وخلع على المنتصر وأمر لى بثلاثة آلاف دينار فنثرت على
رأسى وأمر ابنه المنتصر وسعدا الايتاخى يلقطانها لى ولا أمس منها شيئا
فجمعاها فانصرفت بها قال والشعر الذى قال فيه
ملك الخليفة جعفر * للدين والدنيا سلامه
لكم تراث محمد * وبعدلكم تفنى الظلامه
يرجو التراث بنوالبنا * ت وما لهم فيها قلامه
والصهر ليس بوارث * والبنت لاترث الامامه
ماللذين تنحلوا * ميراثكم إلا الندامه
أخذ الوراثة أهلها * فعلام لومكم علامه
لو كان حقكم لها * قامت على الناس القيامه
ليس التراث لغيركم * لا والاله ولا كرامه
أصبحت بين محبكم * والمبغضين لكم علامه
ثم نثر على رأسى بعد ذلك لشعر قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم *
وذكر عن مروان بن أبى الجنوب أنه قال لما استخلف المتوكل بعثت بقصيدة
مدحت فيها ابن أبى دؤاد إلى ابن أبى دؤاد وكان في آخرها بيتان ذكرت فيهما
أمر ابن الزيات وهما
ـ398ـ
وقيل لى الزيات لاقى حمامه * فقلت أتانى الله بالفتح والنصر
لقد حفر الزيات بالغدر حفرة * فألقى فيها بالخيانة والغدر
قال فلما صارت القصيدة إلى ابن أبى دؤاد ذكرها للمتوكل وأنشده البيتين
فأمره بأحضاره فقال هو باليمامة كان الواثق نفاه لمودته لامير المؤمنين قال يحمل
قال عليه دين قال كم هو قال ستة آلاف دينار قال يعطاها فأعطى وحمل من
اليمامة فصار إلى سامرا وامتدح المتوكل بقصيدة يقول فيها
رحل الشباب وليته لم يرحل * والشيب حل وليته لم يحلل
فلما صار إلى هذين البيتين من القصيدة
كانت الخلافة جعفر كنبوة * جاءت بلا طلب ولا بتنحل
وهب الاله له الخلافة مثل ما * وهب النبوة للنبى المرسل
أمر له بخمسين ألف درهم * وذكر عن أبى يحيى بن مروان بن محمد الشنى
الكلبى قال أخبرنى أبوالسمط مروان بن أبى الجنوب قال لما صرت إلى
أمير المؤمنين المتوكل على الله مدحت ولاة العهود وأنشدته
سقى الله نجدا والسلام على نجد * وياحبذا على النأى والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونها * لعلى أرى نجدا وهيهات من نجد
ونجد بها قوم هواهم زيارتى * ولاشئ أحلى من زيارتهم عندى
قال فلما استتممت إنشادها أمر لى بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ثوبا
وثلاثة من الظهر فرس وبغلة وحمار فما برحت حتى قلت في شكره
تخير رب الناس للناس جعفرا * فملكه أمر العباد تخيرا
قال فلما صرت إلى هذا البيت
فأمسك ندى كفيك عنى ولاتزد * فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا
قال لا والله لا أمسك حتى أعرفك بجودى ولابرحت حتى تسأل حاجة قلت
يا أمير المؤمنين الضيعة التى أمرت باقطاعى إياها باليمامة ذكر ابن المدبر أنها وقف
من المعتصم على ولده ولايجوز إقطاعها قال فانى أقبلكها بدرهم في السنة مائة
ـ399ـ
سنة قلت لا يحسن يا أمير المؤمنين أن يؤدى درهم في الديوان قال فقال ابن
المدبر بألف درهم فقلت نعم فأنفذها لى ولعقبى ثم قال ليس هذه حاجة هذه
قبالة قلت فضياعى التى كانت لى كان الواثق أمر باقطاعى إياها فنفانى ابن الزيات
وحال بينى وبينها فتنفذها لى فأمر بانفاذها بمائة درهم في السنة وهى السيوح
وذكر عن أبى حشيشة أنه كان يقول كان المأمون يقول إن الخليفة بعدى في اسمه
عين فكان يظن أنه العباس ابنه فكان المعتصم وكان يقول وبعده هاء فيظن
أنه هارون فكان الواثق وكان يقول وبعده أصفر الساقين فكان يظن أنه
أ بوالجنائز العباس فكان المتوكل ذلك فلقد رأيته إذا جلس على السرير
يكشف ساقيه فكانا أصفرين كأنما صبغا بزعفران * وذكر عن يحيى بن
أكثم أنه قال حضرت المتوكل فجرى بينى وبينه ذكر المأمون وكتبه إلى الحسن بن
الحسن بن سهل فقلت بتفصيله وتقريظه ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته ونباهته
قولا كثيرا لم يقع بموافقة بعض من حضر فقال له المتوكل كيف كان يقول في
القرآن قلت كان يقول ما مع القرآن حاجة إلى علم فرض ولا مع سنة الرسول
صلى الله عليه وسلم وحشة إلى فعل أحد ولا مع البيان والافهام حجة لتعلم ولا
بعد الجحود للبرهان والحق إلا السيف لظهور الحجة فقال له المتوكل لم أرد منك
ما ذهبت إليه من هذا المعنى قال له يحيى القول بالمحاسن في المغيب فريضة على ذى
نعمة قال فما كان يقول خلال حديثه فإن المعتصم بالله يرحمه الله كان يقوله وقد
أنسيته فقال كان يقول اللهم إنى أحمدك على النعم التى لايحصيها غيرك وأستغفرك
من الذنوب التى لا يحيط بها إلا عفوك قال فما كان يقول إذا استحسن شيئا أو بشر
بشئ فقد كان المعتصم بالله أمر على بن يزداد أن يكتبه لنا فكتبه فعلمناه ثم أنسيناه
قال كان يقول إن ذكر آلاء الله ونشرها وتعداد نعمه والحديث بها فرض من الله
على أهلها وطاعة لامره فيها وشكر له عليها فالحمد لله العظيم الآلاء السابغ النعماء
بما هو أهله ومستوجبه من محامده القاضية حقه البالغة شكره الموجبة مزيده على
مالا يحصيه تعدادنا ولايحيط به ذكرنا من ترادف مننه وتتابع فضله ودوام
ـ400ـ
طوله حمد من يعلم أن ذلك منه والشكر له عليه فقال المتوكل صدقت هذا هو
الكلام بعينه وهذا كله حكم من ذى حنكة وعلم وانقضى المجلس * وقدم في هذه
السنة محمد بن عبدالله بن طاهر بغداد منصرفا من مكة في صفر فشكا ماناله من
الغم بما وقع من الخلاف في يوم النحر فأمر المتوكل بانفاذ خريطة صفراء من الباب
إلى أهل الموسم برؤية هلال ذى الحجة وأن يسار بها كما يسار بالخريطة الواردة
بسلامة الموسم وأمر أن يقام على المشعر الحرام وسائر المشاعر الشمع مكان
الزيت والنفط ( وفيها ) ماتت أم المتوكل بالجعفرية لست خلون من شهر ربيع
الآخر وصلى عليها المنتصر ودفنت عند المسجد الجامع ( وفيها ) بويع للمنتصر محمد
ابن جعفر بالخلافة في يوم الاربعاء لاربع خلون من شوال وقيل لثلاث خلون
منه وهو ابن خمس وعشرين سنة وكنيته أبو جعفر بالجعفرية فأقام بها بعدما بويع
له عشرة أيام ثم تحول منه بعياله وقواده وجنوده إلى سامرا
* خلافة المنتصر محمد بن جعفر *
وكان قد بايعه ليلة الاربعاء الذين ذكرناهم قبل فذكر عن بعضهم أنه قال لما
كان صبيحة يوم الاربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد والكتاب والوجوه
والشاكرية والجند وغيرهم فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا يخبر فيه عن أمير
المؤمنين المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل أباه جعفر المتوكل فقتله به فبايع الناس
وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان فبايع وانصرف * وذكر عن أبى عثمان سعيد
الصغير أنه قال لما كانت الليلة التى قتل فيها المتوكل كنا في الدار مع المنتصر فكان
كلما خرج الفتح خرج معه وكلما رجع قام لقيامه وجلس لجلوسه وخرج في أثره
وكلما ركب أخذ بركابه وسوى عليه ثيابه في سرج دابته وكان اتصل بنا الخبر أن
عبيد الله بن يحيى قد أعد له قوما في طريقه ليغتالوه عند انصرافه وقد كان المتوكل
أسمعه وأحفظه قبل انصرافه ووثب به فانصرف على غضب وانصرفنا معه فلما صار
إلى داره أرسل إلى ندمائه وخاصته وقد كان واعد الاتراك على قتل المتوكل قبل
انصرافه إذا ثمل من النبيذ قال فلم ألبث أن جاءنى الرسول أن احضر فقد جاءت
ـ401ـ
رسل أمير المؤمنين إلى الامير وهو على الركوب فوقع في نفسى ما كان دار بيننا
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 401 سطر 1 الى ص 410 سطر 25
رسل أمير المؤمنين إلى الامير وهو على الركوب فوقع في نفسى ما كان دار بيننا
أنهم على اغتيال المنتصر وأنه إنما يدعى لذلك فركبت في سلاح وعدة وصرت
إلى باب الامير فاذا هم يموجون وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنه قد فزع من أمره
فركب فلحقته في بعض الطريق وأنا مرعوب فرأى ما بى فقال ليس عليك أن أمير
المؤمنين قد شرق بقدح شربه بعد انصرافنا فمات رحمه الله فأكبرت ذلك وشق
على ومضينا وأحمد بن الخصيب وجماعة من القواد معنا حتى دخلنا الحير وتتابعت
الاخبار بقتل المتوكل فأخذت الابواب ووكل بها وقلت يا أمير المؤمنين وسلمت
عليه بالخلافة وقلت لا ينبغى أن نفارقك لموضع الشفقة عليك من مواليك في هذا
الوقت قال أجل فكن أنت من ورائى وسليمان الرومى وألقى له منديل فجلس
عليه وأحطنا به وحضر أحمد بن الخصيب وكاتبه سعيد بن حميد لاخذ البيعة * فذكر
عن سعيد بن حميد أن أحمد بن الخصيب قال له ويلك يا سعيد معك كلمتان أو ثلاث
تأخذ بها البيعة قلت نعم وكلمات وعملت كتاب البيعة وأخذتها على من حضر وكل
من جاء حتى جاء سعيد الكبير فأرسله إلى المؤيد وقال لسعيد الصغير امض أنت
إلى المعتز حتى تحضره قال سعيد الصغير فقلت أما مادمت يا أمير المؤمنين في قلة ممن
معك فلا أبرح والله من وراء ظهرك حتى يجتمع الناس قال أحمد بن الخصيب ههنا
من يكفيك فامض فقلت لا أمضى حتى يجتمع من يكفى فانى الساعة أولى به منك
فلما كثر القواد وبايعوا ومضيت وأنا آيس من نفسى ومعى غلامان فلما صرت إلى
باب أبى نوح والناس يموجون ويذهبون ويجيئون وإذا على الباب جمع كبير في سلاح
وعدة فلما أحسوا بى لحقنى فارس منهم فسألنى وهو لا يعرفنى من أنت فعميت عليه
خبرى وأخبرته أنى من بعض أصحاب الفتح ومضيت حتى صرت إلى باب المعتز فلم أجد
به أحدا من الحرس والبوابين والمكترين ولا خلقا من خلق الله حتى صرت إلى الباب
الكبير فدققته دقا عنيفا مفرطا فأجبت بعد مدة طويلة فقيل لى من هذا فقلت سعيد
الصغير رسول أمير المؤمنين المنتصر فمضى الرسول وأبطأ على وأحسست بالمنكر
وضاقت على الارض ثم فتح الباب فاذا ببيدون الخادم قد خرج وقال لى ادخل وأغلق
( 26 7 )
ـ402ـ
الباب دونى فقلت ذهبت والله نفسى ثم سألنى عن الخبر فأخبرته أن أمير المؤمنين
شرق بكأس شربه ومات من ساعته وأن الناس قد اجتمعوا وبايعوا المنتصر
وأنه أرسلنى إلى الامير أبى عبدالله المعتز بالله ليحضر البيعة فدخل ثم خرج إلى
فقال ادخل فدخلت على المعتز فقال لى ويلك يا سعيد ما الخبر فأخبرته بمثل ما أخبرت
به بيدون وعزيته وبكيت وقلت تحضر يا سيدى وتكون في أوائل من بايع
فتستدعى بذلك قلب أخيك فقال لى ويلك حتى يصبح فما زلت أفتله الحبل
والغارب ويعيننى عليه بيدون الخادم حتى تهيأ للصلاة ودعا بثيابه فلبسها وأخرج
له دابة وركب وركبت معه وأخذت طريقا غير طريق الجادة وجعلت أحدثه
وأسهل الامر عليه وأذكره أشياء يعرفها من أخيه حتى إذا صرنا إلى باب عبيد الله
ابن يحيى بن خاقان سألنى عنه فقلت هو يأخذ البيعة على الناس والفتح قد بايع فتأنس
حينئذ وإذا بفارس قد لحق بنا وصار إلى بيدون الخادم فساره بشئ لا أعلمه فصاح
به بيدون فمضى ثم رجع ثلاثا كل ذلك يرده بيدون ويصيح به دعنا حتى وافينا باب الحير
فاستفتحه فقيل لى من أنت قلت سعيد الصغير والامير المعتز ففتح لى الباب وصرنا إلى
المنتصر فلما رآه قربه وعانقه وعزاه وأخذ البيعة عليه ثم وافى المؤيد مع سعيد الكبير
ففعل به مثل ذلك وأصبح الناس وصار المنتصر إلى جعفرى فأمر بدفن المتوكل
والفتح وسكن الناس فقال سعيد الصغير ولم أزل أطالب المعتز بالبشرى بخلافة
المنتصر وهو محبوس في الدار حتى وهب لى عشرة آلاف درهم وكانت نسخة
البيعة التى أخذت للمنتصر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) تبايعون عبدالله المنتصر
بالله أمير المؤمنين بيعة طوع واعتقاد ورضى ورغبة بإخلاص من سرائركم
وانشراح من صدوركم وصدق من نياتكم لامكرهين ولامجبرين بل مقرين عالمين
بما في هذه البيعة وتأكيدها من طاعة الله وتقواه وإعزاز دين الله وحقه ومن
عموم صلاح عباد الله واجتماع الكلمة ولم الشعث وسكون الدهماء وأمن
العواقب وعز الاولياء وقمع الملحدين على أن محمدا الامام المنتصر بالله عبدالله
وخليفته المفترض عليكم طاعته ومناصحته والوفاء بحقه وعقده لاتشكون
ـ403ـ
ولاتدهنون ولا تميلون ولاترتابون وعلى السمع له والطاعة والمسالمة والنصرة
والوفاء والاستقامة والنصيحة في السر والعلانية والخفوف والوقوف عند كل
ما يأمر به عبدالله الامام المنتصر بالله أمير المؤمنين وعلى أنكم أولياء أوليائه وأعداء
أعدائه من خاص وعام وأبعد وأقرب وتتمسكون ببيعته بوفاء العقد وذمة العهد
سرائركم في ذلك مثل علانيتكم وضمائركم مثل ألسنتكم راضين بما يرضاه لكم
أمير المؤمنين في عاجلكم وآجلكم وعلى إعطائكم أمير المؤمنين بعد تجديدكم بيعته
هذه على أنفسكم وتأكيدكم إياها في أعناقكم صفقة أيمانكم راغبين طائعين عن
سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم وعلى أن لا تسعوا في نقض شئ مما أكد
الله عليكم وعلى أن لا يميل بكم ميل في ذلك عن نصرة وإخلاص ونصح وموالاة
وعلى أن لا تبدلوا ولايرجع منكم راجع عن نيته وانطوائه إلى غير علانيته وعلى
أن تكون بيعتكم التى أعطيتم بها ألسنتكم وعهودكم بيعة يطلع الله من قلوبكم على
اجتبائها واعتقادها وعلى الوفاء بذمته بها وعلى اخلاصكم في نصرتها وموالاة
أهلها لايشوب ذلك منكم دغل ولا ادهان ولا احتيال ولا تأويل حتى تلقوا الله
موفين بعهده ومؤدين حقه عليكم غير مستشرفين ولاناكثين اذكان الذين يبايعون
منكم أمير المؤمنين انما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على
نفسه ومن أوفى بما عاهد الله فسيؤتيه أجرا عظيما عليكم بذلك وبما أكدت
هذه البيعة في أعناقكم وأعطيتم بها من صفقة أيمانكم وبما اشترط عليكم بها من
وفاء ونصر وموالاة واجتهاد ونصح وعليكم عهد الله إن عهده كان مسئولا
وذمة الله وذمة رسوله وأشد ماأخذ على أنبيائه ورسله وعلى أحد من عباده من
متأكد وثائقة أن تسمعوا ما أخذ عليكم في هذه البيعة ولاتبدلوا وأن تطيعوا
ولاتعصوا وأن تخلصوا ولاترتابوا وأن تتمسكوا بما عاهدتم عليه تمسك
أهل الطاعة بطاعتهم وذوى العهد والوفاء بوفائهم وحقهم لايلفتكم عن ذلك
هوى ولا مميل ولايزيغ بكم فيه ضلال عن هدى باذلين في ذلك أنفسكم واجتهادكم
ومقدمين فيه حق الدين والطاعة بما جعلتم على أنفسكم لايقبل الله منكم في هذه
ـ404ـ
البيعة الا الوفاء بها فمن نكث منكم ممن بايع أمير المؤمنين هذه البيعة عما أكد عليه
مسرا أو معلنا أو مصرحا أو محتالا فادهن فيما أعطى الله من نفسه وفيما أخذت به مواثيق
أمير المؤمنين وعهود الله عليه مستعملا في ذلك الهو ينادون الجد والركون إلى
الباطل دون نصرة الحق وزاغ عن السبيل التى يعتصم بها أولو الوفاء منهم بعهودهم
فكل ما يملك كل واحد ممن خان في ذلك بشئ نقض عهده من مال أو عقار أو
سائمة أو زرع أو ضرع صدقة على المساكين في وجوه سبيل الله محرم عليه أن
يرجع شئ من ذلك إلى ماله عن حيلة يقدمها لنفسه أو يحتال بها وما أفاد في بقية
عمره من فائدة مال يقل خطرها أو يجل قدرها فتلك سبيله إلى أن توافيه منيته
ويأتى عليه أجله كل مملوك يملكه اليوم إلى ثلاثين سنة من ذكر أو أنثى أحرار
لوجه الله ونساؤه في يوم يلزمه الحنث ومن يتزوجه بعدهن إلى ثلاثين سنة
طوالق البتة طلاق الحرج والسنة لا مثنوية فيه ولا رجعة وعليه المشى إلى
بيت الله الحرام ثلاثين حجة لا يقبل الله منه الا الوفاء بها وهو برئ من الله
ورسوله والله ورسوله منه بريئان ولا قبل الله منه صرفا ولا عدلا والله عليكم
بذلك شهيد وكفى بالله شهيدا * وذكر أنه لما كانت صبيحة اليوم الذى بويع فيه
المنتصر شاع الخبر في الماحوزة وهى المدينة التى كان بناها في أهل سامرا
بقتل جعفر وتوافى الجند والشاكرية بباب العامة بالجعفرى وغيرهم من الغوغاء
والعوام وكثر الناس وتسامعوا وركب بعضهم بعضا وتكلموا في أمر البيعة فخرج
اليهم عتاب بن عتاب وقيل إن الذى خرج اليهم زرافة فأبلغهم عن المنتصر ما
يحبون فأسمعوه فدخل إلى المنتصر فأخبره فخرج وبين يديه جماعة من المغاربة فصاح
بهم يا كلاب خذوهم فحملوا على الناس فدفعوهم إلى الثلاثة الابواب فازدحم الناس
ووقع بعضهم على بعض ثم تفرقوا عن عدة قد ماتوا من الزحمة والدوس فمنهم من
ذكر أنهم كانوا ستة نفر ومنهم من قال كانوا ما بين الثلاثة إلى الستة ( وفيها )
ولى المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد مولى بنى هاشم بعد البيعة له بيوم المظالم فقال قائل
يا ضيعة الاسلام لما ولى * مظالم الناس أبوعمره
ـ405ـ
صير مأمونا على أمة * وليس مأمونا على بعره
( وفى دى الحجة ) من هذه السنة أخرج المنتصر على بن المعتصم من سامرا
إلى بغداد ووكل به ( وحج ) بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبى
* ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
( فمن ذلك ) ما كان من اغزاء المنتصر وصيفا التركى صائفة أرض الروم
* ( ذكر الخبر عن سبب ذلك وما كان في ذلك من وصيف ) *
ذكر أن السبب في ذلك أنه كان بين أحمد بن الخصيب ووصيف شحناء
وتباغض فلما استخلف المنتصر وابن الخصيب وزيره حرض أحمد بن الخصيب
المنتصر على وصيف وأشار عليه باخراجه من عسكره غازيا إلى الثغر فلم يزل به
حتى أحضره المنتصر فأمره بالغزو * وقد ذكر عن المنتصر أنه لما عزم على أن
يغزى وصيفا الثغر الشأمى قال له أحمد بن الخصيب ومن يجترئ على الموالى حتى
تأمر وصيفا بالشخوص فقال المنتصر لبعض من الحجبة ائذن لمن حضر الدار فأذن
له وفيهم وصيف فأقبل عليه فقال له ياوصيف أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد
الثغور وهذا أمر لايمكن الامساك عنه فإما شخصت وإما شخصت فقال وصيف بل
أشخص ياأمير المؤمنين قال يا أحمد انظر ما يحتاج اليه على أبلغ ما يكون فأقمه له قال نعم
يا أمير المؤمنين قال ما نعم قم الساعة لذلك يا وصيف مر كاتبك يوافقه على ما يحتاج
اليه ويلزمه حتى يزيح علتك فيه فقام أحمد بن الخصيب وقام وصيف فلم يزل في
جهازه حتى خرج فما أفلح ولا أنجح * وذكر أن المنتصر لما أحضر وصيفا
وأمره بالغزو قال له إن الطاغية يعنى ملك الروم قد تحرك ولست آمنه أن يهلك
كل ما يمر به من بلاد الاسلام ويقتل ويسبى الذرارى فاذا غزوت وأردت
الرجعة انصرفت إلى باب أمير المؤمنين من فورك وأمر جماعة من القواد وغيرهم
بالخروج معه وانتخب له الرجال فكان معه من الشاكرية والجند والموالى زهاء
ـ406ـ
عشرة آلاف رجل فكان على مقدمته في بدأته مزاحم بن خاقان أخو الفتح بن خاقان
وعلى الساقة محمد بن رجاء وعلى الميمنة السندى بن بختاشة وعلى الدراجة نصر
ابن سعيد المغربى واستعمل على الناس والعسكر أبا عون خليفته وكان على الشرطة
بسامرا وكتب المنتصر عند إغزائه وصيفا مولاه إلى محمد بن عبدالله بن طاهر
كتابا نسخته ( بسم الله الرحمن الرحيم ) من عبدالله محمد المنتصر بالله أمير المؤمنين
إلى محمد بن عبدالله مولى أمير المؤمنين سلام عليك فان أمير المؤمنين يحمد إليك
الله الذى لا إله إلا هو ويسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه
وعلى آله * أما بعد فان الله وله الحمد على آلائه والشكر بجميل بلائه اختار الاسلام
وفضله وأتمه وأكمله وجعله وسيلة إلى رضاه ومثوبته وسبيلا نهجا إلى رحمته
وسببا إلى مذخور كرامته فقهر له من خالفه وأذل له من عند عن حقه وابتغى
غير سبيله وخصه بأتم الشرائع وأكملها وأفضل الاحكام وأعدلها وبعث به خيرته
من خلقه وصفوته من عباده محمدا صلى الله عليه وسلم وجعل الجهاد أعظم فرائضه
منزلة عنده وأعلاها رتبة لديه وأنجحها وسيلة اليه لان الله عزوجل أعز دينه
وأذل عتاة الشرك قال الله عزوجل آمرا بالجهاد ومفترضا له " انفروا خفافا
وثقالا وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم
تعلمون " وليست تمضى بالمجاهد في سبيل الله حال لا يكابد في الله نصبا ولا أذى
ولا ينفق نفقة ولا يقارع عدوا ولايقطع بلدا ولا يطأ أرضا إلا وله بذلك
أمر مكتوب وثواب جزيل وأجر مأمول قال الله عزوجل " ذلك بأنهم لايصيبهم
ظمأ ولانصيب ولامخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار
ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر
المحسنين ولاينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم
ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون " ثم أثنى عزوجل بفضل منزلة المجاهدين على
القاعدين عنده وما عدوهم من جزائه ومثوبته ومالهم من الزلفى عنده فقال " لايستوى
القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر و المجاهدون في سبيل الله بأموالهم
ـ407ـ
وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله
الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " فبالجهاد اشترى الله من
المؤمنين أنفسهم وأموالهم وجعل جنته ثمنا لهم ورضوانه جزاء لهم على بذلها
وعدا منه حقا لا ريب فيه وحكما عدلا لا تبديل له قال الله عزوجل " إن الله
اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون
ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من
الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم وحكم الله عزوجل
لاحياء المجاهدين بنصره والفوز برحمته وأشهد لموتاهم بالحياة الدائمة والزلفى
لديه والحظ الجزيل من ثوابه فقال ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا
بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون
الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون "
وليس من شئ يتقرب به المؤمنون إلى الله عزوجل من أعمالهم ويسعون به
في حط أوزارهم وفكاك رقابهم ويستوجبون به الثواب من ربهم الا والجهاد
عنده أعظم منه منزلة وأعلى لديه رتبة وأولى بالفوز في العاجلة والآجلة لان
أهله بذلوا لله أنفسهم لتكون كلمة الله هى العليا وسمحوا بها دون من وراءهم
من اخوانهم وحريم المسلمين وبيضتهم ووقموا بجهادهم العدو وقد رأى أمير
المؤمنين لما يحبه من التقرب إلى الله بجهاد عدوه وقضاء حقه عليه فيما استحفظه
من دينه والتماس الزلفى له في اعزاز أوليائه واحلال البأس والنقمة بمن حاد
عن دينه وكذب رسله وفارق طاعته أن ينهض وصيفا مولى أمير المؤمنين في
هذا العام إلى بلاد أعداء الله الكفرة والروم غازيا لما عرف الله أمير المؤمنين
من طاعته ومناصحته ومحمود تعبئته وخلوص نيته في كل ما قربه من الله ومن
خليفته وقد رأى أمير المؤمنين والله ولى معونته وتوفيقه أن يكون موافاة وصيف
فيمن أنهض أمير المؤمنين معه من مواليه وجنده وشاكريته ثغر ملطية لاثنتى
عشرة ليلة تخلو من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين وذلك من
شهور العجم للنصف من حزيران ودخوله بلاد أعداء الله في أول يوم من تموز
ـ408ـ
فاعلم ذلك واكتب إلى عمالك على نواحى عملك بنسخة كتاب أمير المؤمنين
هذا ومرهم بقراءته على من قبلهم من المسلمين وترغيبهم في الجهاد وحثهم عليه
و استنفارهم اليه وتعريفهم ماجعل الله من الثواب لاهله ليعمل ذوو النيات
والحبسة والرغبة في الجهاد على حسب ذلك في النهوض إلى عدوهم والخفوف
إلى معاونة اخوانهم والذياد عن دينهم والرمى من وراء حوزتهم بموافاة عسكر
وصيف مولى أمير المؤمنين ملطية في الوقت الذى حده أمير المؤمنين لهم إن شاء
الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وكتب أحمد بن الخصيب لسبع ليال خلون
من المحرم سنة ثمان وأربعين ومائتين وصير على ماذكر على نفقات عسكر وصيف
والمغانم المقاسم المعروف بأبى الوليد الجريرى البجلى وكتب معه المنتصر كتابا
إلى وصيف يأمره بالمقام ببلاد الثغر إذا هو انصرف من غزاته أربع سنين
يغزو في أوقات الغزو منها إلى ان يأتيه رأى أمير المؤمنين ( وفى هذه السنة )
خلع المعتز والمؤيد أنفسهم وأظهر المنتصر خلعهما في القصر الجعفرى المحدث
* ذكر الخبر عن خلعهما أنفسهما *
ذكر أن محمدا المنتصر بالله لما استقامت له الامور قال أحمد بن الخصيب
لوصيف وبغا انا لا نأمن الحدثان وأن يموت أمير المؤمنين فيلى الامر المعتز
فلا يبقى منا باقية ويبيد خضراءنا والرأى أن نعمل في خلع هذين الغلامين قبل
أن يظفرا بنا فجد الاتراك في ذلك وألحوا على المنتصر وقالوا يا أمير المؤمنين
تخلعهما من الخلافة وتبايع لابنك ع بدالوهاب فلم يزالوا به حتى فعل ولم يزل
مكرما المعتز والمؤيد على ميل منه شديد إلى المؤيد فلما كان بعد أربعين يوما
من ولايته أمر بإحضار المعتز والمؤيد بعد انصرافهما من عنده فأحضرا وجعلا
في دار فقال المعتز للمؤيد ياأخى لم ترانا أحضرنا فقال ياشقى للخلع فقال
لاأظنه يفعل بنا ذلك فبيناهم كذلك إذ جاءهم الرسل بالخلع فقال المؤيد السمع
والطاعة وقال المعتز ما كنت لافعل فان أردتم القتل نشأنكم فرجعوا اليه فأعلموه
ثم عادوا بغلظة شديدة فأخذوا المعتز بعنف وأدخلوه إلى بيت وأغلقوا عليه
ـ409ـ
الباب * فذكر عن يعقوب بن السكيت أنه قال حدثنى المؤيد قال لما رأيت
ذلك قلت لهم بجرأة واستطالة ما هذا يا كلاب فقد ضربتم على دمائنا تثبون على
مولاكم هذا الوثوب اعزثوا قبحكم الله دعونى أكلمه فكاعوا عن جوابى بعد
تسرع كان منهم وأقاموا ساعة ثم قالوا لى القه إن أحببت فظننت انهم استأمروا
فقمت اليه فاذا هو في البيت يبكى فقلت ياجاهل تراهم قد نالوا من أبيك
وهو ما نالوا ثم تمتنع عليهم اخلع ويلك ولاتراجعهم قال سبحان الله أمر
قد مضيت عليه وجرى في الآفاق أخلعه من عنقى فقلت هذا الامر قتل أباك
فليته لايقتلك اخلعه ويلك فوالله لئن كان في سابق علم الله أن تلى لتلين قال
أفعل * قال فخرجت فقلت قد أجاب فأعلموا أمير المؤمنين فمضوا ثم عادوا
فجزونى خيرا ودخل معهم كاتب قد سماه ومعه دواة وقرطاس فجلس ثم أقبل
على أبى عبدالله فقال اكتب بخطك خلعك فتلكأ فقلت للكاتب هات قرطاسا
أملل ماشئت فأملى على كتابا إلى المنتصر أعلمه فيه ضعفى عن هذا الامر وأنى علمت
أنه لايحل أن أتقلده وكرهت أن يأتم المتوكل بسببى إذ لم أكن موضعا له وأسأله
الخلع وأعلمه أنى خلعت نفسى وأحللت الناس من بيعتى فكتبت كلما أراد ثم قلت
اكتب يا أبا عبدالله فامتنع فقلت اكتب ويلك فكتب وخرج الكاتب عنا ثم دعانا
فقلت نجدد ثيابنا أو نأتى في هذه فقال بل جدد فدعوت بثياب فلبستها وفعل
أ بوعبدالله كذلك وخرجنا فدخلنا وهو في مجلسه والناس على مراتبهم فسلمنا
فردوا وأمر بالجلوس ثم قال هذا كتابكما فسكت المعتز فبدرت فقلت نعم يا أمير
المؤمنين هذا كتابى بمسألتى ورغبتى وقلت للمعتز تكلم فقال مثل ذلك ثم أقبل
علينا والاتراك وقوف وقال أتريانى خلعتكما طمعا في أن أعيش حتى يكبر ولدى
أبايع له والله ماطمعت في ذلك ساعة قط وإذا لم يكن في ذلك طمع فوالله لان
يليها بنو أبى أحب إلى من أن يليها بنو عمى ولكن هؤلاء وأومأ إلى سائر الموالى
ممن هم قائم وقاعد ألحوا على في خلعكما فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم
بحديدة فيأتى عليكما فماتريانى صانعا أقتله فوالله ماتفى دماؤهم كلهم بدم بعضكم فكانت
ـ410ـ
إجابتهم إلى ما سألوا أسهل على * قال فأكبا عليه فقبلا يده قضمهما إليه ثم انصرفا
وذكر إنه لما كان يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة 248 خلع المعتز والمؤيد
أنفسهما وكتب كل واحد منهما رقعة بخطه أنه خلع نفسه من البيعة
التى بويع له وأن الناس في حل من حلها ونقضها وأنهما يعجزان عن القيام
بشئ منها ثم قاما بذلك على رؤس الناس والاتراك والوجوه والصحابة والقضاة
وجعفر بن عبدالواحد قاضى القضاة والقواد وبنى هاشم وولاة الدواوين والشيعة
ووجوه الحرس ومحمد بن عبدالله بن طاهر ووصيف وبغا الكبير وبغا الصغير
وجميع من حضر دار لخاصة والعامة ثم انصرف الناس بعد ذلك والنسخة التى
كتباها ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إن أمير المؤمنين المتوكل على الله رضى الله عنه
قلدنى هذا الامر وبايع لى وأنا صغير من غير إرادتى ومحبتى فلما فهمت أمرى
علمت أنى لا أقوم بما قلدنى ولا أصلح لخلافة المسلمين فمن كانت بيعتى في عنقه فهو
من نقضها في حل وقد حللتكم منها وأبرأتكم من أيمانكم ولا عهد لى في رقابكم
ولا عقد وأنتم برآء من ذلك وكان الذى قرأ الرقاع أحمد بن الخصيب ثم قام كل
واحد منهما قائما فقال لمن حضر هذه رقعتى وهذا قولى فاشهدوا على وقد أبرأتكم
من أيمانكم وحللتكم منها فقال لهما المنتصر عند ذلك قد خار الله لكما وللمسلمين وقام
فدخل وكان قد قعد للناس وأقعدهما بالقرب منه فكتب كتابا إلى العمال بخلعهما
وذلك في صفر سنة 248 نسخة كتاب المنتصر بالله إلى أبى العباس محمد بن عبدالله
ابن طاهر مولى أمير المؤمنين في خلع أبى عبدالله المعتز وابراهيم المؤيد من عبدالله
محمد الامام المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبدالله مولى أمير المؤمنين أما
بعد فان الله وله الحمد على آلائه والشكر بجميل بلائه جعل ولاة الامر من خلفائه
القائمين بما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم والذابين عن دينه والداعين إلى حقه
والممضين لاحكامه وجعل ما اختصهم به من كرامته قواما لعباده وصلاحا لبلاده
ورحمة غمر بها خلقه وافترض طاعتهم ووصلها بطاعته وطاعة رسوله محمد صلى الله
عليه وسلم وأوجبها في محكم تنزيله لما جمع فيها من سكون الدهماء واتساق الاهواء
ـ411ـ
ولم الشعث وأمن السبل ووقم العدو وحفظ الحريم وسد الثغور وانتظام الامور
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 411 سطر 1 الى ص 420 سطر 25
ولم الشعث وأمن السبل ووقم العدو وحفظ الحريم وسد الثغور وانتظام الامور
فقال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم فمن الحق على خلفاء الله
الذين حباهم بعظيم نعمته واختصهم بأعلى رتب كرامته واستحفظهم فيما جعله
وسيلة إلى رحمته وسببا لرضاه ومثوبة لان يؤثروا طاعته في كل حال تصرفت
بهم ويقيموا حقه في أنفسهم والاقرب فالاقرب منهم وأن يكون محلهم من
الاجتهاد في كل ماقرب من الله عزوجل حسب موقعهم من الدين وولاية أمر
المسلمين وأمير المؤمنين يسأل الله مسألة رغبة اليه وتذللا لعظمته أن يتولاه فيما
استرعاه ولاية يجمع له بها صلاح ماقلده ويحمل عنه أعباء ماحمله ويعينه بتوفيقه
على طاعته إنه سميع قريب وقد علمت ماحضرت من رفع أبى عبدالله وابراهيم
ابنى أمير المؤمنين المتوكل على الله رضى الله عنه إلى أمير المؤمنين رقعتين بخطوطهما
يذكران فيهما ما عرفهما الله من عطف أمير المؤمنين عليهما ورأفته بهما وجميل
نظره لهما وما كان أمير المؤمنين المتوكل على الله عقده لابى عبدالله من ولاية عهد
أمير المؤمنين ولابراهيم من ولاية العهد بعد أبى عبدالله وأن ذلك العقد كان
وأ بوعبدالله طفل لم يبلغ ثلاث سنين ولم يفهم ما عقد له ولا وقف على ما قلده
وابراهيم صغير لم يبلغ الحلم ولم يجر أحكامهما ولاجرت أحكام الاسلام عليهما
وأنه قد يجب عليهما إذ بلغا ووقفا على عجزهما عن القيام بما عقد لهما من العهد وأسند اليهما
من الاعمال أن ينصحا لله ولجماعة المسلمين بأن يخرجا من هذا الامر الذى عقد
لهما أنفسهما ويعتزلا الاعمال التى قلداها ويجعلا كل من في عنقه لهما بيعة وعليه
بمين في حل إذ كانا لايقومان بما رشحا له ولايصلحان لتقلده وأن يخرج من كان
ضم اليهما ممن في نواحيهما من قواد أمير المؤمنين ومواليه وغلمانه وجنده وشاكريته
وجميع من مع أولئك القواد بالحضرة وخراسان وسائر النواحى عن رسومهما
ويزال عنهم جميعا ذكر الضم اليهما وأن يكونا سوقة من سوق المسلمين وعامتهم
ويصفان مالم يزالا يذكران لامير المؤمنين من ذلك ويسألانه فيه منذ أفضى الله
بخلافته اليه وأنهما قد خلعا أنفسهما من ولاية العهد وخرجا منها وجعلا كل من لهما
ـ412ـ
عليه بيعة ويمين من قواد أمير المؤمنين وجميع أوليائه ورعيته قريبهم وبعيدهم
وحاضرهم وغائبهم في حل وسعة من بيعتهم وأيمانهم ليخلعوهما كما خلعا أنفسهما
وجعلا لامير المؤمنين على أنفسهما عهد الله وأشد ماأخذ على ملائكته وأنبيائه
وعباده من عهد وميثاق وجميع ما أكده أمير المؤمنين عليهما من الايمان بقامتهما
على طاعته ومناصحته وموالاته في السر والعلانية ويسألان أمير المؤمنين أن يظهر
ما فعلاه وينشره ويحضر جميع أوليائه ليسمعوا ذلك منهما طالبين راغبين طائعين
غير مكرهين ولا مجبرين ويقرأ عليهم الرقعتان اللتان رفعاهما بخطوطهما بما ذكرا
من وقوع الامر لهما من ولاية العهد وهما صبيان وخلعهما أنفسهما بعد بلوغهما
وما سألا من صرفهما عن الاعمال التى يتوليانها وإخراج من كان بها ممن ضم
اليهما في نواحيهما من قواد أمير المؤمنين وجنده وغلمانه وشاكريته وجميع من مع
أولئك القواد بالحضرة وخراسان وسائر النواحى عن رسومهما وإزالة ذكر الضم
اليهما عنهم وأن يكتب بالكتاب بذلك إلى جميع عمال النواحى وأن أمير المؤمنين وقف
على صدقهما فيما ذكرا ورفعا وتقدم في احضار جميع اخوته ومن بحضرته من أهل
بيته وقواده ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريته وكتابه وقضاته والفقهاء
وغيرهم وسائر أوليائه الذين كانت وقعت البيعة لهما بذلك عليهم وحضر أبو عبدالله
وابراهيم ابنا أمير المؤمنين المتوكل على الله رضى الله عنه وقرئت رقعتاهما
بخطوطهما بحضرتهما إلى مجلس أمير المؤمنين عليهما وعلى جميع من حضر
وأعادا من القول بعد قراءة الرقعتين مثل الذى كتبا به ورأى أمير المؤمنين أن
يجمع في اجابتهما إلى نشر ما فعلاه وإظهاره وامضائه ذلك قضاء حقوق ثلاثة منها
حق الله عزوجل فيما استحفظه من خلافته وأوجب عليه من النظر لاوليائه فيما يجمع
لهم كلمتهم في يومهم وغدهم ويؤلف بين قلوبهم ومنها حق لراعية الذين هم ودائع الله عنده
حتى يكون المتقلد لامورهم ممن يراعيهم آناء الليل والنهار بعنايته ونظره وتفقده وعدله
ورأفته ومن يقوم بأحكام الله في خلقه ومن يضطلع بثقل السياسة وصواب التدبير
ومنها حق أبى عبدالله وابراهيم فيما يوجبه أمير المؤمنين لهما بإخوتهما وماس
ـ413ـ
رحمهما لانهما لو أقاما على ما خرجا منه مع عجزهما عنه لم يؤمن تأدى ذلك إلى ما يعظم
في الدين ضرره ويعم المسلمين مكروهه ويرجع عليهما عظيم الوزر فيه فخلعهما
أمير المؤمنين إذ خلعا أنفسهما من ولاية العهد وخلعهما جميع اخوة أمير المؤمنين
ومن بحضرته من أهل بيته وخلعهما جميع من حضر من قواد أمير المؤمنين
ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريته وكتابه وقضاته والفقهاء وغيرهم من
سائر أولياء أمير المؤمنين الذين كانت أخذت لهما البيعة عليهم وأمر أمير المؤمنين
بانشاء الكتب بذلك إلى جميع العمال ليتقدموا في العمل بحسب ما فيها ويخلعوا
أبا عبدالله وابراهيم من ولاية العهد إذ كانا قد خلعا أنفسهما من ذلك وحللا الخاص
والعام والحاضر والغائب والدانى والقاصى منه ويسقطوا ذكرهما بولاية العهد
وذكر ما نسبا اليه من نسب ولاية العهد من المعتز بالله والمؤيد بالله من كتبهم
وألفاظهم والدعاء لهما على المنابر ويسقطوا كلما ثبت في دواوينهم من رسومهما
القديمة والحديثة الواقعة على من كان مضموما اليهما ويزيلوا ما على الاعلام والمطارد
من ذكرهما وما سميت به دواب الشاكرية والرابطة من أسمائهما ومحلك من
أمير المؤمنين وحالك عنده على حسب ما أخلص الله لامير المؤمنين من طاعتك
ومناصحتك وموالاتك ومشايعتك ما أوجب الله لك بسلفك ونفسك وما عرف
الله أمير المؤمنين من طاعتك ويمن نقيبتك واجتهادك في قضاء الحق وقد أفردك
أمير المؤمنين بقيادتك وازالة الضم إلى أبى عبدالله عنك وعمن في ناحيتك بالحضرة
وسائر النواحى ولم يجعل أمير المؤمنين بينك وبينه أحدا يرأسك وخرج أمره
بذلك إلى ولاة دواوينه فاعلم ذلك واكتب إلى عمالك بنسخة كتاب أمير المؤمنين
هذا اليك وأوعز اليهم في العمل على حسبه إن شاء الله والسلام وكتب أحمد بن
الخصيب يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين ( وفى
هذه السنة ) توفى المنتصر
ـ414ـ
* ذكر الخبر عن العلة التى كانت فيها وفاته والوقت الذى توفى فيه *
* وقدر المدة التى كانت فيها حياته *
فأما العلة التى كانت بها وفاته فانه اختلف فيها فقال بعضهم أصابته الذبحة في حلقه
يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الاول ومات مع صلاة العصر من يوم الاحد
لخمس ليال خلون من شهر ربيع الآخر * وقيل توفى يوم السبت وقت العصر
لاربع خلون من شهر ربيع الآخر وإن علته كانت من ورم في معدته ثم تصعد
إلى فؤاده فمات وإن علته كانت ثلاثة أيام أو نحوها * وحدثنى بعض أصحابنا أنه
كان وجد حرارة فدعا بعض من كان يتطبب له وأمره بفصده ففصده بمبضع
مسموم فكان فيه منيته وإن الطبيب الذى فصده انصرف إلى منزله وقد وجد
حرارة فدعا تلميذا له فأمره بفصده ووضع مباضعيه بين يديه ليتخير أجودها وفيها
المبضع المسموم الذى فصد به المنتصر وقد نسيه فلم يجد التلميذ في المباضع التى
وضعت بين يديه مبضعا أجود من المبضع المسموم ففصد به أستاذه وهو لا يعلم
أمره فلما فصده به نظر اليه صاحبه فعلم أنه هالك فأوصى من ساعته وهلك من
يومه * وقد ذكر أنه وجد في رأسه علة فقطر ابن الطيفورى في أذنه دهنا فورم
رأسه وعوجل فمات ( وقد قيل ) إن ابن الطيفورى انما سمه في محاجمه ولم أزل
أسمع الناس حين أفضت اليه الخلافة من لدن ولى إلى أن مات يقولون إنما مدة
حياته ستة أشهر مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه مستفيضا ذلك على ألسن العامة
والخاصة وذكر عن يسر الخادم وكان فيما ذكر يتولى بيت المال للمنتصر في
أيام إمارته أنه قال كان المنتصر يوما من الايام في خلافته نائما في ايوانه فانتبه
وهو يبكى وينتحب قال فهبته أن أسأله عن بكائه ووقفت وراء الباب فاذا عبدالله
ابن عمر البازيار قد وافى فسمع نحيبه وشهيقه فقال لى ماله ويحك يايسر فأعلمته
أنه كان نائما فانتبه باكيا فدنا منه فقال له مالك يا أمير المؤمنين تبكى لا أبكى الله
عينك قال ادن منى يا عبدالله فدنا منه فقال له كنت نائما فرأيت فيما يرى النائم
كأن المتوكل قد جاءنى فقال لى ويلك يا محمد قتلتنى وظلمتنى وغبنتنى خلافتى والله
ـ415ـ
لا تمتعت بها بعدى الا أياما يسيرة ثم مصيرك إلى النار فانتبهت وما أملك عينى
ولا جزعى فقال له عبدالله هذه الرؤيا وهى تصدق وتكذب بل يعمرك ويسرك
الله فادع الآن بالنبيذ وخذ في اللهو ولا تعبأ بالرؤيا قال ففعل ذلك وما زال منكسرا
إلى أن توفى * وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعة من الفقهاء وأعلمهم
مذاهبه وحكى عنه أمورا قبيحة كرهت ذكرها في الكتاب فأشاروا عليه بقتله
فكان من أمره ما ذكرنا بعضه * وذكر عنه أنه لما اشتدت به علته خرجت اليه
أمه فسألته عن حاله فقال ذهبت والله منى الدنيا والآخرة * وذكر عن ابن دهقانة
أنه قال كنا في مجلس المنتصر يوما بعد ما قتل المتوكل فتحدث المسدود الطنبورى
بحديث فقال المنتصر متى كان هذا فقال ليلة لاناه ولازاجر فاحفظ ذلك المنتصر
وذكر عن سعيد بن سلمة النصرانى أنه قال خرج علينا أحمد بن الخصيب مسرورا
يذكر أن أمير المؤمنين المنتصر رأى في ليلة في المنام أنه صعد درجة حتى انتهى
إلى خمس وعشرين مرقاة منها فقيل له هذا ملكك وبلغ الخبر ابن المنجم فدخل
عليه محمد بن موسى وعلى بن يحيى المنجم مهنئين له بالرؤيا فقال لم يكن الامر
على ماذكر لكم أحمد بن الخصيب ولكنى حين بلغت آخر المراقى قيل لى قف
فهذا آخر عمرك واغتم لذلك غما شديدا فعاش بعد ذلك أياما تتمة سنة ثم
مات وهو ابن خمس وعشرين سنة ( وقيل ) توفى وهو ابن خمس وعشرين سنة وستة
أشهر ( وقيل ) بل كان عمره أربعا وعشرين سنة وكانت مدة خلافته ستة أشهر في قول
بعضهم ويومين ( وقيل ) كانت ستة أشهر سواء وقيل كانت مائة يوم وتسعة
وسبعين يوما وكان وفاته بسامرا بالقصر المحدث بعد أن أظهر في إخوته ما أظهر
بأربع وأربعين ليلة وذكر أنه لما حضرته الوفاة قال
فما فرحت نفسى بدنيا أخذتها * ولكن إلى الرب الكريم أصير
وصلى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرا وبها كان مولده وكان أعين أقنى قصيرا
جيد البضعة وكان فيما ذكر مهيبا وهو أول خليفة من بنى العباس فيما قيل عرف
قبره وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره وكانت كنيته أبا جعفر واسم أمه حبشية
ـ416ـ
وهى أم ولد رومية
* ذكر بعض سيره *
* ذكر أن المنتصر لما ولى الخلافة كان أول شئ أحدث من الامور عزل
صالح عن المدينة وتولية على بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد إياها
فذكر عن على بن الحسين أنه قال دخلت عليه أودعه فقال لى يا على إنى أوجهك
إلى لحمى ودمى ومد جلد ساعده وقال إلى هذا وجهتك فانظر كيف تكون للقوم
وكيف تعاملهم يعنى آل أبى طالب فقلت أرجو أن أمتثل رأى أمير المؤمنين
أيده الله فيهم إن شاء الله فقال إذا تسعد بذلك عندى . وذكر عن محمد بن هارون
كاتب محمد بن على برد الخيار وخليفته على ديوان ضياع ابراهيم المؤيد أنه أصيب
مقتولا على فراشه به عدة ضربات بالسيف فأحضر ولده خادما أسود كان له
ووصيفا ذكر أن الوصيف أقر على الاسود فأدخل على المنتصر وأحضر جعفر
ابن عبدالواحد فسئل عن قتله مولاه فأقر به ووصف فعله به . وسبب قتله إياه
فقال له المنتصر ويلك لم قتلته فقال له الاسود لما قتلت أنت أباك المتوكل فسأل
الفقهاء في أمره فأشاروا بقتله فضرب عنقه وصلبه عند خشبة بابك ( وفى هذه
السنة ) حكم محمد بن عمرو الشارى وخرج بناحية الموصل فوجه اليه المنتصر إسحاق
ابن ثابت الفرغانى فأخذه أسيرا مع عدة من أصحابه فقتلوا وصلبوا ( وفيها )
تحرك يقعوب بن الليث الصفار من سجستان فصار إلى هراة . وذكر عن أحمد بن
عبدالله بن صالح صاحب المصلى أنه قال كان لابى مؤذن فرآه بعض أهلنا في المنام
كأنه أذن أذانا لبعض الصلوات ثم دنا من بيت فيه المنتصر فنادى يا محمد
يا منتصر إن ربك لبالمرصاد . وذكر عن بنان المغنى وكان فيما قيل أخص الناس
بالمنتصر في حياة أبيه وبعد ما ولى الخلافة أنه قال سألت المنتصر أن يهب لى ثوب
ديباج وهو خليفة فقال أوخير لك من الثوب الديباج قلت وما هو قال تمارض
حتى أعودك فانه سيهدى لك أكثر من الثوب الديباج قال فمات في تلك الايام ولم
يهب لى شيئا ( وفى هذه السنة ) بويع بالخلافة أحمد بن محمد بن المعتصم
ـ417ـ
* خلافة أحمد بن المعتصم وهو المستعين ويكنى أبا العباس *
* حدثنى أ بوعبدالله الحسين بن عبدالله بن حفص بن عمر الاخبارى قال
حدثنى على بن الحسين بن عبدالاعلى الاسكافى قال لما مات المنتصر بالله وذلك
في يوم السبت وقت العصر لاربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين
ومائتين اجتمع الموالى وفيهم بغا الكبير وأنا أكتب له وبغا الصغير وأتامش
فحلفوا قواد الاتراك والمغاربة على أن يرضوا بمن رضوا به فحلفوا على ذلك قال
على بن الحسين وكنت أنا آخذ البيعة والايمان عليهم وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب فأجمع
رأيهم على أن لايولوا أحدا من ولد المتوكل على الله لئلا يغتالهم بدم أبيه ثم اجتمعوا
على أحمد بن المعتصم فقالوا ابن مولانا المعتصم فجاء محمد بن موسى المنجم فسار إلى
أحمد بن الخصيب وبغا وقال أتولون رجلا عنده أنه أحق الناس بالخلافة قبل المتوكل
وأنكم دفعتموها عنه وأنه أحق بالامر من المتوكل والمنتصر فبأى عين يراكم وأى
قدر يكون لكم عنده ولكن أطيعوا إنسانا يعرف لكم ذلك قال وإنما فعل
محمد بن موسى المنجم هذا لان أحمد بن المعتصم صاحب الكندى الفيلسوف والكندى
عدو لمحمد وأحمد ابنى المنجم فقبلوا رأيه إلا بغا الكبير فانه قال نجئ بمن نهابه ونفرقه
فنبقى معه وإن جئنا بمن يخافنا حسد بعضنا بعضا فقتلنا أنفسنا ثم ذكروا أبا العباس
أحمد بن محمد بن المعتصم وقالوا هو من ولد مولانا المعتصم ولم نخرجها عنهم ونصطنعه
فيعرف لنا ذلك ولم يزالوا ببغا الكبير حتى وافقهم عليه فأحضروا أحمد بن محمد
ليلة الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر وهو ابن ثمان وعشرين سنة
* ذكر الخبر عن سبب ولايته والوقت الذى بويع له فيه *
ذكر أن المنتصر لما توفى وذلك يوم السبت عند العصر لاربع خلون من
شهر ربيع الآخر من سنة 248 اجتمع الموالى إلى الهارونى يوم الاحد وفيهم
بغا الصغير وبغا الكبير وأتامش ومن معهم فاستحلفوا قواد الاتراك والمغاربة
والاشر وسنية وكان الذى يستحلفهم على بن الحسين بن عبد الاعلى الاسكافى
( 27 7 )
ـ418ـ
كاتب بغا الكبير على أن يرضوا بمن يرضى به بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش
وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب فحلف القوم وتشاوروا بينهم وكرهوا أن يتولى
الخلافة أحمد من ولد المتوكل لقتلهم أباه وخوفهم أن يغتالهم من يتولى الخلافة
منهم فأجمع أحمد بن الخصيب ومن حضر من الموالى على أحمد بن محمد بن المعتصم
فقالوا لايخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم وقد كانوا قبله ذكروا جماعة من
بنى هاشم فبايعوه وقت العشاء الآخرة من ليلة الاثنين لست خلون من شهر ربيع
الآخر من هذه السنة وهو ابن ثمان وعشرين سنة ويكنى أبا العباس فاستكتب
أحمد بن الخصيب واستوزر أتامش فلما كان يوم الاثنين لست خلون من شهر
ربيع الآخر صار إلى دار العامة من طريق العمرى بين البساتين وقد ألبسوه
الطويلة وزى الخلافة وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة قبل طلوع الشمس
ووافى واجن الاشروسنى باب العامة من طريق الشارع على بيت المال فصف
أصحابه صفين وقام في الصف هو وعدة من وجوه أصحابه وحضر الدار أصحاب
المراتب من ولد المتوكل و العباسيين و الطالبيين وغيرهم ممن لهم مرتبة فبيناهم كذلك
وقد مضى من النهار ساعة ونصف جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق فإذا
نحو من خمسين فارسا من الشاكرية ذكروا أنهم من أصحاب أبى العباس محمد بن
عبدالله ومعهم قوم من فرسان طبرية وأخلاط من الناس ومعهم من الغوغاء
والسوقة نحو من ألف رجل فشهروا السلاح وصاحوا معتز يامنصور وشدوا
على صفى الاشروسنية اللذين صفهما واجن فصعصعوا وانضم بعضهم إلى
بعض ونفر من على باب العامة من المبيضة مع الشاكرية فكثروا فشد عليهم المغاربة
والاشر وسنية فهزموهم حتى أدخلوهم الدرب الكبير المعروف بزرافة وعزون
وحمل قوم منهم على المعتزية فكشفوهم حتى جاوزوا بهم دار أخى عزون بن إسماعيل
وهم في مضيق الطريق فوقف المعتزية هنالك ورمى الاشروسنية عدة منهم
بالنشاب وضربوهم بالسيوف ونشبت الحرب بينهم وأقبلت المعتزية والغوغاء
يكبرون فوقعت بينهم قتلى كثيرة إلى أن مضى من النهار ثلاث ساعات ثم انصرف
ـ419ـ
الاتراك وقد بايعوا أحمد بن محمد بن المعتصم وانصرفوا مما يلى العمرى والبساتين
وأخذ الموالى قبل نصرافهم البيعة على من حضر الدار من الهاشميين وغيرهم
وأصحاب المراتب وخرج المستعين من باب العامة منصرفا إلى الهارونى فبات
هنالك ومضى الاشروسنية إلى الهارونى وقد قتل من الفريقين عدد كثير ودخل قوم
من الاشروسنية دورا فظفرت بهم الغوغاء فأخذوا دروعهم وسلاحهم وجواشنهم
ودوابهم ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة منصرفين إلى الهارونى فانتهبوا الخزانة
التى فيها السلاح والدروع والجواشن والسيوف واللجم الثغرية وأكثروا منها
وربما مر أحدهم بالجواشن والحراب فأكثر وانتهبوا في دار أرمش بن أبى
أيوب بحضرة أصحاب الفقاع تراس خيزران وقنابلا أسنة فكثرت الرماح والتراس
في أيدى الغوغاء وأصحاب الحمامات وغلمان الباقلى ثم جاءتهم جماعة من الاتراك
منهم بغا الصغير من درب زرافة فأجلوهم من الخزانة وقتلوا منهم عدة وأمسكوا
قليلا ثم انصرف الفريقان وقد كثرت القتلى بينهم وأقبل الغوغاء لايمر أحد من
الاتراك من أسافل سامرا يريد باب العامة إلا انتهبوا سلاحه وقتلوا جماعة منهم
عند دار مبارك المغربى وعند دار حنش أخى يعقوب قوصرة في شوارع سامرا
وعامة من انتهب فيما ذكر هذا السلاح أصحاب الفقاع والناطف وأصحاب الحمامات
والسقاءون وغوغاء الاسواق فلم يزل ذلك أمرهم إلى نصف النهار وتحرك أهل
السجن بسامرا في هذا اليوم فهرب منهم جماعة ثم وضع العطاء على البيعة وبعث
بكتاب البيعة إلى محمد بن عبدالله بن طاهر في اليوم الذى بويع له فيه وكان وصوله
إلى محمد في اليوم الثانى ووافى به أخ لاتامش ومحمد بن عبدالله في نزهة له فوجه
الحاجب إليه وأعلمه مكانه فرجع من ساعته وبعث إلى الهاشميين والقواد والجند
ووضع لهم الارزاق وورد في هذه السنة على المستعين وفاة طاهر عبدالله بن طاهر
بخراسان في رجب فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر بن عبدالله بن طاهر على
خرسان ولمحمد بن عبدالله على العراق وجعل اليه الحرمين والشرطة ومعاون
السواد برأسه وأفرده به وعقد في الجوسق لمحمد بن طاهر بن عبدالله بن طاهر
ـ420ـ
على خراسان والاعمال المضمومة إليها خاصة يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت
من شعبان ومرض بغا الكبير في جمادى الآخرة فعاده المستعين في النصف منها
ومات بغا من يومه فعقد لموسى ابنه على أعماله وعلى أعمال أبيه كلها وولى
ديوان البريد ( وفى هذه السنة ) وجه أنوجور التركى إلى أبى العمود الثعلبى
فقتله يوم السبت بكفر توثى لخمس بقين من شهر ربيع الآخر ( وفيها ) خرج
عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج فوجه خلفه رسول من الشيعة اسمه شعيب
بنفيه إلى برقة ومنعه من الحج ( وفيها ) ابتاع المستعين من المعتز والمؤيد في جمادى
الاولى منها جميع ما كان لهما خلا شيئا استثنى منه المعتز قيمته مائة ألف دينار
وأخذ له ولابراهيم غلة بثمانين ألف دينار في السنة فلما كان يوم الاثنين لاثنتى
عشرة ليلة خلت من رمضان ابتيع من المعتز والمؤيد جميع مالهما من الدور والمنازل
والضياع والقصور والفرش والآلة وغير ذلك بعشرين ألف دينار وأشهدا
عليهما بذلك الشهود والعدول والقضاة وغيرهم وقيل ابتيع مالهما من الضياع وترك
إلى أبى عبدالله ما يكون غلته من العين في السنة عشرين ألف دينار ولابراهيم
ما تبلغ قمية غلته في السنة خمسة آلاف دينار فكان ما ابتيع من أبى عبدالله بعشرة
آلاف ألف دينار وعشر حبات لؤلؤ ومن إبراهيم بثلاثة آلاف ألف درهم
وثلاث حبات لؤلؤ وأشهدوا عليهما بذلك الفقهاء والقضاة وكان الشرى باسم
الحسن بن مخلد للمستعين وذلك في شهر ربيع الآخر سنة 248 وحبسا في حجرة
الجوسق ووكل بهما وجعل أمرهما إلى بغا الصغير وكان الاتراك قد أرادوا
حين شغب الغوغاء والشاكرية قتلهما فمنعهم من ذلك أحمد بن الخصيب وقال
ليس لهما ذنب ولا المشغبة من أصحابهما وإنما المشغبة من أصحاب ابن طاهر
ولكن احبسوهما فحبسا ( وفيها ) غضب الموالى على أحمد بن الخصيب وذلك في
جمادى الاولى منها واستصفى ماله ومال ولده ونفى إلى افريطش ( وفيها ) صرف
على بن يحيى عن الثغور الشأمية وعقد له على أرمينية وآذربيجان في شهر رمضان
من هذه السنة ( وفيها ) شغب أهل حمص على كيدر بن عبيد الله عامل المستعين
ـ421ـ
عليها فأخرجوه منها فوجه إليهم الفضل بن قارن فمكر بهم حتى أخذهم وقتل منهم
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 421 سطر 1 الى ص 430 سطر 26
عليها فأخرجوه منها فوجه إليهم الفضل بن قارن فمكر بهم حتى أخذهم وقتل منهم
خلقا كثيرا وحمل منهم مائة رجل من عيونهم إلى سامرا وهدم سورهم ( وفيها )
غزا الصائفة وصيف وكان مقيما بالثغر الشأمى حتى ورد عليه موت المنتصر ثم
دخل بلاد الروم فافتتح حصنا يقال له فرورية وعقد المستعين فيها لاتامش
على مصر والمغرب واتخذه وزيرا ( وفيها ) عقد لبغا الشرابى على حلوان
وماسبذان ومهرجان قذق وصير المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه
وحرمه وخزائنه وخاص أموره وقدمه أتامش على جميع الناس ( وحج ) بالناس
في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبى
* ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك غزو جعفر بن دينار الصائفة فافتتح حصنا ومطامير
واستأذنه عمر بن عبيدالله الاقطع في المصير إلى ناحية من بلاد الروم فأذن
له فسار ومعه خلق كثير من أهل ملطية فلقيه الملك في جمع من الروم عظيم
بموضع يقال له أرز من مرج الاسقف فحاربه بمن معه محاربة شديدة قتل فيها
خلق كثير من الفريقين ثم أحاطت به الروم وهم خمسون ألفا فقتل عمر
وألفا رجل من المسلمين وذلك في يوم الجمعة للنصف من رجب ( وفيها )
قتل على بن يحيى الارمنى
* ذكر الخبر عن سبب قتله *
ذكر أن الروم لما قتلت عمر بن عبيد الله خرجوا إلى الثغور الجزرية وكلبوا عليها وعلى
حرم المسلمين بها فبلغ ذلك على بن يحيى وهو قافل من أرمينية إلى ميافارقين فنفر
اليهم في جماعة من أهل ميافارقين والسلسلة فقتل في نحو من أربعمائة رجل
وذلك في شهر رمضان ( وشغب ) الجند والشاكرية ببغداد في هذه السنة في
أول يوم من صفر
ـ422ـ
* ذكر الخبر عن السبب في ذلك *
وكان السبب في ذلك أن الخبر لما اتصل بأهل مدينة السلام وسامرا
وسائر ماقرب منهما من مدن الاسلام بمقتل عمر بن عبيد الله الاقطع وعلى بن
يحيى الارمنى وكانا نابين من أنياب المسلمين شديدا باسهما عظيما غناؤهما عنهم
في الثغور التى هما بها شق ذلك عليهم وعظم مقتلهما في صدورهم مع قرب مقتل
أحدهما من مقتل الآخر ومع ما لحقهم من استفظاعهم من الاتراك قتل المتوكل
واستيلائهم على أمور المسلمين وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء واستخلافهم
من أحبوا استخلافه من غير رجوع منهم إلى ديانة ولانظر للمسلمين فاجتمعت
العامة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير وانضمت اليها الابناء والشاكرية تظهر
أنها تطلب الارزاق وذلك أول يوم من صفر ففتحوا سجن نصر بن مالك
وأخرجوا من فيه وفى القنطرة بباب الجسر وكان فيها جماعة فيما ذكر من رفوغ
خراسان و الصعاليك من أهل الجبال والمحمرة وغيرهم وقطعوا أحد الجسرين
وضربوا الآخر بالنار وانحدرت سفنه وانتهب ديوان قصص المحبسين وقطعت
الدفاتر وألقيت في الماء وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابنى هارون ا لنصرانيين
كاتبى محمد بن عبدالله وذلك كله بالجانب الشرقى من بغداد وكان والى الجانب
الشرقى حينئذ أحمد بن محمد بن خالد بن هرثمة ثم أخرج أهل اليسار من أهل بغداد
وسامرا أموالا كثيرة من أموالهم فقووا من خف للنهوض إلى الثغور لحرب
الروم بذلك وأقبلت العامة من نواحى الجبل وفارس والاهواز وغيرها لغزو
الروم فلم يبلغنا أنه كان السلطان فيما كان من الروم إلى المسلمين من ذلك تغيير
ولا توجيه جيش اليهم لحربهم في تلك الايام ولتسع بقين من شهر ربيع الاول
وثب نفر من الناس لايدرى من هم يوم الجمعة بسامرا ففتحوا السجن بها وأخرجوا
من فيه فوجه في طلب النفر الذين فعلوا ذلك زرافة في جماعة من الموالى فوثب
بهم العامة فهزموهم ثم ركب في ذلك أتامش ووصيف وبغا وعامة الاتراك فقتلوا
من العامة جماعة وألقى على وصيف فيما ذكر لى قدر مطبوخ يقال بل رماه قوم
ـ423ـ
من العامة عند الشريحة بحجر فأمر وصيف النفاطين فقذفوا ما هنالك من حوانيت
التجار ومنازل الناس بالنار فأنا رأيت ذلك الموضع محترقا وذلك بسامرا عند
دار إسحاق * وذكر أن المغاربة انتهبت منازل جماعة من العامة في ذلك اليوم ثم
سكن الامر في آخر ذلك اليوم وعزل بسبب ما كان من العامة والنفر الذين
ذكرت في ذلك اليوم من الحركة أحمد بن جميل عما كان اليه من المعونة بسامرا
وولى مكانه إبراهيم بن سهل الدراج ( وفى هذه السنة ) قتل أتامش وكاتبه
شجاع وذلك يوم السبت لاربع عشرة خلون من شهر ربيع الآخر منها
* ذكر الخبر عن سبب مقتله *
ذكر أن المستعين لما أفضت اليه الخلافة أطلق يد أتامش وشاهك الخادم
في بيوت الاموال وأباحهما فعل ما أرادا فعله فيها وفعل ذلك أيضا بأم نفسه فلم
يمنعها من شئ تريده وكان كاتبها سلمة بن سعيد النصرانى فكانت الاموال التى
ترد على السلطان من الآفاق إنما يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة الانفس فعمد
أتامش إلى ما في بيوت الاموال من الاموال فاكتسحه وكان المستعين قد جعل
ابنه العباس في حجر أتامش فكان ما فضل من الاموال عن هؤلاء الثلاثة الانفس
يؤخذ للعباس فيصرف في نفقاته وأسبابه وصاحب ديوان ضياعه يومئذ دليل
فاقتطع من ذلك أموالا جليلة لنفسه وجعلت الموالى تنظر إلى الاموال تستهلك
وهم في ضيقة وجعل أتامش وهو صاحب المستعين وصاحب أمره والمستولى
عليه ينفذ أمور الخلافة ووصيف وبغا من ذلك كله بمعزل فأغريا الموالى به ولم
يزالا يدبران الامر عليه حتى أحكما التدبير فتذمرت الاتراك والفراغنة على
أتامش وخرج اليه منهم يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر
من هذه السنة أهل الدور والكرخ فعسكروا وزحفوا اليه وهو في الجوسق
مع المستعين وبلغه الخبر فأراد الهرب فلم يمكنه واستجار بالمستعين فلم يجره
فأقاموا على ذلك من أمرهم يوم الخميس ويوم الجمعة فلما كان يوم السبت دخلوا
الجوسق فاستخرجوا أتامش من موضعه الذى توارى فيه فقتل وقتل كاتبه
ـ424ـ
شجاع بن القاسم وانتهبت دار أتامش فأخذ منها فيما بلغنى أموال جليلة ومتاع
وفرش وآلة ولما قتل أتامش استوزر المستعين أبا صالح عبدالله بن محمد بن
يزداد وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج ووليه عيسى بن فرخانشاه
وولى وصيف الاهواز وبغا الصغير فلسطين في شهر ربيع الآخر ثم غضب بغا
الصغير وحزبه على أبى صالح بن يزداد فهرب أبوصالح إلى بغداد في شعبان وصير
المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجرائى فصير ديوان الرسائل إلى سعيد بن حميد
رياسة فقال في ذلك الحمدونى
لبس السيف سعيد بعدما * عاش ذا طمرين لانوبة له
إن الله لآيات وذا * آية لله فينا منزله
( وفيها ) قتل على بن الجهم بن بدر وكان سبب ذلك أنه توجه من بغداد
إلى الثغر فلما كان بقرب حلب بموضع يقال له خساف لقيته خيل لكلب فقتلته
وأخذ الاعراب ما كان معه فقال وهو في السياق
أزيد في الليل ليل * أم سال بالصبح سيل
ذكرت أهل دجيل * وأين منى دجيل
وكان منزله في شارع الدجيل ( وفيها ) عزل جعفر بن عبدالواحد عن القضاء
ووليه جعفر بن محمد بن عمار البرجمى من أهل الكوفة وقد قيل إن ذلك في سنة 250
( وفيها ) أصاب أهل الرى في ذى الحجة زلزلة شديدة ورجفة تهدمت منها الدور
ومات خلق من أهلها وهرب الباقون من أهلها من المدينة فنزلوا خارجها ومطر
أهل سامرا يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الاولى وذلك يوم السادس عشر من
تموز مطر جود برعد وبرق فأطبق الغيم ذلك اليوم ولم يزل المطر جودا سائلا
يومئذ إلى اصفرار الشمس ثم سكن ( وتحركت ) المغاربة في هذه السنة يوم الخميس
لثلاث خلون من جمادى الاولى وكانوا يجتمعون قرب الجسر بسامرا ثم تفرقوا
يوم الجمعة ( وحج ) بالناس في هذه السنة عبدالصمد بن موسى بن محمد بن ابراهيم
الامام وهو والى مكة
ـ425ـ
* ثم دخلت سنة خمسين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من ظهور يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن على
ابن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه المكنى بأبى الحسين بالكوفة
وفيها كان مقتله
* ذكر الخبر عن سبب ظهوره وما آل اليه أمره *
ذكر أن أبا الحسين يحيى بن عمر وأمه أم الحسين فاطمة بن الحسين بن
عبدالله بن اسماعيل بن عبدالله بن جعفر بن أبى طالب نالته ضيقة شديدة ولزمه
دين ضاق به ذرعا فلقى عمر بن فرج وهو يتولى أمر الطالبيين عند مقدمه من خراسان
أيام المتوكل فكلمه في صلته فأغلظ عليه عمر القول فقذفه يحيى بن عمر في مجلسه
فحبس فلم يزل محبوسا إلى أن كفل به أهله فأطلق بشخص إلى مدينة السلام فأقام
بها بحال سيئة ثم صار إلى سامرا فلقى وصيفا في رزق يجرى له فأغلظ له وصيف
في القول وقال لاى شئ يجرى على مثلك فانصرف عنه * فذكر ابن أبى طاهر
أن ابن الصوفى الطالبى حدثه أنه أتاه في الليلة التى كان خروجه في صبيحتها فبات
عنده ولم يعلمه بشئ مما عزم عليه وأنه عرض عليه الطعام وتبين فيه أنه جائع فأبى
أن يأكل وقال إن عشنا أكلنا قال فتبينت أنه قد عزم على فتكة وخرج من
عندى فجعل وجهه إلى الكوفة وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن
سليمان عاملا عليها من قبل محمد بن عبدالله بن طاهر فجمع يحيى بن عمر جمعا كثيرا
من الاعراب وضوى اليه جماعة من أهل الكوفة فأتى الفلوجة فصار إلى قرية
تعرف بالعمد فكتب صاحب البريد بخبره فكتب محمد بن عبدالله بن طاهر إلى
أيوب بن الحسن وعبدالله بن محمود السرخسى وكان عامل محمد بن عبدالله على
معاون السواد يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى بن عمر وكان على الخراج
بالكوفة بدر بن الاصبغ فمضى يحيى بن عمر في سبعة نفر من الفرسان إلى الكوفة
ـ426ـ
فدخلها وصار إلى بيت مالها فأخذ مافيه والذى وجد فيه ألفا دينار وزيادة شئ
ومن الورق سبعون ألف درهم وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجنين وأخرج
جميع من كان فيهما وأخرج عمالها عنها فلقيه عبدالله بن محمود السرخسى وكان
في عداد الشاكرية فضربه يحيى بن عمر ضربة على قصاص شعره في وجهه أثخنته
فانهزم ابن محمود مع أصحابه وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود من الدواب والمال
ثم خرج يحيى بن عمر من الكوفة إلى سوادها فصار إلى موضع يقال له بستان أو
قريبا منه على ثلاثة فراسخ من جنبلاء ولم يقم بالكوفة وتبعته جماعة من الزيدية
فاجتمعت على نصرته جماعة من قرب من تلك الناحية من الاعراب وأهل الطفوف
والسيب الاسفل وإلى ظهر واسط ثم أقام بالبستان فكثر جمعه فوجه محمد بن
عبدالله لمحاربته الحسين بن اسماعيل بن ابراهيم بن مصعب وضم اليه من ذوى البأس
والنجدة من قواده جماعة مثل خالد بن عمران و عبدالرحمن بن الخطاب المعروف
بوجه الفلس وأبى السنا الغنوى وعبدالله بن نصر بن حمزة وسعد الضبابى ومن
الاسحاقية أحمد بن محمد بن الفضل وجماعة من خاصة ا لخراسانية وغيرهم وشخص
الحسين بن اسماعيل فنزل بإزاء هفندى في وجه يحيى بن عمر لايقدم عليه الحسين
ابن اسماعيل ومن معه وقصد يحيى نحو البحرية وهى قرية بينها وبين قسين خمس
فراسخ ولو شاء الحسين أن يلحقه لحقه ثم مضى يحيى بن عمر في شرق السيب والحسين
في غربيه حتى صار إلى أحمد اباذ فعبر إلى ناحية سورا وجعل الجند لا يلحقون
ضعيفا عجز عن اللحاق بيحيى إلا أخذوه وأوقفوا بمن صار إلى يحيى بن عمر من أهل
تلك القرى وكان أحمد بن الفرج المعروف بابن الفزارى يتولى معونة السيب لمحمد
ابن عبدالله فحمل ما اجتمع عنده من حاصل السيب قبل دخول يحيى بن عمر أحمداباذ
فلم يظفر به ومضى يحيى بن عمر نحو الكوفة فلقيه عبدالرحمن بن الخطاب
وجه الفلس فقاتله بقرب جسر الكوفة قتالا شديدا فانهزم عبدالرحمن
ابن الخطاب وانحاز إلى ناحية شاهى ووافاه الحسين بن اسماعيل فعسكر بها
ودخل يحيى بن عمر الكوفة واجتمعت اليه الزيدية ودعا إلى الرضى من آل محمد
ـ427ـ
وكثف أمره واجتمعت اليه جماعة من الناس وأحبوه وتولاه العامة من
أهل بغداد ولايعلم أنهم تولوا من أهل بيته غيره وبايعه بالكوفة جماعة لهم
بصائر وتدبير في تشيعم ودخل فيهم أخلاط لاديانة لهم وأقام الحسين بن اسماعيل
بشاهى واستراح وأراح أصحابه دوابهم ورجعت اليهم أنفسهم وشربوا العذب
من ماء الفرات واتصلت بهم الامداد والميرة والاموال وأقام يحيى بن عمر بالكوفة
يعد العدد ويطبع السيوف ويعرض الرجال ويجمع السلاح وإن جماعة من
الزيدية ممن لا علم له بالحرب أشاروا على يحيى بمعالجة الحسين وألحت عليه عوام
أصحابه بمثل ذلك فزحف إليه من ظهر الكوفة من وراء الخندق ليلة الاثنين
لثلاث عشرة خلت من رجب ومعه الهيضم العجلى في فرسان من بنى عجل وأناس
من بنى أسد ورجالة من أهل الكوفة ليسوا بذوى علم ولاتدبير ولاشجاعة
فأسروا ليلتهم ثم صبحوا حسينا وأصحابه وأصحاب حسين متسريحون ومستعدون
فثاروا اليهم في الغلس فرموا ساعة ثم حمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا
ووضع فيهم السيف فكان أول أسير الهيضم بن العلاء بن جمهور العجلى فانهزم
رجالة أهل الكوفة وأكثرهم عزل بغير سلاح ضعفى القوى خلقان الثياب
فداستهم الخيل وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر وعليه جوشن تبتى وقد
تقطر به البرذون الذى أخذه من عبدالله بن محمود فوقف عليه ابن لخالد بن عمران
يقال له خير فلم يعرفه وظن أنه رجل من أهل خراسان لما رأى عليه الجوشن
ووقف عليه أيضا أبوالغور بن خالد بن عمران فقال لخير بن خالد يا أخى هذا
والله أبو الحسين قد انفرج قلبه وهو نازل لايعرف القصة لانفراج قلبه فأمر
خير رجلا من أصحابه المواصلين من العرفاء يقال له محسن بن المنتاب فنزل إليه
فذبحه وأخذ رأسه وجعله في قوصرة ووجهه مع عمر بن الخطاب أخى عبدالرحمن
ابن الخطاب إلى محمد بن عبدالله بن طاهر وادعى قتله غير واحد * فذكر عن
العرس بن عراهم أنهم وجدوه باركا ووجدوا خاتمه مع رجل يعرف بالعسقلانى
مع سيفه وادعى أنه طعنه وسلبه وادعى سعد الضبابى أنه قتله وذكر عن
ـ428ـ
أبى الحسين خال أبى السنا أنه طعن في الغلس رجلا في ظهره لايعرفه فأصابوا في
ظهر أبى الحسين طعنة ولايدرى من قتله لكثرة من ادعاه وورد الرأس دار
محمد بن عبدالله بن طاهر وقد تغير فطلبوا من يقور ذلك اللحم ويخرج الحدقة
والغلصمة فلم يوجد وهرب الجزارون وطلب ممن في السجن من الخرمية الذباحين
من يفعل ذلك فلم يقدم عليه أحد إلا رجل من عمال السجن الجديد يقال له سهل
ابن الصغدى فانه تولى إخراج دماغه وعينيه وقوره بيديه وحشى بالصبر والمسك
والكافور بعد أن غسل وصير في القطن وذكروا أنهم رأوا بجبينه ضربة بالسيف
منكرة ثم إن محمد بن عبدالله بن طاهر أمر بحمل رأسه إلى المستعين من غد اليوم
الذى وافاه فيه وكتب اليه بالفتح بيده ونصب رأسه بباب العامة بسامرا واجتمع
الناس لذلك وكثروا وتذمروا وتولى ابراهيم الديرج نصبه لان إبراهيم بن إسحاق
خليفة محمد بن عبدالله أمره فنصبه لحظة ثم حط ورد إلى بغداد لينصب بها
بباب الجسر فلم يتهيأ ذلك لمحمد بن عبدالله لكثرة من اجتمع من الناس
وذكر لمحمد بن عبدالله أنهم على أخذه اجتمعوا فلم ينصبه وجعله
في صندوق في بيت السلاح في داره ووجه الحسين بن اسماعيل بالاسرى
ورؤوس من قتل معه مع رجل يقال له أحمد بن عصمويه ممن كان مع إسحاق
ابن إبراهيم فكدهم وأجاعهم وأساء بهم فأمر بهم فحبسوا في سجن الجديد وكتب
فيهم محمد بن عبدالله يسأل الصفح عنهم فأمر بتخليتهم وأن تدفن الرؤس ولا
تنصب فدفنت في قصر بباب الذهب * وذكر عن بعض الطاهريين أنه حضر
مجلس محمد بن عبدالله وهو يهنى بمقتل يحيى بن عمر وبالفتح وجماعة من الهاشميين
و الطالبيين وغيرهم حضور فدخل عليه داود بن الهيثم أبوهاشم الجعفرى فيمن
دخل فسمعهم يهنونه فقال أيها الامير إنك لتهنى بقتل رجل لو كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم حيا لعزى به فما رد عليه محمد بن عبدالله شيئا فخرج أبوهاشم
الجعفرى وهو يقول
يابنى طاهر كلوه وبيا * إن لحم النبى غير مرى
ـ429ـ
إن وترا يكون طالبه الل * ه لوتر نجاحه بالحرى
وكان المستعين قد وجه كلباتكين مددا للحسين ومستظهرا به فلحق حسينا
بعد ما هزم القوم وقتل يحيى بن عمر فمضى ومعهم صاحب بريد الكوفة فلقى جماعة
ممن كان معه يحيى بن عمر ومعهم أسوقة وأطعمة يريدون عسكر يحيى فوضع فيهم
السيف فقتلهم ودخل الكوفة فأراد أن ينهبها ويضع السيف في أهلها فمنعه الحسين
وآمن الاسود والابيض بها وأقام أياما ثم انصرف عنها ( وفى هذه السنة )
كان خروج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن على
ابن أبى طالب في شهر رمضان منها
* ( ذكر الخبر عن سبب خروجه ) *
حدثنى جماعة من أهل طبرستان وغيرهم أن سبب ذلك كان أن محمد بن عبدالله
ابن طاهر لما جرى على يده ماجرى من قتل يحيى بن عمر ودخول أصحابه وجيشه
الكوفة بعد فراغهم من قتل يحيى أقطعه المستعين من صوافى السلطان بطبرستان
قطائع وأن من تلك القطائع التى أقطعها قطيعة فيما قرب من ثغرى طبرستان
مما يلى الديلمى وهما كلار وسالوس كان بحذائها أرض لاهل تلك الناحية فيها
مرافق منها محتطبهم ومراعى مواشيهم ومسرح سارحتهم وليس لاحد عليها
ملك وإنما هى صحراء من موتان الارض غير أنها ذات غياض وأشجار وكلا
فوجه فيما ذكر لى محمد بن عبدالله بن طاهر أخا لكاتبه بشر بن هارون النصرانى
يقال له جابر بن هارون لحيازة ما أقطع هنالك من الارض وعامل طبرستان
يومئذ سليمان بن عبدالله خليفة محمد بن طاهر بن عبدالله بن طاهر أخو محمد
ابن عبدالله بن طاهر والمستولى على سليمان والغالب على أمره محمد بن أوس
البلخى وقد فرق محمد بن أوس ولده في مدن طبرستان وجعلهم ولاتها وضم
إلى كل واحد منهم مدينة منها وهم أحداث سفهاء قد تأذى بهم وبسفههم من
تحت أيديهم والرعية واستنكروا منهم ومن والدهم ومن سليمان بن عبدالله
سفههم وسيرهم فيهم وغلظ عليهم سوء أثرهم فيهم بقصص يطول الكتاب بشرح
أكثرها ووتر مع ذلك فيما ذكر لى محمد بن أوس الديلم بدخوله إلى ماقرب من
ـ430ـ
بلادهم من حدود طبرستان وهم أهل سلم وموادعة لاهل طبرستان على اغترار
من الديلم بما يلتمس بدخوله اليهم بغارة فسبى منهم وقتل ثم انكفى راجعا إلى
طبرستان فكان ذلك مما زاد أهل طبرستان عليه خنقا وغيظا فلما صار رسول
محمد بن عبدالله وهو جابر بن هارون النصرانى إلى طبرستان لحيازة ما أقطعه
هنالك محمد عمد فيما قيل لى جابر بن هارون إلى ما أقطع محمد بن عبدالله من صوافى
السلطان فحازه وحازما اتصل به من موات الارض التى يرتفق بها أهل تلك
الناحية فيما ذكر فكان فيما رام حيازته من ذلك الموات الذى بقرب من الثغرين
اللذين يسمى أحدهما كلار والآخر سالوس وكان في تلك الناحية يومئذ رجلان
معروفان بالبأس والشجاعة وكانا مذكورين قديما بضبط تلك الناحية ممن رامها
من الديلم وباطعام الناس بها وبالافضال على من ضوى اليهما يقال لاحدهما
محمد وللآخر جعفر وهما ابنا رستم أخوان فأنكروا ما فعل جابر بن هارون من
حيازته الموات الذى وصفت أمره ومانعاه ذلك وكان ابنا رستم في تلك الناحية
مطاعين فاستنهضا من أطاعهما ممن في ناحيتهما لمنع جابر بن هارون من حيازة
مارام حيازته من الموات الذى هو مرفق لاهل تلك الناحية فيما ذكر وغير داخل
فيما أقطعه صاحبه محمد بن عبدالله فنهضوا معهما وهرب جابر بن هارون خوفا
على نفسه منهما وممن قد نهض معهما لانكار مارام جابر النصرانى فعله فلحق
بسليمان بن عبدالله بن طاهر وأيقن محمد وجعفر ابنا رستم ومن نهض معهما في منع
جابر عما حاول من حيازة ماحاول حيازته من الموات الذى ذكرت بالشر وذلك
أن عامل طبرستان كلها سليمان بن عبدالله وهو أخو محمد بن عبدالله وعم محمد
ابن طاهر بن عبدالله عامل المستعين على خراسان وطبرستان والرى والمشرق
كله يومئذ فلما أيقن القوم بذلك راسلوا جيرانهم من الديلم وذكروهم وفاءهم
لهم بالعهد الذى بينهم وبينهم وما ركبهم به محمد بن أوس من الغدر والقتل والسبى
وانهم لا يأمنون من ركوبه اياهم بمثل الذى ركبهم به ويسألونهم مظاهرتهم عليه
وعلى من معه فأعلمهم الديلم أن ما يلى أرضهم من جميع نواحيها من الارضين
والبلاد انما عمالها إما عمال لطاهر وإما عمال من ينجد آل طاهر ان احتاجوا
ـ431ـ
إلى انجادهم وان ما سألوا من معاونتهم لاسبيل لهم اليه إلا بزوال الخوف عنهم
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 431 سطر 1 الى ص 440 سطر 25
إلى انجادهم وان ما سألوا من معاونتهم لاسبيل لهم اليه إلا بزوال الخوف عنهم
من أن يؤتوا من قبل ظهورهم إذا هم اشتغلوا بحرب من بين أيديهم من عمال
سليمان بن عبدالله فأعلمهم الذين سألوهم المظاهرة على حرب سليمان وعماله
أنهم لايغفلون عن كفايتهم ذلك حتى يأمنوا مما خافوا منه فأجابهم الديلم إلى ما
سألوهم من ذلك وتعاقدوا هم وأهل كلار وسالوس على معاونة بعضهم بعضا على
حرب سليمان بن عبدالله وابن أوس وغيرهم ممن قصدهم بحرب ثم أرسل ابنا رستم
محمد وجعفر فيما ذكر إلى رجل من الطالبيين المقيمين كانوا يومئذ بطبرستان
يقال له محمد بن إبراهيم يدعونه إلى البيعة له فأبى وامتنع عليهم وقال لهم لكنى
أدلكم على رجل منا هو أقوم بما دعوتموه اليه منى فقالوا من هو فأخبرهم أنه
الحسن بن زيد ودلهم على منزله ومسكنه بالرى فوجه القوم إلى الرى عن
رسالة محمد بن إبراهيم العلوى اليه من يدعوه إلى الشخوص معه إلى طبرستان
فشخص معه اليها فوافاهم الحسن بن زيد وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار
وسالوس ورويان على بيعته وقتال سليمان بن عبدالله واحدة فلما وافاهم
الحسن بن زيد بايع له ابنا رستم وجماعة أهل الثغور ورؤساء الديلم كجايا
ولاشام ووهسودان بن جستان ومن أهل رويان عبدالله بن ونداميد وكان
عندهم من أهل التأله والتعبد ثم ناهضوا من في تلك النواحى من عمال ابن أوس
فطردوهم عنها فلحقوا بابن أوس وسليمان بن عبدالله وهما مدينة سارية وانضم
إلى الحسن بن زيد مع من بايعه من أهل النواحى التى ذكرت لما بلغهم ظهوره
بها حوزية جبال طبرستان كما صمغان وفادسبان وليث بن قباذ ومن أهل السفح
خشكجستان بن إبراهيم بن خليل بن ونداسفجان خلا ما كان من سكان جبل
فريم فإن رئيسهم كان يومئذ والمتملك عليهم قارن بن شهريار فانه كان ممتنعا بجبله
وأصحابه فلم ينقد للحسن بن زيد ولا من معه حتى مات ميتة نفسه مع موادعة
كانت بينهما في بعض الاحوال ومحاببة ومصاهرة كفا من قارن بذلك من فعله
عادية الحسن بن زيد ومن معه ثم زحف الحسن بن زيد وقواده من أهل النواحى
ـ432ـ
التى ذكرت نحو مدينة آمل وهى أول مدن طبرستان مما يلى كلار وسالوس
من السفح وأقبل ابن أوس من سارية اليها يريد دفعه عنها فالتقى جيشاهما في بعض
نواحى آمل ونشبت الحرب بينهم وحالف الحسن بن زيد وجماعة ممن معه من
أصحابه موضع معركة القوم إلى ناحية أخرى فدخلوها فاتصل الخبر بدخوله مدينة
آمل بابن أوس وهو مشتغل بحرب من هو في وجهه من رجال الحسن بن زيد
فلم يكن له هم إلا النجاء بنفسه واللحاق بسليمان بسارية فلما دخل الحسن بن زيد
آمل كثف جيشه وغلظ أمره وانقض اليه كل طالب نهب ومريد فتنة من الصعاليك
والحوزية وغيرهم فأقام فيما حدثت الحسن بن زيد بآمل أياما حتى جبى الخراج
من أولها واستعد ثم نهض بمن معه نحو سارية مريدا سليمان ابن عبدالله فخرج
سليمان وابن أوس بمن معهما من جيوشهما فالتقى الفريقان خارج مدينة
سارية ونشبت الحرب بينهم فخالف الوجه الذى التقى فيه الجيشان بعض قواد
الحسن بن زيد إلى وجه آخر من وجوه مدينة سارية فدخلها برجاله وأصحابه
فانتهى الخبر إلى سليمان بن عبدالله ومن معه من الجند فلم يكن لهم هم غير النجاء
بأنفسهم * ولقد حدثنى جماعة من أهل تلك الناحية وغيرها أن سليمان بن
عبدالله هرب وترك أهله وعياله وثقله وكل ما كان له بسارية من مال وأثاث
وغير ذلك بغير مانع ولا دافع فلم يكن له ناهية دون جرجان وغلب على ما كان
له ولغيره بها من جنده الحسن بن زيد وأصحابه فأما عيال سليمان وأهله وأثاثه فانه
بلغنى أن الحسن بن زيد أمر لهم بمركب حملهم فيه حتى ألحقهم بسليمان وهو
بجرجان وأما ما كان لاصحابه فان من كان مع الحسن بن زيد من التبع انتهبه فاجتمع
للحسن بن زيد بلحاق سليمان بن عبدالله بجرجان أمر طبرستان كلها فلما اجتمعت
للحسن بن زيد طبرستان وأخرج عنها سليمان بن عبدالله وأصحابه وجه إلى الرى
خيلا مع رجل من أهل بيته يقال له الحسن بن زيد فصار اليها فطرد عنها عاملها
من قبل الطاهرية فلما دخل الموجه به من قبل الطالبيين الرى هرب منها عاملها
فاستخلف بها رجلا من الطالبيين يقال له محمد بن جعفر وانصرف عنها فاجتمعت
ـ433ـ
للحسن بن زيد مع طبرستان الرى إلى حد همذان وورد الخبر بذلك على المستعين
ومدبر أمره يومئذ وصيف التركى وكاتبه أحمد بن صالح بن ميرزاد واليه خاتم
المستعين ووزارته فوجه اسماعيل بن فراشه في جمع إلى همذان وأمره بالمقام بها
وضبطها أن يتجاوز اليها خيل الحسن بن زيد وذلك أن ماوراء عمل همذان كان
إلى محمد بن طاهر بن عبدالله بن طاهر وبه عماله وعليه صلاحه فلما استقر بمحمد
ابن جعفر الطالبى القرار بالرى ظهرت منه فيما ذكر أمور كرهها أهل الرى فوجه
محمد بن طاهر بن عبدالله قائدا له من قبله يقال له محمد بن ميكال وهو أخو الشاه
ابن ميكال في جمع من الخيل والرجالة إلى الرى فالتقى هو ومحمد بن جعفر الطالبى
خارج الرى فذكر أن محمد بن ميكال أسر محمد بن جعفر الطالبى وفض جيشه
ودخل الرى فأقام بها ودعا بها للسلطان فلم يتطاول بها مكثه حتى وجه الحسن بن
زيد اليه خيلا عليها قائد له من أهل اللارز يقال له واجن فلما صار واجن إلى الرى
خرج اليه محمد بن ميكال فاقتتلا فهزم واجن وأصحابه محمد بن ميكال وجيشه والتجأ
محمد بن ميكال إلى مدينة الرى معتصما بها فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه وصارت
الرى إلى أصحاب الحسن بن زيد فلما كان يوم عرفة من هذه السنة بعد مقتل
محمد بن ميكال ظهر بالرى أحمد بن عيسى بن على بن حسين الصغير ابن على بن
حسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه وادريس بن موسى بن عبدالله بن موسى
ابن عبدالله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب فصلى أحمد بن عيسى بأهل الرى
صلاة العيد ودعا للرضى من آل محمد فحاربه محمد بن على بن طاهر فهزمه أحمد بن عيسى
فصار إلى قزوين ( وفى هذه السنة ) غضب على جعفر بن عبدالواحد لانه كان
بعث إلى الشاكرية فزعم وصيف أنه أفسدهم فنفى إلى البصرة لسبع بقين من شهر
ربيع الاول ( وفيها ) أسقطت مرتبة من كانت له مرتبة في دار العامة من بنى
أمية كابن أبى الشوارب وا لعثمانيين ( وأخرج ) في هذه السنة من الحبس الحسن
ابن الافشين ( وأجلس ) فيها العباس بن أحمد بن محمد فعقد لجعفر بن الفضل بن
عيسى بن موسى المعروف ببشاشات على مكة في جمادى الاولى ( فيها ) وثب ( 28 7 )
ـ434ـ
أهل حمص وقوم من كلب عليهم رجل يقال له عطيف بن نعمة الكلبى بالفضل
ابن قارن أخى مازيار بن قارن وهو يومئذ عامل السلطان على حمص فقتلوه في رجب
فوجه المستعين اليهم موسى بن بغا الكبير فشخص موسى من سامرا يوم الخميس
لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فلما قرب موسى تلقاه أهلها فيما بينها وبين
الرستن فحاربهم فهزمهم وافتتح حمص وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وأحرقها وأسر
جماعة من رؤساء أهلها وكان عطيف قد لحق بالبدو ( وفيها ) مات جعفر بن أحمد
ابن عمار القاضى يوم الاحد لسبع بقين من شهر رمضان ( وفيها ) مات أحمد بن
عبدالكريم الجوارى والتيمى قاضى البصرة ( وفيها ) ولى أحمد بن الوزير قضاء
سامرا ( وفيها ) وثبت الشاكرية والجند بفارس بعبد الله ابن اسحاق بن ابراهيم
فانتهبوا منزله وقتلوا محمد بن الحسن ابن قارن وهرب عبدالله بن اسحاق ( وفيها )
وجه محمد بن طاهر من خراسان بفيلين كان وجه بهما اليه من كابل وأصنام وفوائح
( وغزا ) الصائفة فيها بلكاجور ( وحج ) بالناس في هذه السنة جعفر بن الفضل
بشاشات وهو والى مكة
* ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمما كان فيها من ذلك قتل وصيف وبغا الصغير باغر التركى واضطرب أمر الموالى
* ذكر الخبر عن قتلهما باغر *
ذكر أن سبب ذلك كان أن باغر كان أحد قتلة المتوكل فزيد لذلك في أرزاقه
وأقطع قطائع فكان مما أقطع ضياع بسواد الكوفة فتضمن تلك الضياع التى
أقطعها باغر هنالك من كاتب كان لباغر يهودى رجل من دهاقين باروسما ونهر
الملك بألفى دينار في السنة فعدا رجل بتلك الناحية يقال له ابن مارمة على وكيل
لباغر هنالك فتناوله أودس اليه من تناوله فحبس ابن مارمة وقيد ثم عمل حتى
تخلص من الحبس فصار إلى سامرا فلقى دليل بن يعقوب النصرانى وهو يومئذ
ـ435ـ
كاتب بغا الشرابى وصاحب أمره واليه أمر العسكر يركب اليه القواد والعمال لمكانه
من بغا وكان ابن مارمة صديقا لدليل وكان باغر أحد قواد بغا فمنع دليل باغر من ظلم
أحمد بن مارمة وانتصف له منه فأوغر ذلك من فعله بصدر باغر وباين كل واحد من
دليل وباغر صاحبه بذلك السبب وباغر شجاع بطل معروف القدر في الاتراك
يتوقاه بغا وغيره ويخافون شره فذكر أن باغر جاء يوم الثلاثاء لاربع بقين من
ذى الحجة سنة 250 إلى بغا وبغا في الحمام وباغر سكران شديد السكر وانتظره
حتى خرج من الحمام ثم دخل عليه فقال له والله ما من قتل دليل بد ثم سبه فقال له
بغا لو أردت قتل ابنى فارس ما منعتك فكيف دليل النصرانى ولكن أمرى
وأمر الخلافة في يديه فتنتظر حتى أصير مكانه انسانا فشأنك به ثم وجه بغا إلى
دليل يأمره ألا يركب وقيل بل تلقاه طبيب لبغا يقال له ابن سرجويه فأخبره بالقصة
فرجع إلى منزله فاستخفى وبعث بغا إلى محمد بن يحيى بن فيروز وكان ابن فيروز يكتب له
قبل ذلك فجعله مكان دليل فيوهم باغر أنه قد عزل دليلا فسكن باغر ثم أصلح بغا
بين دليل وباغر وباغر يتهدد دليلا بالقتل إذا خلا بأصحابه ثم تلطف باغر
للمستعين ولزم الخدمة في الدار وكره المستعين مكانه فلما كان يوم نوبة بغا في
منزله قال المستعين أى شئ كان إلى إيتاخ من الاعمال فأخبره وصيف فقال ينبغى
أن تصيروا هذه الاعمال إلى أبى محمد باغر فقال وصيف نعم وبلغت القصة دليلا
فركب إلى بغا فقال له أنت في بيتك وهم في تدبير عزلك عن كل أعمالك فاذا
عزلت فما بقاؤك إلا أن يقتلوك فركب بغا إلى دار الخلافة في اليوم الذى نوبته
في منزله بالعشى فقال لوصيف أردت أن تزيلنى عن مرتبتى وتجئ بباغر فتصيره
مكانى وإنما باغر عبد من عبيدى ورجل من أصحابى فقال له وصيف ما علمت ما أراد
الخليفة من ذلك فتعاقد وصيف وبغا على تنحية باغر من الدار والاحتيال له
فأرجفوا له أنه يؤمر ويضم اليه جيش سوى جيشه ويخلع عليه ويجلس في الدار
مجلس بغا ووصيف وهما يسميان الاميرين ودافعوه بذلك وإنما كان المستعين
تقرب اليه بذلك ليأمن ناحيته فأحس هو ومن في ناحيته بالشر فجمع اليه الجماعة
ـ436ـ
الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل أو بعضها مع غيرهم فلما جمعهم ناظرهم ووكد
البيعة عليهم كما وكدها في قتل المتوكل فقالوا نحن على بيعتنا فقال الزموا الدار حتى
نقتل المستعين وبغا ووصيفا ونجئ بعلى بن المعتصم أو بابن الواثق فنقعده خليفة
حتى يكون الامر لنا كما هو لهذين اللذين قد استوليا على أمر الدنيا وبقينا نحن في
غير شئ فأجابوه إلى ذلك وانتهى الخبر إلى المستعين فبعث إلى بغا ووصيف وذلك
يوم الاثنين فقال لهما ما طلبت اليكما أن تجعلانى خليفة وإنما جعلتمانى وأصحابكما ثم
تريدان أن تقتلانى فحلفا له أنهما ما علما بذلك فأعلمهما الخبر وقيل إن امرأة لباغر
كانت مطلقة منه سعت إلى أم المستعين وإلى بغا بذلك وبكر دليل إلى بغا وحضر
وصيف إلى منزل بغا ومع وصيف أحمد بن صالح كاتبه فاتفق رأيهم على أخذ باغر
واثنين من الاتراك معهم وحبسهم حتى يروا رأيهم فيهم فأحضروا باغر فأقبل
في عدة حتى دخل الدار بغا * فذكر عن بشر بن سعيد المرثدى أنه قال كنت
حاضرا دخوله فمنع من الوصول إلى بغا ووصيف وعطف به إلى حمام لبغا ودعى له
بالقيود فامتنع عليهم فحبسوه في الحمام وبلغ ذلك الاتراك في الهارونى والكرخ
والدور فوثبوا على اصطبل السلطان فأخذوا ما كان فيه من الدواب فانتبوها
وركبوها وحضروا الجوسق بالسلاح فلما أمسوا أمر وصيف وبغا رشيد بن
سعاد أخت وصيف أن يقتل باغر فأتاه في عدة فشدخوه بالطبر زينات حتى
أسكنوه فلما علم المستعين باجتماعهم ركب ووصيف وبغا حراقة وصاروا إلى
دار وصيف جميعا وتراكض الناس يومهم وهو يوم الثلاثاء وليلته بالسلاح
جائين وذاهبين فقال لهم وصيف ترفقوا حتى تنظروا فإن ثبتوا على المقاومة رمينا
اليهم برأسه فلما انتهى قتله إلى الاتراك المشغبة أقاموا على ماهم عليه من الشغب
حتى علموا أن المستعين وبغا ووصيف قد انحدروا إلى بغداد وقد كان وصيف
أعطى قوما من المغاربة فرسانا ورجالة السلاح والرماح ووجه بهم إلى هؤلاء
المشغبة وبعث إلى الشاكرية أن يكونوا على عدة إن احتيج اليهم وسكن الناس
عند الظهر وهدأت الامور وقد كان عدة من قواد الاتراك صاروا إلى هؤلاء
ـ437ـ
المشغبين وسألوهم الانصراف فقالوا يوق يوق أى لا لا . فذكر عن بشر بن سعيد
عن جامع بن خالد وكان أحد خلفاء وصيف من الاتراك أنه كان المتولى مخاطبتهم
مع عدة ممن يعرف التركية فأعلموهم أن المستعين وبغا ووصيف قد خرجوا إلى
بغداد فأظهروا التندم وانصرفوا منكسرين فلما انتشر الخبر بخروج المستعين
صار الاتراك إلى دور دليل بن يعقوب ودور أهل بيته ممن قرب منه وجيرانه
فانتهبوا مافيها حتى صاروا إلى الخشب وا لدروندات وقتلوا مافدروا عليه من
البغال وانتهبوا علف الدواب والخمر التى في خزانة الشراب ودفع عن دار سلمة
ابن سعيد النصرانى جماعة كان وكلهم بها من المصارعين وغيرهم من جيرانهم ومنعوهم
من دخول الدار لانهم أرادوا دار إبراهيم بن مهران النصرانى العسكرى فدفعوهم
عنها وسلم سلمة وإبراهيم من النهب وقال في قتل باغر والفتنة التى هاجت بسببه
بعض الشعراء ذكر أن قائله أحمد بن الحارث اليمامى
لعمرى لئن قتلوا باغرا * لقد هاج باغر حربا طحونا
وفر الخليفة والقائدا * ن بالليل يلتمسان السفينا
وصاحوا بميسان ملاحهم * فجاءهم يسبق الناظرينا
فألزمهم بطن حراقة * وصرت مجاذيفهم سائرينا
وما كان قدر ابن مارمة * فنكسب فيه الحروب الزبونا
ولكن دليل سعى سعية * فأخزى الاله بها العالمينا
فحل ببغداد قبل الشروق * فحل بها منه ما يكرهونا
فليت السفينة لم تأتنا * وغرقها الله و الراكبينا
وأقبلت الترك والمغربون * وجاء الفراغنة الدار عونا
تسير كراديسهم في السلاح * يروحون خيلا ورجلا ثبينا
فقام بحربهم عالم * بأمر الحروب تولاه حينا
فجدد سورا على الجانب * ين حتى أحاطهم أجمعينا
وأحكم أبوابها المصمتات * على السور يحمى بها المستعينا
ـ438ـ
وهيا مجانيق خطارة * تفيت النفوس وتحمى العرينا
وعبى فروضا وجيشية * ألوف ألوف إذا تحسبونا
وعبى المجانيق منظومة * على السور حتى أعار العيونا
فذكر أنهم لما قدموا بغداد اعتل ابن مارمة فعاده دليل بن يعقوب فقال له
ماسبب علتك قال عقر القيد انتقض على فقال دليل لئن عقرك القيد لقد نقضت
الخلافة وبعثت فتنة ومات ابن مارمة في تلك الايام فقال أبوعلى اليمامى الحنفى
في شخوص المستعين إلى بغداد
مازال إلا لزوال ملكه * وحتفه من بعده وهلكه
ومنع الاتراك الناس من الانحدار إلى بغداد فذكر أنهم أخذوا ملاحا قد
أكرى سفينته فضربوه مائتى سوط وصلبوه على دقل سفينته فامتنع أصحاب السفن
من الانحدار إلا سرا أو بمؤنة ثقيلة ( وفى هذه السنة ) هاجت الفتنة ووقعت
الحرب بين أهل بغداد وجند السلطان الذين كانوا بسامرا فبايع كل من كان بسامرا
منهم المعتز وأقام من ببغداد منهم على الوفاء ببيعة المستعين
ذكر الخبر عن سبب هيج هذه الفتنة وسبب بيعة من كان بسامرا من الجند
المعتز وخلعهم المستعين ونصبهم الحرب لمن أقام على الوفاء ببيعته
قذ ذكرنا موافاة المستعين وشاهك الخادم ووصيف وبغا وأحمد بن صالح
ابن شيرزاد بغداد وكانت موافاتهم إياها يوم الاربعاء لثلاث ساعات مضين من
النهار لاربعة أيام وقيل لخمسة أيام خلون من المحرم من هذه السنة فلما وافاها نزل
المستعين على محمد بن عبدالله بن طاهر في داره ثم وافى بغداد خليفة لوصيف على
أعماله يعرف بسلام فاستعلم ماعنده ثم انصرف راجعا إلى منزله بسامرا فوافى
القواد خلا جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ بغداد مع جلة الكتاب والعمال
وبنى هاشم ثم وافى بعد ذلك من قواد الاتراك الذين في ناحية وصيف كلباتكين
القائد وطيغج الخليفة تركى وابن عجوز الخليفة نسائى وممن في ناحية بغا بايكباك
القائد من غلمان الخدمة مع عدة من خلفاء بغا وكان فيما ذكر وجه إليهم وصيف
ـ439ـ
وبغا قبل قدومهم رسولا يأمرانهم أن يصيروا إذا قدموا بغداد إلى الجزيرة التى
حذاء دار محمد بن عبدالله بن طاهر ولايصيروا إلى الجسر فيرعبوا العامة
بدخولهم ففعلوا وصاروا إلى الجزيرة فنزلوا عن دوابهم فوجهت إليهم زواريق
حتى عبروا فيها فصعد كلباتكين وبايكباك والقواد من أهل الدور وارناتجور
التركى فدخلوا على المستعين فرموا بأنفسهم بين يديه وجعلوا مناطقهم في أعناقهم
تذللا وخضوعا وكلموا المستعين وسألوه الصفح عنهم والرضا فقال لهم أنتم اهل
بغى وفساد واستقلال للنعم ألم ترفعوا إلى في أولادكم فألحقتهم بكم وهم نحو من
ألفى غلام وفى بناتكم فأمرت بتصييرهن في عداد ا لمتزوجات وهن نحو من أربعة
آلاف امرأة في المدركين و المولودين وكل هذا قد أجبتكم إليه وأدررت لكم الارزاق
حتى سبكت لكم آنية الذهب والفضة ومنعت نفسى لذتها وشهوتها كل ذلك إرادة
لصلاحكم ورضاكم وأنتم تزدادون بغيا وفسادا وتهددا وإبعادا فتضرعوا وقالوا
قد أخطأنا وأمير المؤمنين الصادق في كل قوله ونحن نسأله العفو عنا والصفح عن
زلتنا فقال المستعين قد صفحت عنكم ورضيت فقال له بايكباك فان كنت قد
رضيت عنا وصفحت فقم فاركب معنا إلى سامرا فان الاتراك ينتظرونك فأومأ
محمد بن عبدالله إلى محمد بن أبى عون فلكز في حلق بايكباك وقال له محمد بن عبدالله
هكذا يقال لامير المؤمنين قم فاركب معنا فضحك المستعين من ذلك وقال هؤلاء
قوم عجم ليس لهم معرفة بحدود الكلام وقال لهم المستعين تصيرون إلى سامرا فان
أرزاقكم دارة عليكم وأنظر أنا في أمرى ههنا ومقامى فانصرفوا آيسين منه
وأغضبهم ما كان من محمد بن عبدالله وأخبروا من وردوا عليه من الاتراك خبرهم
وخالفوا فيما رد عليهم تحريضا لهم على خلعه والاستبدال به وأجمع رأيهم على
إخراج المعتز والبيعة له وكان المعتز والمؤيد في حبس في الجوسق في حجرة صغيرة
مع كل واحد منهما غلام يخدمه موكل بهم رجل من الاتراك يقال له عيسى خليفة
بلبان ومعه عدة من الاعوان فأخرجوا المعتز من يومهم فأخذوا من شعره وقد
كان بويع له بالخلافة وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة فلم يتم المال فأعطوا
ـ440ـ
شهرين لقلة المال عندهم وكان المستعين خلف بسامرا في بيت المال مما كان طلمجور
وأستاكين القائدان قدما به من ناحية الموصل من مال الشأم نحوا من خمسمائة
ألف دينار وفى بيت مال أم المستعين قيمة ألف ألف دينار وفى بيت مال العباس
ابن المستعين قيمة ستمائة ألف دينار * فذكر أن نسخة البيعة التى أخذت ( بسم
الله الرحمن الرحيم ) تبايعون عبدالله الامام المعتز بالله أمير المؤمنين بيعة طوع
واعتقاد ورضى ورغبة وإخلاص من سرائركم وانشراح من صدوركم وصدق
من نياتكم لامكرهين ولامجبرين بل مقرين عالمين بما في هذه البيعة وتأكيدها
من تقوى الله وإيثار طاعته وإعزاز حقه ودينه ومن عموم صلاح عباد الله
واجتماع الكلمة ولم الشعث وسكون الدهماء وأمن العواقب وعز الاولياء وقمع
الملحدين على أن أبا عبدالله المعتز بالله عبدالله وخليفته المفترض عليك طاعته
ونصيحته والوفاء بحقه وعهده لاتشكون ولاتدهنون ولاتميلون ولاترتابون
وعلى السمع والطاعة والمشايعة والوفاء والاستقامة والنصيحة في السر والعلانية
والخفوف والوقوف عند كل ما يأمر به عبدالله أ بوعبدالله الامام المعتز بالله أمير
المؤمنين من موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه من خاص وعام وقريب وبعيد متمسكين
ببيعته بوفاء العقد وذمة العهد سرائركم في ذلك كعلانيتكم وضمائركم فيه كمثل ألسنتكم
راضين با يرضى به أمير المؤمنين بعد بيعتكم هذه على أنفسكم وتأكيدكم إياها
في أعناقكم صفقة راغبين طائعين عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم
ونياتكم وبولاية عهد المسلمين لابراهيم المؤيد بالله أخى أمير المؤمنين وعلى
ألا تسعوا في نقض شئ مما أكد عليكم وعلى أن لايميل بكم في ذلك مميل عن
نصرة وإخلاص وموالاة وعلى أن لاتبدلوا ولاتغيروا ولايرجع منكم راجع
عن بيعته وانطوائه على غير علانيته وعلى أن تكون بيعتكم التى أعطيتموها
بألسنتكم وعهودكم بيعة يطلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتمادها وعلى الوفاء
بذمة الله فيها وعلى إخلاصكم في نصرتها وموالاة أهلها لايشوب ذلك منكم
نفاق ولا ادهان ولاتأول حتى تلقوا الله موفين بعهده مؤدين حقه عليكم غير
ـ441ـ
مستريبين ولاناكثين إذ كان الذين يبايعون منكم أمير المؤمنين بيعة خلافته
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 441 سطر 1 الى ص 450 سطر 25
مستريبين ولاناكثين إذ كان الذين يبايعون منكم أمير المؤمنين بيعة خلافته
وولاية العهد من بعده لابراهيم المؤيد بالله أخى أمير المؤمنين " إنما يبايعون الله
يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه
الله فسيؤتيه أجرا عظيما " عليكم بذلك وبما أكدت عليكم به هذه البيعة في أعناقكم
وأعطيتم بها من صفقة أيمانكم وبما أشترط عليكم من وفاء ونصرة وموالاة
واجنهاد وعليكم عهد الله إن عهده كان مسئولا وذمة الله عزوجل وذمة محمد
صلى الله عليه وسلم وما أخذ الله على أنبيائه ورسله وعلى أحد من عباده من مواكيده
ومواثيقه أن تسمعوا ما أخذ عليكم في هذه البيعة ولا تبدلوا ولا تميلوا وأن
تمسكوا بما عاهدتم الله عليه تمسك أهل الطاعة بطاعتهم وذوى الوفاء والعهد
بوفائهم ولا يلفتكم عن ذلك هوى ولا ميل ولا يزيغ قلوبكم فتنة أو ضلالة
عن هدى باذلين في ذلك أنفسكم واجتهادكم ومقدمين فيه الحق الدين والطاعة
والوفاء بما جعلتم على أنفسكم لايقبل الله منكم في هذه البيعة إلا الوفاء بها فمن
نكث منكم ممن بايع أمير المؤمنين وولى عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين هذه
البيعة على ما أخذ عليكم مسرا أو معلنا مصرحا أو محتالا أو متأولا وادهن فيما
أعطى الله من نفسه وفيما أخذ عليه من مواثيق الله وعهوده وزاغ عن السبيل
التى يعتصم بها أولوا الرأى فكل مايملك كل واحد منكم ممن ختر في ذلك منكم
عهده من مال أو عقار أو سائمة أو زرع أو ضرع صدقة على المساكين في وجوه
سبيل الله محبوس محرم عليه أن يرجع شيئا من ذلك إلى ماله عن حيلة يقدمها
لنفسه أو يحتال له بها وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقل خطرها أو يجل
فذلك سبيلها إلى أن توافيه منيته ويأتى عليه أجله وكل مملوك يملكه اليوم وإلى
ثلاثين سنة ذكر أو أنثى أحرارا لوجه الله ونساؤه يوم يلزمه في الحنث ومن
يتزوج بعدهن إلى ثلاثين سنة طوالق طلاق الحرج لايقبل الله منه إلا الوفاء بها
وهو برئ من الله ورسوله والله ورسوله منه بريئان ولاقبل الله منه صرفا
ولاعدلا والله عليكم بذلك شهيد ولاحول ولاقوة الا بالله العلى العظيم وحسبنا
ـ442ـ
الله ونعم الوكيل وأحضر فيما ذكر البيعة أبوأحمد بن الرشيد وبه النقرس محمولا
في محفة فأمر بالبيعة فامتنع وقال للمعتز خرجت الينا خروج الطائع فخلعتها وزعمت
أنك لاتقوم بها فقال المعتز أكرهت على ذلك وخفت السيف فقال أبوأحمد
ماعلمنا أنك أكرهت وقد بايعنا هذا الرجل فتريد أن نطلق نساءنا ونخرج من
أموالنا ولاندرى ما يكون ان تركتنى على أمرى حتى يجتمع الناس والا فهذا
السيف فقال المعتز اتركوه فرد إلى منزله من غير بيعة وكان ممن بايع إبراهيم الديرج
وعتاب بن عتاب فهرب فصار إلى بغداد وأما الديرج فخلع عليه وأقر على
الشرطة وخلع على سليمان بن يسار الكاتب وصير على ديوان الضياع وأقام يومه
يأمر وينهى وينفذ الاعمال ثم توارى في الليل وصار إلى بغداد ولما بايع الاتراك
المعتز ولى عماله فولى سعيد بن صالح الشرطة وجعفر بن دينار الحرس وجعفر
ابن محمود الوزارة وأبا الخمار ديوان الخراج ثم عزل وجعل مكانه محمد بن إبراهيم
منقار وولى ديوان جيش الاتراك المعروف بأبى عمر كاتب سيما الشرابى وولى
مقلدا كيد الكلب أخا أبى عمر بيوت الاموال وإعطاء الاتراك والمغاربة
والشاكرية وولى بريد الآفاق والخاتم سيما الساربانى واستكتب أبا عمر فكان
في حد الوزارة ولما اتصل بمحمد بن عبدالله خبر البيعة للمعتز وتوجيهه العمال
أمر بقطع الميرة عن أهل سامرا وكتب إلى ملك بن طوق في المصير إلى بغداد
هو ومن معه من أهل بيته وجنده وإلى نجوبة بن قيس وهو على الانبار
في الاحتشاد والجمع وإلى سليمان بن عمران الموصلى في جمع أهل بيته ومنع
السفن أو شئ في الميرة أن ينحدر إلى سامرا ومنع أن يصعد شئ من الميرة
من بغداد إلى سامرا وأخذت سفينة فيها أرز وسقط فهرب الملاح منها
وبقيت السفينة حتى غرقت وأمر المستعين محمد بن عبدالله بن طاهر بتحصين
بغداد فتقدم في ذلك فأدير عليها السور من دجلة من باب الشماسية إلى سوق
الثلاثاء حتى أورده دجلة ومن دجلة من باب قطيعة أم جعفر حتى أورده قصر
حميد بن عبدالحميد ورتب على كل باب قائدا في جماعة من أصحابه وغيرهم
ـ443ـ
وأمر بحفر الخنادق حول السورين كما يدوران في الجانبين جميعا ومظلات
يأوى إليها الفرسان في الحر والامطار فبلغت النفقة فيما ذكر على السورين
وحفر الخنادق والمظلات ثلثمائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار وجعل
على باب الشماسية خمس شداخات بعرض الطريق فيها العوارض والالواح
والمسامير الطوال الظاهرة وجعل من خارج الباب الثانى باب معلق بمقدار
الباب ثخين قد ألبس بصفائح الحديد وشد بالحبال كى إن وافى أحد ذلك الباب
أرسل عليه الباب المعلق فقتل من تحته وجعل على الباب الداخل عرادة وعلى
الباب الخارج خمس مجانيق كبار وفيها واحد كبير سموه الغضبان وست
عرادات ترمى بها إلى ناحية رقة الشماسية وصير على باب البردان ثمانى
عرادات في كل ناحية أربع وأربع شداخات وكذلك على كل باب من أبواب
بغداد في الجانب الشرقى والغربى وجعل لكل باب من أبوابها دهليزا بسقائف
تسع مائة فارس ومائة راجل ولكل منجنيق وعرادة رجالا مرتبين يمدون بحباله
وراميا يرمى إذا كان القتال وفرض فروضا ببغداد ومن قوم من أهل خراسان
قدموا حجاجا فسألوهم المعونة على قتال الاتراك فأعانوا وأمر محمد بن عبدالله بن
طاهر أن يفرض من العيارين فرض وأن يجعل عليهم عريف ويعمل لهم تراس
من البوارى المقيرة وأن يعمل لهم مخال تملا الحجارة ففعل ذلك وتولى فيما ذكر
عمل البوارى المقيرة محمد بن أبى عون وكان الرجل منهم يقوم خلف البارية ولا
يرى منها عملت نسائجات أنفق عليها زيادة على مائة دينار وكان العريف على أصحاب
البوارى المقيرة من العيارين رجل يقال له ينتويه وكان الفراغ من عمل السور يوم
الخميس لسبع بقين من المحرم وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلدة وموضع
أن يكون حملهم ما يحملون من الاموال إلى السلطان إلى بغداد ولايحملون إلى
سامرا شيئا وإلى عمال المعاون في رد كتب الاتراك وأمر بالكتاب إلى الاتراك
والجند الذين بسامرا يأمرهم بنقض بيعة المعتز ومراجعة الوفاء ببيعتهم إياه
ويذكرهم أياديه عندهم وينهاهم عن معصيته ونكث بيعته وكان كتابه بذلك إلى سيما
ـ444ـ
الشرابى ثم جرت بين المعتز ومحمد بن عبدالله بن طاهر مكاتبات ومراسلات يدعو
المعتز محمدا إلى الدخول فيما دخل فيه من بايعه بالخلافة وخلع المستعين ويذكره
ما كان أبوه المتوكل أخذ له عليه بعد أخيه المنتصر من العهد وعقد الخلافة ودعوة
محمد بن عبدالله المعتز إلى ما عليه من الاوبة إلى طاعة المستعين واحتجاج كل واحد
منهما على صاحبه فيما يدعوه اليه من ذلك بما يراه حجة له تركت ذكرها كراهة
الاطالة بذكرها وأمر محمد بن عبدالله بكسر للقناطر وبثق المياه بطسوج الانبار
وما قرب منه من طسوج بادوريا ليقطع طريق الاتراك حين تخوف من ورودهم
الانبار وكان الذى تولى ذلك نجوبة بن قيس ومحمد بن حمد بن منصور السعدى
وبلغ محمد بن عبدالله توجيه الاتراك لاستقبال الشمسة التى كانت مع البينوق
الفرغانى من يحميها من أصحابه فوجه محمد ليلة الاربعاء لعشر بقين من المحرم خالد
ابن عمران وبندار الطبرى إلى ناحية الانبار ثم وجه بعدهما رشيد بن كاوس
فصادفوا البينوق ومن معه من الاتراك والمغاربة وطالبهم خالد وبندار بالشمسة
فصار البينوق وأصحابه مع خالد وبندار إلى بغداد إلى المستعين وكان محمد بن الحسن
ابن جيلويه الكردى يتولى معونة عكبراء وكان على الراذان رجل من المغاربة
قد اجتمع عنده مال فتوجه اليه ابن جيلويه ودعاه إلى حمل مال الناحية فامتنع عليه
ونصب له الحرب فأسر ابن جيلويه المغربى وحمله إلى باب محمد بن عبدالله ومعه
من مال الناحية اثنا عشر ألف دينار وثلاثون ألف درهم فأمر محمد بن عبدالله
لابن جيلويه بعشرة آلاف درهم وكتب كل واحد من المستعين والمعتز إلى موسى
ابن بغا وهو مقيم بأطراف الشأم قرب الجزيرة وكان خرج إلى حمص لحرب أهلها
يدعوه إلى نفسه وبعث كل واحد منهما اليه بعدة ألوية يعقدها لمن أحب ويأمره
المستعين بالانصراف إلى مدينة السلام ويستخلف على عمله من رأى فانصرف
إلى المعتز وصار معه وقدم عبدالله بن بغا الصغير بغداد وكان قد تخلف بسامرا
حين خرج أبوه منها مع المستعين وصار إلى المستعين واعتذر اليه وقال لابيه انما
قدمت اليك لاموت تحت ركابك وأقام ببغداد أياما ثم استأذن ليخرج إلى قرية
ـ445ـ
بقرب بغداد على طريق الانبار فاذن له فأقام فيها إلى الليل ثم هرب من تحت ليلته
فمضى في الجانب الغربى إلى سامرا مجانيا لابيه ومماليا عليه واعتذر إلى المعتز من
مصيره إلى بغداد وأخبره أنه لما صار اليها ليعرف أخبارهم وليصير اليه فيعرفه
صحيحا فقبل ذلك منه ورده إلى خدمته وورد الحسن بن الافشين بغداد فخلع عليه
المستعين وضم اليه من الاشروسنية وغيرهم جماعة كثيرة وزاد في أرزاقه ستة
عشر ألف درهم في كل شهر ولم يزل أسد بن داود سياه مقيما بسامرا حتى هرب
منها فذكر أن الاتراك بعثوا في طلبه إلى ناحية الموصل والانبار والجانب الغربى
في كل ناحية خمسين فارسا فوافى مدينة السلام فدخل على محمد بن عبدالله فضم اليه
من أصحاب ابراهيم الديرج مائة فارس ومائتى راجل ووكله بباب الانبار مع عبدالله
ابن موسى بن أبى خالد وعقد المعتز لاخيه أبى أحمد بن المتوكل يوم السبت لسبع
بقين من المحرم من هذه السنة وهى سنة 251 على حرب المستعين وابن طاهر وولاه
ذلك وضم اليه الجيش وجعل اليه الامر والنهى وجعل التدبير إلى كلباتكين التركى
فعسكر بالقاطول في خمسة آلاف من الاتراك والفراغنة وألفين من المغاربة وضم
المغاربة إلى محمد بن راشد المغربى فوافوا عكبراء ليلة الجمعة لليلة بقيت من المحرم
فصلى أبوأحمد ودعا للمعتز بالخلافة وكتب بذلك نسخا إلى المعتز فذكر جماعة من
أهل عكبراء انهم رأوا الاتراك والمغاربة وسائر أتباعهم وهم على خوف شديد
يرون أن محمد بن عبدالله قد خرج اليهم فسبقهم إلى حربهم وجعلوا ينتهبون القرى
ما بين عكبراء وبغداد وأوانا وسائر القرى من الجانب الغربى تخوفا على أنفسهم
وخلوا عن الغلات والضياع فخربت الضياع وانتهبت الغلات والامتعة وهدمت
المنازل وسلب الناس في الطريق ولما وافى أبوأحمد عكبراء ومن معه خرج جماعة
من الاتراك الذين كانوا مع بغا الشرابى بمدينة السلام من مواليه و المضمومين اليه
فهربوا ليلا فاجتازوا بباب الشماسية وكان على الباب عبدالرحمن بن الخطاب ولم يعلم
بخبرهم وبلغ محمد بن عبدالله ذلك فأنكره عليه وعنفه وتقدم في حفظ الابواب وحراستها
والنفقة على من يتولاها ولما وافى الحسن بن الافشين مدينة السلام وكل بباب
ـ446ـ
الشماسية ثم وافى أبوأحمد وعسكره الشماسية ليلة الاحد لسبع خلون من صفر
ومعه كاتبه محمد بن عبدالله بن بشر بن سعد المرثدى وصاحب خبر العسكر من قبل
المعتز الحسن بن عمرو بن قماش ومن قبله صاحب خبر له يقال له جعفر بن
أحمد البنان يعرف بابن الخبازة فقال رجل من البصريين كان في عسكره
ويعرف بباذنجانة :
يابنى طاهر أتتكم جنود الل * ه والموت بينها منثور
وجيوش أمامهن أبوأحم * د نعم المولى ونعم النصير
ولما صار أبوأحمد بباب الشماسية ولى المستعين الحسين بن إسماعيل باب
الشماسية وصير من هناك من القواد تحت يده فلم يزل مقيما هناك مدة الحرب
إلى أن شخص إلى الانبار فولى مكانه إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم ولثلاث
عشرة مضت من صفر صار إلى محمد بن عبدالله جاسوس له فأعلمه أن أبا أحمد قد عبى
قوما يحرقون ظلال الاسواق من جانبى بغداد فكشطت في ذلك اليوم *
وذكر أن محمد بن عبدالله وجه محمد بن موسى المنجم والحسين بن إسماعيل
وأمرهما أن يخرجا من الجانب الغربى وأن يرتفعا حتى يجاوزا عسكر أبى أحمد
ويحزراكم في عسكره فزعم محمد بن موسى أنه حزرهم ألفى إنسان معهم ألف
دابة فلما كان يوم الاثنين لعشر خلون من صفر وافت طلائع الاتراك إلى باب
الشماسية فوقفوا بالقرب منه فوجه محمد بن عبدالله الحسين بن إسماعيل والشاة
ابن ميكال وبندار الطبرى فيمن معهم وعزم على الركوب لمقاتلتهم فانصرف
اليه الشاه فأعلمه أنه وافى بمن معه باب الشماسية فلما عاين الاتراك الاعلام
والرايات وقد أقبلت نحوهم انصرفوا إلى معسكرهم فانصرف الشاه والحسين
وترك محمد الركوب يومئذ فلما كان يوم الثلاثاء لاحدى عشرة ليلة خلت من صفر
عزم محمد بن عبدالله على توجيه الجيوش إلى القفص ليعرض جنده هناك ويرهب
بذلك الاتراك وركب معه وصيف وبغا في الدروع وعلى محمد درع فوق الدرع
صدرة من درع طاهر وعليه ساعد حديد ومضى معه بالفقهاء والقضاة وعزم
ـ447ـ
على دعائهم إلى الرجوع عما هم عليه من التمادى في الطغيان واللجاج والعصيان
وبعث ببذل لهم الامان على أن يكون أ بوعبدالله ولى العهد بعد المستعين فان
قبلوا الامان وإلا باكرهم بالقتال يوم الاربعاء لاثنتى عشرة ليلة تخلو
من صفر فمضى نحو باب قطربل فنزل على شاطئ دجلة هو ووصيف وبغا ولم
يمكنه التقدم لكثرة الناس وعارضهم من جانب دجلة الشرقى محمد بن راشد
المغربى ثم انصرف محمد فلما كان من الغد وافته رسل عبدالرحمن بن الخطاب
وجه الفلس وعلك القائد ومن معهما من القواد يعلمونه بأن القوم قد دنوا
منهم وأنهم قد رجعوا إلى عسكرهم إلى رقة الشماسية فنزلوا وضربوا مضاربهم
فأرسل اليهم ألا تبدأوهم وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم وادفعوهم اليوم فوافى باب
الشماسية اثنا عشر فارسا من عسكر الاتراك وكان على باب الشماسية باب وسرب
وعلى السرب باب فوقف الاثنا عشر الفارس بإزاء الباب وشتموا من عليه ورموا
بالسهام ومن بباب الشماسية سكوت عنهم فلما أكثروا أمر علك صاحب المنجنيق أن
يرميهم فرماهم فأصاب منهم رجلا فقتله فنزل أصحابه اليه فحملوه وانصرفوا إلى عسكرهم
بباب الشماسية وقدم عبدالله بن سليمان خليفة وصيف التركى الموجه إلى طريق
مكة لضبط الطريق مع أبى الساج في ثلثمائة رجل من الشاكرية فدخل على محمد
ابن عبدالله فخلع عليه خمس خلع وعلى آخر ممن معه أربع خلع ودخل أيضا في هذا
اليوم رجل من الاعراب من أهل الثعلبية يطلب الفرض معه خمسون رجلا وورد
الشاكرية القادمون من سامرا من قيادات شتى وهم أربعون رجلا فأمر بإعطائهم
وإنزالهم فأعطوا ووافى الاتراك في هذا اليوم باب الشماسية فرموا بالسهام والمنجنيق
و العرادات وكان بينهم قتلى وجرحى وكثير وكان الامير الحسين بن اسماعيل
لمحاربتهم ثم أمد بأربعمائة رجل من المطلبيين مع رجل يعرف بأبى السنا الغنوى ثم
أمدهم بقوم من الاعراب نحو من ثلثمائة رجل وحمل في هذا اليوم من الصلات
لمن أبلى في الحرب خمسة وعشرين ألف درهم وأطوقة وأسورة من ذهب فصار
ذلك إلى الحسين بن اسماعيل و عبدالرحمن بن الخطاب وعلك ويحيى بن
ـ448ـ
هرثمة والحسن بن الافشين وصاحب الحرب الحسين بن اسماعيل فكان الجرحى
من أهل بغداد أكثر من مائتى إنسان والقتلى عدة وكذلك الجراحات في الاتراك
والقتلى أكثرهم بالمجانيق وانهزم أكثر عامة أهل بغداد وثبت أصحاب البوارى
وانصرفوا جميعا وهم في القتلى والجرحى شبيه بالسواء وجرح من هؤلاء فيما ذكر
مائتان ومن هؤلاء مائتان وقتل جماعة من الفريقين وجاء كردوس من
الفراغنة والاتراك في هذا اليوم إلى باب خراسان من الجانب الشرقى ليدخلوا
منه وأتى الصريح محمد بن عبدالله وثبت لهم المبيضة والغوغاء فردوهم وقد كان
محمد أمر أن يمخر تلك الناحية فلما أرادوا الانصراف وحلت عامة دوابهم ونجا
أكثرهم وأحضر الاتراك منجنيقا فغلبهم الغوغاء عليه والمبيضة وكسروا قائمة
من قوائمه وقتل اثنان من الشاشية من الحجاج وأمر بحمل الآجر من قصر
الطين وتلك الناحية إلى باب الشماسية وفتحوا باب الشماسية وأخرجوا إلى
الآجر من لقطه وردوه إلى هذا الجانب من السور وكان محمد بن عبدالله اتصل
به أن جماعة من الاتراك قد صاروا إلى ناحية النهروان فوجه قائدين من قواده
يقال لهما عبدالله بن محمود السرخسى ويحيى بن حفص المعروف بحبوس في خمسمائة
من الفرسان والرجالة إلى هذه الناحية ثم أردفهم بسبعمائة رجل أيضا وأمرهم بالمقام
هناك ومنع من أراده من الاتراك فتوجه آخرهم إلى هذه الناحية يوم الجمعة
لسبع خلون من صفر فلما كان ليلة الاثنين لثلاث عشرة بقيت من صفر
صار قوم من الاتراك إلى النهروان فخرج جماعة ممن كان مع عبدالله بن
محمود فرجعوا هرابا وأخذت دوابهم وانصرف من نجا منهم إلى مدينة السلام مفلولين
وقتل زهاء خمسين رجلا وأخذوا ستين دابة وعدة من البغال قد كانت جاءت من
ناحية حلوان عليها السلح فوجهوا بها إلى سامرا ووجهوا برؤس من قتلوا من الجند
فكانت أول رؤس وافت في تلك الحرب سامرا وانصرف عبدالله بن محمود مفلولا في
شرذمة وصار طريق خراسان في أيدى لاتراك ولقطع الطريق من بغداد إلى خراسان
وكان اسماعيل بن فراشة وجه إلى همذان للمقام بها فكتب اليه بالانصراف فانصرف
ـ449ـ
فأعطى هو وأصحابه استحقاقهم ووجه المعتز عسكرا من الاتراك والمغاربة والفراغنة
ومن هو في عدادهم وعلى الاتراك والفراغنة الدرغمان الفرغانى وعلى المغاربة ربلة
المغربى فساروا إلى مدينة السلام من الجانب الغربى فجازوا قطربل إلى بغداد
وضربوا عسكرهم بين قطربل وقطيعة أم جعفر وذلك عشية الثلاثاء لاثنتى عشرة
ليلة بقيت من صفر فلما كان يوم الاربعاء من غد هذه الليلة وجه محمد بن عبدالله
ابن طاهر الشاه بن ميكال من باب القطيعة وبندار وخالد بن عمران فيمن معهم
من أصحابهم من الفرسان والرجالة فصافهم الشاه وأصحابه فتراموا بالحجارة والسهام
وألجؤا الشاه إلى مضيق عند باب القطيعة وكثر المبيضة من أهل بغداد ثم حمل
الشاه والمبيضة حملة واحدة أزالوا بها الاتراك والمغاربة ومن معهم عن موضعهم
وحمل عليهم المبيضة وأصرحوا بهم وحمل عليهم الطبرية فخالطوهم وخرج عليهم
بندار وخالد بن عمران من الكمين وكانوا كمنوا في ناحية قطربل فوضعوا في
أصحاب أبى أحمد الاتراك منهم وغيرهم السيف فقتلوهم أبرح قتل فلم يفلت منهم
إلا القليل وانتهب المبيضة عسكرهم وما كان فيه من المتاع والاهل والاثقال
والمضارب والخرثى فكل من أفلت منهم من السيف رمى بنفسه في دجلة ليعبر إلى
عسكر أبى أحمد فأخذه أصحاب الشبارات وكانت الشبارات قد شحنت بالمقاتلة فقتلوا
وأسروا وجعل القتلى والرؤس من الاتراك والمغاربة وغيرهم في الزواريق فنصبت
بعضها في الجسرين وعلى باب محمد بن عبدالله فأمر محمد بن عبدالله لمن أبلى في
هذا اليوم بالاسورة فسور قوم كثير من الجند وغيرهم فطلب المنهزمة فبلغ بعضهم
أوانا وبلغ بعضهم ناحية عسكر أبى أحمد عبر دجلة وبعضهم نفذ إلى سامرا وذكر
أن عسكر الاتراك يوم هزموا بباب القطيعة كانوا أربعة آلاف فقتل منهم يوم
الوقعة هنالك ألفان وكان وضع فيهم السيف من باب القطيعة إلى القفص فقتلوا
من قتلوا وغرق من غرق وأسر منهم جماعة فخلع محمد بن عبدالله على بندار أربع
خلع ملحم ووشى وسواد وخز وطوقه طوقا من ذهب وخلع على أبى السنا أربع
خلع وعلى خالد بن عمران وجميع القواد كل رجل أربع خلع وكان انصرافهم من
( 29 7 )
ـ450ـ
الوقعة مع الغرب وسخرت البغال وأخذ لها الجواليق لتحمل فيها الرؤس إلى
بغداد وكان كل من وافى دار محمد برأس تركى أو مغربى أعطوه خمسين درهما وكان
أكثر ذلك العمل للمبيضة والعيارين ثم وافى عيار وبغداد قطربل فانتهبوا ماتركه
الاتراك من متاع أهل قطربل وأبواب دورهم فوجه محمد في آخر هذا اليوم أخاه
أبا أحمد عبيد الله بن عبدالله والمظفر بن سيسل في أثر المنهزمين حياطة لاهل
بغداد لانه لم يأمن رجعتهم عليه فبلغا القفص وانصرفا سالمين وزعجا من أقام من
الرجالة والعيارين بناحية قطربل وأشير على محمد بن عبدالله أن يتبعهم بعسكر في
اليوم الثانى وفى تلك الليلة ليوغل في آثارهم فأبى ذلك ولم يتبع موليا ولم يأمر أن
يجهز على جريح وقبل أمان من استأمن وأمر سعيد بن حميد فكتب كتابا يذكر
فيه هذه الوقعة فقرئ على أهل بغداد في مسجد جامعها نسخته ( بسم الله الرحمن
الرحيم ) أما بعد فالحمد لله المنعم فلا يبلغ أحد شكر نعمته والقادر فلا يعارض
في قدرته والعزيز فلا يذل في أمره والحكم العادل فلا يرد حكمه والناصر فلا
يكون نصره إلا للحق وأهله والمالك لكل شئ فلا يخرج أحد عن أمره والهادى
إلى الرحمة فلا يضل من انقاد لطاعته والمقدم إعذاره ليظاهر به حجته الذى
جعل دينه لعباده رحمة وخلافته لدينه عصمة وطاعة خلفائه فرضا واجبا على كافة
الامة فهم ا لمستحفظون في أرضه على ما بعث به رسله وأمناؤه على خلقه فيما دعاهم
إليه من دينه والحاملون لهم على منهاج حقه لئلا يتشعب بهم الطريق إلى المخالفة
لسبيله والهادى لهم إلى صراطه ليجمعهم على الجادة التى ندب إليها عباده الذين
بهم يحمى الدين من الغواة و المخالفين محتجين على الامم بكتاب الله الذى استعملهم
به ودعاة الامة بحق الله الذى اختارهم له إن جاهدوا كانت حجة الله معهم وإن
حاربوا حكم بالنصر لهم وإن بغاهم عدو كانت كفاية الله حائلة دونهم ومعقلا لهم
وإن كادهم كائد فالله من وراء عونهم نصبهم الله لاعزاز دينه فمن عاداهم فإنما
عادى الدين الذى أعزه وحرسه بهم ومن ناوأهم فإنما طعن على الحق الذى
يكلؤه بحراستهم جيوشهم بالنصر والعز منصورة وكتائبهم بسلطان الله من عدوهم
ـ451ـ
محفوظة وأيديهم عن دين الله دافعة وأشياعهم بتناصرهم في الحق عالية وأحزاب
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 451 سطر 1 الى ص 460 سطر 25
محفوظة وأيديهم عن دين الله دافعة وأشياعهم بتناصرهم في الحق عالية وأحزاب
أعدائهم ببغيهم مقموعة وحجتهم عند الله وعند خلقه راخصة ووسائلهم إلى
النصر مردودة تجمعهم مواطن التحاكم وأحكام الله بخذلانهم واقعة وأقداره
بإسلامهم إلى أوليائه جارية وعاداتهم إلى الامم السالفة والقرون الخالية ماضية
ليكون أهل الحق على ثقة من إنجاز سابق الوعد وأعداؤه محجوبون بما قدم
إليهم من الانذار معجلة لهم نقمة الله بأيدى أوليائه معد لهم العذاب عند ربهم
والخزى موصول بنواصيهم في دنياهم وعذاب الآخرة من ورائهم وما الله بظلام
للعبيد وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المرتضى والمنقذ من الضلالة إلى الهدى
صلاة تامة نامية بركاتها دائمة اتصالها وسلم تسليما والحمد لله تواضعا لعظمته والحمد
لله إقرارا بربويته والحمد لله اعترافا بقصور أقصى منازل الشكر على أدنى منزلة
من منازل كرامته والحمد لله الهادى إلى حمده والموجب به مزيده والمحصى به عوائد
إحسانه حمدا يرضاه ويتقبله ويوجب طوله وافضاله والحمد لله الذى حكم
بالخذلان على من بغى على أهل دينه وسبق وعده بالنصر لمن بغى عليه من أنصار
حقه وأنزل بذلك كتابه العزيز موعظة للباغين فإن أقلعوا كانت التذكرة نافعة لهم
والحجة عند الله لمن قام بها فيهم ثم أوجب بعد التذكرة والاصرار جهادهم فقال فيما
قدم من وعده وأبان من برهانه " ثم بغى عليه لينصرنه الله " وعدا من الله حقا
نهى به أعداءه عن معصيته وثبت به أولياءه على سبيله والله لا يخلف الميعاد ولله
عند أمير المؤمنين في رئيس دعوته وسيف دولته والمحامى عن سلطانه ومحل ثقته
والمتقدم في طاعته ونصيحته لاوليائه والذاب عن حقه والقائم بمجاهدة أعدائه
محمد بن عبدالله مولى أمير المؤمنين نعمة يرغب إلى الله في اتمامها والتوفيق
لشكرها والتطول بمن أراد المزيد فيها فإن الله قدر لآبائه القيام بالدعوة الاولى
لآباء أمير المؤمنين ثم جمع له آثارهم بقيامه بالدولة الثانية حين حاول أعداء الله
أن يطمسوا معالم دينه ويعفوها فقام بحق الله وحق خليفته محاميا عنها ومراميا
من ورائها متناولا للبعيد برأيه ونظره مباشرا للقريب بإشرافه وتفقده باذلا
ـ452ـ
نفسه في كل ما قربه من الله وأوجب له الزلفة عنده وسيمتع الله أمير المؤمنين
به وليا مكانفا على الحق وناصرا موازرا على الخير وظهيرا مجاهدا لعدو الدين
وقد علمتم ما كان كتاب أمير المؤمنين تقدم به اليكم فيما أحدثته الفرقة الضالة عن
سبيل ربها المفارقة لعصمة دينها الكافرة لنعم الله ونعم خليفته عندها المباينة لجماعة
الامة التى ألف الله بخلافته نظامها المحاولة لتشتيت الكلمة بعد اجتماعها الناكثة
لبيعته الخالعة لربقة الاسلام من أعناقها الموالى الاتراك وما صارت اليه من نصر
الغلام المعروف بأبى عبدالله بن المتوكل لاقامتها عند مصير أمير المؤمنين إلى
مدينة السلام محل سلطانه ومجتمع أنصاره وأبناء آبائه وما قابل به أمير
المؤمنين خيانتهم وآثره من الاناة في أمرهم ثم إن هؤلاء الناكثين جمعوا جمعا
من الاتراك والمغاربة ومن ولج في سوادهم ودخل في غمارهم مؤاتيا للفتنة من الفاف
الغى ورأسوا عليهم المعروف بأبى أحمد بن المتوكل ثم ساروا نحو مدينة السلام
في الجانب الشرقى معلنين للبغى والاقتدار مظهرين للغى والاصرار فتأناهم أمير
المؤمنين وفسح لهم في النظرة لهم وأمر بالكتاب اليهم بما فيه تصيرهم الرشد
وتذكيرهم بما قدموا من البيعة وافهامهم ما لله عليهم في ذلك من الحق وأن
خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعا الخروج من دين الله والبراءة منه ومن
رسوله وتحريمهم أموالهم ونساءهم عليهم وأن في تمسكهم به سلامة أديانهم وبقاء
نعمتهم والاحتراس من حلول النقم بهم وأن يبين لهم ماسلف من بلائه عندهم
من أسنى المواهب وأرفع الرغائب والاختصاص بسنى المراتب والتقدم في المحافل
فأبوا إلا تماديا ونفارا وتمسكا بالغى وإصرارا فقلد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمن
ووليه محمد بن عبدالله مولى أمير المؤمنين بتدبير أمورهم ودعائهم إلى الحق ما
كانت الانابة أو محاربتهم إن جنح بهم غيهم وتتابعوا في ضلالهم فلم يألهم نظرا
وإفهاما وتبيينا وإرشادا وهم في ذلك رافعون أصواتهم بالتوعد لاهل مدينة
السلام بسفك دمائهم وسبى نسائهم وتغنم أموالهم وقبل ذلك ما كانوا في مسيرهم
على السبيل التى يستعملها أهل الشرك في غاراتهم ويميلون اليها عند إمكان النهزة
ـ453ـ
لهم لايجتازون بعامر إلا أخرجوه ولا بحريم لمسلم ولا غيره إلا أباحوه ولا
بمسلم يعجز عنهم إلا قتلوه ولا بمال لمسلم ولا ذمى إلا أخذوه حتى انتقل كثير
ممن سبقت اليه أخبارهم ممن أمامهم عن أوطانهم وفارقوا منازلهم ورباعهم
وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصنا من معرتهم لايمرون بغنى إلا خلعوا عنه
لباس الغنى ولابمستور إلا هتكوا عن الذرية والنساء ستره لايرقبون في
مؤمن إلا ولا ذمة ولايتوقفون عن مسلم بهتك ولا مثلة ولايرغبون عما
حرم الله من دم ولاحرمة ثم تلقوا التذكرة بالحرب وقابلوا الموعظة بالاصرار
على الذنب وعارضوا التبصير بالاستبصار في الباطل فدلفوا نحو باب الشماسية
وقد رتب محمد بن عبدالله ولى أمير المؤمنين بذلك الباب والابواب التى سبيلها
سبيله من أبواب مدينة السلام الجيوش في العدة الكاملة والعدة المتظاهرة
معاقلهم التوكل على ربهم وحصونهم الاعتصام بطاعته وشعارهم التكبير والتهليل
أمام عدوهم ومحمد بن عبدالله مولى أمير المؤمنين يأمرهم بتحصين ما يليهم والامساك
عن الحرب ما كانت مندوحة لهم فبادأهم الاولياء بالموعظة وبدأهم الغواة
الناكثون بحربهم وعادوهم أياما بجموعهم وعدادهم مدلين بعدتهم ومقدرين
ألا غالب لهم ولا يعلمون بالله أن قدرته فوق قدرتهم وأن أقداره نافذة بخلاف
إرادتهم وأحكامه عادلة ماضية لاهل الحق عليهم حتى إذا كان يوم السبت
للنصف من صفر وافوا باب الشماسية بأجمعهم قد نشروا أعلامهم وتنادوا بشعارهم
وتحصنوا بأسلحتهم وبدا الامر منهم لمن عاينهم ليس لهم وعيد دون سفك الدماء
وسبى النساء واستباحة الاموال فبدأهم الاولياء بالموعظة فلم يسمعوا وقاتلوهم
بالتذكرة فلم يصغوا اليها وبدأوا بالحرب منابذين لها فتسرع الاولياء عند ذلك اليهم
واستنصروا الله عليهم واستحكمت بالله ثقتهم ونفذت به بصائرهم فلم تزل الحرب
بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم فقتل الله من حماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقادة
باطلهم جماعة كثيرة عددها ونالت الجراحة المثخنة التى تأتى على من نالته أكثر
عامتهم فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أن قد أكذب ظنونهم وحال بينهم وبين
ـ454ـ
أمانيهم وجعل عواقبها حسرات عليهم استنهضوا جيشا من سامرا من الاتراك
المغاربة في العتاد والعدة والجلد والاسلحة في الجانب الغربى طالبين المعرة ومؤملين
أن ينالوا نيلا من أهله باشتغال إخوانهم في الجانب الشرقى بأعدائهم وقد كان
مخمد بن عبدالله مولى أمير المؤمنين شحن الجانبين جميعا بالرجال والعدة ووكل
بكل ناحية من يقوم بحفظها وحراستها ويكف عن الرعية بوائق أعدائهم ووكل
بكل باب من الابواب قائدا في جمع كثيف ورتب على السور من يراعيه في
الليل والنهار وبث الرجال ليعرف أخبار أعداء الله في حركاتهم ونهوضهم ومقامهم
وتصرفهم فيعامل كل حال لهم بحال يفت الله في أعضادهم بها فلما كان يوم الاربعاء
لاحدى عشرة ليلة بقيت من صفر وافى الجيش الذى أنهضوه من الجانب
الغربى الباب المعروف بباب قطربل فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب
الشرقى من دجلة في عدد لايسعه الا الفضاء ولايحمله الا المجال الفسيح وقد تواعدوا
أن يكون دونهم من الابواب معا لشغل الاولياء بحربهم من الجهات فيضعفوا
عنهم ويغلبوا حقهم بباطلهم أملا كادهم الله فيه غير صادق وظنا خائبا لله فيه
قضاء نافذ وأنهض محمد بن عبدالله نحوهم محمد بن أبى عون وبندار بن موسى الطبرى
مولى أمير المؤمنين وعبدالله بن نصر بن حمزة من باب قطربل وأمرهم بتقوى الله
وطاعته والاتباع لامره والتصرف مع كتابه والتوقف عن الحرب حتى يسبق
التذكرة والاسماع وينزل الحجة بالتتابع منهم والاصرار فنذفوا في جمع يقابل
جمعهم مستبصرين في حق الله عليهم مسارعين إلى لقاء عدوهم محتسبين خطاهم
ومسيرهم واثقين بالثواب الآجل والجزاء العاجل فتلقاهم ومن معهم أعداء الله
قد أطلقوا نحوهم أعنتهم وأشرعوا لنحورهم أسنتهم لايشكون أنهم نهزة المختلس
وغنيمة المنتهب فنادوهم بالموعظة نداء مسمعا فمجتها أسماعهم وعميت عنها أبصارهم
وصدقهم أولياء الله في لقائهم بقلوب مستجمعة لهم وعلم بأن الله لايخلف وعده
فيهم فجالت الخيل بهم جولة وعاودت كرة بعد كرة عليهم طعنا بالرماح وضربا
بالسيوف ورشقا بالسهام فلما مسهم ألم جراحها وكلمتهم الحرب بأنيابها ودارت
ـ455ـ
عليهم رحاها وصمم عليهم أبناؤها ظمأ إلى دمائهم ولوا أدبارهم ومنح الله أكتافهم
وأوقع بأسه بهم فقتلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة ولم يتحصنوا
من عقابه بأمانة ثم ثابت ثانية فوقفوا بإزاء الاولياء وعبر اليهم أشياعهم الغاوون
من عسكرهم بباب الشماسية ألف رجل من أنجادهم في السفن معاونين لهم على ضلالتهم
فأنهض محمد بن عبدالله خالد بن عمران والشاه بن ميكال مولى طاهر نحوهم فنفذوا
ببصيرة لايتخونها فتور ونية لايلحقها تقصير ومعهما العباس بن قارن مولى أمير
المؤمنين فلما وافى الشاه فيمن معه أعداء الله وكل بالمواضع التى يتخوف منها مدخل
الكمناء ثم حمل ومن توجه معه من القواد المسمين ماضين لايغويهم الوعيد
ولايشكون من الله في النصر والتأييد فوضعوا أسيافهم فيهم تمضى أحكام الله
عليهم حتى ألحقوهم بالمعسكر الذى كانوا عسكروا فيه وجاوزوه وسلبوهم كل
ما كان من سلاح وكراع وعتاد الحرب فمن قتيل غودرت جثته بمصرعه ونقلت
هامته إلى مصير فيه معتبر لغيره ومن لاجئ من السيف إلى الغرق لم يجره الله
من حذاره ومن أسير مصفود يقاد إلى دار أولياء الله وحزبه ومن هارب بحشاشة
نفسه قد أسكن الله الخوف قلبه فكانت النقمة بحمد الله واقعة بالفريقين ممن
وافى الجانب الغربى قادما ومن عبر اليهم من الجانب الشرقى مجدا لم ينج منهم
ناج ولم يعتصم منهم بالتوبة معتصم ولا أقبل إلى الله مقبل فرقا أربعا يجمعها النار
ويشملها عاجل النكال عظة ومعتبرا لاولى الابصار فكانوا كما قال الله عزوجل
( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم
يصلونها وبئس القرار ) ولم تزل الحرب بين الاولياء وبين الفرقة التى كانت
في الجانب الشرقى والقتل محتفل في أعلامهم والجراح فاشية فيهم حتى إذا عاينوا
ما أنزل الله بأشياعهم من البوار وأحل بهم من النقمة والاستئصال مالهم من الله
من عاصم ولا من أوليائه ملجأ ولا موئل ولوا منهزمين مفلولين منكوبين قد
أراهم الله العبر في إخوانهم الغاوية وطوائفهم المضلة وضل ما كان في أنفسهم لما
رأوا من نصر الله لجنده واعزازه لاوليائه والحمد لله رب العالمين قامع الغواة
ـ456ـ
الناكبين عن دينه والبغاة الناقضين لعهده والمراق الخارجين من جملة أهل حقه
حمدا مبلغا رضاه وموجبا أفضل مزيده وصلى الله أولا وآخرا على محمد عبده ورسوله
الهادى إلى سبيله والداعى اليه بإذنه وسلم تسليما وكتب سعيد بن حميد يوم السبت
لسبع خلون من صفر سنة 251 وركب محمد بن عبدالله بن طاهر يوم الثلاثاء
لاثنتى عشرة ليلة بقيت من صفر إلى باب الشماسية وأمر بهدم ما وراء سور بغداد
من الدور و الحوانيت والبساتين وقطع النخل والشجر من باب الشماسية إلى ثلاثة
أبواب ليتسع الناحية على من يحارب فيها وكان وجه من ناحية فارس والاهواز
نيف وسبعون حمارا بمال إلى بغداد قدم به فيما ذكر منكجور بن قارن الاشروسنى
القائد فوجه الاتراك وأبوأحمد بن بابك إلى طرارستان في ثلثمائة فارس وراجل
ليتلقى ذلك المال إذ صار اليها فوجه محمد بن عبدالله قائدا له يقال له يحيى بن حفص يحمل
ذلك المال فعدل به عن طرارستان خوفا من ابن بابك فلما علم ابن بابك أن المال قد فاته
صار بمن معه إلى النهروان فاوقع من كان معه من الجند بأهلها وأخرج أكثرهم وأحرق
سفن الجسر وهى أكثر من عشرين سفينة وانصرف إلى سامرا وقدم محمد بن خالد
ابن يزيد وكان المستعين قلده الثغور الجزرية وكان مقيما بمدينة بلد ينتظر من يصير
اليه من الجند والمال فلما كان من اضطراب أمر الاتراك ودخول المستعين بغداد
ما كان لم يمكنه المصير إلى بغداد الا من طريق الرقة فصار اليها بمن معه من خاصته
وأصحابه وهم زهاء أربعمائة فارس وراجل ثم انحدر منها إلى مدينة السلام فدخلها
يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من صفر فصار إلى دار محمد بن عبدالله بن
طاهر فخلع عليه خمس خلع دبيقى وملحم وخز ووشى وسواد ثم وجهه في جيش
كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد فأخذ على ظهر الفرات فحاربه في نفر يسير فهزم
وصار إلى ضيعته بالسواد * فذكر عن سعيد بن حميد أنه قال لما انتهى خبر
هزيمة محمد بن خالد إلى محمد بن عبدالله قال ليس يفلح أحد من العرب الا أن
يكون معه نبى ينصره الله به وفى هذا اليوم كانت للاتراك وقعة بباب الشماسية
كانوا صاروا إلى الباب فقاتلوا عليه قتالا شديدا حتى كشفوا من عليه ورموا
ـ457ـ
المنجنيق المنصوب بسرة الباب بالنفط والنار فلم يعمل فيه نارهم وكثرهم من على
الباب من الجند حتى أزالوهم عن موقفهم ودفعوهم عن الباب بعد قتلهم عدة
يسيرة من أهل بغداد وجرحهم منهم جماعة كثيرة بالسهام فوجه محمد بن عبدالله
اليهم عند ذلك العرادات التى كانت تحمل في السفن والزواريق فرموهم بها رميا
شديدا فقتلوا منهم جماعة كثيرة نحوا من مائة إنسان فتنحوا عن الباب وكان بعض
المغاربة صار في هذا اليوم إلى سور الشماسية فرمى بكلاب إلى السور وتعلق به
وصعد فأخذه الموكلون بالسور فقتلوه ورموا برأسه في المنجنيق إلى عسكر الاتراك
وانصرفوا عند ذلك إلى معسكرهم . وذكر أن بعض الموكلين بسور باب الشماسية
من الابناء هاله ما رأى من كثرة من ورد باب الشماسية في هذا اليوم من الاتراك
والمغاربة وكانوا قربوا من الباب باعلامهم وطبولهم ووضع بعض المغاربة كلابا على
السور فأراد بعض الموكلين بالسور أن يصيح يا مستعين يا منصور بغلط فصاح
يا معتز يا منصور فظنه بعض الموكلين بالباب من المغاربة فقتلوه وبعثوا برأسه إلى
دار محمد بن عبدالله فأمر بنصبه فجاءت أمه وأخوه في عشية هذا اليوم بجثته في
محمل يصيحان ويطلبان رأسله فلم يدفع اليهما ولم يزل منصوبا على الجسر إلى أن
أنزل مع ماأنزل من الرؤس ووافى ليلة الجمعة لسبع بقين من صفر جماعة من الاتراك
باب البردان وكان الموكل به محمد بن رجاء وذلك قبل شخوصه إلى ناحية واسط
فقتل منهم ستة نفر وأسر أربعة وكان الدرغمان شجاعا بطلا وصار في بعض الايام
مع الاتراك إلى باب الشماسية فرمى بحجر منجنيق فأصاب صدره فانصرف به إلى
سامرا فمات بين بصرى وعكبراء فحمل إلى سامرا . فذكر يحيى بن العكى القائد
المغربى أنه كان إلى جنب الدرغمان في يوم من أيامهم إذ وافاه باوكى فأصاب
عينه ثم أصابه بعد ذلك حجر فأطار رأسه فحمل ميتا * وذكر عن على بن حسن
الرامى أنه قال كنا قد جمعنا على السور على باب الشماسية من الرماة جماعة وكان
مغربى يجئ حتى يقرب من الباب ثم يكشف استه ثم يضرط ويصيح قال فانتخبت
له سهما فأنفذته في دبره حتى خرج من حلقه وسقط ميتا وخرج من الباب جماعة
ـ458ـ
فنصبوه كالمصلوب وجاءت المغاربة بعد ذلك فاحتملوه * وذكر أن الغوغاء
اجتمعوا بسامرا بعد هزيمة الاتراك يوم قطربل ورأوا ضعف أمر المعتز فانتهبوا
سوق أصحاب الحلى والسيوف والصيارفة وأخذوا جميع ما وجدوا فيها من متاع
وغيره فاجتمع التجار إلى إبراهيم المؤيد أخى المعتز فشكوا ذلك إليه وأعلموه
أنهم قد كانوا ضمنوا لهم أموالهم وحفظها عليهم قال فقال لهم كان ينبغى لكم أن
تحولوا متاعكم إلى منازلكم وكبر عنده ذلك وقدم نجوبة بن قيس بن أبى السعدى
يوم السبت لثمان بقين من صفر بمن فرض من الاعراب وهم ستمائة راجل ومائتا
فارس وقدم في هذا اليوم عشرة نفر من وجوه أهل طرسوس يشكون بلكاجور
ويزعمون أن بيعة المعتز وردت عليه فخرج بعد ساعتين من وصول الكتاب
ودعا إلى بيعة المعتز وأخذ القواد وأهل الثغر بذلك فبايع أكثرهم وامتنع بعض
فأقبل على من امتنع بالضرب والقيد والحبس وذكر أنهم امتنعوا وهربوا لما
أخذهم بالبيعة كرها فقال وصيف ما أظن الرجل إلا اغتر . . . . . وأن
الوارد عليه بكتاب المعتز هو الليث بن بابك وذكر له أن المستعين مات وأقاموا
المعتز مكانه فكثر هؤلاء النفر يشكون بلكاجور ويشيرون إلى أنه فعل ذلك
على عمد ورفعوا عليه أنه كان يرى في بنى الواثق وقد ورد كتاب بلكاجور
يوم الاربعاء لاربع بقين من صفر مع رجل يقال له على الحسين المعروف بابن
الصعلوك يذكر فيه أنه ورد عليه كتاب من أبى عبدالله بن المتوكل أنه قد ولى
الخلافة وبايع له فلما ورد عليه كتاب المستعين بصحة الامر جدد أخذ البيعة
على من قبله وأنه على السمع والطاعة له فأمر للرسول بألف درهم فقبضها وقد
كان أمر بالكتاب إلى محمد بن على الارمنى المعروف بأبى نصر بولايته على الثغور
الشأمية فلما ورد كتاب بلكاجور بالطاعة أمسك عن إنفاذ كتاب ابن على الارمنى
بالولاية وفى يوم الاثنين لست بقين من صفر من هذه السنة قدم إسماعيل بن فراشة من
ناحية همدان في نحو ثلثمائة فارس وكان جنده ألفا وخمسمائة فتقدم بعضهم وتأخر
ـ459ـ
بعض وتفرقوا وقدم معه برسول للمعتز كان وجه إليه لاخذ البيعة فقيد الرسول
وصار به إلى مدينة السلام على بغل بلا إكاف فجمع على إسماعيل خمس خلع
وورد برجل ذكر أنه علوى أخذ بناحية الرى وطبرستان متوجها إلى من هناك
من العلوية وكان معه دواب وغلمان فأمر به فحبس في دار العامة أشهرا ثم أخذ
منه كفيل وأطلق وقرئ في هذا اليوم كتاب موسى بن بغا يذكر فيه أنه ورد
كتاب المعتز وأنه دعا أصحابه وأخبرهم بما حدث وأمرهم بالانصراف معه إلى
مدينة السلام فامتنعوا وأجابه الشاكرية والابناء واعتزله الاتراك ومن كانفهم
وحاربوه فقتل منهم جماعة وأسر أسرى فهم قادمون معه فكبروا في دار ابن
طاهر عند قراءتهم كتابه ( ولخمس ) بقين من صفر دخل من البصرة عشر سفائن
بحرية تسمى البوارج في كل سفينة اشتيام وثلاثة نفاطين ونجار وخباز وتسعة
وثلاثون رجلا من الجذافين والمقاتلة فذلك في كل سفينة خمسة وأربعون
رجلا فمدت إلى الجزيرة التى بحذاء دار ابن طاهر ثم مدت إلى ناحية الشماسية
في هذه الليلة فرمى من فيها من الاتراك بالنيران فعزموا على الانتقال من معسكرهم
برقة الشماسية إلى بستان أبى جعفر بالجسر ثم بدالهم فارتفعوا فوق عسكرهم
في موضع لاينالهم شئ من النار ( ولليلة ) بقيت من صفر صار الاتراك
والمغاربة إلى أبواب مدينة السلام من الجانب الشرقى فأغلقت الابواب
في وجوههم ورموا بالسهام وال منجنيقات و العرادات فقتل من الفريقين
وجرح جماعة كثيرة فلم يزالوا كذلك إلى العصر ( وفى هذه السنة ) كر سليمان بن
عبدالله راجعا من جرجان إلى طبرستان وشخص من آمل وخرج بجمع كثير وخيل
وسلاح فتنحى الحسن بن زيد ولحق بالديلم فكتب إلى السلطان ابن أخيه محمد بن
طاهر بدخوله طبرستان فقرئ كتابه ببغداد وكتب نسخة ذلك المستعين إلى بغا
الصغير مولى أمير المؤمنين بفتح طبرستان على يدى محمد بن طاهر وهزيمة الحسن
ابن زيد وأن سليمان بن عبدالله دخل سارية على حال من السلامة وأنه ورد عليه
ابنان لقارن بن شهريار مولى أمير المؤمنين يقال لهما مازيار ورستم في خمسمائة
ـ460ـ
رجل إلى ماذكر من غير ذلك في الفتح وأن أهل آمل أتوه منيبين مظهرين
إنابتهم مستقيلين عثراتهم فلقيهم بما زاد في سكونهم وثقتهم ونهض بعسكره على
تعبيته مستقريا للقرى والطرق وتقدم بالنهى عن القتل وترك العرض لاحد في
سلب وغيره وتوعد من جاوز ذلك وأن كتاب أسد بن جندان وافاه بهزيمة على
ابن عبدالله الطالبى المسمى بالمرعشى فيمن كان معه وهم أكثر من ألفى رجل
ورجلين من رؤساء الجيل في جمع عظيم عند تأدى الخبر اليهم بانهزام الحسن بن
زيد ودخوله بالاولياء إلى تلك الناحية وأنه دخل مدينة آمل في أحسن هيئة
وأظهر عزة وسلامة وانقطعت عنه أسباب الفتنة ( ولخمس ) بقين من المحرم
من هذه السنة ورد كتاب العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابى على الخراج والضياع
بأرمينية بما كان من خروج رجلين بتلك الناحية سماهما وذكر إيقاعه بهما وأنهما
التجآ إلى قلعة فوضع عليها المجانيق حتى جهدها وأنهما خرجا من القلعة هاربين
وخفى أمرهما وصارت القلعة في أيدى الاولياء ( وفيها ) أيضا ورد كتاب مؤرخ
لاحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم بانتقاض أهل أردبيل وكتاب الطالبى اليهم
وأنه بعث أربعة عساكر على أربعة أبواب مدينتهم ليحاصروهم ( وفيها ) ورد
كتاب مخبر عن الحرب التى كانت بين عيسى بن الشيخ والموفق الخازجى وأسر
عيسى الموفق ومسألة عيسى المستعين توجيه ما يحتاج اليه من السلاح ليكون
عدة له في البلد يقوى به الجند على الغزو وأن يكتب إلى صاحب الصور في
توجيه أربع مراكب اليه بجميع آلتها تكون قبله مع ما قبله منها ( وفيها )
أيضا ورد كتاب محمد بن طاهر بخبر الطالبى الذى ظهر بالرى ونواحيها
وما أعد له من العساكر ووجه اليه من المقاتلة وبهرب الحسن بن زيد عند مصيره
إلى المحمدية وإحاطة عسكره بها وأنه عند دخوله المحمدية وكل بالمسالك والطرق
وبث أصحابه وأن الله أظفره بمحمد بن جعفر أسيرا على غير عقد ولاعهد والذى
صار إلى الرى من العلوية في المرة الثانية بعد ما أسر محمد بن جعفر أحمد بن عيسى
ابن على بن حسين الصغير بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب وإدريس
ـ461ـ
ابن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبدالله بن حسن بن على بن أبى طالب وهو
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 461 سطر 1 الى ص 470 سطر 25
ابن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبدالله بن حسن بن على بن أبى طالب وهو
الذى خرج في مصعد الحاج والذى بطبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل
ابن الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب رحمة الله عليه ورضوانه
( وفيها ) أياضا ورد كتاب من محمد بن طاهر على المستعين يذكر فيه انهزام
الحسن بن زيد منه وأنه لقيه في زهاء ثلاثين ألفا فجرت فيما بينه وبينه حرب
وأنه قتل من رؤس أصحابه ثلثمائة ونيفا وأربعين رجلا وأمر المستعين أن يقرأ
نسخة كتابه في الآفاق ( وفيها ) خرج يوسف بن إسماعيل العلوى ابن أخت
موسى بن عبدالله الحسينى * وفى شهر ربيع الاول منها أمر محمد بن عبدالله
أن يتخذ لعيارى أهل بغداد كافر كوبات وأن يصير فيها مسامير الحديد ويجعل
ذلك في دار المظفر بن سيسل لانهم كانوا يحضرون القتال بغير سلاح وكانوا
يرمون بالآجر ثم أمر مناديا فنادى من أراد السلاح فليحضر دار المظفر فوافاها
العيارون من كل جانب فقسم ذلك فيهم وأثبت أسماءهم ورأس العيارون عليهم
رجلا يدعى ينتويه ويكنى أبا جعفر وعدة أخر يدعى أحدهم دونل والآخر
دمحال والآخر أبا نملة والآخر أبا عصارة فلم يثبت منهم إلا ينتويه فانه لم يزل
رئيسا على عيارى الجانب الغربى حتى انقضى أمر هذه الفتنة ولما أعطى العيارون
الكافر كوبات تفرقوا على أبواب بغداد فقتلوا من الاتراك ومن أتباعهم نحوا
من خمسين نفسا في ذلك اليوم وقتل منهم عشرة أنفس وخرج منهم خمسمائة
بالنشاب وأخذوا من الاتراك علمين وسلمين ( وفيها ) كانت لنجوبة بن قيس
وقعة مع جماعة من الاتراك بناحية بزغى لقيهم هو ومحمد بن أبى عون وغيرهما
فأسروا منهم سبعة وقتلوا ثلاثة ورمى بعضهم بنفسه في الماء فغرق بعضهم ونجا
بعضهم * وذكر عن أحمد بن صالح بن شير زاد أنه سأل رجلا من الاسرى عن عدة القوم
الذين لقيهم نجوبة قال كنا أربعين رجلا فلقينا نجوبة وأصحابه سحرا فقتل منا ثلاثة وغرق
ثلاثة وأسر ثمانية وأفلت الباقون وأخذ ثمانية عشر دابة وجواشن وراية لعامل
أوانا وهو أخو هارون بن شعيب وكانت الوقعة بأوانا يوم الاربعاء وأقام جند
ـ462ـ
نجوبة وعبدالله بن نصر بن حمزة بقطربل مسلحة ( وخرج ) فيما ذكر ينتويه
وأصحابه من العيارين في بعض هذه الايام من باب قطربل فمضوا يشتمون
الاتراك حتى جاوزا قطربل فعبر من عبر اليهم من الاتراك ناشبة في الزواريق
فقتلوا منهم رجلا وجرحوا منهم عشرة وكاثرهم العيارون بالحجارة فأثخنوهم
فرجعوا إلى معسكرهم فأحضر ينتويه دار ابن طاهر فأمر ألا يخرج إلا في يوم
قتال وسور وأمر له بخمسمائة درهم ( ولاربع عشرة ) خلت من ربيع الاول
منها قدم من ناحية الرقة مزاحم بن خاقان وأمر القواد وبنى هاشم وأصحاب
الدواوين بتلقيه وقدم معه من كان معه من أصحابه ا لخراسانية والاتراك والمغاربة
وكانوا زهاء ألف رجل معهم عتاد الحرب من كل صنف ودخل بغداد
ووصيف عن يمينه وبغا عن شماله وعبيد الله بن عبدالله بن طاهر عن يسار بغا
وإبراهيم بن إسحاق خلفهم وهو بوقار ظاهر فلما وصل خلع عليه سبع خلع
وقلد سيفا وخلع على ابنيه على كل واحد منهما خمس خلع ثم أمر أن يفرض
له ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرجالة ووجه المعتز موسى بن اشناس
ومعه حاتم بن داود بن بنحور في ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرجالة فعسكر
بإزاء عسكر أبى أحمد من الجانب الغربى بباب قطربل لليلة خلت من ربيع الاول
وخرج رجل من العيارين يعرف بديكويه على حمار وخليفته على حمار ومعهم
ترسة وسلاح وخرج آخر في الجانب الشرقى يكنى أبا جعفر ويعرف بالمخرمى
في خمسمائة رجل في سلاح ظاهر ومعهم الترسة وبوارى مقيرة وسيوف
وسكاكين في مناطقهم ومعهم كافر كوبات وقرب العسكر الوارد من سامرا
إلى الجانب الغربى من بغداد فركب محمد بن عبدالله ومعه أربعة عشر قائدا من
قواده في عدة كاملة وخرج من المبيضة والنظارة خلق كثير فسار حتى حاذى عسكر
أبى أحمد وكانت بينهم في الماء جولة قتل من عسكر أبى أحمد أكثر من خمسين
رجلا ومضى المبيضة حتى جازت العسكر بأكثر من نصف فرسخ فعبرت إليهم
شبارات من عسكر أبى أحمد فكانت بينهم مناوشة وأخذوا عدة من الشبارات
ـ463ـ
بما فيها من المقاتلة والملاحين فاستوثق منهم وانصرف محمد بن عبدالله وأمر ابن
أبى عون أن يصرف الناس فوجه ابن أبى عون إلى النظارة والعامة من صرفهم
وأغلظ لهم القول وشتمهم وشتموه وضرب رجلا منهم فقتله وحملت عليه
العامة فانكشف من بين أيديهم وقد كان أربع شبارات من شبارات أهل بغداد
تخلفت فلما انصرف ابن أبى عون منهزما من العامة نظر إليها أهل عسكر أبى أحمد
فوجهوا في طلبها شبارات فأخذوها وأحرقوا سفينة فيها عرادة لاهل بغداد
وصار العامة من فورهم إلى دار ابن أبى عون لينهبوها وقال مايل الاتراك وأعانهم
وانهزم بأصحابه وكلموا محمد بن عبدالله في صرفه وضجوا فوجه المظفر بن سيسل
في أصحابه وأمره أن يصرف العامة ويمنعهم أن يأخذوا لابن أبى عون شيئا من
متاعه وأعلمهم أنه قد عزله عن أمر الشبارات و البحريات والحرب وصير ذلك
إلى أخيه عبيد الله بن عبدالله فمضى مظفر فصرف الناس عن دار محمد بن أبى عون
وفى يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول وافى عسكر
الاتراك الشاخص من سامرا إلى بغداد عكبراء فأخرج ابن طاهر بندار الطبرى
وأخاه عبيد الله وأبا السنا ومزاحم بن خاقان وأسد بن داود سياه وخالد بن عمران
وغيرهم من قواده فمضوا حتى بلغوا قطربل وفيها كمين الاتراك فأوقع بهم ونشبت
الحرب بينهم فدفعهم الاتراك حتى بلغوا الحائطين بطريق قطربل وقاتل أبوالسنا
وأسد بن داود قتالا شديدا وقتل كل واحد منهما عدة من الاتراك والمغاربة ومال
أبو السناميلة وتبعه الناس وتبعه الناس وقتل قائدا من قواد الاتراك يقال له سور
ورفع رأسه فصار من فوره إلى دار ابن طاهر وأعلمه هزيمة الناس وسأله المدد
فأمر ابن طاهر به فطوق وكان وزن الاطواق كل طوق ثلاثين دينارا وكل سوار
سبعة مثاقيل ونصف وانصرف أبوالسنا راجعا إلى الناس فيمن أخرج إليهم
من المدد من جميع الابواب * فذكر أن محمد بن عبدالله عنف أبا السنا بإخلاله
بموضعه ومجيئه نفسه بالرأس وقال له أخللت بالناس فقبح الله هذا الرأس ومجيئك
به ولما انصرف محمد بن عبدوس قاتل أسد بن داود أشد قتال بعد تفرق الناس
ـ464ـ
عنه فقتل وثاب إلى موضعه قوم من أهل بغداد بعدما أخذ الاتراك رأسه فدافعوهم
عن جثته فحملوه إلى بغداد في زورق وبلغ الاتراك باب قطربل فخرج الناس اليهم
فدفعوهم عن الباب دفعا شديدا واتبعوهم حتى نحوهم فأتى دار ابن طاهر بعده
رؤوس ممن قتل من الاتراك والمغاربة في هذا اليوم فأمر بنصبها بباب الشماسية
فنصبت هنالك ثم رجع الاتراك والمغاربة على أهل بغداد من ناحية قطربل فقتل
من أهل بغداد خلق كثير وقتل من الاتراك جمع كثير ولم يزل بندار ومن معه
يقاتلونهم حتى أمسوا وانصرف بندار بالناس وغلقت الابواب وأمر ابن طاهر
المظفر بن سيسل ورشيد بن كاوس وقائدا معهم فتوجهوا في نحو من خمسمائة
فارس من باب قطربل إلى ناحية عسكر ابن أشناس فوافوهم على حال سكون وأمن
فقتلوا منهم نحوا من ثلثمائة وأسروا عدة وانصرفوا * وذكر أن الاتراك والمغاربة
وافوا في هذا اليوم باب القطيعة فنقبوا نقبا بقرب الحمام الذى يعرف بباب
القطيعة فقتل أول من خرج منهم من النقب وكان القتل في هذا اليوم أكثر في
الاتراك والمغاربة والجراح بالسهام في أهل بغداد * وسمعت جماعة يذكرون أنه
حضر هذه الوقعة غلام ولم يبلغ الحلم ومعه مخلاة فيها حجارة ومقلاع في يده يرمى
عنه فلا يخطئ وجوه الاتراك ووجوه دوابهم وأن أربعة من فرسان الاتراك الناشبة
جعلوا يرمونه فيخطؤونه وجعل يرميهم فلا يخطئ وتقطر بهم دوابهم فمضوا حتى
جاءوا معهم بأربعة من رجالة المغاربة بأيديهم الرماح والتراس فجعلوا يحملون عليه
ثم داخله اثنان منهم فرمى بنفسه في الماء ودخلا خلفه فلم يلحقاه وعبر إلى الجانب
الشرقى وصيح بهما وكبر الناس فرجعوا ولم يصلوا إليه * وذكر أن عبيد الله بن
عبدالله دعا القواد في هذا اليوم وهم خمسة نفر فأمر كل واحد منهم بناحية ثم مضى
الناس إلى الحرب وانصرف هو إلى الباب فقال لعبد الله بن جهم وهو موكل
بباب قطربل إياك أن تدع منهم أحدا يدخل منهزما من الباب ونشبت الحرب
وتشتت الناس ووقعت الهزيمة وثبت أسد بن داود حتى قتل وقتل بيده ثلاثة
ثم أتاه سهم غرب فوقع في حلقه فولى وجاء سهم آخر فوقع في كفل دابته
ـ465ـ
فشبت به فصرعته ولم يثبت معه أحد إلا ابنه فجرح وكان إغلاق الباب على
المنهزمين أشد من عدوهم وحمل فيها ذكر إلى سامرا من أهل بغداد سبعون
أسيرا ومن الرؤوس ثلثمائة رأس * وذكر أن الاسرى لما قربوا من سامرا
أمر الذى وجه به معهم ألا يدخلهم سامرا الا مغطى الوجوه وأن أهل سامرا
لما رأوهم كثر ضجيجهم وبكاؤهم وارتفعت أصواتهم وأصوات نسائهم بالصراخ
والدعاء فبلغ ذلك المعتز فكره أن يغلظ قلوب من بحضرته من الناس عليه فأمر
لكل أسير بدينارين وتقدم إليهم بترك معاودة القتال وأمر بالرؤوس فدفنت وكان
في الاسرى ابن لمحمد بن نصر بن حمزة وأخ ل قسطنطينية جارية أم حبيب وخمسة
من وجوه بغداد ممن كان في النظارة فأما ابن محمد بن نصر فذكر أنه قتل وصلب
بازاء باب الشماسية لمكان أبيه وفى يوم الخميس لاربع بقين من شهر ربيع الاول
قدم أبوالساج من طريق مكة في نحو من سبعمائة فارس ومععه ثمانية عشر محملا
فيها ستة وثلاثون أسيرا من أسارى الاعراب في الاغلال ودخل هو وأصحابه
بغداد في زى حسن وسلاح ظاهر فصار إلى الدار فخلع عليه خمس خلع وقلد
سيفا وانصرف إلى منزله مع أصحابه وقد خلع على أربع نفر من أصحابه وفى يوم
الاثنين لانسلاخ شهر ربيع الاول وافى باب الشماسية فيما قيل جماعة من
الاتراك معهم من المعتز كتاب إلى محمد بن عبدالله وسألوا ايصاله اليه فامتنع الحسين
ابن اسماعيل من قبوله حتى استأمر فأمر بقبوله فوافى يوم الجمعة ثلاثة فوارس
فأخرج اليهم الحسين بن إسماعيل رجلا معه سيف وترس فأخذ الكتاب من
خريطة فأخرج فأوصل إلى محمد فاذا فيه تذكير محمد بما يجب عليه من حفظه
لقديم العهد بينه وبين المعتز والحرمة وأن الواجب كان عليه أن يكون أول من
سعى في أمره وتوجيه خلافته وذكر أن ذلك أول كتاب ورد عليه من المعتز
بعد الحرب * وفى يوم السبت لخمس خلون من ربيع الآخر وافى بغداد حبشون
ابن بغا الكبير ومعه يوسف بن يعقوب قوصرة مولى الهادى فيمن كان مع موسى
ابن بغا من الشاكرية وانضم اليهم عامة الشاكرية المقيمين بالرقة وهم في نحو من
( 30 7 )
ـ466ـ
ألف وثلثمائة فخلع عليه خمس خلع وعلى يوسف أربع خلع وعلى نحو من عشرين
من وجوه الشاكرية وانصرفوا إلى منازلهم وقدم بغداد رجل ذكر أن عدة
الاتراك والمغاربة وحشوهم في الجانب الغربى اثنا عشر ألف رجل ورأسهم
بايكباك القائد وأن عدة من مع أبى أحمد في الجانب الشرقى سبعة آلاف رجل
خليفة عليهم الدرغمان الفرغانى وأنه ليس بسامرا من قواد الاتراك ولا من
قواد المغاربة إلا ستة نفر وكلوا بحفظ الابواب وكانت بين الفريقين وقعة يوم
الاربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الآخر فقتل فيما ذكر فيها من أصحاب المعتز
مع من غرق منهم أربعمائة رجل وقتل من أصحاب ابن طاهر مع من غرق ثلثمائة
رجل لم يكن فيهم إلا جندى وذلك أنه لم يخرج في ذلك اليوم من الغوغاء أحد
وقتل الحسن بن على الحربى وكان يوما صعبا على الفريقين جميعا * وذكر أن
مزاحم بن خاقان رمى فيه موسى بن أشناس بسهم فأصابه فانصرف مجروحا
وافتقد من عسكر أبى أحمد نحو من عشرين قائدا من الاتراك والمغاربة ولما
كان يوم الخميس لاربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلع على أبى الساج
خمس خلع وعلى ابن فراشة أربع خلع وعلى يحيى بن حفص جبوس ثلاث
خلع وعسكر أبوالساج في سوق الثلاثاء وأعطى الجند بغلا من بغال السلطان
يحمل عليها الرجالة وحول مزاحم بن خاقان من باب حرب إلى باب السلامة
وصار مكان مزاحم خالد بن عمران الطائى الموصلى * وذكر أن أبا الساج لما
أمره ابن طاهر بالشخوص قال له أيها الامير عندى مشورة أشير بها قال
قل يا أبا جعفر فانك غير متهم قال إن كنت تريد أن تجاد هؤلاء القوم فالرأى
لك أن لاتفارق قوادك ولا تفرقهم واجمعهم حتى تفض هذا العسكر المقيم
بإزائك فانك إذا فرغت من هؤلاء فما أقدرك على من وراءك فقال إن
لى تدبيرا ويكفى الله إن شاء فقال أبوالساج السمع والطاعة ومضى لما
أمر به * وذكر أن المعتز كتب إلى أبى أحمد يلومه للتقصير في قتال أهل
بغداد فكتب إليه :
ـ467ـ
لامر المنايا علينا طريق * وللدهر فيه اتساع وضيق
فأيامنا عبر للانام * فمنها البكور ومنها الطروق
ومنها هنات تشيب الوليد * ويخذل فيها الصديق الصديق
وسور عريض له ذروة * تفوت العيون وبحر عميق
قتال مبيد وسيف عتيد * وخوف شديد وحصن وثيق
وطول صياح لداعى الصباح ال * سلاح السلاح فما يستفيق
فهذا قتيل وهذا جريح * وهذا حريق وهذا غريق
وهذا قتيل وهذا تليل * وآخر يشدخه المنجنيق
هناك اغتصاب وثم انتهاب * ودور خراب وكانت تروق
إذا ما سمونا إلى مسلك * وجدناه قد سد عنا الطريق
فبالله نبلغ ما نرتجيه * وبالله ندفع مالا نطيق
فأجابه محمد بن عبدالله أو قيل على لسانه
ألا كل من زاغ من أمره * وجار به عن هداه الطريق
ملاق من الامر ماقد وصفت * وهذا بأمثال هذا خليق
ولا سيما ناكث بيعة * وتوكيدها فيه عهد وثيق
يسد عليه طريق الهدى * ويلقى من الامر مالا يطيق
وليس ببالغ ما يرتجيه * ومن كان عن غيه لايفيق
أتانا به خبر سائر * رواه لنا عن خلوق خلوق
وهذا الكتاب لنا شاهد * يصدقه ذا النبى الصدوق
أما الشعر الاول فانه ينشد لعلى بن أمية في فتنة المخلوع والمأمون والجواب لايعرف قائله
وفى ربيع الآخر من هذه السنة ذكر أن مائتى نفس من بين فارس وراجل مضوا من قبل
المعتز إلى ناحية البندجين ورئيسهم تركى يدعى أبلج فقصدوا الحسن بن على فانتهبوا
داره وأغاروا على قريته ثم صاروا إلى قرية قريبة منها فأكلوا وشربوا فلما اطمأنوا
استصرخ عليهم الحسن بن على أكرادا من أخواله وقوما من قرى حوله فصاروا
ـ468ـ
اليهم وهم غارون فأوقع بهم وقتل أكثرهم وأسر سبعة عشر رجلا منهم وقتل
أبلج وهرب من بقى منهم ليلا ثم بعث الحسن بن على الاسرى ورأس أبلج
ورؤس من قتل معه إلى بغداد والحسن بن على هذا رجل من شيبان كان يخلف
فيما ذكر يحيى بن حفص في عمله وأمه من الاكراد
* ذكر خبر المدائن في هذه الفتنة *
ذكر أن أبا الساج وإسماعيل بن فراشة ويحيى بن حفص لما خلع عليهم
للشخوص نحو المدائن عسكروا بسوق الثلاثاء فلما كان يوم الاحد لعشر بقين
من شهر ربيع الاول حمل رجالته على البغال وصار إلى المدائن ثم إلى الصيادة
وابتدأ في حفر خندق المدائن وهو خندق كسرى وكتب يستمد فوجه اليه خمسمائة
رجل من رجالة الجيشية وكان شخوصه في ثلاثة آلاف فارس وراجل ثم استمده
فأمده فحصل في عسكره ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل ثم أمد بمائتى راجل
من الشاكرية القدماء وحملوا في السفن وانحدروا اليه يوم الاحد لاربع خلون
من جمادى الآخرة
* ذكر الخبر عن أمر الانبار وما كان فيها من هذه الفتنة *
فمما كان بها أن محمد بن عبدالله وجه نجوبة بن قيس في الاعراب إلى الانبار
وأمره بالقمام بها والفرض لاعراب الناحية ففرض قوما منهم ومن المشبهة بهم
نحوا من ألفى راجل فأقام بالانبار وضبطها فبلغه أن قوما من الاتراك قد قصدوه
فبثق الماء من الفرات إلى خندق الانبار فامتلا الخندق لزيادة الماء وفاض على
مايليه من الصحارى فصار الماء إلى الساحلين فصار ما يلى الانبار بطيحة واحدة
وقطع القناطر التى توصل إلى الانبار وكتب يستمد فندب للخروج اليه رشيد
ابن كاوس أخو الافشين وضم اليه ممن كان معه من رجاله تتمة ألف رجل خمسمائة
فارس وخمسمائة راجل فشخص وعسكر في قصر عبدويه وأمده ابن طاهر بثلثمائة
راجل من الملطيين القادمين من الثغور وانتخبوا ودفع اليهم استحقاقهم ونفذوا
اليه يوم الثلاثاء ورحل من قصر عبدويه يوم الاثنين سلخ ربيع الآخر في نحو
ـ469ـ
من ألف وخمسمائة راجل وأخرج المعتز أبا نصر بن بغا من سامرا على طريق
الاسحاق يوم الثلاثاء فسار يومه وليلته فصبح الانبار ساعة نزلها رشيد بن كاوس
وكان نجوبة نازلا في المدينة ورشيد خارجها فلما وافى أبونصر عاجل رشيدا
وأصحابه وهم غارون على غير تعبية فوضع أصحابه فيهم السيف ورموهم بالنشاب
فقتلوا عدة وثار بعض أصحاب رشيد إلى أسلحتهم فقاتلوا الاتراك والمغاربة قتالا
شديدا وقتلوا منهم جماعة ثم انهزم الشاكرية ورشيد على الطريق الذى جاؤا فيه
منصرفين إلى بغداد ولما بلغ نجوبة مالقيه أصحاب رشيد وأن الاتراك قد مالوا عند
انهزام رشيد إلى الانبار عبر إلى الجانب الغربى وقطع جسر الانبار وعبر معه جماعة
من أصحابه وصار رشيد إلى المحول في ليلته وسار نجوبة في الجانب الغربى حتى وافى
بغداد يوم الخميس بالعشى ثم دخل رشيد في هذه العشية إلى دار ابن طاهر فأعلم نجوبة
محمد بن عبدالله أنه عند مصير الاتراك إلى الانبار وجه إلى رشيد يسأله أن يوجه
اليه مائة رجل من الناشبة ليرتبهم قدام أصحابه فامتنع من ذلك وسأله أن يضم
إليه ناشبة من الفرسان والرجالة ليصير إلى بنى عمه وذكر أنهم مقيمون هنالك
في الجانب الغربى على الطاعة وانتظار أمير المؤمنين وضمن أن يتلافى ما كان
منه فضم إليه ثلثمائة رجل من فرسان الشاكرية الناشبة ورجالتهم وخلع عليه
خمس خلع ومضى إلى قصر ابن هبيرة يستعد هنالك ثم اختار محمد بن عبدالله
الحسين بن إسماعيل للانبار ووجه محمد بن رجاء الحضارى معه وعبدالله بن نصر
ابن حمزة ورشيد بن كاوس ومحمد بن يحيى وجماعة من الناس وأمر باخراج المال
لمن يخرج مع الحسين ومع هؤلاء القوم فامتنع من كان قدم من ملطية من
الشاكرية وهم عظم الناس من قبض رزق أربعة أشهر لان أكثرهم كان بغير
دواب وقالوا نحتاج إلى أن نقوى في أنفسنا ونشترى الدواب وكان الذى أطلق
لهم أربعة آلاف دينار ثم رضوا بقبض أربعة أشهر فجلس الحسين في مجلس على
باب محمد بن عبدالله وتقدم في تصحيح الجرائد ليكون عرضه الناس وأصحابه
في مدينة أبى جعفر فأعطى في ذلك اليوم جماعة من خاصته ثم صار الحسين
ـ470ـ
وأصحاب الدواوين بعد ذلك إلى مدينة أبى جعفر ووضع العطاء لمن يخرج معه
من الجند في ثلاثة مجالس واستتم إعطاؤهم يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة بقيت من
جمادى الاولى فلما كان يوم الاثنين أحضر الحسين بن اسماعيل الدار ومعه القواد
الخارجون معه رشيد بن كاوس ومحمد بن رجاء وعبدالله بن نصر بن حمزة
وأرمس الفرغانى ومحمد بن يعقوب أخو حزام ويوسف بن منصور بن يوسف
البرم والحسين بن على بن يحيى الارمنى والفضل بن محمد بن الفضل ومحمد بن بن هرثمة
ابن النضر وخلع على الحسين وقدمت مرتبته إلى الفوج الثانى وكان في الفوج
الرابع وخلع عى هؤلاء القواد وصير رشيد بن كاوس على المقدمة ومحمد بن
رجاء على الساقة ومضى الحسين ومن ضم اليه من عشيرته وقواده إلى معسكرهم
وأمر وصيف وبغا أن يسبقا الحسين إلى معسكره وشيعه عبيد الله بن عبدالله وجميع
قواد ابن طاهر وكتابه وبنو هاشم والوجوه إلى الياسرية وأخرج لاهل العسكر من
المال ستة وثلاثون ألف دينار وحمل إلى معسكر الياسرية بعد لاعطاء من بقى ألف
وثمانمائة دينار تمام استحقاقهم فلما كان يوم الخميس سارت مقدمة الحسين والمقلد
لها عبدالله بن نصر ومحمد بن يعقوب في ألف فارس وراجل فنزلوا البثق المعروف
بالقاطوفة وكان الاتراك قد وجهوا إلى المنصورية على خمسة فراسخ من بغداد
جماعة منهم ومن المغاربة والغوغاء زهاء مائة إنسان فظفر بسبعة من المغاربة فوجه بهم
إلى الحسين فأنفذهم إلى الباب وسار الحسين يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الاولى
وقد كان أهل الانبار حين تنحى نجوبة ورشيد وصار الاتراك والمغاربة إلى
الانبار نادوا الامان فأعطوه وأمروا بفتح حوانيتهم والتسوق فيها والانتشار
في أمورهم واطمأنوا إلى ذلك منهم وسكنوا وأطمعوا منهم أن يفوا لهم فأقاموا
بذلك يومهم وليلتهم حتى أصبحوا وكان في وقت غلبتهم عليها وافتهم سفن من
الرقة فيها دقيق وأطواف فيها زيت وغير ذلك فأخذوه وجمعوا ما وجدوا فيها من
إبل ودواب وبغال وحمير ووجهوا بذلك مع من يؤديه إلى منازلهم بسامرا وانتهبوا
ما وجدوا ووجهوا برؤس من قتل من أصحاب رشيد ونجوبة وأهل بغداد وبمن
ـ471ـ
أسروا وكانوا مائة وعشرين رجلا والرؤوس سبعون رأسا وحملوا الاسرى في
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 471 سطر 1 الى ص 480 سطر 25
أسروا وكانوا مائة وعشرين رجلا والرؤوس سبعون رأسا وحملوا الاسرى في
ا لجوالقات قد أخرجوا منها رؤسهم حتى صاروا إلى سامرا وصار الاتراك إلى فم
لاستا وحاولوا سدها ليقطعوا ماء الفرات عن بغداد فوجهوا رجلا ودفعوا
اليه مالا لآلة السكر وسده مع القلوس والصوارى ففطن به وهو يبتاع ذلك فحمل
إلى دار ابن طاهر بعد أن نالته العامة بالضرب والشتم حتى أشفى على الموت فسئل
عن أمره فصدق فوجه به إلى الحبس وكان ابن طاهر قد وجه الحارث خليفة
أبى الساج فكان على طريق مكة إلى قصر ابن هبيرة وضم اليه خمسمائة رجل من فرسان
الشاكرية القادمين معه فنفذ ومن معه لسبع خلون من جمادى الاولى ووجه ابن
أبى دلف هاشم بن القاسم في مائتى راجل وفارس إلى السيبين ليقيم هناك فلما توجه
الحسين إلى الانبار كتب اليه باللحاق بعسكر الحسين ليصير معه إلى الانبار ونودى
ببغداد في أصحاب الحسين ومزاحم بن خاقان أن يلحقوا بقوادهم فسار الحسين وتقدم
خالد بن عمران حتى نزل دمما فأراد أن يعقد على نهرانق جسرا ليعبر عليه أصحابه
فمانعه الاتراك فعبر اليهم جماعة من الرجالة فكشفوهم وعقد خالد الجسر فعبر هو
وأصحابه وصار الحسين إلى دمما فعسكر خارجها وأقام في معسكره يوما ووافته
طلائع الاتراك مما يلى نهرانق ونهر رفيل فوق قرية دمما فصف الحسين أصحابه من
جانب النهر والاتراك من الجانب الآخر وهم زهاء ألف رجل وتراشقوا بالسهام
فجرح بينهم عداد وانصرف الاتراك إلى الانبار وكان نجوبة مقيما بقصر ابن هبيرة
فانضم إلى الحسين في جميع من كان معه من الاعراب وغيرهم وكتب نجوبة يسأل
مالا لاعطاء أصحابه فأمر أن يحمل إلى معسكر الحسين لاعطاء أصحاب نجوبة ثلاثة
آلاف دينار وحمل إلى الحسين مال وأطواق وأسورة وجوائز لمن أبلى في الحرب
وكان الحسين وعد أن يمد بالرجال حتى يكمل عسكره عشرة آلاف رجل
فكتب ينجز ذلك فأمر بتوجيه أبى السنا محمد بن عبدوس الغنوى والجحاف بن
سواد في ألف فارس وراجل من الملطيين وجند انتخبوا من قيادات شتى فقبضوا
أنزالهم لليلتين بقيتا من جمادى وساروا مع أبى السنا والجحاف على نهر كرخايا إلى
ـ472ـ
المحول ثم إلى دمما ونزل الحسين بعسكره في موضع يعرف بالقطيعة واسع يحتمل
العسكر فأقام فيه يومه ثم عزم على الرحلة منه إلى قرب الانبار فأشار عليه رشيد
والقواد أن ينزل عسكره بهذا الموضع لسعته وحصانته ويسير هو وقواده في خيل
جريدة فان كان الامر له كان قادرا أن ينقل عسكره وإن كان عليه انحاز إلى
عسكره وراجع عدوه فلم يقبل الرأى وحملهم على المسير من موضعهم فساروا
وبين الموضعين فرسخان أو نحوهما فلما بلغوا الموضع الذى أراد الحسين النزول
فيه أمر الناس بالنزول وكان جواسيس الاتراك في عسكر الحسين فساروا اليهم
وأعلموهم رحلة الحسين وضيق العسكر بالموضع الذى نزل فيه فوافوهم والناس
يحطون أثقالهم فثار أهل العسكر ونادوا السلاح فصافوهم فكانت بينهم قتلى من
الفريقين وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم كشفا قبيحا وقتلوا منهم مقتلة
عظيمة وغرق منهم خلق كثير في الفرات وكان الاتراك قد كمنوا قوما فخرج
الكمين عند ذلك على بقية العسكر فلم يكن لهم ملجأ إلا الفرات وغرق من أصحاب
الحسين خلق كثير وقتل جماعة وأسر من الرجالة جماعة وأما الفرسان فضربوا
دوابهم هرابا لايلوون على شئ والقواد ينادونهم يسألونهم الرجعة فلم يرجع منهم
أحد وأبلى محمد بن رجاء ورشيد يومئذ بلاء حسنا ولم يكن لمن انهزم معقل دون
الياسرية على باب بغداد فلم يملك القواد أمور أصحابهم فأشفقوا حينئذ على أنفسهم
فانثنوا راجعين وراءهم يحمونهم من أدبارهم أن يتبعوا وجوى الاتراك جميع عسكر
الحسين بما فيه من المضارب وأثاث الجند وتجارات أهل السوق وكان معه في السفن
سلاح سلم لان الملاحين حرزوا سفنهم فسلم ما كان معهم من السلاح ومن تجارة التجار
وذكر عن ابن زنبور كاتب الحسين أنه للحسين اثنا عشر صندقا فيها كسوة ومال
من مال السلطان مبلغه ثمانية آلاف دينار ونحو من أربعة آلاف دينار لنفسه ونحو من
مائة بغل وانتهب فروض الحسين مضارب الحسين وأصحابه وطاروا مع من طار فوافوا
الياسرية وكان أكثر النهب مع أصحاب أبى السنا ووافى الحسين والفل الياسرية يوم
الثلاثاء لست خلون من جمادى الآخرة ولقى الحسين رجل من التجار في جماعة ممن
ـ473ـ
ذهبت أموالهم في عسكره فقال الحمد لله الذى بيض وجهك أصعدت في اثنى عشر
يوما وانصرفت في يوم واحد فتغافل عنه ( قال أبوجعفر ) ومما انتهى الينا من خبر
الحسين بن اسماعيل ومن كان معه من القواد والجند الذين كان محمد بن
عبدالله بن طاهر استنهضهم من بغداد في هذه السنة لحرب من كان قصد
الانبار وما اتصل بها من البلاد من الاتراك والمغاربة أنه لما صار إلى
الياسرية منصرفه مهزوما من دمما أقام بها في بستان ابن الحرورى وأقام من وافى
الياسرية من المنهزمة في الجانب الغربى من الياسرية ومنعوا من العبور ونودى
ببغداد فيمن قد دخلها من الجند الذين عسكر الحسين أن يلحقوا بالحسين في
معسكره وأجلوا ثلاثة أيام فمن وجد منهم ببغداد بعد ثلاثة ضرب ثلاثمائة سوط
ومحى اسمه من الديوان فخرج الناس وأمر خالد بن عمران في الليلة التى قدم فيها
الحسين أن يعسكر في أصحابه بالمحول وأعطى أصحابه أرزاقهم في تلك الليلة في السرج
ونودى في أصحابه بالمحول باللحاق به ونودى في الفرض القدماء الذين كانوا فرضوا
بسبب أبى الحسين يحيى بن عمر بالكوفة وهم خمسمائة رجل وأصحاب خالد وهم
نحو من ألف رجل فعسكروا بالمحول يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة
وأمر ابن طاهر الشاه بن ميكال في صبيحة الليلة التى وافى فيها الحسين أن يتلقاه
ويمنعه من دخول بغداد فلقيه في الطريق فرده إلى بستان ابن الحرورى وأقاموا
يومهم فلما كان الليل صاروا إلى دار ابن طاهر فوبخه ابن طاهر وأمره بالرجوع
إلى الياسرية لينفذ إلى الانبار مع من ينفذ اليها من الجند فصار من ليلته إلى الياسرية
ثم أمر باخراج مال لاعطاء شهر واحد لآل هذا العسكر فحمل تسعة آلاف دينار
وصار كتاب ديوان العطاء وديوان العرض إلى الياسرية لعرض الجند واعطائهم
فلما كان يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الآخرة توجه خالد بن عمران مصعدا
إلى قنطرة بهلايا وهى موضع السكر وخرجت نحو من عشرين سفينة وركب
عبيد الله بن عبدالله وأحمد بن اسرائيل والحسن بن مخلد إلى عسكر الحسين بن
اسماعيل بالياسرية فقرؤا على الحسين والقواد كتابا كتب به عن المستعين يخبرهم
ـ474ـ
فيه بسؤ طاعتهم وما ركبوا من العصيان والتخاذل فقرئ عليهم والعسكر مقيم
والعراض يعرضونهم ليتعرفوا من قتل ومن غرق من كل قيادة ونودى باللحاق
بعسكرهم فخرجوا وأتاهم كتاب بعض عيونهم بالانبار يخبر أن القتلى كانت من
الاتراك أكثر من مائتين والجرحى نحوا من أربعمائة وان جميع من أسره الاتراك
من أهل بغداد الجيشية والفروض من الرجالة مائتان وعشرون إنسانا وانه عد
رؤس من قتل فوجدها سبعين رأسا وكانوا أخذوا جماعة من أهل الاسواق
فصاحوا لابى نصر نحن أهل السوق فقال ما بالكم معهم فقالوا أكرهنا فخرجنا
تسببا أو . . . فأطلق من كان منهم يشبه السوقة وأمر بحبس الاسرى في القطيعة
وذكر عن صاحب بغال السلطان أن جميع ما ذهب من بغال السلطان مائة وعشرون
بغلا ورحل الحسين يوم الاثنين لاثنتى عشرة بقيت من جمادى الآخرة وكتب
إلى خالد بن عمران وهو مقيم على السكر أن يرحل متقدما أمامه فامتنع خالد من
ذلك وذكر أنه لايبرح من موضعه إلا أن يأتيه قائد في جند كثيف فيقيم مكانه
لانه يتخوف أن يأتيه الاتراك من خلفه من عسكرهم بناحية قطربل وأمر ابن
طاهر بمال فحمل إلى الحسين بن اسماعيل لاعطاء جميع من في عسكره رزق شهر
واحد ليفرق فيهم بدمما وأمر أن يخرج معه الكتاب والعراض لاصحابه إلى هنالك
وقلد أمر نفقات عسكره واعطاء الجند من قبل ديوان الخراج الفضل بن مظفر
السبعى وحمل المال مع السعى إلى معسكر الحسين لينفذ معه إذا نفذ وقد قيل إن
الحسين ارتحل إلى الانبار في النصف من ليلة الاربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة
فسار وتبعه من في عسكره يوم الاربعاء ونودى في أصحابه باللحاق به فسار حتى
نزل دمما وأراد أن يعقد على نهرانق جسرا ليعبر عليه فمانعه الاتراك فعبر اليهم جماعة
من أصحابه من الرجالة فحاربوهم حتى كشفوهم وعقد خالد الجسر فعبر أصحابه
ووجه محمد بن عبدالله بكاتبه محمد بن عيسى بشئ شافهه به فيقال انه حمل معه أطوافا
وأسورة وانصرف إلى منزله وصار إلى الحسين يوم السبت لثمان خلون من رجب
رجل فأخبره أن الاتراك قد دلوا على عدة مواضع في الفرات تخاض إلى عسكره
ـ475ـ
فأمر بضرب الرجل مائتى سوط ووكل بالمخاوض رجلا من قواده يقال له الحسين
ابن على يحيى الارمنى في مائة راجل ومائة فارس فطلع أول القوم فخرج عليهم وقد
أتاه منهم أربعة عشر علما فقاتل أصحابه ساعة ووكل بالقنطرة أبا السنا وأمره
أن يمنع من انهزم من العبور فأتى الاتراك المخاضة فرأوا الموكل بها فتركوه واقفا
وصاروا إلى مخاضة أخرى خلف الموكل فقاتلوهم فصبر الحسين بن على وقاتل فقيل
للحسين بن اسماعيل فقصد نحوه ولم يصل اليه حتى انهزم وانهزم خالد بن عمران
معه ومن معه ومنعهم أبوالسنا من العبور على القنطرة فرجع الرجالة وا لخراسانية
فرموا بأنفسهم في الفرات فغرق من لم يحسن السباحة وعبر من كان يحسن السباحة
فنجا عريانا وخرج إلى جزيرة لايصل منها إلى الشط لما على الشط من الاتراك
فذكر بعض جند الحسين قال بعث الحسين بن على الارمنى إلى الحسين بن اسماعيل
أن الاتراك قد وافوا المخاضة فأتاه الرسول فقيل الامير نائم فرجع الرسول
فأعلمه فرد آخر فقال له الحاجب الامير في المخرج فرجع فأخبره فرد رسولا ثالثا
فقال قد خرج من المخرج ونام فعلت الصبيحة فعبر الاتراك فقعد الحسين في زورق
أو شبارة وانحدر واستأسر قوم من ا لخراسانية ورموا ثيابهم وسلاحهم وقعدوا
على الشط عراة وشد أصحاب أعلام الاتراك حتى ضربوا أعلامهم على مضرب
الحسين بن اسماعيل واقتطعوا السوق وانحدرت عامة السفن فسلمت إلا ما كان
موكلا به منها ولحق الاتراك أصحاب الحسين فوضعوا فيهم السيف فقتلوا وأسروا
نحوا من مائتين وغرق خلق كثير ووافى الحسين والمنهزمة بغداد نصف الليل
ووافى فلهم وبقيتهم في النهار وفيهم جرحى كثيرة فلم يزالوا إلى نصف النهار
يتتابعون عراة مجرحين وفقد من قواد الحسين ابن يوسف البرم وغيره ثم جاء
كتابه أنه أسير في أيدى الاتراك عند مفلح وان عدة الاسرى من وقعة الحسين
الثانية مائة ونيف وسبعون انسانا والقتلى مائة والدواب نحو من ألفى دابة ومائتى
بغل وقيمة السلاح والثياب وغير ذلك أكثر من مائة ألف دينار فقال الهندوانى
في الحسين بن اسماعيل
ـ476ـ
يا أحزم الناس رأيا في تخلفه * عن القتال خلطت الصفو بالكدر
لما رأيت سيوف الترك مصلتة * علمت ما في سيوف الترك من قدر
فصرت منحجزا ذلا ومنقصة * والنجح يذهب بين العجز والضجر
( ولحق ) بالمعتز في جمادى الآخرة منها من بغداد جماعة من الكتاب وبنى هاشم
ومن القواد مزاحم بن خاقان أرطوج ومن الكتاب عيسى بن إبراهيم بن نوح
ويعقوب بن إسحاق ونمارى ويعقوب بن صالح بن مرشد ومقلة وابن لابى
مزاحم بن يحيى بن خاقان ومن بنى هاشم على ومحمد ابنا الواثق ومحمد بن هارون
ابن عيسى بن جعفر ومحمد بن سليمان من ولد عبدالصمد بن على ( وفيها ) كانت
وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد وأحمد المولد وأيوب بن أحمد بالسكير من أرض
بنى تغلب قتل بين الفريقين جماعة كثيرة وانهزم محمد بن خالد وانتهب الآخرون
متاعه وهدم أيوب دور آل هارون بن معمر وقتل من ظفر به من رجالهم
( وفيها ) كانت لبلكاجور غزوة فتح فيما ذكر فيها مطمورة أصاب فيها غنيمة
كثيرة وأسر جماعة من الاعلاج وورد بذلك على المستعين كتاب تاريخه يوم
الاربعاء لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة 251 ( وفى ) يوم السبت
لثمان بقين من رجب من هذه السنة كانت وقعة بين محمد بن رجاء وإسماعيل بن
فراشة وبين جعلان التركى بناحية بادرايا وباكسايا فهزم ابن رجاء وابن
فراشة جعلان وقتلا من أصحابه جماعة وأسرا جماعة ( وفى ) رجب منها كان
فيما ذكر وقعة بين ديوداد أبى الساج وبين بايكباك بناحية جرجرايا قتل فيها
أبوالساج بايكباك وقتل من رجاله جماعة وأسر منهم جماعة وغرق منهم في
النهروان جماعة ( وفى ) النصف من رجب منها اجتمع من كان ببغداد من بنى
هاشم من العباسيين فصاروا إلى الجزيرة التى بإزاء دار محمد بن عبد فصاحوا
بالمستعين وتناولوا محمد بن عبدالله بالشتم القبيح وقالوا قد منعنا أرزاقنا
وتدفع الاموال إلى غيرنا ممن لا يستحقها ونحن نموت هزلا وجوعا فان دفعت
الينا أرزاقنا وإلا قصدنا إلى الابواب ففتحناها وأدخلنا الاتراك فليس يخالفنا
ـ477ـ
أحد من أهل بغداد فعبر اليهم الشاه بن ميكال فكلمهم ورفق بهم وسألهم أن
يعبر معه منهم ثلاثة أنفس ليدخلهم على ابن طاهر فامتنعوا من ذلك وأبوا
إلا الصياح وشتم محمد بن عبدالله فانصرف عنهم الشاه فلم يزالوا على حالهم إلى
قرب الليل ثم انصرفوا واجتمعوا من غد ذلك اليوم فوجه إليهم محمد بن عبدالله
فأمرهم بحضور الدار يوم الاثنين ليأمر من يناظرهم فصاروا إلى الدار فأمر محمد
ابن داود الطوسى بمناظرتهم وبذل لهم رزق شهر واحد وأمرهم أن يقبضوا ذلك
ولا يكلفوا الخليفة أكثر من هذا فأبوا أن يقبضوا رزق شهر وانصرفوا
( وفيها ) خرج بالكوفة رجل من الطالبيين يقال له الحسين بن محمد بن حمزة بن
عبدالله بن الحسين بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب فاستخلف بها رجلا
منهم يقال له محمد بن جعفر بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن حسن ويكنى
أبا أحمد فوجه اليه المستعين مزاحم بن خاقان أرطوج وكان العلوى بسواد
الكوفة في ثلثمائة رجل من بنى أسد وثلثمائة رجل من الجارودية والزيدية
وعامتهم صوافية وكان العامل يومئذ بالكوفة أحمد بن نصر بن مالك الخزاعى
فقتل العلوى من أصحاب ابن نصر أحد عشر رجلا منهم من جند الكوفة أربعة
وهرب أحمد بن نصر إلى قصر ابن هبيرة فاجتمع هو وهشام بن أبى دلف وكان
يلى بعض سواد الكوفة فلما صار مزاحم إلى قرية شاهى كتب اليه في المقام
حتى يوجه إلى العلوى من يرده إلى الفيئة والرجوع فوجه اليه داود بن القاسم
الجعفرى وأمر له بمال فتوجه اليه وأبطأ داود وخبره على مزاحم فزحف
مزاحم إلى الكوفة من قرية شاهى فدخلها وقصد العلوى فهرب فوجه في طلبه
قائدا وكتب بفتحه الكوفة في خريطة مريشة ( وقد ذكر ) أن أهل الكوفة
عند ورود مزاحم حملوا العلوى على قتاله ووعدوه النصر فخرج في غربى الفرات
فوجه مزاحم قائدا من قواده في الشرقى من الفرات وأمره أن يمضى حتى يعبر
قنطرة الكوفة ثم يرجع فمضى القائد لذلك وأمر مزاحم بعض أصحابه الذين بقوا
معه أن يعبروا مخاضة الفرات في قرية شاهى وأن يتقدموا حتى يحاربوا أهل
ـ478ـ
الكوفة ويصافوهم من أمامهم فساروا ومعهم مزاحم وعبر الفرات وخلف
أثقاله ومن بقى معه من أصحابه فلما رآهم أهل الكوفة ناوشوهم الحرب ووافاهم
قائد مزاحم فقاتلهم من ورائهم ومزاحم من امامهم فأطبقوا عليهم جميعا فلم
يفلت منهم أحد * وذكر عن ابن الكردية أن مزاحما قتل من أصحابه قبل
دخول الكوفة ثلاثة عشر رجلا وقتل من الزيدية أصحاب الصوف سبعة عشر
رجلا ومن الاعراب ثلثمائة رجل وأنه لما دخل الكوفة رمى بالحجارة فضرب
ناحيتى الكوفة بالنار وأحرق سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع
وهجم على الدار التى فيها العلوى فهرب ثم أتى به وقتل في المعركة من العلوية
رجل وذكر أنه حبس جميع من بالكوفة من العلوية وحبس أبناء هاشم وكان
العلوى فيهم * وذكر عن أبى إسماعيل العلوى أن مزاحما أحرق بالكوفة ألف
دار وأنه أخذ ابنة الرجل منهم فعنفها * وذكر أنه أخذ للعلوى جوارى فيهم
امرأة حرة مضمومة فأقامها على باب المسجد ونادى عليها ( وفى ) النصف من
رجب من هذه السنة ورد على مزاحم كتاب من المعتز يأمره بالمصير اليه ويعده
وأصحابه ما يحب ويحبون فقرأ الكتاب مزاحم على أصحابه فأجابه الاتراك والفراغنة
والمغاربة وأبى الشاكرية ذلك فمضى فيمن أطاعه منهم وهم زهاء أربعمائة إنسان وقد
كان أبونوح تقدمه إلى سامرا فأشار بالكتاب اليه وكان مزاحم ينتظر أمر الحسين
ابن اسماعيل فلما انهزم الحسين مضى إلى سامرا وقد كان المستعين وجه إلى مزاحم
عند فتح الكوفة عشرة آلاف دينار وخمس خلع وسيفا ونفذ الرسول اليه وألفى
الجند الذين كانوا معه في الطريق فردوا جميع ذلك معهم وصاروا إلى باب محمد بن عبدالله
وأعلموه ما فعل مزاحم وكان في الجند والشاكرية خليفة الحسين بن يزيد الحرانى
وهشام بن أبى دلف والحارث خليفة أبى الساج فأمر ابن طاهر أن يخلع على كل
واحد منهم ثلاث خلع * وذكر أن هذا العلوى كان ظهر بنينوى في آخر جمادى
الآخرة من هذه السنة فاجتمع إليه جماعة من الاعراب وفيهم قوم ممن كان خرج
مع يحيى بن عمر في سنة 250 وقد كان قدم إلى تلك الناحية هشام بن أبى دلف
ـ479ـ
فواقعهم العلوى في جماعة نحو من خمسين رجلا فهزمه وقتل عدة من أصحابه وأسر
عشرين رجلا وغلاما وهرب العلوى إلى الكوفة فاختفى بها ثم ظهر بعد ذلك
وحمل الاسرى والرؤوس إلى بغداد فعرف خمسة نفر ممن كان مع أصحاب أبى الحسين
يحيى بن عمر فأطلقوا وأمر محمد بن عبدالله أن يضرب كل واحد ممن أطلق وعاد
خمسمائة سوط فضربوا في آخر يوم من جمادى الآخرة * وذكر أن كتب أبى
الساج لما وردت بما كان من إيقاعه ببايكباك وذلك لاثنتى عشرة بقيت من رجب
من هذه السنة وجه إليه بعشرة آلاف دينار معونة له بخلعة فيها خمسة أثواب
وسيف ( وفيها ) كانت وقعة فيما ذكر بين منكجور بن حندروس بجماعة من
الاتراك بباب المدائن هزمهم فيها منكجور وقتل منهم جماعة ( وفيها ) كانت
لبلكاجور صائفة فتح فيها فتوحا فيما ذكر ( وفيها ) كانت وقعة بين يحيى بن هرثمة
وأبى الحسين بن قريش قتل من الفريقين جماعة ثم انهزم أبوالحسين بن قريش
( وفى يوم ) الخميس لاثنتى عشرة ليلة خلت من شعبان كانت بباب بغواريا وقعة
بين الاتراك وأصحاب ابن طاهر وكان السبب في ذلك أن الموكل كان بباب بغواريا
إبراهيم بن محمد بن حاتم والقائد المعروف بالنساوى في نحو من ثلثمائة فارس
وراجل فجاءت الاتراك والمغاربة في جمع كثير فنقبوا السور في موضعين فدخلوا
منهما فقاتلهم النساوى فهزموه ووافوا باب الانبار وعليه إبراهيم بن مصعب
وابن أبى خالد وابن أسد بن داود سياه وهم لايعلمون بدخولهم باب بغواريا فقاتلهم
قتالا شديدا فقتل من الفريقين جماعة ثم إن من كان على باب الانبار من أهل
بغداد انهزموا لايلوون على شئ فضرب الاتراك والمغاربة باب الانبار بالنار
فاحترق وأحرقوا ما كان على باب الانبار من المجانيق و العرادات ودخلوا بغداد
حتى صاروا إلى باب الحديد ومقابر الرهينة ومن ناحية الشارع إلى موضع أصحاب
الدواليب وأحرقوا كلما قرب من ذلك من أمامهم ووراءهم ونصبوا أعلامهم على
الحوانيت التى تقرب من ذلك الموضع وانهزم الناس حتى لم يقف بين أيديهم أحد
وكان ذلك مع صلاة الغداة فوجه ابن طاهر إلى القواد ثم ركب في السلاح فوقف
ـ480ـ
على باب درب صالح المسكين ووافاه القواد فوجههم إلى باب الانبار وباب بغواريا
وجميع الابواب التى في الجانب الغربى وشحنها بالرجال وركب بغا ووصيف
فتوجه بغا في أصحابه وولده إلى باب بغواريا وصار الشاه بن ميكال والعباس
ابن قارن والحسين بن اسماعيل إلى باب الانبار والغوغاء فالتقوا الاتراك في
داخل الباب فبادرهم العباس ابن حازن فقتل فيما ذكر في مقام واحد جماعة من
الاتراك ووجه برؤوسهم إلى باب ابن طاهر وكاثرهم الناس على هذه الابواب
فدفعوهم حتى أخرجوهم بعد أن قتل منهم جماعة وكان بغا الشرابى خرج إلى باب
بغواريا في جمع كثير فوافاهم وهم غارون فقتل منهم جماعة كثيرة وهرب الباقون
فخرجوا من الباب فلم يزل بغا يحاربهم إلى العصر ثم انهزموا وانصرفوا ووكل
بالباب من يحفظه وانصرف إلى باب الانبار ووجه في حمل الجص والآجر وأمر
بسده وفى هذا اليوم أيضا كانت حرب شديدة بباب الشماسية قتل من الفريقين فيما
ذكر جماعة كثيرة وجرح آخرون وكان الذى قاتل الاتراك في هذا اليوم فيما
ذكر يوسف بن يعقوب قوصرة ( وفيها ) أمر محمد بن عبدالله المظفر بن سيسل
أن يعسكر بالياسرية ففعل ذلك ثم انتقل إلى الكناسة إلى أن وافاه بالفردل إذ
ابن مكحونفحل الاشروسنى فأمر له بفرض وضم إليه رجالا من الشاكرية وغيرهم
وأمر أن يضام المظفر ويعسكر بالكناسة ويكون أمرهما واحدا ويضبط تلك
الناحية فأقاما هنالك حينا ثم أمر بالفردل المظفر بالمضى ليعرف خبر الاتراك
ليدبر في أمرهم بما يراه فامتنع من ذلك المظفر وزعم أن الامير لم يأمره بشئ
مما سأله وكتب كل واحد منهما يشكو صاحبه وكتب المظفر يستعفى من المقام
بالكناسة ويزعم أنه ليس بصاحب حرب فأعفى وأمر بالانصراف ولزوم البيت
وقلد أمر ذلك العسكر ومن فيه من الجند النائبة والاثبات بالفردل وضم إليه
أثبات المظفر وأفرد بالناحية ( وفى شهر ) رمضان من هذه السنة التقى هشام بن
أبى دلف والعلوى الخارج بنينوى ومعه رجل من بنى أسد فاقتتلوا فقتل من أصحاب
العلوى فيما ذكر نحو من أربعين رجلا ثم افترقا فدخل العلوى الكوفة فبايع
ـ481ـ
أهلها المعتز ودخل هشام بن أبى دلف بغداد ( وفى شهر رمضان ) من هذه السنة
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 481 سطر 1 الى ص 490 سطر 25
أهلها المعتز ودخل هشام بن أبى دلف بغداد ( وفى شهر رمضان ) من هذه السنة
كانت بين أبى الساج والاتراك وقعة بناحية جرجرايا هزمهم فيها أبوالساج وقتل
منهم جماعة كثيرة وأسر منهم جماعة أخر ( ولليلة ) بقيت من شهر رمضان منها
قتل بالفردل وكان سبب قتله أن أبا نصر بن بغا لما غلب على الانبار وما قرب منها
وهزم جيوش ابن طاهر من تلك الناحية وأجلاهم عنها بث خيله ورجاله في
أطراف بغداد من الجانب الغربى وصار إلى قصر ابن هبيرة وبها نجوبة بن قيس
من قبل ابن طاهر فهرب منه من غير قتال جرى بينه وبينه ثم صار أبونصر إلى
نهر صرصر واتصل بابن طاهر خبره وخبر الوقعة التى كانت بين أبى الساج والاتراك
بجرجرايا وخذلان من معه من الفروض إياه عند احمرار البأس فندب بالفردل
إلى اللحاق بأبى الساج والمصير بمن معه اليه فسار بالفردل فيمن معه غداة
يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان فسار يومه وصبح المدائن فوافاها مع
موافاة الاتراك ومن هو مضموم اليهم من غيرهم وبالمدائن رجال ابن طاهر
وقواده فقاتلهم الاتراك فانهزموا ولحق من فيها من القواد بأبى الساج
وقاتل بالفردل قتالا شديدا ولما رأى انهزام من هنالك من أصحاب ابن طاهر
مضى متوجها نحو أبى الساج بمن معه فأدرك فقتل * وذكر عن ابن القواريرى
وكان أحد القواد قال كنت و أبوالحسين بن هشام موكلين بباب بغداد ومنكجور
منفرد بباب ساباط وكان بقرب بابه ثلمة في سور المدائن فسألت منكجور أن
يسدها فأبى فدخل الاتراك منها وتفرق أصحابه * قال وبقيت في نحو من عشرة
أنفس ووافى بالفردل هو وأصحابه فقال أنا الامير أنا فارس ومعى فرسان نمضى
على الشط وتكون الرجالة على السفن فدافع ساعة ثم مضى لوجهه وعسكره في
السفن على حالهم يريد أبا الساج أو تلك الناحية وأقمت بعده ساعة تامة وتحتى أشقر
عليه حلية فصرت إلى نهر فعثر بى فسقطت عنه وقصدونى يقولون صاحب الاشقر
فخرجت من النهر راجلا قد طرحت عنى السلاح فنجوت وغضب ابن طاهر على
ابن القواريرى وأصحابه وأمرهم بلزوم منازلهم وغرق بالفردل ( ولاربع خلون )
( 31 7 )
ـ482ـ
من شوال من هذه السنة جمع فيما ذكر محمد بن عبدالله بن طاهر جميع قواده
الموكلين بأبواب بغداد وغيرهم فشاورهم جميعا في الامور وأعلمهم ماورد عليهم
من الهزائم فكل أجاب بما أحب من بذل النفس والدم والاموال فجزاهم خيرا
وأدخلهم إلى المستعين وأعلمه ماناظرهم فيه وما ردوا عليه من الجواب فقال لهم
المستعين والله يامعشر القواد لئن قاتلت عن نفسى وسلطانى ما أقاتل إلا عن دولتكم
وعامتكم وأن يرد الله إليكم أموركم قبل مجئ الاتراك وأشباههم فقد يجب عليكم
المناصحة والجهد في قتال هؤلاء الفسقة فردوا أحسن مرد وجزاهم الخير وأمرهم
بالانصراف إلى مراكزهم فانصرفوا ( وفى ) يوم الاثنين لايام خلت من ذى
القعدة من هذه السنة كانت وقعة عظيمة لاهل بغداد هزموا فيها الاتراك وانتهبوا
عسكرهم وكان سبب ذلك أن الابواب كلها من الجانبين فتحت ونصبت المجانيق
و العرادات في الابواب كلها و الشبارات في دجلة وخرج منها الجند كلهم وخرج
ابن طاهر وبغا ووصيف حين تزاحف الفريقان واشتدت الحرب إلى باب القطيعة
ثم عبروا إلى باب الشماسية وقعد ابن طاهر في قبة ضربت له وأقبلت الرماة من
بغداد بالناوكية في الزواريق ربما انتظم السهم الواحد عدة منهم فقتلهم فهزمت
الاتراك وتبعهم أهل بغداد حتى صاروا إلى عسكرهم وانتهبوا سوقهم هنالك
وضربوا زورقا لهم كان يقال له الحديدى كان آفة على أهل بغداد بالنار وغرق من
فيه وأخذوا لهم شبارتين وهرب الاتراك على وجوههم لايلوون على شئ وجعل
وصيف بغا يقولون كلما جئ برأس ذهب والله الموالى واتبعهم أهل بغداد إلى
الروذبار ووقف أبوأحمد بن المتوكل يرد الموالى ويخبرهم أنهم إن لم يكروا لم يبق
لهم بقية وأن القوم يتبعونهم إلى سامرا فتراجعوا وثاب بعضهم وأقبلت العامة
تحز رؤوس من قتل وجعل محمد بن عبدالله يطوق كل من جاء برأس ويصله حتى
كثر ذلك وبدت الكراهة في وجوه من مع بغا ووصيف من الاتراك والموالى ثم
ارتفعت غبرة من ريح جنوب وارتفع الدخان مما احترق وأقبلت أعلام الحسن
ابن الافشين مع أعلام الاتراك يقدمها علم أحمر قد استلبه غلام لشاهك فنسى أن
ـ483ـ
ينكسه فلما رأى الناس العلم الاحمر ومن خلفه توهموا أن الاتراك قد رجعوا
عليهم وانهزموا وأراد بعض من وقف أن يقتل غلام شاهك ففهمه فنكس العلم
والناس قد ازدحموا منهزمين وتراجع الاتراك إلى معسكرهم ولم يعلموا بهزيمة أهل
بغداد فتحملوا عليهم فانصرف الفريقان بعضهم عن بعض ( وفيها ) كانت وقعة
لابى السلاسل وكيل وصيف بناحية الجبل مع المغاربة وكان سبب ذلك فيما ذكر
أن رجلا من المغاربة يقال له نصر سلهب صار بجماعة من المغاربة إلى عمل بعض
ما إلى أبى الساج من الارض وانتهب هو وأصحابه ما هنالك من القوى فكتب
أبوالسلاسل إلى أبى الساج يعلمه ذلك فوجه أبوالساج إليه فيما ذكر بنحو من مائة
نفس بين فارس وراجل فلما صاروا إليه كبس أولئك المغاربة فقتل منهم تسعة
وأسر عشرين وأفلت نصر سلهب ساريا ( ووضعت ) الحرب أوزارها بعد هذه
الوقعة بين المولى وابن طاهر فلم يعودوا لها وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن ابن
طاهر قد كان كاتب المعتز قبل ذلك في الصلح فلما كانت هذه الوقعة أنكرت عليه
فكتب إليه فذكر أنه لايعود بعدها لشئ يكرهه ثم أغلقت بعد ذلك على أهل
بغداد أبوابها فاشتد عليهم الحصار فصاحوا في أول ذى القعدة من هذه السنة في
يوم الجمعة الجوع ومضوا إلى الجزيرة التى هى تلقاء دار ابن طاهر فأرسل إليهم
ابن طاهر وجهوا إلى منكم خمسة مشايخ فوجهوا بهم فأدخلوا عليه فقال لهم إن
من الامور أمورا لايعلم بها العامة وأنا عليل ولعلى أعطى الجند أرزاقهم ثم أخرج
بهم إلى عدوكم فطابت أنفسهم وخرجوا عن غير شئ وعادت العامة والتجار بعد
إلى الجزيرة التى بحذاء دار ابن طاهر فصاحوا وشكوا ماهم فيه من غلاء السعر
فبعث إليهم فسكنهم ووعدهم ومناهم وأرسل ابن طاهر إلى المعتز في الصلح
واضطرب أمر أهل بغداد فوافى بغداد للنصف من ذى القعدة من هذه السنة حماد
ابن إسحاق بن حماد بن زيد ووجه مكانه أبوسعيد الانصارى إلى عسكر أبى أحمد
رهينة فلقى حماد بن إسحاق ابن طاهر فخلا به فلم يذكر ماجرى بينهما ثم انصرف
حماد إلى عسكر أبى أحمد ورجع أبوسعيد الانصارى ثم رجع حماد إلى ابن طاهر فجرت
ـ484ـ
بين ابن طاهر وبين أبى أحمد رسائل مع حماد ( ولتسع ) بقين من ذى القعدة خرج
أحمد بن إسرائيل إلى عسكر أبى أحمد مع حماد وأحمد بن إسحاق وكيل عبيد الله بن
يحيى بإذن ابن طاهر لمناظرة أبى أحمد في الصلح ( ولسبع ) بقين من ذى القعدة
أمر ابن طاهر بإطلاق جميع من في الحبوس ممن كان حبس بسبب ما كان بينه
وبين أبى أحمد من الحروب ومعاونته إياه عليه فأطلقه ومن غد هذا اليوم
اجتمع قوم من رجالة الجند وكثير من العامة فطلب الجند أرزاقهم وشكت
العامة سوء الحال التى هم بها من الضيق وغلاء السعر وشدة الحصار وقالوا
إما خرجت فقاتلت وإما تركتنا فوعدهم أيضا الخروج أو فتح الباب للصلح
ومناهم فانصرفوا فلما كان بعد ذلك وذلك لخمس بقين من ذى القعدة شحن
السجون والجسر وباب داره والجزيرة بالجند والرجال فحضر الجزيرة بشر كثير
فطردوا من كان ابن طاهر صيرهم فيها ثم صاروا إلى الجسر من الجانب الشرقى
ففتحوا سجن النساء وأخرجوا من فيه ومنعهم على بن جهشيار ومن معه من
الطبرية من سجن الرجال ومانعهم أبومالك الموكل بالجسر الشرقى فشجوه وجرحوا
دابتين لاصحابه فدخل داره وخلاهم فانتهبوا مافى مجلسه وشد عليهم الطبرية
فنحوهم حتى أخرجوهم من الابواب وأغلقوها دونهم وخرج منهم جماعة ثم عبر
إليهم محمد بن أبى عون فضمن للجند رزق أربعة أشهر فانصرفوا على ذلك وأمر
ابن طاهر بإعطاء أصحاب ابن جهشيار أرزاقهم لشهرين من يومهم فأعطوا ( ووجه )
أبوأحمد خمس سفائن من دقيق وحنطة وشعير وقت وتبن إلى ابن طاهر في
هذه الايام فوصلت إليه ولما كان يوم الخميس لاربع خلون من ذى الحجة علم
الناس ما عليه ابن طاهر من خلعه المستعين وبيعته للمعتز ووجه ابن طاهر قواده
إلى أبى أحمد حتى بايعوه للمعتز فخلع على كل واحد منهم أربع خلع وظنت العامة
أن الصلح جرى بإذن الخليفة المستعين وأن المعتز ولى عهده * ولما كان يوم الاربعاء
خرج رشيد بن كاوس وكان موكلا بباب السلامة مع قائد يقال له نهشل بن صخر
ابن خزيمة بن خازم وعبدالله بن محمود ووجه إلى الاتراك بأنه على المصير إليهم
ـ485ـ
ليكون معهم فوافاه من الاتراك زهاء ألف فارس فخرج إليهم على سبيل التسليم
عليهم على أن الصلح قد وقع فسلم عليهم وعانق من عرف منهم وأخذوا بلجام
دابته ومضوا به وبابنه في أثره فلما كان يوم الاثنين صار رشيد إلى باب الشماسية
فكلم الناس وقال إن أمير المؤمنين وأبا أحمد يقرئان عليكم السلام ويقولان لكم
من دخل في طاعتنا قربناه ووصلناه ومن آثر غير ذلك فهو أعلم فشتمه العامة
ثم طاف على جميع أبواب الشرقية بمثل ذلك وهو يشتم في كل باب ويشتم المعتز
فلما فعل رشيد ذلك علمت العامة ما عليه ابن طاهر فمضت إلى الجزيرة التى بحذاء
دار ابن طاهر فصاحوا به وشتموه أقبح شتم ثم صاروا إلى بابه ففعلوا مثل ذلك
فخرج إليهم راغب الخادم فحضهم على ما فعلوا وسألهم الزيادة فيما هم فيه من نصرة
المستعين ثم مضى إلى الحظيرة التى فيها الجيش فمضى بهم وجماعة أخر غيرهم وهم
زهاء ثلثمائة في السلاح فصاروا إلى باب ابن طاهر فكشفوا من عليه وردوهم
فلم يبرحوا يقاتلونهم حتى صاروا إلى دهليز الدار وأرادوا إحراق الباب الداخل
فلم يجدوا نارا وقد كانوا باتوا بالجزيرة الليل كله يشتمونه و يتناولونه بالقبيح *
وذكر عن ابن شجاع البلخى أنه قال كنت عند الامير وهو يحدثنى ويسمع
ما يقذف به من كل إنسان حتى ذكروا اسم أمه فضحك وقال يا أبا عبدالله
ما أدرى وكيف عرفوا اسم أمى ولقد كان كثير من جوارى أبى العباس عبدالله
ابن طاهر لايعرفون اسمها فقلت له أيها الامير ما رأيت أوسع من حلمك فقال
لى يا أبا عبدالله ما رأيت أوفق من الصبر عليهم ولابد من ذلك فلما أصبحوا
وافوا الباب فصاحوا فصار ابن طاهر إلى المستعين يسأله أن يطلع إليهم ويسكنهم
ويعلمهم ما هو عليه لهم فأشرف عليهم من أعلى الباب وعليه البردة والطويلة وابن
طاهر إلى جانبه فحلف لهم بالله ما أتهمه وإنى لفى عافية ما على منه بأس وإنه لم يخلع
ووعدهم أنه يخرج في غد يوم الجمعة ليصلى بهم ويظهر لهم فانصرف عامتهم بعد
قتلى وقعت ولما كان يوم الجمعة بكر الناس بالصياح يطلبون المستعين وانتهبوا
دواب على بن جهشيار وكانت في الخراب على باب الجسر الشرقى وانتهب جميع
ـ486ـ
ما كان في منزله وهرب وما زال الناس وقوفا على ما هم عليه إلى ارتفاع النهار
فوافى وصيف وبغا وأولادهما ومواليهما وقوادهما وأخوال المستعين فصار
الناس جميعا إلى الباب فدخل وصيف وبغا في خاصتهما ودخل أخوال المستعين
معهم إلى الدهليز ووقفوا على دوابهم وأعلم ابن طاهر بمكان الاخوال فأذن لهم
بالنزول فأبوا وقالوا ليس هذا يوم نزولنا عن ظهور دوابنا حتى نعلم نحن والعامة
مانحن عليه ولم تزل الرسل تختلف اليهم وهم يأبون فخرج اليهم محمد بن عبدالله
نفسه فسألهم النزول والدخول إلى المستعين فأعلموه أن العامة قد ضجت مما
بلغها وصح عندها ما أنت عليه من خلع المستعين والبيعة للمعتز وتوجيهك القواد
للبيعة للمعتز وارادتك التهويل ليصير الامر اليه وادخاله الاتراك والمغاربة بغداد
فيحكموا فيهم بحكمهم فيمن ظهروا عليه من أهل المدائن والقرى واستراب بك
أهل بغداد واتهموك على خليفتهم وأموالهم وأولادهم وأنفسهم وسألوا اخراج
الخليفة اليهم ليروه ويكذبوا ما بلغهم عنه فلما تبين محمد بن عبدالله صحة قولهم
ونظر إلى كثرة اجتماع الناس وضجيجهم سأل المستعين الخروج اليهم فخرج إلى دار
العامة التى كان يدخلها جميع الناس فنصب له فيها كرسى وأدخل إليه جماعة
من الناس فنظروا اليه ثم خرجوا إلى من وراءهم فأعلموهم صحة أمره فلم يقنعوا
بذلك فلما تبين له أنهم لايسكنون دون أن يخرج اليهم وقد كان عرف كثرة
الناس أمر باغلاق الباب الحديد الخارج فأغلق وصار المستعين وأخواله ومحمد
ابن موسى المنجم ومحمد بن عبدالله إلى الدرجة التى تفضى إلى سطوح دار العامة
وخزائن السلاح ثم نصب لهم سلاليم على سطح المجلس الذى يجلس فيه محمد بن
عبدالله والفتح بن سهل فأشرف المستعين على الناس وعليه سواد وفوق السواد
بردة النبى صلى الله عليه وسلم ومعه القضيب فكلم الناس وناشدهم وسألهم بحق
صاحب البردة إلا انصرفوا فانه في أمن وسلامة وإنه لا بأس عليه من محمد بن
عبدالله وسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد بن عبدالله لانهم لا يأمنونه
عليه فأعلمهم أنه على النقلة منها إلى دار عمته أم حبيب ابنة الرشيد بعد أن يصلح له
ـ487ـ
ما ينبغى أن يسكن فيه وبعد أن يحول أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع ماله
في دار محمد بن عبدالله فانصرف أكثر الناس وسكن أهل بغداد ولما فعل أهل بغداد
ما فعلوا من اجتماعهم على ابن طاهر مرة بعد مرة واسماعهم اياه المكروه
تقدم إلى أصحاب المعاون ببغداد بتسخير ماقدروا عليه من الابل والبغال والحمير
لينتقل عنها * وذكروا أنه أراد أن يقصد المدائن واجتمع على بابه جماعة من
مشايخ الحربية والارباض جميعا يعتذرون اليه ويسألونه الصفح عما كان منهم
ويذكرون أن الذى فعل ذلك الغوغاء والسفهاء لسوء الحال التى كانوا بها والفاقة
التى نالتهم فرد عليهم فيما ذكر مردا جميلا وقال لهم قولا حسنا وأثنى عليهم
وصفح عما كان منهم وتقدم اليهم بالتقدم إلى شبابهم وسفهائهم في الاخذ على
أيديهم وأجابهم إلى ترك النقلة وكتب إلى أصحاب المعاون بترك السخرة * ولايام
خلون من ذى الحجة انتقل المستعين من دار محمد بن عبدالله وركب منها فصار
إلى دار رزق الخادم في الرصافة ومر بدار على بن المعتصم فخرج اليه على فسأله
النزول عنده فأمره بالركوب فلما صار إلى دار رزق الخادم نزلها فوصل اليها
فيما ذكر مساء فأمر الفرسان من الجند حين صار اليها بعشرة دنانير لكل فارس
منهم وبخمسة دنانير لكل راجل وركب بركوب المستعين ابن طاهر وبيده
الحربة يسير بها بين يديه والقواد خلفه وأقام فيما ذكر مع المستعين ليلة انتقل
إلى دار رزق محمد بن عبدالله إلى ثلث الليل ثم انصرف وبات عنده وصيف وبغا
حتى السحر ثم انصرفا إلى منازلهما * ولما كان صبيحة الليلة التى انتقل المستعين
فيها من دار ابن طاهر اجتمع الناس في الرصافة وأمر القواد وبنو هاشم بالمصير
إلى ابن طاهر والسلام عليه وأن يسيروا معه اذا ركب إلى الرصافة فصاروا
اليه فلما كان الضحى الاكبر من ذلك اليوم ركب ابن طاهر وجميع قواده في تعبية
وحوله ناشبة رجالة فلما خرج من داره وقف للناس فعاتبهم وحلف أنه ما أضمر
لامير المؤمنين أعزه الله ولا لولى له ولا لاحد من الناس سوءا وأنه ما يريد
إلا اصلاح أحوالهم وما تدوم به النعمة عليهم وأنهم قد توهموا عليه مالا يعرفه
ـ488ـ
حتى أبكى الناس فدعا له من حضر وعبر الجسر وصار إلى المستعين وبعث
فأحضر جيرانه ووجوه أهل الارباض من الجانب الغربى فخاطبوهم بكلام
عاتبهم فيه واعتذر اليهم مما بلغهم ووجه وصيف وبغا من طاف على أبواب
بغداد ووكلا صالح بن وصيف بباب الشماسية * وذكر أن المستعين كان كارها
لنقله عن دار محمد ولكنه انتقل عنها من أجل أن الناس ركبوا الزواريق ب النافاطين
ليضربوا روشن ابن طاهر بالنار لما صعب عليهم فتح بابه يوم الجمعة * وذكر
أن قوما منهم كنجور وقفوا بباب الشماسية من قبل أبى أحمد فطلبوا ابن طاهر
ليكلموه فكتب إلى وصيف يعلمه خبر القوم ويسأله أن يعلم المستعين ذلك
ليأمر فيه بما يرى فرد المستعين الامر في ذلك اليه وأن التدبير في جميع ذلك
مردود اليه فيتقدم في ذلك بما رأى * وذكر أن على بن يحيى بن أبى منصور
المنجم كلم محمد بن عبدالله في ذلك بكلام غليظ فوثب عليه محمد بن أبى عون
فأسمعه وتناوله * وذكر عن سعيد بن حميد أن أحمد بن اسرائيل والحسن بن
مخلد وعبيد الله بن يحيى خلوا بابن طاهر فما زالوا يفتلونه في الذروة والغارب
فيشيرون عليه في الصلح وأنه ربما كان عنده قوم فأجروا الكلام في
خلاف الصلح فنكس في وجوههم وتعرض عنهم فاذا حضر هؤلاء الثلاثة
أقبل عليهم وحادثهم وشاورهم * وذكر عن بعضهم أنه قال قلت لسعيد بن
حميد يوما ما ينبغى إلا أن يكون قد كان انطوى على المداهنة في أول أمره
قال وددت أنه كان كذلك لا والله ما هو إلا أن هزم أصحابه من المدائن والانبار
حتى كاتب القوم وأجابهم بعد أن كان قد جادهم * وحدثنى أحمد بن يحيى النحوى
وكان يؤدب ولد ابن طاهر أن محمد بن عبدالله لم يزل جادا في نصرة المستعين حتى
أحفظه عبيد الله بن يحيى بن خاقان فقال له أطال الله بقاءك إن هذا الذى تنصره
وتجد في أمره من أشد الناس نفاقا وأخبثهم دينا والله لقد أمر وصيفا وبغا
بقتلك فاستعظما ذلك ولم يفعلاه وإن كنت شاكا فيما وصفت من أمره فسل
تخبره وأن من ظاهر نفاقه أنه كان وهو بسامرا لايجهر في صلاته ببسم الله
ـ489ـ
الرحمن الرحيم فلما صار إلى ما قبلك جهر بها مراآة لك وتترك نصرة وليك
وصهرك وتربيتك ونحو ذلك من كلام كلمه به فقال محمد بن عبدالله أخزى الله
هذا لايصلح لدين ولا دنيا قال وكان أول من تقدم على صرف محمد بن عبدالله
عن الجد في أمر المستعين عبيد الله بن يحيى في هذا المجلس ثم ظاهر عبيد الله بن
يحيى على ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد فلم يزالوا به حتى صرفوه عما
كان عليه من الرأى في نصرة المستعين ( وفى يوم الاضحى ) من هذه السنة صلى
بالناس المستعين صلاة الاضحى في الجزيرة التى بحذاء دار ابن طاهر وركب وبين
يديه عبيد الله بن عبدالله معه الحربة التى لسليمان وبيد الحسين بن إسماعيل حربة
السلطان وبغا ووصيف يكنفانه ولم يركب محمد بن عبدالله بن طاهر وصلى
عبدالله بن إسحاق في الرصافة ( وفى يوم الخميس ) ركب محمد بن عبدالله إلى
المستعين وحضره عدة من الفقهاء والقضاة فذكر أنه قال للمستعين قد كنت
فارقتنى على أن تنفذ أمرى في كل ما أعزم عليه ولك عندى بخطك رقعة بذلك
فقال المستعين أحضر الرقعة فأحضرها فاذا فيها ذكر الصلح وليس فيها ذكر
الخلع فقال نعم أنفذ الصلح فقام الخلنجى فقال يا أمير المؤمنين إنه يسألك أن
تخلع قميصا قمصك به الله وتكلم على بن يحيى المنجم فأغلظ لمحمد بن عبدالله ثم
ركب بعد ذلك محمد بن عبدالله وذلك للنصف من ذى الحجة إلى المستعين
بالرصافة ثم انصرف ومعه وصيف وبغا فمضوا جميعا حتى صاروا إلى باب
الشماسية فوقف محمد بن عبدالله على دابته ومضى وصيف وبغا إلى دار الحسن
ابن الافشين وانحدرت المبيضة والغوغاء من السور ولم يطلق لاحد فتح
الابواب وقد كان خرج قبل ذلك جماعة كثيرة إلى عسكر أبى أحمد فاشتروا
ما أرادوا فلما خرج من ذكرنا إلى باب الشماسية نودى في أصحاب أبى أحمد
ألا يباع من أحد من أهل بغداد شئ فمنعوا من الشرى وكان قد ضرب لمحمد
ابن عبدالله بباب الشماسية مضرب كبير أحمر وكان مع ابن طاهر بندار الطبرى
وأبوالسنا ونحو من مائتى فارس ومائتى راجل وجاء أبوأحمد في زلال حتى
ـ490ـ
قرب من المضرب ثم خرج ودخل المضرب مع محمد بن عبدالله ووقف الذين مع
كل واحد منهما من الجند ناحية فتناظر ابن طاهر وأبوأحمد طويلا ثم خرجا
من المضرب وانصرف ابن طاهر من مضربه إلى داره في زلال فلما صار إليهما
خرج من الزلال فركب ومضى إلى المستعين ليخبره بما دار بينه وبين أبى أحمد
وأقام عنده إلى العصر ثم انصرف فذكر أنه فارقه على أن يعطى خمسين ألف دينار
ويقطع غلة ثلاثين ألف دينار في السنة وأن يكون مقامه بغداد حتى يجتمع لهم
مال يعطون الجند وعلى أن يولى بغا مكة والمدينة والحجاز ووصيف الجبل وما والاه
ويكون ثلث مايجئ من المال لمحمد بن عبدالله وجند بغداد والثلثان للموالى
والاتراك * وذكر أن أحمد بن إسرائيل لما صار إلى المعتز ولاه ديوان البريد
وفارقه على أن يكون هو الوزير وعيسى بن فرخانشاه على ديوان الخراج وأبونوح
على الخاتم والتوقيع فاقتسموا الاعمال فوردت خريطة الموسم إلى بغداد بالسلامة
فبعث بها إلى أبى أحمد ثم ركب ابن طاهر فيما قيل لاربع عشرة بقيت من ذى الحجة
من هذه السنة إلى المستعين لمناظرته في الخلع فناظره فامتنع عليه المستعين وظن
المستعين أن بغا ووصيفا معه فكاشفاه فقال المستعين هذا عنقى والسيف والنطع
فلما رأى امتناعه انصرف عنه فبعث المستعين إلى ابن طاهر بعلى بن يحيى المنجم
وقوم من ثقاته وقال قولوا له اتق الله فإنما جئتك لتدفع عنى فإن لم تدفع عنى فكف
عنى فرد عليه أما أنا فأقعد في بيتى ولكن لابد لك من خلعها طائعا أو مكرها *
وذكر عن على بن يحيى أنه قال له قل إن خلعتها فلا بأس فوالله لقد تمزقت تمزقا
لايرقع وما تركت فيها فضلا فلما رأى المستعين ضعف أمره وخذلان ناصريه
أجاب إلى الخلع فلما كان يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة وجه
ابن طاهر ابن الكردية وهو محمد بن إبراهيم بن جعفر الاصغر بن المنصور والخلنجى
وموسى بن صالح بن شيخ وأبا سعيد الانصارى وأحمد بن إسرائيل ومحمد بن موسى
المنجم إلى عسكر ابن أحمد ليوصلوا كتاب محمد إليه بأشياء سألها المستعين من
حين ندب إلى أن يخلع نفسه فأوصلوا الكتاب فأجاب إلى ماسأل وكتب الجواب
ـ491ـ
بأن يقطع وينزل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يكون مضطربه من مكة
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 491 سطر 1 الى ص 500 سطر 25
بأن يقطع وينزل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يكون مضطربه من مكة
إلى المدينة ومن المدينة إلى مكة فأجابه إلى ذلك فلم يقنع المستعين إلا بخروج ابن
الكردية بما سأل إلى المعتز حتى يكتب بإجابته بذلك بخطه بعد مشافهة ابن الكردية
المعتز بذلك فتوجه ابن الكردية بها وكان سبب إجابة المستعين إلى الخلع فيما ذكر
أن وصيفا وبغا وابن طاهر ناظروه في ذلك وأشاروا عليه فأغلظ لهم فقال له
وصيف أنت أمرتنا بقتل باغر فصرنا إلى ما نحن فيه وأنت عرضتنا لقتل أتامش
وقلت إن محمدا ليس بناصح ومازالوا يفزعونه ويحتالون له فقال محمد بن عبدالله
وقد قلت لى إن أمرنا لايصطلح إلا ب استراحتنا من هذين فلما اجتمعت كلمتهم
أذعن لهم بالخلع وكتب بما اشترط لنفسه عليهم وذلك لاحدى عشرة ليلة بقيت من
ذى الحجة ولما كان يوم السبت لعشر بقين من ذى الحجة ركب محمد بن عبدالله
إلى الرصافة وجميع القضاة والفقهاء وأدخلهم على المستعين فوجا فوجا وأشهدهم
عليه أنه قد صير أمره إلى محمد بن عبدالله بن طاهر ثم أدخل عليه البوابين والخدم
وأخذ منه جوهر الخلافة وأقام عنده حتى مضى هوى من الليل وأصبح الناس
يرجفون بألوان الاراجيف وبعث ابن طاهر إلى قواده في موافاته مع كل قائد
منهم عشرة نفر من وجوه أصحابه فوافاه فأدخلهم ومناهم وقال لهم انما أردت
بما فعلت صلاحكم وسلامتكم وحقن الدماء وأعد للخروج إلى المعتز في الشروط
التى اشترطها للمستعين ولنفسه ولقواده قوما ليوقع المعتز في ذلك بخطه ثم أخرجهم
إلى المعتز فمضوا اليه حتى وقع في ذلك بخطه إمضاء كل ما سأل المستعين وابن طاهر
لانفسهما من الشروط وشهدوا عليه باقراره بذلك كله وخلع المعتز على الرسل
وقلدهم سيوفا وانصرفوا بغير جائزة ولانظر في حاجة لهم ووجه معهم لاخذ البيعة
له على المستعين جماعة من عنده ولم يأمر للجند بشئ وحمل إلى المستعين أمه وابنته
وعياله بعد ما فتش عياله وأخذ منهم بعض ما كان معهم مع سعيد بن صالح فكان
دخول الرسل بغداد بعد منصرفهم من عند المعتز يوم الخميس لثلاث خلون من
المحرم سنة 252 وذكر أن رسل المعتز لما صاروا بالشماسية قال ابن سجادة أنا
ـ492ـ
أخاف من أهل بغداد فإما أن يحمل المستعين إلى الشماسية أو إلى دار محمد بن عبدالله
ليبايع المعتز ويخلع نفسه ويؤخذ منه القضيب والبردة * وفى شهر ربيع الاول من
هذه السنة كان ظهور المعروف بالكوكبى بقزوين وزنجان وغلبته عليها وطرده
عنها آل طاهر واسم الكوكبى الحسين بن أحمد بن اسماعيل بن محمد بن اسماعيل
الارقط بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه ( وفيها )
قطعت بنو عقيل طريق جدة فحاربهم جعفر بشاشات فقتل من أهل مكة نحو من
ثلثمائة رجل وبعض بنى عقيل القائل
عليك ثوبان وأمى عارية * فألق لى ثوبك يا ابن الزانية
فلما فعل بنو عقيل مافعلوا غلت بمكة الاسعار وأغارت الاعراب على القرى
( وفيها ) ظهر اسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن
ابن على بن أبى طالب بمكة فهرب جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى العامل على
مكة فانتهب اسماعيل بن يوسف منزل جعفر ومنزل أصحاب السلطان وقتل
الجند وجماعة من أهل مكة وأخذ ما كان حمل لاصلاح العين من المال وما كان
في الكعبة من الذهب وما في خزائنها من الذهب والفضة والطيب وكسوة الكعبة
وأخذ من الناس نحوا من مائتى ألف دينار وأنهب مكة وأحرق بعضها في
شهر ربيع الاول منها ثم خرج منها بعد خمسين يوما ثم صار إلى المدينة فتوارى
على بن الحسين بن اسماعيل العامل عليها ثم رجع اسماعيل إلى مكة في
رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعا وعطشا وبلغ الخبر ثلاثة أواق بدرهم
واللحم رطل بأربعة دراهم وشربة ماء ثلاثة دراهم ولقى أهل مكة منه كل بلاء
ثم رحل بعد مقام سبعة وخمسين يوما إلى جدة فحبس عن الناس الطعام وأخذ
أموال التجار وأصحاب المراكب فحمل إلى مكة الحنطة والذرة من اليمن ثم وافت
المراكب من القلزم ثم وافى اسماعيل بن يوسف الموقف وذلك يوم عرفة وبه
محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب كعب البقر وعيسى بن محمد المخزومى
صاحب جيش مكة وكان المعتز وجههما اليها فقاتلهم فقتل نحو من ألف ومائة من
ـ493ـ
الحاج وسلب الناس وهربوا إلى مكة ولم يقفوا بعرفة ليلا ولانهارا ووقف اسماعيل
وأصحابه ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها
* ثم دخلت سنة اثنين وخمسين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة
وبيعته للمعتز محمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم والدعاء للمعتز على منبرى بغداد
ومسجدى جانبيها الشرقى منها والغربى يوم الجمعة لاربع خلون من المحرم من
هذه السنة وأخذ البيعة له بها على من كان يومئذ بها من الجند * وذكر أن
ابن طاهر دخل على المستعين ومعه سعيد بن حميد حين كتب له بشروط الامان
فقال له ياأمير المؤمنين قد كتب سعيد كتب الشروط وأكد غاية التأكيد فنقرأه
عليك فتسمعه فقال له المستعين لا عليك لا عليك ألا تركتها يا أبا العباس فما القوم
بأعلم بالله منك وقد أكدت على نفسك قبلهم فكان ما قد علمت فما رد عليه
محمد شيئا ولما بايع المستعين المعتز وأخذ عليه البيعة ببغداد وأشهد عليه الشهود من
بنى هاشم والقضاة والفقهاء والقواد نقل من الموضع الذى كان به من الرصافة إلى
قصر الحسن بن سهل بالمخرم هو وعياله وولده وجواريه فأنزلوهم فيه جميعا ووكل
بهم سعيد بن رجاء الحضارى في أصحابه وأخذ من المستعين البردة والقضيب والخاتم
ووجه مع عبيد الله بن عبدالله بن طاهر وكتب معه أما بعد فالحمد لله متمم النعم
برحمته والهادى إلى شكره بفضله وصلى الله على محمد عبده ورسوله الذى جمع
له ما فرق من الفضل في الرسل قبله وجعل تراثه راجعا إلى من خصه بخلافته وسلم
تسليما كتابى إلى أمير المؤمنين وقد تمم الله له أمره وتسلمت تراث رسول الله صلى
الله عليه وسلم ممن كان عنده وأنفذته إلى أمير المؤمنين مع عبيد الله بن عبدالله مولى
أمير المؤمنين وعبده ومنع المستعين الخروج إلى مكة واختار أن ينزل البصرة
فذكر عن سعيد بن حميد أن محمد بن موسى بن شاكر قال البصرة وبية فكيف
اخترت أن تنزلها فقال المستعين هى أوبى أو ترك الخلافة * وذكر أن قرب جارية
ـ494ـ
قبيحة جاءت برسالة إلى المستعين من المعتز يسأله أن ينزل عن ثلاث جوار كان
المستعين تزوجهن من جوارى المتوكل فنزل عنهن وجعل أمرهن اليهن وكان
أحتبس عنده من الجوهر خاتمين يقال لاحدهما البرج وللآخر الجبل فوجه اليه
محمد بن عبدالله بقرب خاصية المعتز وجماعة فدفعهما اليهم وانصرفوا بذلك إلى
محمد بن عبدالله فوجه به إلى المعتز ولست خلون من المحرم دخل فيما قيل بغداد
أكثر من مائتى سفينة فيها من صنوف التجارات وغنم كثير وأشخص المستعين
مع محمد بن مظفر بن سيسل وابن أبى حفصة إلى واسط في نحو من أربعمائة فرسان
ورجالة وقدم بعد ذلك على ابن طاهر عيسى بن فرخانشاه وقرب فأخبراه أن
ياقوتة من جوهر الخلافة قد حبسها أحمد بن محمد عنده فوجه ابن طاهر الحسين
ابن اسماعيل فأخرجها فإذا ياقوتة بهية أربع أصابع طولا في عرض مثل ذلك
وإذا هو قد كتب عليه اسمه فدفعت إلى قرب فبعثت بها إلى المعتز واستور المعتز
أحمد بن اسرائيل وخلع عليه ووضع تاجا على رأسه وشخص أبو أحمد إلى سامرا
يوم السبت لاثنتى عشرة خلت من المحرم منها وشيعه محمد بن عبدالله والحسن
ابن مخلد فخلع على محمد بن عبدالله خمس خلع وسيفا ورجع من الروذباز وقال
بعض الشعراء في خلع المستعين
خلع الخلافة أحمد بن محمد * وسيقتل التالى له أو يخلع
ويزول ملك بنى أبيه ولايرى * أحد تملك منهم يستمتع
إيها بنى العباس إن سبيلكم * في قتل أعبدكم طريق مهيع
رقعتم دنياكم فتمزقت * بكم الحياة تمزقا لا يرقع
وقال بعض ا لبغداديين
إنى أراك من الفراق جزوعا * أضحى الامام مسيرا مخلوعا
كانت به الآفاق تضحك بهجة * وهو الربيع لمن أراد ربيعا
لا تنكرى حدث الزمان وريبه * إن الزمان يفرق المجموعا
لبس الخلافة واستجد محبة * يقضى أمور المسلمين جميعا
ـ495ـ
فجنت عليه يد الزمان بصرفه * حربا وكان عن الحروب شسوعا
وتجانف الاتراك عنه تمردا * أضحى وكان لا يراع مروعا
فنزا بهم فنزوا به وتعاورت * يدى الكماة من الرؤس نجيعا
فأزاله المقدار عن رتب العلا * يدى الكماة من الرؤس نجيعا
فأزاله المقدار عن رتب العلا * فثوى بواسط لايحس رجوعا
غدروا به مكروا به خانوا به * لزم الفراش وحالف التضجيعا
وتكنفوا بغداد من أقطارها * قد ذللوا ما كان قبل منيعا
ولو انه سعر الحروب بنفسه * متلبسا للقائهن دروعا
حتى يصادم بالكماة كماته * فيكون من قصد الحروب صريعا
لغدا على ريب الزمان محرما * ولكان إذ غدر اللئام منيعا
لكن عصى رأى الشفيق وعذله * وغدا لامر الناكثين مطيعا
والملك ليس بمالك سلطانه * من كان للرأى السديد مضيعا
مازال يخدع نفسه عن نفسه * حتى غدا عن ملكه مخدوعا
باع ابن طاهر دينه عن بيعة * أمسى بها ملك الامام منيعا
خلع الخلافة والرعية فاغتدى * من دين رب محمد مخلوعا
فليجرعن بذاك كأسا مرة * وليلفين لتابعيه تبيعا
وقال محمد بن مروان بن أبى الجنوب بن مروان حين خلع المستعين وصار
إلى واسط
إن الامور إلى المعتز قد رجعت * والمستعان إلى حالاته رجعا
وكان يعلم أن الملك ليس له * وأنه لك لكن نفسه خدعا
ومالك الملك مؤتيه ونازعه * آتاك ملكا ومنه الملك قد نزعا
إن الخلافة كانت لا تلائمه * كانت كذات حليل زوجت متعا
ما كان أقبح عند الناس بيعته * وكان أحسن قول الناس قد خلعا
ليت السفين إلى قاف دفعن به * نفسى الفداء لملاح به دفعا
كم ساس قبلك أمر الناس من ملك * لو كان حمل ما حملته ظلعا
ـ496ـ
أمسى بك الناس بعد الضيق في سعة * والله يجعل بعد الضيق متسعا
والله يدفع عنك السوء من ملك * فإنه بك عنا السوء قد دفعا
ما ضاع مدحى ولاضاع اصطناعك لى * وقد وجدت بحمد الله مصطنعنا
فاردد على بنجد ضيعة قبضت * فإن مثلك مثلى يقطع الضيعا
فإن رددت إمام العدل غلتها * فالله آنف حسادى به جدعا
وقال يمدح المعتز بعد خلع المستعين
قد عادت الدنيا إلى حالها * وسرنا الله بإقبالها
دنيا بك الله كفى أهلها * ما كان من شدة أهوالها
وكان قد ملكها جاهل * لا تصلح الدنيا لجهالها
قد كانت الدنيا به قفلت * فكنت مفتاحا لاقفالها
إن التى فزت بها دونه * عادت إلى أحسن أحوالها
خلافة كنت حقيقا بها * فضلك الله بسربالها
فرده الله إلى حاله * وردها الله إلى حالها
ولم تكن أول عارية * ردت على رغم إلى آلها
والله لو كان على قرية * ما كان يجزى بعض أعمالها
أدخل في الملك يدار عدة * خرجها من بعد إدخالها
بدلنا الله به سيدا * أسكن دنيا بعد زلزالها
بدلت الامة هذا بذا * كأنها في وقت دجالها
وقام بالملك وأثقاله * وقام بالحرب وأثقالها
أبطل ما كان العدا أملوا * رميك بالخيل وأبطالها
تعمل خيلا طال ما أنجحت * ما عملت خيل كأعمالها
وقال الوليد بن عبيد البحترى في خلع المستعين ومدح المعتز
ألا هل أتاها أن مظلمة الدجى * تجلت وأن العيش سهل جانبه
وأنا رددنا المستعار مذمما * على أهله واستأنف الحق صاحبه
ـ497ـ
عجبت لهذا الدهر أعيت صروفه * وما الدهر إلا صرفه وعجائبه
متى أمل الذيال أن يصطفى له * عرى التاج أو يثنى عليه عصائبه
وكيف ادعى حق الخلافة غاصب * حوى دونه إرث النبى أقاربه
بكى المنبر الشرقى إذ خار فوقه * على الناس ثور قد تدلت غباغبه
ثقيل على جنب الثريد مراقب * لشخص الخوان يبتدى فيواثبه
إذا ما احتشى من حاضر الزاد لم يبل * أضاء شهاب الملك أم كل ثاقبه
إذا بكر الفراش ينثو حديثه * تضاءل مطريه وأطنب عائبه
تخطى إلى الامر الذى ليس أهله * فطورا يناغيه وطورا يشاغبه
فكيف رأيت الحق قر قراره * وكيف رأيت الظلم زالت عواقبه
ولم يكن المعتز بالله إذ سرى * ليعجز والمعتز بالله طالبه
رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر * وعرى من برد النبى مناكبه
وقد سرنى أن قيل وجه مسرعا * إلى الشرق يحدى سفنه وركائبه
إلى كسكر خلف الدجاج ولم يكن * لينشب إلا في الدجاج مخالبه
وما لحية القصار حيث تنفشت * بجالبة خيرا على من يناسبه
يحوز ابن خلاد على الشعر عنده * ويضحى شجاع وهو للجهل كاتبه
فأقسمت بالوادى الحرام وما حوت * أباطحه من محرم وأخاشبه
لقد حمل المعتز أمة أحمد * على سنن يسرى إلى الحق لاحبه
تدارك دين الله من بعد ما عفت * معالمه فينا وغارت كواكبه
وضم شعاع الملك حتى تجمعت * مشارقه موفورة ومغاربه
وانصرف أبوالساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد لسبع بقين من المحرم من
هذه السنة فقلده محمد بن عبدالله معاون ماسقى الفرات من السراد فوجه أبوالساج
خليفة له يقال له كربه إلى الانبار ووجه قوما من أصحابه إلى قصر ابن هبيرة مع
خليفة له ووجه الحارث بن أسد في خمسمائة فارس وراجل يستقرى أعماله ويطرد
الاتراك والمغاربة عنها وقد كانوا عاثوا في النواحى وتلصصوا ثم شخص أبوالساج
( 32 7 )
ـ498ـ
من بغداد لثلاث خلون من ربيع الاول ففرق أصحابه في طساسيج الفرات
ونزل قصر ابن هبيرة ثم صار إلى الكوفة ووافى أبوأحمد سامرا منصرفا من
معسكره إليها لاحدى عشرة بقيت من المحرم فخلع المعتز عليه ستة أثواب وسيفا
وتوج تاج ذهب بقلنسوة مجوهرة وشح وشاحى ذهب بجوهر وقلد سيفا آخر
مرصعا بالجوهر وأجلس على كرسى وخلع على الوجوه من القواد ( وفيها )
قتل شريح الحبشى وكان سبب ذلك أنه حين وقع الصلح هرب في عدة من الحبشة
فقطع الطريق فيما بين واسط وناحية الجبل والاهواز ونزل قرية من قرى أم
المتوكل يقال لها ديرى فنزل في خانها في خمسة عشر رجلا فشربوا وسكروا فوثب
عليهم أهل القرية فكتفوهم وحملوهم إلى واسط إلى منصور بن نصر فحملهم منصور
إلى بغداد فأنفذهم محمد بن عبدالله إلى العسكر فلما وصلوا قام بايكباك إلى شريح
فوسطه بالسيف وصلب على خشبة بابك وضرب أصحابه بالسياط مابين الخمسمائة
إلى الالف * وفى شهر ربيع الآخر منها توفى عبيد الله بن يحيى بن خاقان في مدينة
أبى جعفر ( وفيها ) كتب المعتز إلى محمد بن عبدالله في إسقاط اسم بغا ووصيف
ومن كان في رسمهما من الدواوين * وذكر أن محمد بن أبن عون أحد قواد
محمد بن عبدالله ناظره لما صار أبوأحمد إلى سامرا في قتل بغا ووصيف فوعده
أن يقتلهما فبعث المعتز إلى محمد بن عبدالله بلواء وعقد لمحمد بن أبى عون لواء على
البصرة واليمامة والبحرين فكتب قوم من أصحاب بغا ووصيف اليهما بذلك
وحذروهما محمد بن عبدالله فركب وصيف وبغا اليه يوم الثلاثاء لخمس بقين من
ربيع الاول فقال له بغا بلغنا أيها الامير ما ضمنه ابن أبى عون من قتلنا والقوم قد
غدروا وخالفوا ما فارقونا عليه والله لو أرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه فحلف
لهما أنه ما علم بشئ من ذلك وتكلم بغا بكلام شديد ووصيف يكفه وقال
وصيف أيها الامير قد غدر القوم ونحن نمسك ونقعد في منازلنا حتى يجئ
من يقتلنا وكانا دخلا مع جماعة ثم رجعنا إلى منازلهما فجمعا جندهما ومواليهما وأخذا
في الاستعداد وشرى السلاح وتفريق الاموال في جيرانهما إلى سلخ ربيع الاول
ـ499ـ
وكان وصيف وبغا عند قدوم قرب وجه اليهما محمد بن عبدالله كاتبه محمد بن عيسى
فأقبلا معه حتى صارا عند دار محمد بن عبدالله بقرب الجسر فلقيهما جعفر الكردى
وابن خالد البرمكى فتعلق كل واحد منهما بلجام واحد منهما وقال لهما انما دعيتما
لتحملا إلى العسكر وقد أعد لكما لذلك قوم أو لتقتلا فرجعا وجمعا جمعا وأجريا
على كل رجل كل يوم درهمين فأقاما في منازلهما وكان وصيف وجه أخته سعاد
إلى المؤيد وكان المؤيد في حجرها فأخرجت من قصر وصيف ألف ألف دينار
كانت مدفونة فيه فدفعتها إلى المؤيد فكلم المؤيد المعتز في الرضا عن وصيف
فكتب اليه بالرضا عنه فضرب مضاربه بباب الشماسية على أن يخرج وتكلم أبواحمد
ابن المتوكل في الرضا عن بغا فكتب اليه بالرضا واضطرب أمرهما وهما مقيمان
ببغداد ثم اجتمع على المعتز الاتراك فسألوه الامر باحضارهما وقالوا هما
كبيرانا ورئيسانا فكتب اليهما بذلك فجاء بالكتاب بايكباك في نحو من
ثلثمائة رجل فأقام بالبردان ووجه اليهما الكتاب لسبع بقين من شهر رمضان
من هذه السنة فكتب إلى محمد بن عبدالله يمنعهما فوجها بكاتبيهما أحمد بن
صالح ودليل بن يعقوب إلى محمد بن عبدالله ليستأذناه فأتاهما جيش من
الاتراك فنزلوا بالمصلى وخرج وصيف وبغا وأولادهما وفرسانهما في نحو من
أربعمائة انسان وخلفا في دورهما الثقل والعيال ودعا أهل بغداد لهما ودعوا لهم * وقد
كان ابن طاهر وجه محمد بن يحى الواثقى وبندار الطبرى إلى باب الشماسية وباب
البردان ليمنعوهما ومضيا من باب خراسان ونفذا ولم يعلم كاتباهما حتى قال محمد
ابن عبدالله لاحمد ودليل ما صنع صاحباكما فقال أحمد بن صالح خلفت وصيفا
في منزله قال فانه قد شخص الساعة قال ما علمت فلما صار إلى سامرا بكر احمد بن
اسرائيل يوم الاحد لتسع بقين من شوال من هذه السنة في السحر إلى وصيف
وأقام عنده مليا ثم انصرف إلى بغا فأقام عنده مليا ثم صار إلى الدار فاجتمع الموالى
وسألوا ردهما إلى مراتبهما فأجيبوا إلى ذلك وبعث اليهما فحضرا ورتبا في مرتبتهما
التى كانت قبل مصيرهما إلى بغداد وأمر برد ضياعهما وخلع عليهما خلع المرتبة ثم
ـ500ـ
ركب المعتز إلى دار العامة وعقد لبغا ووصيف على أعمالهما ورد ديوان البريد كما
كان قبل إلى موسى بن بغا الكبير فقبل موسى ذلك * وفى شهر رمضان من هذه
السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر ورئيس الجند
يومئذ ابن الخليل وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن المعتز كتب إلى محمد بن عبدالله
في بيع غلة طساسيج ضياع بادوريا وقطربل ومسكن وغيرها كل كرين بالمعدل
بخمسة وثلاثين دينارا من غلة سنة 252 وكان المعتز ولى بريد بغداد رجلا يقال
له صالح بن الهيثم وكان أخوه منقطعا إلى أتامش أيام المتوكل فارتفع أمر صالح
هذا أيام المستعين وكان ممن أقام بسامرا وهو من أهل المخرم وكان أبوه حائكا
ثم صار يبيع الغزل ثم انتقل أخوه اليه لما ارتفع فلما أقام ببغداد كتب اليه يؤمر
أن يقرأ الكتاب على قواد أهل بغداد كعتاب بن عتاب ومحمد بن يحيى الواثقى
ومحمد بن هرثمة ومحمد بن رجاء وشعيب بن عجيف ونظرائهم فقرأه عليهم فصاروا
إلى محمد بن عبدالله فأخبروه فأمر محمد بن عبد الله فأحضر صالح بن الهيثم وقال
ما حملك على هذا بغير علمى وتهدده وأسمعه وقال للقواد انتظروا حتى أرى رأيى
وآمركم بما أعزم عليه فانصرفوا من عنده على ذلك وشخص بعد ذلك واجتمع
الفروض والشاكرية والنائبة إلى باب محمد بن عبد الله يطلبون أرزاقهم لعشر
خلون من شهر رمضان فأخبرهم أن كتاب الخليفة ورد عليه جواب كتاب له كان
كتب بمسألة أرزاق جند بغداد إن كنت فرضت الفروض لنفسك فاعطهم أرزاقهم
وإن كنت فرضت لنا فلا حاجة لنا فيهم فلما ورد الكتاب عليه أخرج لهم بعد
شغبهم بيوم ألفى دينار فوضعت لهم ثم سكنوا ثم اجتمعوا لاحدى عشرة خلت
من شهر رمضان ومعهم الاعلام والطبول وضربوا المضارب والخيم على باب
حرب وباب الشماسية وغيرهما وبنوا بيوتا من بوارى وقصب وباتوا ليلتهم فلما
أصبحوا كثر جمعهم وبيت ابن طاهر قوما من خاصته في داره وأعطاهم درهما درهما
فلما أصبحوا مضوا من داره إلى المشغبة فصاروا معهم فجمع ابن طاهر جنده القادمين
معه من خراسان وأعطاهم لشهرين وأعطى جند بغداد القدماء الفارس دينارين
ـ501ـ
والراجل دينارا وشحن داره بالرجال فلما كان يوم الجمعة اجتمع من المشغبة خلق
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 501 سطر 1 الى ص 510 سطر 25
والراجل دينارا وشحن داره بالرجال فلما كان يوم الجمعة اجتمع من المشغبة خلق
كثير بباب حرب بالسلاح والاعلام والطبول ورئيسهم رجل يقال له عبدان بن
الموفق ويكنى أبا القاسم وكان من اثبات عبيد الله بن يحيى بن خاقان وكان ديوان
عبدان في ديوان وصيف فقدم بغداد فباع دارا له بمائة ألف دينار فشخص إلى
سامرا فلما وثبت الشاكرية بباب العامة كان معهم فضربه سعيد الحاجب خمسمائة
سوط وحبسه حبسا طويلا ثم أطلق فلما كان فتنة المستعين صار إلى بغداد وانضم
اليه هؤلاء المشغبة فحضهم على الطلب بأرزاقهم وفائتهم وضمن لهم أن يكون لهم
رأسا يدبر أمرهم فأجابوه إلى ذلك فأنفق عليهم يوم الاربعاء ويوم الخميس ويوم
الجمعة نحوا من ثلاثين دينارا فيما أقام لهم من الطعام ومن كانت لهم كفاية لم يحتج
إلى نفقته فكان ينصرف إلى منزله فلما كان يوم الجمعة اجتمعت منهم جماعة كثيرة
وعزموا على المصير إلى المدينة ليمضوا إلى الامام فيمنعوه من الصلاة والدعاء للمعتز
فساروا على تعبية في شارع باب حرب حتى انتهوا إلى باب المدينة في شارع باب
الشأم وجعل أبوالقاسم هذا على كل درب يمر به قوما من المشغبة من بين رامح
وصاحب سيف ليحفطوا الدروب كيلا يخرج منها أحد لقتالهم ولما انتهى إلى باب
المدينة دخل معهم المدينة جماعة كثيرة فصاروا بين البابين وبين الطاقات فأقاموا
هناك ساعة ثم وجهوا جماعة منهم يكونون نحوا من ثلثمائة رجل بالسلاح إلى رحبة
الجامع بالمدينة ودخل معهم من العامة خلق كثير فأقاموا في الرحبة وصاروا إلى
جعفر بن العباس الامام فأعلموه أنهم لايمنعونه من الصلاة وأنهم يمنعونه من الدعاء
للمعتز فأعلمهم جعفر أنه مريض لايقدر على الخروج إلى الصلاة فانصرفوا عنه
وصاروا إلى درب أسد بن مرزبان فشحنوا الشارع النافذ إلى درب الرقيق
ووكلوا بباب درب سليمان بن أبى جعفر جماعة ثم مضوا يريدون الجسر في شارع
الحدادين فوجه اليهم ابن طاهر عدة من قواده فيهم الحسين بن اسماعيل والعباس
ابن قارن وعلى بن جهشيار وعبدالله بن الافشين في جماعة من الفرسان فناظروهم
ودفعوهم دفعا رقيقا وحمل عليهم الجند والشاكرية حملة جرحوا فيها جماعة من قواد
ـ502ـ
ابن طاهر وأخذوا دابة ابن قار وابن جهشيار ورجل من فرض عبيد الله بن يحيى
من الشأميين يقال له سعد الضبابى وجرحوا المعرف بأبى السنا ودفعوهم عن
الجسر حتى صيروهم إلى باب عمرو بن مسعدة فلما رأى الذين بالجانب الشرقى
منهم أن أصحابهم قد أزالوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر كبروا وحملوا يريدون
العبور إلى أصحابهم وكان ابن طاهر قد أعد سفينة فيها شوك وقصب
ليضرم فيها النار ويرسلها على الجسر الاعلى ففعل ذلك فأحرقت عامة سفنه
وقطعته وصارت إلى الآخر فأدركها أهل الجانب الغربى ففرقوها وأطفؤا
النار التى تعلقت بسفن الجسر وعبر من الجانب الشرقى إلى الجانب الغربى خلق
كثير ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن ساباط عمرو بن مسعدة وصاروا إلى باب
ابن طاهر وصار الشاكرية والجند إلى ساباط عمرو بن مسعدة وقتل من الفريقين
إلى الظهر نحو من عشرة نفر وصار جماعة من الغوغاء والعامة إلى المجلس الذى
يعرف بمجلس الشرطة في الجسر من الجانب الغربى إلى بيت يقال له بيت الرفوع
فكسروا الباب وانتهبوا ما فيه وكان فيه أصناف من المتاع فاقتتلوا عليه فلم يتركوا
فيه شيئا وكان كثيرا جليلا وأحرق ابن طاهر الجسرين لما رأى الجند قد ظهروا
على أصحابه وأمر ب الحوانيت التى على باب الجسر التى تتصل بدرب سليمان أن تحرق
يمنة ويسرة ففعل فاحترق فيها للتجار متاع كثير وتهدم حيطان مجلس صاحب الشرطة
فلما ضربت الحوانيت بالنار حالت النار بين الفريقين وكبرت الجند عند ذلك
تكبيرة شديدة ثم انصرفوا إلى معسكرهم بباب حرب وصار الحسين بن اسماعيل
مع جماعة من القواد والشاكرية إلى باب الشأم فوقف على التجار والعامة فوبخهم
على معونتهم الجند وقال هؤلاء قاتلوا على خبزهم وهم معذورون وأنتم جيران
الامير ومن يجب عليه نصرته فلم فعلتم ما فعلتم وأعنتم الشاكرية عليه ورميتم
بالحجارة والامير متحول عنكم ثم صار محمد بن أبى عون اليهم فقال لهم مثل
ذلك وانصرف إلى ابن طاهر فمكث الجند المشتغبون في مواضعهم ومعسكرهم وانضم
إلى ابن طاهر جماعة من الاثبات وجمع جميع أصحابه فجعل بعضهم في داره وبعضهم
ـ503ـ
في الشارع النافذ من الجسر إلى داره قد عباهم تعبية الحرب حذارا من كرة الجند
عليه أياما فلم يكن لهم عودة فصار في بعض الايام التى كان من عودتهم ابن طاهر على
وجل فيما ذكر رجلان من المشغبة استأمنا إليه فأخبره بعورة أصحابهما فأمر لهما
بمائتى دينار ثم أمر الشاه ميكال والحسين بن إسماعيل بعد العشاء الآخرة
بالمصير في جماعة من أصحابهما إلى باب حرب فتلطفا لابى القاسم رئيس القوم
وابن الخليل وكان من أصحاب محمد بن أبى عون فصار إلى ما هناك وكان أبوالقاسم
وابن الخليل قد صار كل واحد منهما عند مفارقة الرجلين اللذين صارا إلى ابن
طاهر ورجل آخر يقال له القمى وتفرق الشاكرية عنهما إلى ناحية خوفا على
أنفسهما فمضى الشاه والحسين في طلبهما حتى خرجا من باب الانبار وتوجها نحو
جسر بطاطيا فذكر أن ابن الخليل استقبلهما قبل أن يصيرا إلى جسر بطاطيا
فصاح بهما ابن الخليل وبمن معهما من هؤلاء وصاحوا به فلما عرفهم حمل عليهم
فجرح منهم عدة فأحدقوا به وصار في وسط القوم فطعنه رجل من أصحاب الشاه
فرمى به إلى الارض فبعجه على بن جهشيار بالسيف وهو في الارض ثم حمل على
بغل وبه رمق فلم يصلوا به إلى ابن طاهر حتى قضى وأمر الشاه بطرحه في كنيف
في دهليز الدار إلى أن حمل إلى الجانب الشرقى وأما عبدان بن الموفق فانه كان قد
صار إلى منزله وإلى موضع اختفى فيه فدل عليه وأخذ وحمل إلى ابن طاهر وتفرق
الشاكرية الذين كانوا بباب حرب وصاروا إلى منازلهم وقيد عبدان بن الموفق
بقيدين فيهما ثلاثون رطلا ثم صار الحسين بن اسماعيل إلى الحبس الذى هو فيه
في دار العامة وقعد على كرسى ودعا به فسأله هل هو دسيس لاحد أو فعل ما فعل
من قبل نفسه فأخبره أنه لم يدسه أحد وإنما هو رجل من الشاكرية طلب بخبزه
فرجع الحسين إلى ابن طاهر فأعلمه ذلك فخرج طاهر بن محمد وأخوه إلى دار العامة
الداخلة فقعدا وأحضرا من بات في الدار من القواد والحسين بن اسماعيل والشاه
ابن ميكال وأحضرا عبدان فحمله رجلان فكان المخاطب له الحسين فقال أنت
رئيس القوم فقال لا إنما أنا رجل منهم طلبت ما طلبوا فشتمه الحسين وقال حرب
ـ504ـ
ابن محمد بن عبدالله بن حرب كذبت بل أنت رئيس القوم وقد رأيناك تعبيهم
بباب حرب وفى المدينة وباب الشأم فقال ما كنت لهم برأس وانما أنا رجل
منهم طلبت ما طلبوا فأعاد عليه الحسين الشتم وأمر بصفعه فصفع وأمر بسحبه
فسحب بقيوده إلى أن أخرج من الدار وشتمه كل من لحقه ودخل طاهر بن محمد
إلى أبيه فأخبره خبره وحمل عبدان على بغل ومضى به إلى الحبس وحمل ابن
الخليل في زورق عبر به إلى الجانب الشرقى وصلب وأمر بعبدان فجرد وضرب
مائة سوط بثمارها وأراد الحسين قتله فقال لمحمد بن نصر ما ترى في ضربه خمسين
سوطا على خاصرته فقال له محمد هذا شهر عظيم ولايحل لك أن تصنع به هذا
فأمر به فصلب حيا وحمل على سلم حتى صلب على الجسر وربط بالحبال فاستسقى
بعد ما صلب فمنعه الحسين فقيل له ان شرب الماء مات قال فاسقوه إذا فسقوه
فترك مصلوبا إلى وقت العصر ثم حبس فلم يزل في الحبس يومين ثم مات اليوم
الثالث مع الظهر وأمر بصلبه على الخشبة التى كان صلب عليها ابن الخليل ودفع ابن
الخليل إلى أوليائه فدفن ( وفى رجب ) من هذه السنة خلع المعتز المؤيد أخاه
من ولاية العهد بعده
* ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه *
كان السبب في ذلك فيما بلغنا أن العلاء بن أحمد عامل أرمينية بعث إلى ابراهيم
المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره فبعث ابن فرخانشاه اليها فأخذها فأغرى
المؤيد الاتراك بعيسى بن فرخانشاه وخالفهم المغاربة فبعث المعتز إلى أخويه
المؤيد وأبى أحمد فحبسهما في الجوسق وقد المؤيد وصيره في حجرة ضيقة وأدر
العطاء للاتراك والمغاربة وحبس كنجور حاجب المؤيد وضربه خمسين مقرعة
وضرب خليفته أبا الهول خمسمائة سوط وطوف به على جمل ثم رضى عنه وعن
كنجور فصرف إلى منزله * وقد ذكر أنه ضرب أخاه المؤيد أربعين مقرعة ثم
خلع بسامرا يوم الجمعة لسبع خلون من رجب وخلع ببغداد يوم الاحد لاحدى
عشرة خلت من رجب وأخذت رقعة بخطه بخلع نفسه ولست بقين من رجب
ـ505ـ
من هذه السنة وقيل لثمان بقين منه كانت وفاة ابراهيم بن جعفر المعروف بالمؤيد
* ذكر الخبر عن سبب وفاته *
ذكر أن امرأة من نساء الاتراك جاءت محمد بن راشد المغربى فأخبرته ان
الاتراك يريدون اخراج إبراهيم المؤيد من الحبس وركب محمد بن راشد إلى
المعتز فأعلمه ذلك فدعا بموسى بن بغا فسأله فأنكر وقال يا أمير المؤمنين انما
أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكل لانسهم به كان في الحرب التى كانت وأما
المؤيد فلا فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من رجب دعا بالقضاة والفقهاء والشهود
والوجوه فأخرج اليهم ابراهيم المؤيد ميتا لا أثر به ولا جرح وحمل إلى أمه اسحاق
وهى أم أبى أحمد على حمار وحمل معه كفن وحنوط وأمر بدفنه وحول أبوأحمد
إلى الحجرة التى كان فيها المؤيد * وذكر أن المؤيد أدرج في لحاف سمور ثم أمسك
طرفاه حتى مات * وقيل إنه أقعد في حجر من ثلج ونضدت عليه حجارة الثلج
فمات بردا ( وفى شوال ) منها قتل أحمد بن محمد المستعين
* ذكر الخبر عن قتله *
ذكر ان المعتز لما هم بقتل المستعين ورد كتابه على محمد بن عبدالله بن طاهر
بنكبته وأمره بتوجيه أصحاب معاونه في الطساسيج ثم ورد عليه منه بعد ذلك
كتاب مع خادم يدعى سيما يؤمر فيه بالكتاب إلى منصور بن نصر بن حمزة وهو
على واسط بتسليم المستعين اليه وكان المستعين بها مقيما وكان الموكل به ابن أبى
خميصة وابن المظفر بن سيسل ومنصور بن نصر بن حمزة وصاحب البريد فكتب
محمد في تسليم المستعين اليه ثم وجه فيما قيل أحمد بن طولون التركى في جيش
فأخرج المستعين لست بقين من شهر رمضان فوافى به القاطول لثلاث خلون من
شوال وقيل إن أحمد بن طولون كان موكلا بالمستعين فوجه سعيد بن صالح إلى
المستعين في حمله فصار اليه سعيد فحمله وقيل إن سعيدا إنما تسلم المستعير من ابن
طولون في القاطول بعد ما صار به ابن طولون اليها ثم اختلف في أمرهما فقال
بعضهم قتله بالقاطول فلما كان غد اليوم الذى قتله فيه أحضر جواريه
ـ506ـ
وقال انظرن إلى مولاكن قد مات وقد قال بعضهم بل أدخله سعيد وابن طولون
سامرا ثم صار به سعيد إلى منزلة له فعذبه حتى مات * وقيل بل ركب معه في
زورق ومعه عدة حتى حاذى به فم دجيل وشد في رجله حجرا وألقاه في الماء
وذكر عن متطبب كان مع المستعين نصرانى يقال له فضلان أنه قال كنت معه حين
حمل وأنه أخذ به على طريق سامرا فلما انتهى إلى نهر نظر إلى موكب وأعلام
وجماعة فقال لفضلان تقدم فانظر من هذا فان كان سعيدا فقد ذهبت نفسى قال
فضلان فتقدمت إلى أول الجيش فسألتهم فقالوا سعيد الحاجب فرجعت اليه فأعلمته
وكان في قبة تعادله امرأة فقال إنا لله وإنا اليه راجعون ذهبت نفسى والله وتأخرت
عنه قليلا * قال فلقيه أول الجيش فأقاموا عليه وأنزلوه ودابته فضربوه ضربة
بالسيف فصاح وصاحت ديته ثم قتل فلما قتل انصرف الجيش * قال فصرت إلى
الموضع فاذا هو مقتول في سراويل بلا رأس وإذا المرأة مقتولة وبها عدة ضربات
فطرحنا عليهما نحن تراب النهر حتى واريناهما ثم انصرفنا قال وأتى المعتز برأسه
وهو يلعب بالشطرنج فقيل هذا رأس المخلوع فقال ضعوه هنالك ثم فرغ من
لعبه ودعا به فنظر اليه ثم أمر بدفنه وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم وولى معونة
البصرة * وذكر عن بعض غلمان المستعين أن سعيدا لما استقبله أنزله ووكل به
رجلا من الاتراك يقتله فسأله أن يمهله حتى يصلى ركعتين وكانت عليه جبة فسأل
سعيد التركى الموكل بقتله أن يطلبها منه قبل قتله ففعل ذلك فلما سجد في الركعة
الثانية قتله واحتز رأسه وأمر بدفنه وخفى مكانه وقال محمد بن مروان بن أبى الجنوب
ابن مروان بن أبى حفصة في أمر المؤيد ويمدح المعتز
أنت الذى يمسك الدنيا إذا اضطربت * يا ممسك الدين والدنيا إذا اضطربا
إن الرعية أبقاك الاله لها * ترجو بعدلك أن تبقى لها حقبا
لقد عنيت بحرب غير هينة * وكان عودك نبعا لم يكن غربا
ما كنت أول رأس خانه ذنب * والرأس كنت وكان الناكث الذنبا
لو كان تم له ما كان دبره * لاصبح الملك والاسلام قد ذهبا
ـ507ـ
أراد يهلك دنيانا ويعطبها * وقد أراد هلاك الدين والعطبا
لما أراد وثوبا من سفاهته * أمسى عليه إمام العدل قد وثبا
لقد رماك بسهم لم يصبك به * ومن رماك عليه سهمه انقلبا
لقد رعيت له ما كان من سبب * فما رعى لك إحسانا ولا سببا
كحسن فعلك لم يفعل أخ بأخ * كنا لذاك شهودا لم نكن غيبا
قد كنت مشتغلا بالحرب ذا تعب * وكان يلعب ما كلفته تعبا
قد كان ياذا الندى يعطى بلا طلب * وكنت ياذا الندى تعطيه ما طلبا
وكنت أكثر برا من أبيه به * ولم تكن بأخ في البر كنت أبا
وكان قرب سرير الملك مجلسه * فقد تباعد منه بعد ما اقتربا
وكان في نعم زالت وكان له * باب يزار فأمسى اليوم محتجبا
أمسى وحيدا وقد كانت مواكبه * عشرين ألفا تراهم خلفه عصبا
أين الصفوف التى كانت تقوم له * كما يقوم إذا ما جاء أو ذهبا
وذل بعد تماديه ونخوته * كالحوت أصبح عنه الماء قد نضبا
وقد فسخت عن الاعناق بيعته * فلا خطيب له يدعو إذا اختطبا
لقبته لقبا من بعد إمرته * والله بدله بالامرة اللقبا
كسوته ثوب عز فاستهان به * ولم يصنه فأمسى عنه مغتصبا
كم نعمة لك فيها كنت تشركه * والله أخرجه منها بما اكتسبا
شبهته بسراج كان ذا لهب * فما تركت له نورا ولا لهبا
أمست قطيعة إبراهيم قد قطعت * حبل الصفاء وحبل الود فانقبضا
وما تؤاخذ ياحلف الندى أحدا * حتى تبين فيه النكث والريبا
إنى بمدح بنى العباس ذو حسب * وكان مدح بنى العباس لى حسبا
إن التقى يا بنى العباس أدبكم * حتى استفادت قريش منكم الادبا
من كان مقتضبا في حول مدحكم * فلست فيه بحمد الله مقتضبا
ذكر عن أبى عبدالرحمن الفانى أن فتى من أهل سامرا أملى عليه مما عمله
ـ508ـ
بعض أهلها على ألسن الاتراك أن المعتز لما أفضت اليه الخلافة وقلده الله القيام
بأمر عباده في المشارق والمغارب والبر والبحر والبدو والحضر والسهل والجبل
تألم بسوء اختيار أهل بغداد وفتنتهم فأمر المعتز بالله بإحضار جماعة ممن صفت
أذهانهم ورقت طبائعهم ولطف ظنهم وصحت نحائرهم وجادت غرائزهم وكملت
عقولهم بالمشورة فقال يا أمير المؤمنين أما تنظرون إلى هذه العصابة التى ذاع نفاقهم
وغار شأوهم الهمج والطغام والاوغاد الذين لامسكة بهم ولا اختيار لهم ولا تمييز
معهم قد زين لهم تقحم الخطا سوء أعمالهم فهم الاقلون وإن كثروا
و المذمومون إن ذكروا وقد علمت أنه لايصلح لقود الجيوش وسد الثغور
وإبرام الامور وتدبير الاقاليم إلا رجل قد تكاملت فيه خلال أربع
حزم يقيف به عند موارد الامور حقائق مصادرها وعلم يحجزه
عن التهور والتغير في الاشياء إلا مع إمكان فرصتها وشجاعة لاينقصها الملمات
مع تواتر حوائجها وجود يهون به تبذير جلائل الاموال عند سؤالها وأما الثلاث
فسرعة مكافأة الاحسان إلى صالح الاعوان وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان
والاستعداد للحوادث إذ لا تؤمن نوائب الزمان وأما الاثنتان فإسقاط الحاجب
عن الرعية والحكم بين القوى والضعيف بالسوية وأما الواحدة فالتيقظ في الامور
مع عدم تأخير عمل اليوم لغد فما ترون وقد اخترت رجالا لهم من موالى أحدهم
شديد الشكيمة ماضى العزيمة لاتبطره السراء ولا تدهشه الضراء لايهاب ماوراءه
ولايهوله ما تلقاءه وهو كالحريش في أصل السلام إن حرك حمل وان نهش قتل
عدته عتيدة ونقمته شديدة يلقى الجيش في النفر القليل العدد بقلب أشد من الحديد
طالب للثأر لايفله العساكر باسل البأس مقتضب الانفاس لايعوذه ما طلب
ولا يفوته من هرب وارى الزناد مطلع العماد لايشرهه الرغائب ولايعجزه
النوائب إن ولى كفى وان وعد وفى وان نازل فبطل وان قال فعل ظله لوليه
ظليل وبأسه في الهياج عليه دليل يفوق من ساماه ويعجز من ناواه ويتعب من
جاراه وينعش من والاه فقام اليه رجل من القوم فقال قد جمع الله لك يا أمير المؤمنين
ـ509ـ
فضائل الادب وخصك بإرث النبوة وألقى اليك أزمة الحكمة ووفر نصيبك من
حباء الكرامة وفسح لك في الفهم ونور قلبك بأنفس العلوم وصفاء الذهن
فأفصح عن القلب البيان وأدرك فهمك يا أمير المؤمنين ما والله خبئ على من لم
يحب بما حببت من المنن العظام والايادى الجسام والفضائل المحمودة وشرف
الطباع فنطقت الحكمة على لسانك فما ظننته فهو صواب وما فهمته فهو الحق الذى
لايعاب وأنت والله يا أمير المؤمنين نسيج وحده وقريع دهره لايبلغ كلية فضله
الوصف ولايحصر أجزاء شرف فضله النعت ثم أمر أمير المؤمنين بالعقد لانصاره على
النواحى وأطلقهم في أشعار أعدائهم وأبشارهم ودمائهم فلما بلغ محمد بن عبدالله ما أمر به
في النواحى أنشأ كتابا نسخته أما بعد فان زيغ الهوى صدف بكم عن حزم الرأى
فأقحمكم حبائل الخطا ولو ملكتم الحق عليكم وحكمتم به فيكم لاوردكم البصيرة
ونفى عنكم غيابة الحيرة والآن فان تجنحوا للسلم تحقنوا دماءكم وترغدوا عيشكم
ويصفح أمير المؤمنين عن جريرة جارمكم وأخلى لكم ذروة سبوغ النعمة عليكم
وان مضيتم على غلوائكم وسول لكم الامل أسوأ أعمالكم فأذنوا بحرب من الله
ورسوله بعد نبذ المعذرة اليكم واقامة الحجة عليكم ولئن شنت الغارات وشب
ضرام الحرب ودارت رحاها على قطبها وحسمت الصوارم أوصال حماتها
واستجرت العوالى من نهمها ودعيت نزال والتحم الابطال وكلحت الحرب عن أنيابها
أشداقها وألقت للتجرد عنها قناعها واختلفت أعناق الخيل وزحف أهل النجدة إلى
أهل البغى لتعلمن أى الفريقين أسمح بالموت نفسا وأشد عند اللقاء بطشا ولات حين
معذرة ولا قبول فدية وقد أعذر من أنذر وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون
فبلغ كتاب محمد بن عبدالله الاتراك فكتبوا جواب كتابه ان شخص الباطل
تصور لك في صورة الحق فتخيل لك الغى رشدا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن
ماء حتى إذا جاء لم يجده شيئا ولو راجعت غروب عقلك أنار لك برهان البصيرة
وحسم عنك مواد الشبهة لكن حصت عن سنة الحقيقة ونكصت على عقبيك
لما ملك طباعك من دواعى الحيرة فكنت في الاصغاء لهتافه والتجرد إلى وروده
ـ510ـ
كالذى استهوته الشياطين في الارض حيران ولعمرك يا محمد لقد ورد وعدك لنا
ووعيدك إيانا فلم يدننا منك ولم ينئنا عنك إذ كان فحص اليقين قد كشف عن
مكنون ضميرك وألفاك كالمكتفى بالبرق نهجا إذا أضاء له مشى فيه وإذا أظلم عليه
قام ولعمرك لئن اشتد في البغى شاؤك ومتعت بضبابة من الامل ليكون أمرك
عليك غمة ولنأتينك بجنود لا قبل لك بها ولنخرجنك منها ذليلا وأنت من
الصاغرين ولولا انتظارنا كتاب أمير المؤمنين بإعلامنا ما نعمل في شاكلته بلغنا
بالسياط النياط وغمدنا السيوف وهى كالة وجعلنا عاليها سافلها وجعلناها مأوى
الظلمات والحيات والبوم وقد ناديناك من كثب وأسمعناك إن كنت حيا فإن تجب
تفلح وإن تأب إلا غيا نخزيك به وعما قليل لتصبحن نادمين ( وفى ) أول يوم
من رجب من هذه السنة كانت بين المغاربة والاتراك ملحمة وذلك أن المغاربة
اجتمعت فيه مع محمد بن راشد ونصر بن سعيد فغلبوا الاتراك على الجوسق
وأخرجوهم منه وقالوا لهم في كل يوم تقتلون خليفة وتخلعون آخر وتقتلون
وزيرا وكانوا قد وثبوا على عيسى بن فرخانشاه فتناولوه بالضرب وأخذوا دوابه
ولما أخرجت المغاربة الاتراك من الجوسق وغلبوهم على بيت المال أخذوا
خمسين دابة مما كان الاتراك يركبونها فاجتمع الاتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ
والدور منهم فتلاقوا هم والمغاربة فقتل من المغاربة رجل فأخذت المغاربة قاتله
وأعانت المغاربة الغوغاء والشاكرية فضعفت الاتراك وانقادوا للمغاربة فأصلح
جعفر بن عبدالواحد بين الفريقين فاصلحوا على أن لايحدثوا شيئا ويكون
في كل موضع بكون فيه رجل من قبل أحد الفريقين يكون فيه آخر من
الفريق الآخر فمكثوا على ذلك مدة وبلغ الاتراك اجتماع المغاربة إلى محمد بن
راشد ونصر بن سعيد واجتمع الاتراك إلى بايكباك فقالوا نطلب هذين الرأسين
فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق وكان محمد بن راشد ونصر بن سعيد قد اجتمعا في
صدر اليوم الذى عزم الاتراك فيه على الوثوب بهما ثم انصرفا إلى منازلهما فبلغهما
أن بايكباك قد صار إلى منزل ابن راشد فعدل محمد بن راشد ونصر بن سعيد إلى
ـ511ـ
منزل محمد بن عزون ليكونا عنده حتى يسكن الاتراك ثم يرجعا إلى جمعهما فغمز
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 511 سطر 1 الى ص 520 سطر 25
منزل محمد بن عزون ليكونا عنده حتى يسكن الاتراك ثم يرجعا إلى جمعهما فغمز
بهما بايكباك رجل ودله عليهما وقيل ان ابن عزون هو الذى دس من دل بايكباك
والاتراك عليهما فأخذهما الاتراك فقتلوهما فبلغ ذلك المعتز فأراد قتل ابن عزون
فكلم فيه فنفاه إلى بغداد ( وفيها ) حمل محمد بن على بن خلف العطار وجماعة من الطالبيين
من بغداد إلى سامرا فيهم أبو أحمد محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن حسن بن
حسن بن على بن أبى طالب وحمل معهم أبوهاشم داود بن القاسم الجعفرى وذلك
لثمان خلون من شعبان منها
* ذكر السبب في حملهم *
وكان السبب فيما ذكر أن رجلا من الطالبيين شخص من بغداد في جماعة من
الجيشية والشاكرية إلى ناحية الكوفة وكانت الكوفة وسوادها من عمل أبى الساج
في تلك الايام وكان مقيما ببغداد لمناظرة ابن طاهر إياه في الخروج إلى الرى فلما
بلغ ابن طاهر خبر الطالبى الشاخص من بغداد إلى ناحية الكوفة أمر أبا الساج
بالشخوص إلى عمله بالكوفة فقدم أبوالساج خليفته عبدالرحمن إلى الكوفة
فلقى أبا الساج أبوهاشم الجعفرى مع جماعة معه من الطالبيين ببغداد فكلموه في
أمر الطالبى الشاخص إلى الكوفة فقال لهم أبوالساج قولوا له يتنحى عنى ولا أراه
فلما صار عبدالرحمن خليفة أبى الساج إلى الكوفة ودخلها رمى بالحجارة حتى
صار إلى المسجد فظنوا أنه جاء لحرب العلوى فقال لهم إنى لست بعامل إنما أنا رجل
وجهت لحرب الاعراب فكفوا عنه وأقام بالكوفة وكان أبوأحمد بن جعفر
الطالبى الذى ذكرت أنه حمل من الطالبيين إلى سامرا كان المعتز ولاه الكوفة
بعد ما هزم مزاحم بن خاقان العلوى الذى كان وجه لقتاله بها الذى قد مضى ذكره
قبل في موضعه فعاث فيما ذكر أبوأحمد هذا في نواحى الكوفة وأذى الناس
وأخذ أموالهم وضياعهم فلما أقام خليفة أبى الساج بالكوفة لطف لابى أحمد العلوى
هذا وآنسه حتى خالطه في المؤاكلة والمشاربة وداخله ثم خرج متنزها معه إلى
بستان من بساتين الكوفة فأمسى وقد عبى له عبدالرحمن أصحابه فقيده وحمله مقيدا
ـ512ـ
بالليل على بغال الدخول حتى ورد به بغداد في أول شهر ربيع الآخر فلما أتى به
محمد بن عبدالله حبسه عنده ثم أخذ منه كفيلا وأطلقه ووجدت مع ابن أخ لمحمد
ابن على بن خلف العطار كتب من الحسن بن زيد فكتب بخبره إلى المعتز فورد
الكتاب بحمله مع عتاب بن عتاب وحمل هؤلاء الطالبيين فحملوا جميعا مع خمسين
فارسا وحمل أبوأحمد هذا وأبوهاشم الجعفرى وعلى بن عبيد الله بن عبدالله
ابن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب * وتحدث الناس في
على بن عبيد الله أنه إنما استأذن في المصير إلى منزله بسامرا فأذن له ووصله فيما
قيل محمد بن عبدالله بألف درهم لانه شكا اليه ضيقه وودع أبوهاشم أهله وقيل
إن سبب حمل أبى هاشم إنما كان ابن الكردية وعبدالله بن داود بن عيسى بن
موسى قالا للمعتز إنك إن كتبت إلى محمد بن عبدالله في حمل داود بن القاسم لم
يحمله فاكتب اليه وأعلمه أنك تريد توجيهه إلى طبرستان لاصلاح أمرها فاذا
صار اليك رأيت فيه رأيك فحمل على هذا السبيل ولم يعرض له بمكروه ( وفيها )
ولى الحسن بن أبى الشوارب قضاء القضاة وكان محمد بن عمران الضبى مؤدب
المعتز قد سمى رجالا للمعتز للقضاء نحو ثمانية رجال فيهم الخلنجى والخصاف
وكتب كتبهم فوقع فيه شفيع الخادم ومحمد بن ابراهيم بن الكردية وعبد السميع
ابن هارون بن سليمان بن أبى جعفر وقالوا انهم من أصحاب ابن أبى داؤد وهم
رافضة وقدرية وزيدية وجهمية فأمر المعتز بطردهم واخراجهم إلى بغداد ووثب
العامة بالخصاف وخرج الآخرون إلى بغداد وعزل الضبى الا عن المظالم وذكر
أن أرزاق الاتراك والمغاربة والشاكرية قدرت في هذه السنة فكان مبلغ
ما يحتاجون اليه في السنة مائتى ألف ألف دينار وذلك خراج المملكة كلها لسنتين
( وفيها ) توجه أبوالساج إلى طريق مكة وكان سبب ذلك فيما قيل أن وصيفا
لما صلح أمره ودفع المعتز اليه خاتمه كتب إلى أبى الساج يأمره بالخروج إلى طريق
مكة ليصلحه ووجه اليه من المال ما يحتاج اليه فأخذ في الجهاز فكتب محمد بن
عبدالله يسأل أن يصير طريق مكة اليه فأجيب إلى ذلك فوجه أبوالساج من قبله
ـ513ـ
وفى أول ذى الحجة عقد لعيسى بن الشيخ بن السليل على الرملة فأنفذ خليفته
أبا المغراء اليها فقيل انه أعطى بغا أربعين ألف دينار على ذلك أو ضمنها اليه ( وفيها )
كتب وصيف إلى عبدالعزيز بن أبى دلف بتوليته الجبل وبعث اليه بخلع فتولى ذلك
من قبله ( وفيها ) قتل محمد بن عمرو الشارى بديار ربيعة قتلة خليفة لايوب بن
أحمد في ذى القعدة ( وفيها ) سخط على كنجور وأمر بحبسه في الجوسق ثم حمل
إلى بغداد مقيدا ثم وجه به إلى اليمامة فحبس هنالك ( وفيها ) أغار ابن جستان
صاحب الديلم مع أحمد بن عيسى العلوى والحسن بن أحمد الكوكبى على الرى
فقتلوا وسبوا وكان بها حين قصدوها عبدالله بن عزيز فهرب منها فصالحهم أهل
الرى على ألفى ألف درهم فأدوها وارتحل عنها ابن جستان وعاد اليها ابن عزيز
فأسر أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور ( وفيها ) مات اسماعيل بن يوسف
الطالبى الذى كان فعل بمكة ما فعل ( وحج ) فيها بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن
المنصور من قبل المعتز
* ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من عقد المعتز في اليوم الرابع من رجب لموسى بن بغا الكبير
على الجبل ومعه من الجيش يومئذ من الاتراك ومن يجرى مجراهم ألفان وأربعمائة
وثلاثة وأربعون رجلا منهم مع مفلح ألف ومائة وثلاثون رجلا ( وفيها ) أوقع
مفلح وهو على مقدمة موسى بن بغا بعبد العزيز بن أبى دلف لثمان ليال بقين من
رجب من هذه السنة و عبدالعزيز في زهاء عشرين ألفا من الصعاليك
وغيرهم وكانت الوقعة بينهما فيما قيل خارج همذان على نحو من ميل فهزمه مفلح
ثلاثة فراسخ يقتلون ويأسرون ثم رجع مفلح ومن معه سالمين وكتب بالفتح في
ذلك اليوم فلما كان في شهر رمضان عبأ مفلح خيله نحو الكرج وجعل لهم كمينين
ووجه عبدالعزيز عسكرا فيه أربعة آلاف فقاتلهم مفلح وخرج كمين مفلح على
( 33 7 )
ـ514ـ
أصحاب عبدالعزيز فانهزموا ووضع أصحاب مفلح فيهم السيف فقتلوا وأسروا
وأقبل عبدالعزيز معينا لاصحابه فانهزم بانهزام أصحابه وترك الكرج ومضى إلى
قلعة له في الكرج يقال له دز متحصنا بها ودخل مفلح الكرج فأخذ جماعة من آل
أبى دلف أسرا وأخذ نساء من نسائهم يقال إنه كان فيهم أم عبدالعزيز فأوثقهم
وذكر أنه وجه سبعين حملا من الرؤس إلى سامرا واعلاما كثيرة * وشخص
فيها موسى بن بغا من سامرا إلى همذان فنزلها ( وفيها ) خلع المعتز على بغا الشرابى
في شهر رمضان وألبسه التاج والوشاحين فخرج فيهما إلى منزله ( وفيها ) قتل
وصيف التركى وذلك لثلاث بقين من شوال منها وكان السبب في ذلك فيما ذكر
أن الاتراك والفراغنة و الاشروسنية شغبوا وطلبوا أرزاقهم لاربعة أشهر فخرج
اليهم بغا ووصيف وسيما الشرابى في نحو من مائة انسان من أصحابهم فكلمهم
وصيف وقال ما تريدون قالوا أرزاقنا فقال خذوا ترابا وهل عندنا مال وقال بغا
نعم نسأل أمير المؤمنين في ذلك ونتناظر في دار اشناس وينصرف عنكم من ليس
منكم فدخلوا دار اشناس ومضى سيما الشرابى منصرفا إلى سامرا ثم تبعه بغا
لاستثمار الخليفة في أعطائهم وكان وصيف في أيديهم فوثب عليه بعضهم فضربه
بالسيف ضربتين ووجأه آخر بسكين فاحتمله نوشرى بن طاجبك وهو أحد
قواده إلى منزله فلما أبطأ عليهم بغا ظنوا أنهم في التعبية عليهم فاستخرجوه من
منزل نوشرى فضربوه بال طبرزينات حتى كسروا عضديه ثم ضربوا عنقه ونصبوا
رأسه على محراك تنور وقصدت العامة بسامرا الانتهاب لمنازل وصيف وولده فرجع
بنو وصيف فمنعوا منازلهم ثم جعل ما كان إلى وصيف من الامور إلى بغا الشرابى
وفى يوم الفطر من هذه السنة قتل بندار الطبرى
* ذكر سبب قتله *
فكان سبب ذلك أنه حكم بالبوازيج محكم يدعى مساور بن عبد الحميد في رجب
من هذه السنة فوجه المعتز اليه في شهر رمضان ساتكين فمال إلى ناحية طريق
خراسان فوجه محمد بن عبدالله اليه وذلك أن طريق خراسان كان اليه بندار
ـ515ـ
ومظفر بن سيسل مسلحة فلما صارا بدسكرة الملك أقاما فذكر أن بندار خرج في
آخر يوم من شهر رمضان متصيدا فبعد في طلب الصيد حتى جاوز دور الدسكرة
بنحو فرسخ فبينا هو كذلك إذ نظر إلى علمين مقبلين معهما جماعة مقبلة نحو الدسكرة
فوجه بعض أصحابه لينظر ما الاعلام فأخبره صاحب الجماعة أنه عامل كرخ جدان
وأنه انتهى اليه أن رجلا يقال له مساور بن عبدالحميد من الدهاقين من أهل
البوازيج شرى وأنه بلغه أنه يصير إلى كرخ جدان فلما بلغه ذلك خرج هاربا إلى
الدسكرة ليأنس بقرب بندار ومظفر فانصرف بندار من ساعته إلى المظفر فقال له
إن الشارى يقصد كرخ جدان ويريدنا فامض بنا نتلقاه فقال له المظفر قد أمسينا ونريد
أن نصلى الجمعة وغدا العيد فاذا انقضى العيد قصدناه فأبى بندار ومضى من
ساعته طمعا بالمظفر بالشارى وحده دون مظفر فأقام مظفر ولم يبرح من
الدسكرة وبين الدسكرة وتل عكبراء ثمانية فراسخ وبين تل عكبراء وموضع
الوقعة أربعة فراسخ فصار بندار إلى تل عكبراء فوافاها عند العتمة ليلة الفطر
فعلف دوابه شيئا ثم ركب فسار حتى أشرف على عسكر الشارى ليلا وهم يصلون
ويقرأون القرآن فأشار عليه بعض أصحابه وخاصته ان يبيتهم وهم غارون فأبى
وقال لا حتى أنظر اليهم وينظرون إلى فوجه فارسين أو ثلاثة ليأتوه بخبرهم
فلما قربوا من عسكرهم نذروا بهم فصاحوا السلاح وركبوا فتوافقوا إلى أن
أصبحوا ثم اقتتلوا فلم يمكن أصحاب بندار أن يرموا بسهم واحد وكانوا زهاء
ثلثمائة فارس وراجل فعباهم ميمنة وميسرة وساقة وأقام هو في القلب فحمل عليهم
مساور وأصحابه فثبت لهم بندار وأصحابه ثم انحدر لهم الشراة عن موضع عسكرهم
ومبيتهم ليطمع بندار وأصحابه في النهب فلم يعرض بندار وأصحابه لعسكرهم ثم كر
الشراة عليهم بالسيوف والرماح وهم زهاء سبعمائة فصبر الفريقان فصار الشراة
إلى السيوف دون الرماح فقتل من الشراة نحو من خمسين رجلا ومن أصحاب
بندار مثلهم ثم حمل الشراة حملة فاقتطعوا من أصحاب بندار نحوا من مائة رجل
فصبر لهم المائة ساعة ثم قتلوا جميعا وانهزم بندار وأصحابه فجعلوا يقتطعونهم
ـ516ـ
قطعة بعد قطعة فيقتلونهم وأمعن بندار في الهرب فطلبوه فلحقوه بقرب تل عكبراء
على قدر أربعة فراسخ من موضع الوقعة فقتلوه ونصبوا رأسه ونجا من أصحاب
بندار نحو من خمسين رجلا وقيل مائة رجل انحازوا عن الوقعة عن اشتغال الخوارج
بمن كانوا يقتطعون منهم وانتهى خبره إلى مظفر وهو مقيم بالدسكرة فتنحى من
الدسكرة إلى ما قرب من بغداد ووصل خبر مقتله إلى محمد بن عبدالله بعد الفطر
فذكر أنه لم يشرب ولم يله كما كان يفعل غما بما ورد عليه من مقتله ثم مضى
مساور من فوره إلى حلوان فخرج اليه أهلها فقاتلوه فقتل منهم أربعمائة إنسان
وقتلوا جماعة من أصحاب الشارى وقتل عدة من حجاج خراسان كانوا بحلوان
فأعانوا أهل حلوان ثم انصرفوا عنهم ( وليلة ) أربع عشرة من ذى القعدة
منها انخسف القمر فغرق كله أو غاب أكثره ومات محمد بن عبدالله بن طاهر مع
انتهاء خسوفه فيما ذكر وكانت علته التى مات فيها قروحا أصابته في حلقه ورأسه
فذبحته وذكر أن القروح التى كانت في حلقه ورأسه كانت تدخل فيها الفتائل
فلما مات تنازع الصلاة عليه أخوه عبيد الله وابنه طاهر فصلى عليه ابنه
وكان أوصى بذلك فيما قيل ثم وقع بين عبيد الله بن عبدالله أخى محمد بن
عبدالله وبين حشم محمد بن عبدالله تنازع حتى سلوا السيوف عليه ورمى
بالحجارة ومالت الغوغاء والعامة وموالى اسحاق بن ابراهيم مع طاهر بن محمد
ابن عبدالله بن طاهر ثم صاحوا طاهر يا منصور فعبر عبيد الله إلى ناحية الشرقية
إلى داره ومال معه القواد لاستخلاف محمد بن عبدالله كان إياه على أعماله ووصيته
بذلك وكتابه بذلك إلى عماله ثم وجه المعتز الخلع وولاية بغداد إلى عبيد الله
وأمر عبيد الله الذى أتاه بالخلع من قبل المعتز فيما قيل بخمسين ألف درهم ( نسخة
الكتاب ) الذى كتبه محمد بن عبدالله إلى عماله باستخلافه أخاه عبيد الله بعده
( أما بعد ) فان الله عزوجل جعل الموت حتما مقضيا جاريا على الباقين من
خلقه حسبما جرى على الماضين وحقيق على من أعطى حظا من توفيق الله أن
يكون على استعداد لحلول مالا بد منه ولا محيص عنه في كل الاحوال وكتابى
ـ517ـ
هذا وأنا في علة قد اشتد الاشفاق منها وكاد الاياس يغلب على الرجاء فيها فان
يبل الله ويدفع فبقدرته وكريم عادته وإن يحدث بى الحدث الذى هو سبيل
الاولين والآخرين فقد استخلفت عبيد الله بن عبدالله مولى أمير المؤمنين أخى
الموثوق باقتفائه أثرى وأخذه بسد ما أنا بسبيله من سلطان أمير المؤمنين إلى أن
يأتيه من أمره ما يعمل بحسبه فاعلم ذلك وائتمر فيما تتولاه بما يرد به كتب
عبيد الله وأمره إن شاء الله وكتب يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذى القعدة
سنة 253 ( وفيها ) نفى المعتز أبا أحمد بن المتوكل إلى واسط ثم إلى البصرة ثم
رد إلى بغداد وأنزل إلى الجانب الشرقى في قصر دينار بن عبدالله ( وفيها ) نفى
أيضا على بن المعتصم إلى واسط ثم رد إلى بغداد فيها ( وفيها ) مات مزاحم بن
خاقان بمصر في ذى الحجة ( وحج ) بالناس في هذه السنة عبدالله بن محمد بن
سليمان الزينبى ( وفيها ) غزا محمد بن معاذ بالمسلمين في ذى القعدة من ناحية
ملطية فهزموا وأسر محمد بن معاذ ( وفيها ) التقى موسى بن بغا والكوكبى
الطالبى على فرسخ من قزوين يوم الاثنين سلخ ذى القعدة منها فهزم موسى
الكوكبى فلحق بالديلم ودخل موسى بن بغا قزوين * وذكر لى بعض من شهد
الوقعة أن أصحاب الكوكبى من الديلم لما التقوا بموسى وأصحابه صفوا صفوفا
وأقاموا ترستهم في وجوههم يتقون بذلك سهام أصحاب موسى فلما رأى موسى
أن سهام أصحابه لاتصل اليهم مع ما قد فعلوا أمر بما معه من النفط أن يصب
في الارض التى التقى هو وهم فيها ثم أمر أصحابه بالاستطراد لهم واظهار هزيمة
منهم ففعل ذلك أصحابه فلما فعلوا ذلك ظن الكوكبى وأصحابه أنهم انهزموا
فتبعوهم فلما علم موسى أن أصحاب الكوكبى قد توسطوا النفط أمر بالنار
فاشتعلت فيه فأخذت فيه النار وخرجت من تحت أصحاب الكوكبى فجعلت
تحرقهم وهرب الآخرون وكان هزيمة القوم عند ذلك ودخول موسى
قزوين ( وفيها ) لقى خطارمش مساور الشارى بناحية جلولاء في ذى الحجة
فهزمه مساور
ـ518ـ
* ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من مقتل بغا الشرابى
* ذكر الخبر عن سبب مقتله *
* ذكر أن السبب في ذلك كان أنه يحض المعتز على المصير إلى بغداد والمعتز
يأبى ذلك عليه ثم ان بغا اشتغل مع صالح بن وصيف في خاصته بعرس جمعة بنت
بغا كان صالح بن وصيف تزوجها للنصف من ذى القعدة فركب المعتز ليلا ومعه
أحمد بن اسرائيل إلى كرخ سامرا يريد بايكباك ومن كان معه على مثل ما هو عليه
من انحرافه عن بغا وكان سبب انحرافه عنه فيما ذكر أنهما كانا في شراب لهما يشربانه
فعربد أحدهما على صاحبه فتهاجرا لذلك وكان بايكباك بسبب ذلك هاربا من بغا
مستخفيا منه فلما وافى المعتز بمن معه الكرخ اجتمع مع بايكباك أهل الكرخ
وأهل الدور ثم أقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرا وبلغ ذلك بغا فخرج في غلمانه
وهم زهاء خمسمائة ومثلهم من ولده وأصحابه وقواده وصار إلى نهر نيزك ثم تنقل
إلى مواضع ثم صار إلى السن ومعه من العين تسع عشرة بدرة دنانير ومائة بدرة
دراهم أخذها من بيت ماله وبيوت أموال السلطان فأنفق منها شيئا يسيرا حتى قتل *
وذكر أنه لما بلغه أن المعتز قد صار إلى موضع الكرخ مع أحمد بن اسرائيل
خرج في خاصة قواده حتى صار إلى تل عكبراء ثم مضى فصار إلى السن
فشكا أصحابه بعضهم إلى بعض ما هم فيه من العسف وانهم لم يخرجوا معهم
بمضارب ولا ما يتدفأون به من البرد وانهم في شتاء وكان بغا في مضرب له صغير
على دجلة كان يكون فيه فأتاه ساتكين فقال أصلح الله الامير قد تكلم
أهل العسكر وخاضوا في كذا وأنا رسولهم اليك فقال كلهم يقول مثل قولك قال
نعم وإن شئت فابعث اليهم حتى يقولوا مثل قولى قال دعنى الليلة حتى أنظر ويخرج
اليكم أمرى بالغداة فلما جن عليه الليل دعا بزورق فركبه مع خادمين معه وحمل
ـ519ـ
معه شيئا من المال ولم يحمل معه سلاحا ولاسكينا ولاعمودا ولايعلم أهل عسكره
بذلك من أمره والمعتز في غيبة بغا لاينام إلا في ثيابه وعليه السلاح ولايشرب
نبيذا وجميع جواريه على رجل فصار بغا إلى الجسر في الثلث الاول من الليل فلما
قارب الزورق الجسر بعث الموكلون به من ينظر من في الزورق فصاح بالغلام فرجع
اليهم وخرج بغا في البستان الخاقانى فلحقه عدة منهم فوقف لهم وقال أنا بغا ولحقه
وليد المغربى فقال له مالك جعلت فداك فقال إما إن تذهب بى إلى منزل صالح بن وصيف
واما أن تصيروا معى إلى منزلى حتى أحسن اليكم فوكل به وليد المغربى ومر يركض
إلى الجوسق فاستأذن على المعتز فأذن له فقال يا سيدى هذا بغا قد أخذته ووكلت به قال
ويلك جئنى برأسه فرجع وليد فقال للموكلين به تنحوا عنه حتى أبلغه الرسالة فتنحوا
عنه فضربه ضربة على جبهته ورأسه ثم تناهى عليه يديه فقطعهما ثم ضربه حتى صرعه
وذبحه وحمل رأسه في بركة قبائه وأتى به المعتز فوهب له عشرة آلاف دينار وخلع عليه
خلعة ونصب رأسه بسامرا ثم ببغداد ووثبت المغاربة على جثته فأحرقوه بالنار
وبعث المعتز من ساعته إلى أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وأبى نوح فأحضرهم
وأخبرهم وتتبع عبيد الله بن عبدالله بن طاهر بنيه ببغداد وكانوا صاروا إليها هرابا
مع قوم يثقون بهم فاستتروا عندهم * فذكر أنه حبس في قصر الذهب من ولده
وأصحابه خمسة عشر إنسانا وفى المطبق عشرة وقيل إن بغا لما انحدر إلى سامرا
ليلة أخذ شاور أصحابه في الانحدار إليها مكتتما فيصير إلى منزل صالح بن وصيف
وإذا قرب العيد دخل أهل العسكر وخرج هو وصالح بن وصيف وأصحابه فوثبوا
بالمغاربة فوثبوا بالمعتز ( وفيها ) عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مضر
وقنسرين والعواصم في ربيع الاول منها ( وفيها ) عقد بايكباك لاحمد بن طولون
على مصر ( وفيها ) أوقع مفلح وباجور بأهل قم فقتلا منهم مقتلة عظيمة وذلك
في شهر ربيع الاول منها ( وفيها ) مات على بن محمد بن على بن موسى الرضى يوم
الاثنين لاربع بقين من جمادى الآخرة وصلى عليه أبوأحمد بن المتوكل في الشارع
المنسوب إلى أبى أحمد ودفن في داره ( وفيها ) في جمادى الآخرة وافى الاهواز
ـ520ـ
دلف بن عبدالعزيز بن أبى دلف بتوجيه والده عبدالعزيز إياه إليها وجندى سابور
وتستر فجباها مائتى ألف دينار ثم انصرف * وفى شهر رمضان منها شخص نوشرى
إلى مساور الشارى فلقيه وهزمه وقتل من أصحابه جماعة كثيرة ( وحج ) بالناس
في هذه السنة على بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد
* ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث *
فمن ذلك ما كان من دخول مفلح طبرستان ووقعة كانت بينه وبين الحسن بن
زيد الطالبى هزم فيها مفلح الحسن بن زيد فلحق بالديلم ثم دخل مفلح آمل وأحرق
منازل الحسن بن زيد ثم توجه نحو الديلم في طلب الحسن بن زيد ( وفيها ) كانت
وقعة بين يعقوب بن الليث وطوق بن المغلس خارج كرمان أسر فيها يعقوب طوقا
وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن على بن الحسين بن قريش بن شبل كتب إلى
السلطان يخطب كرمان وكان قبل من عمال آل طاهر وكتب يذكر ضعف آل
طاهر وقلة ضبطهم بما اليهم من البلاد وأن يعقوب بن الليث قد غلبهم على
سجستان وتباطأ على السلطان بتوجيه خراج فارس فكتب السلطان اليه بولاية
كرمان وكتب إلى يعقوب بولايتها يلتمس بذلك إغراء كل واحد منهما بصاحبه
ليسقط مؤنة الهالك منهما عنه ويتفرد بمؤنة الآخر إذ كان كل واحد منهما عنده
حزبا له وفى غير طاعته فلما فعل ذلك بهما زحف يعقوب بن الليث من سجستان
يريد كرمان ووجه على بن الحسين طوق بن المغلس وقد بلغه خبر يعقوب
وقصده كرمان في جيش عظيم من فارس فصار طوق بكرمان وسبق يعقوب
اليها فدخلها وأقبل يعقوب من سجستان فصار من كرمان على مرحلة * فحدثنى من
ذكر أنه كان شاهدا أمرهما أن يعقوب بقى مقيما في الموضع الذى أقام به من
كرمان على مرحلة لايرتحل عنه شهرا أو شهرين يتجسس أخبار طوق ويسأل
عن أمره كل من مر به خارجا من كرمان إلى ناحيته ولايدع أحدا يجوز عسكره
من ناحيته إلى كرمان ولايزحف طوق اليه ولا هو إلى طوق فلما طال ذلك من
ـ521ـ
أمرهما كذلك أظهر يعقوب الارتحال عن معسكره إلى ناحية سجستان فارتحل عنه
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 521 سطر 1 الى ص 530 سطر 25
أمرهما كذلك أظهر يعقوب الارتحال عن معسكره إلى ناحية سجستان فارتحل عنه
مرحلة وبلغ طوقا ارتحاله فظن أنه قد بدا له في حربه وترك عليه كرمان وعلى على
ابن الحسين فوضع آلة الحرب وقعد للشرب ودعا بالملاهى ويعقوب في كل ذلك
لايغفل عن البحث عن أخباره فاتصل به وضع طوق آلة الحرب وإقباله على
الشراب واللهو بارتحاله فكر راجعا فطوى المرحلتين اليه في يوم واحد فلم يشعر
طوق وهو في لهوه وشربه في آخر نهاره إلا بغبرة قد ارتفعت من خارج المدينة
التى هو فيها من كرمان فقال لاهل القرية ماهذه الغبرة فقيل له هذه غبرة مواشى
أهل القرية منصرفة إلى أهلها ثم لم يكن إلا كلا ولا حتى وفاه يعقوب في أصحابه
فأحاط به وبأصحابه فذهب أصحاب طوق لما أحيط بهم يريدون المدافعة عن
أنفسهم فقال يعقوب لاصحابه أفرجوا للقوم فأفرجوا لهم فمروا هاربين على
وجوههم وخلوا كل شئ لهم مما كان معهم في معسكرهم وأسر يعقوب طوقا
فحدثنى ابن حماد البربرى أن على بن الحسين لما وجه طوقا حمله صناديق في
بعضها أطوقة وأسورة ليطوق ويسور من أبلى معه من أصحابه وفى بعضها
أموال ليجيز من استحق الجائزة منهم وفى بعضها قيود وأغلال ليقيد بها من أخذ
من أصحاب يعقوب فلما أسر يعقوب طوقا ورؤساء الجيش الذين كانوا معه أمر
بحيازة كل ما كان مع طوق وأصحابه من المال والاثاث والكراع والسلاح فحيز
ذلك كله وجمع إليه فلما أتى الصناديق أتى بها مقفلة فأمر ببعضها أن يفتح ففتح
فإذا فيه القيود والاغلال فقال لطوق ياطوق ما هذه القيود والاغلال قال حملنيها
على بن الحسين لاقيد بها الاسرى وأغلهم بها فقال يا فلان انظر أكبرها وأثقلها
فاجعله في رجلى طوق وغله بغل ثم جعل يفعل مثل ذلك بمن أسر من أصحاب
طوق قال ثم أمر بصناديق أخر ففتحت فاذا فيها أطوقة وأسورة فقال ياطوق
ماهذه قال حملنيها على لاطوق بها وأسور أهل البلاء من أصحابى قال يا فلان
خذ من ذلك طوق كذا وسوار كذا فطوق فلانا وسوره ثم جعل يفعل
ذلك بأصحاب نفسه حتى طوقهم وسورهم ثم جعل يفعل ذلك بالصناديق
ـ522ـ
قال ولما أمر يعقوب بمد يد طوق ليضعها في الغل إذا على ذراعه عصابة فقال
له ما هذا ياطوق قال أصلح الله الامير إنى وجدت حرارة ففصدتها فدعا بعض
من معه فأمره بمد خفه من رجله ففعل ذلك فلما نزعه من رجله تناثر من خفه كسر
خبز يابسة فقال ياطوق هذا خفى لم أنزعه من رجلى منذ شهرين وخبزى في
خفى منه آكل لا أطأ فراشا وأنت جالس في الشرب والملاهى بهذا التدبير أردت
حربى وقتالى فلما فرغ يعقوب بن الليث من أمر طوق دخل كرمان وحازها
وصارت مع سجستان من عمله ( وفيها ) دخل يعقوب بن الليث فارس وأسر
على بن الحسين بن قريش
* ذكر الخبر عن سبب أسره إياه وكيف وصل اليه *
* حدثنى ابن حماد البربرى قال كنت يومئذ بفارس عند على بن الحسين
بن قريش فورد عليه خبر وقعة يعقوب بن الليث بصاحبه طوق بن المغلس
ودخول يعقوب كرمان واستيلائه عليها ورجع اليه الفل فأيقن بإقبال يعقوب
إلى فارس وعلى يومئذ بشيراز من أرض فارس فضم اليه جيشه ورجالة الفل
من عند طوق وغيرهم وأعطاهم السلاح ثم برز من شيراز فصار إلى كر خارج
شيراز بين آخر طرفه عرضا مما يلى أرض شيراز وبين عرض جبل بها من
الفضاء قدر ممر رجل أو دابة لايمكن من ضيقه أن يمر فيه أكثر من رجل واحد
فأقام في ذلك الموضع وضرب عسكره على شط ذلك الكر مما يلى شيراز وأخرج
معه المتسوقة والتجار من مدينة شيراز إلى معسكره وقال إن جاء يعقوب لم
يجد موضعا يجوز الفلاة الينا لانه لا طريق له الا الفضاء الذى بين الجبل والكر
وانما هو قدر ممر رجل اذا أقام عليه رجل واحد منع من يريد أن يجوزه وان
لم يقدر أن يجوز الينا بقى في البر بحيث لاطعام له ولا لاصحابه ولا علف لدوابهم
قال ابن حماد فأقبل يعقوب حتى قرب من الكر فأمر أصحابه بالنزول أول يوم
على نحو من ميل من الكر مما يلى كرمان ثم أقبل هو وحده وبيده رمح عشارى
يقول ابن حماد كأنى أنظر اليه حين أقبل وحده على دابته ما معه إلا رجل واحد
ـ523ـ
فنظر إلى الكر والجبل والطريق وقرب من الكر وتأمل عسكر على بن الحسين
فجعل أصحاب على يشتمونه ويقولون لنردنك إلى شعب المراجل والقماقم ياصفار
وهو ساكت لايرد عليهم شيئا قال فلما تأمل ما أراد من ذلك ورآه انصرف
راجعا إلى أصحابه قال فلما كان من الغد عند الظهر أقبل بأصحابه ورجاله حتى
صار على شط كر مما يلى بر كرمان فأمر أصحابه فنزلوا عن دوابهم وحطوا
أثقالهم قال ثم فتح صندوقا كان معه ( قال ابن حماد ) كأنى أنظر اليهم
وقد أخرجوا كلبا ذئبيا ثم ركبوا دوابهم اعراء وأخذوا رماحهم بأيديهم
قال وقبل ذلك كان قد عبأ على بن الحسين أصحابه فاقامهم صفوفا على الممر
الذى بين الجبل والكر وهم يرون أنه لا سبيل ليعقوب ولا طريق
له يمكنه أن يجوزه غيره قال ثم جاؤا بالكلب فرموا به في الكر ونحن وأصحاب
على ينظرون اليهم يضحكون منهم ومنه قال فلما رموا بالكلب فيه جعل الكلب
يسبح في الماء إلى جانب عسكر على بن الحسين وأقحم أصحاب يعقوب دوابهم
خلف الكلب وبأيديهم رماحهم يسيرون في أثر الكلب فلما رأى على بن الحسين
أن يعقوب قد قطع عامة الكر اليه وإلى أصحابه انتقض عليه تدبيره وتحير
في أمره ولم يلبث أصحاب يعقوب الا أيسر ذلك حتى خرجوا من الكر من وراء
أصحاب على بن الحسين فلم يكن بأسرع من أن خرج أوائلهم منه حتى هرب أصحاب
على يطلبون مدينة شيراز لانهم كانوا يصيرون إذا خرج أصحاب يعقوب من
الكر بين جيش يعقوب وبين الكر ولايجدون ملجأ إن هزموا وانهزم على بن
الحسين بانهزام أصحابه وقد خرج أصحاب يعقوب من الكر فكبت به دابته فسقط
إلى الارض ولحقه بعض السجزية فهم عليه بسيفه ليضربه فبلغ اليه خادم له فقال
الامير فنزل اليه السجزى فوضع في عنقه عمامته ثم جره إلى يعقوب فلما أتى به
أمر بتقييده وأمر بما كان في عسكره من آلة الحرب من السلاح والكراع وغير
ذلك فجمع اليه ثم أقام بموضعه حتى أمسى وهجم عليه الليل ثم رحل من موضعه
ودخل مدينة شيراز ليلا وأصحابه يضربون بالطبول فلم يتحرك في المدينة أحد
ـ524ـ
فلما أصبح أنهب أصحابه دار على بن الحسين ودور أصحابه ثم نظر إلى ما اجتمع في
بيت المال من مال الخراج والضياع فاحتمله ووضع الخراج فجباه ثم شخص منها
متوجها إلى سجستان وحمل معه ابن قريش ومن أسر معه ( وفيها ) وجه يعقوب
ابن الليث إلى المعتز بدواب وبزاة ومسك هدية ( وفيها ) ولى سليمان بن عبدالله
ابن طاهر شرطة بغداد والسواد وذلك لست خلون من شهر ربيع الآخر وكانت
موافاته سامرا من خراسان فيما ذكر يوم الخميس لثمان خلون من شهر ربيع الاول
وصار إلى الايتاخية ثم دخل على المعتز يوم السبت فخلع عليه وانصرف ( وفيها )
كانت وقعة بين مساور الشارى ويارجوخ فهزمه الشارى وانصرف إلى سامرا
مفلولا * ومات المعلى بن أيوب في شهر ربيع الآخر منها ( وفيها ) أخذ صالح
ابن وصيف أحمد بن اسرائيل والحسن بن مخلد وأبا نوح عيسى بن ابراهيم فقيدهم
وطالبهم بأموال وكان سبب ذلك فيما ذكر أن هؤلاء الكتاب الذين ذكرت
كانوا اجتمعوا يوم الاربعاء لليلتين خلتا من جمادى الآخرة من هذه السنة على شراب
لهم يشربونه فلما كان يوم الخميس غد ذلك اليوم ركب ابن اسرائيل في جمع عظيم إلى
دار السلطان التى يقعد فيها وركب ابن مخلد إلى دار قبيحة أم المعتز وهو كاتبها
وحضر أبونوح الدار والمعتز فانتبه قريبا من انتصاف النهار فأذن لهم فحمل
صالح بن وصيف على أحمد بن اسرائيل وقال للمعتز يا أمير المؤمنين ليس للاتراك
عطاء ولافى بيت المال مال وقد ذهب ابن اسرائيل وأصحابه بأموال الدنيا فقال
له أحمد يا عاصى يا ابن العاصى ثم لم يزالا يتراجعان الكلام حتى سقط صالح مغشيا
عليه فرش على وجهه الماء وبلغ ذلك أصحابه وهم على الباب فصاحوا صيحة
واحدة واخترطوا سيوفهم ودخلوا على المعتز مصلتين فلما رأى ذلك المعتز
دخل وتركهم وأخذ صالح بن وصيف ابن اسرائيل وابن مخلد وعيسى بن
ابراهيم فقيدهم وأثقلهم بالحديد وحملهم إلى داره فقال المعتز لصالح قبل أن
يحملهم هب لى أحمد فانه كاتبى وقد ربانى فلم يفعل ذلك صالح ثم ضرب ابن
اسرائيل حتى كسرت أسنانه وبطح ابن مخلد فضرب مائة سوط وكان عيسى بن
ـ525ـ
إبراهيم محتجما فلم يزل يصفع حتى جرت الدماء من محاجمه ثم لم يتركوا حتى أخذت
رقاعهم بمال جليل قسط عليهم وتوجه قوم من الاتراك إلى إسكاف ليأتوا
بجعفر بن محمود فقال المعتز أما جعفر فلا أرب لى فيه ولا يعمل لى فمضوا فبعث
المعتز إلى أبى صالح عبدالله بن محمد بن يزداد المروزى فحمل ليصيره وزيرا وبعث
إلى إسحاق بن منصور فأشخص وبعثت قبيحة إلى صالح بن وصيف في ابن إسرائيل
إما حملته إلى المعتز وإما ركبت إليك فيه ( وقد ذكر ) أن السبب في ذلك كان أن
الاتراك طلبوا أرزاقهم وأنهم جعلوا ذلك سببا لما كان من أمرهم وأن الرسل لم
تزل تختلف بينهم وبين هؤلاء الكتاب إلى أن قال أبونوح لصالح بن وصيف
هذا تدبيرك على الخليفة فغشى على صالح حينئذ مما داخله من الحرد والغيظ حتى
رشوا على وجهه الماء فلما أفاق جرى بين يدى المعتز كلام كثير ثم خرجوا إلى
الصلاة وخلا صالح بالمعتز ثم دعى بالقوم فلم يثبوا إلا قليلا حتى أخرجوا إلى
قبة في الصحن ثم دعى بأبى نوح وابن مخلد فأخذت سيوفهما وقلانسهما ومزقت
ثيابهما ولحقهما ابن إسرائيل فألقى نفسه عليهما فثلث به ثم أخرجوا إلى الدهليز
وحملوا على الدواب والبغال وارتدف خلف كل واحد منهم تركى وبعث بهم
إلى دار صالح على طريق الحير وانصرف صالح بعد ساعة وتفرق الاتراك فانصرفوا
فلما كان بعد ذلك بأيام جعل في رجل كل واحد منهم ثلاثون رطلا وفى عنق كل
واحد منهم عشرون رطلا من حديد وطولبوا بالاموال فلم يجب واحد منهم إلى
شئ ولم ينقطع أمرهم إلى أن دخل رجب فوجهوا في قبض ضياعهم ودورهم
وضياع أسبابهم وأموالهم وسموا الكتاب الخونة فقدم جعفر بن محمود يوم الخميس
لعشر خلون من جمادى الآخرة فولى الامر والنهى ( ولليلتين ) خلتا من رجب
ظهر بالكوفة عيسى بن جعفر وعلى بن زيد الحسنيان فقتلا بها عبدالله بن محمد
ابن داود بن عيسى ( ولثلاث ) بقين من رجب منها خلع المعتز * ولليلتين خلتا من
شعبان أظهر موته وكان سبب خلعه فيما ذكر أن الكتاب الذى ذكرنا أمرهم لما
فعل بهم الاتراك ما فعلوا ولم يقروا لهم بشئ صاروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم
ـ526ـ
وقالوا له أعطنا أرزاقنا حتى نقتل لك صالح بن وصيف فأرسل المعتز إلى أمه
يسألها أن تعطيه مالا ليعطيهم فأرسلت اليه ماعندى شئ فلما رأى الاتراك ومن
بسامرا من الجند أن قد امتنع الكتاب من أن يعطوهم شيئا ولم يجدوا في بيت
المال شيئا والمعتز وأمه قد امتنعا من أن يسمحا لهم بشئ صارت كلمة الاتراك
والفراغنة والمغاربة واحدة فاجتمعوا على خلع المعتز فصاروا اليه لثلاث بقين من
رجب فذكر بعض أسباب السلطان أنه كان في اليوم الذى صاروا اليه عند تحرير
الخادم في دار المعتز فلم يرعه إلا صياح القوم من أهل الكرخ والدور واذا
صالح بن وصيف وبايكباك ومحمد بن بغا المعروف بأبى نصر قد دخلوا في السلاح
فجلسوا على باب المنزل الذى ينزله المعتز ثم بعثوا اليه اخرج الينا فبعث اليهم انى
أخذت الدواء أمس وقد أجفلنى اثنتى عشرة مرة ولا أقدر على الكلام من الضعف
فإن كان أمرا لابد منه فليدخل إلى بعضكم فليعلمنى وهو يرى أن أمره واقف على
حاله فدخل اليه جماعة من أهل الكرخ والدور من خلفاء القواد فجروا برجله
إلى باب الحجرة قال وأحسبهم كانوا قد تناولوه بالضرب ب الدبابيس فخرج وقميصه
مخرق في مواضع وآثار الدم على منكبه فأقاموه في الشمس في الدار في وقت شديد
الحر قال فجعلت أنظر اليه يرفع قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الذى قد
أقيم فيه قال فرأيت بعضهم يلطمه وهو يتقى بيده وجعلوا يقولون اخلعها فأدخلوه
حجرة على باب حجرة المعتز كان موسى بن بغا يسكنها حين كان حاضرا ثم بعثوا إلى ابن
أبى الشوارب فأحضروه مع جماعة من أصحابه فقال له صالح وأصحابه اكتب عليه كتاب
خلع فقال لا أحسنه وكان معه رجل أصبهانى فقال أنا أكتب فكتب وشهدوا عليه
وخرجوا وقال ابن أبى الشوارب لصالح قد شهدوا أن له ولاخته وابنه وأمه
الامان فقال صالح بكفه أى نعم ووكلوا بذلك المجلس وبأمه نساء يحفظنها * فذكر
أن قبيحة كانت اتخذت في الدار التى كانت فيها سربا وأنها احتالت هى وقرب
وأخت المعتز فخرجوا من السرب وكانوا أخذوا عليها الطرق ومنعوا الناس أن
ـ527ـ
يجوزوا من يوم فعلوا بالمعتز ما فعلوا وذلك يوم الاثنين إلى يوم الاربعاء لليلة بقيت
من رجب * فذكر أنه لما خلع دفع إلى من يعذبه ومنع الطعام والشراب ثلاثة
أيام فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه ثم جصصوا سردابا بالجص الثخين ثم أدخلوه
فيه وأطبقوا عليه بابه فأصبح ميتا وكانت وفاته لليلتين خلتا من شعبان من هذه
السنة فلما مات أشهد على موته بنو هاشم والقواد وأنه صحيح لا أثر فيه فدفن مع
المنتصر في ناحية قصر الصوامع فكانت خلافته من يوم بويع له بسامرا إلى أن
خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان عمره كله أربعا وعشرين
سنة وكان أبيض أسود الشعر كثيفه حسن العينين والوجه ضيق الجبين أحمر
الوجنتين حسن الجسم طويلا وكان مولده بسامرا
* خلافة ابن الواثق المهتدى بالله *
وفى يوم الاربعاء لليلة بقيت من رجب من هذه السنة بويع محمد بن الواثق
فسمى بالمهتدى بالله وكان يكنى أبا عبدالله وأمه رومية وكانت تسمى قرب *
وذكر عن بعض من كان شاهدا أمرهم أن محمد بن الواثق لم يقبل بيعة أحد حتى
أتى بالمعتز فخلع نفسه وأخبر عن عجزه عن القيام بما أسند اليه ورغبته في تسليمها
إلى محمد بن الواثق وأن المعتز مد يده فبايع محمد بن الواثق فسموه بالمهتدى ثم
تنحى وبايع خاصة الموالى وكانت نسخة الرقعة بخلع المعتز نفسه ( بسم الله الرحمن
الرحيم ) هذا ما أشهد عليه الشهود المسمون في هذا الكتاب شهدوا أن أبا عبدالله
ابن أمير المؤمنين المتوكل على الله أقر عندهم وأشهدهم على نفسه في صحة من عقله
وجواز من أمره طائعا غير مكره أنه نظر فيما كان تقلده من أمر الخلافة والقيام
بأمور المسلمين فرأى أنه لايصلح لذلك ولا يكمل له وأنه عاجز عن القيام بما
يجب عليه منها ضعيف عن ذلك فأخرج نفسه وتبرأ منها وخلعها من رقبته وخلع
نفسه منها وبرأ كل من كانت له في عنقه بيعة من جميع أوليائه وسائر الناس مما
كان له في رقابهم من البيعة والعهود والمواثيق والايمان بالطلاق والعتاق والصداقة
والحج وسائر الايمان وحللهم من جميع ذلك وجعلهم في سعة منه في الدنيا
ـ528ـ
والآخره بعد أن تبين له أن الصلاح له وللمسلمين في خروجه عن الخلافة والتبرئ
منها وأشهد على نفسه بجميع ماسمى ووصف في هذا الكتاب جميع الشهود المسمين
فيه وجميع من حضر بعد أن قرئ عليه حرفا حرفا فأقر بفهمه ومعرفته جميع ما فيه
طائعا غير مكره وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة 255 فوقع المعتز
في ذلك أقر أ بوعبدالله بجميع مافى هذا الكتاب وكتب بخطه وكتب الشهود
شهاداتهم شهد الحسن بن محمد ومحمد بن يحيى وأحمد بن جناب ويحيى بن زكريا بن
أبى يعقوب الاصبهانى وعبدالله بن محمد العامرى وأحمد بن الفضل بن يحيى وحماد
ابن إسحاق وعبدالله بن محمد وإبراهيم بن محمد وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من
رجب سنة 255 وفى سلخ رجب من هذه السنة كان ببغداد شغب ووثوب العامة
بسليمان بن عبدالله بن طاهر
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ماآل الامر إليه *
وكان السبب في ذلك أن الكتاب من محمد بن الواثق ورد يم الخميس سلخ
رجب على سليمان ببغداد ببيعة الناس له وبها أبوأحمد بن المتوكل وكان أخوه المعتز
سيره إلى البصرة حين سخط على أخيه من أمه المؤيد فلما وقعت العصبية بالبصرة
نقله إلى بغداد فكان مقيما بها فبعث سليمان بن عبدالله بن طاهر واليه الشرطة
يومئذ ببغداد فأحضره داره وسمع من ببغداد من الجند والغوغاء بأمر المعتز
وابن الواثق فاجتمعوا إلى باب سليمان وضجوا هنالك ثم انصرفوا على أنه قيل
لهم لم يرد علينا من الخبر مانعلم به ما عمل به القوم فغدوا يوم الجمعة على ذلك من
الصياح والقول الذى كان قيل لهم يوم الخميس وصلى الناس في المسجدين ودعى
فيهما للمعتز فلما كان يوم السبت غدا القوم فهجموا على دار سليمان وهتفوا باسم
أبى أحمد ودعوا إلى بيعته وخلصوا إلى سليمان في داره وسألوه أن يريهم أبا أحمد
ابن المتوكل فأظهره لهم ووعدهم المصير إلى محبتهم إن تأخر عنهم ما يحبون فانصرفوا
عنه بعد أن أكدوا عليه في حفظه وقدم يارجوخ فنزل البردان ومعه ثلاثون
ألف دينار لاعطاء الجند ممن بمدينة السلام ثم صار إلى الشماسية ثم غدا
ـ529ـ
ليدخل بغداد فبلغ الناس الخبر فضجوا وتبادروا بالخروج إليه وبلغ يارجوخ
الخبر فرجع إلى البردان فأقام بها وكتب إلى السلطان واختلفت الكتب حتى وجه
إلى أهل بغداد بمال رضوا به ووقعت بيعة الخاصة ببغداد للمهتدى يوم الخميس
لسبع ليال خلون من شعبان ودعى له يوم الجمعة لثمان خلون من شهر شعبان بعد
أن كانت ببغداد فتنة قتل فيها وغرق في دجلة قوم وجرح آخرون لان سليمان
كان يحفظ داره قوم من الطبرية بالسلاح فحاربهم أهل بغداد في شارع دجلة
وعلى الجسر ثم استقام الامر بعد ذلك وسكنوا * وفى شهر رمضان من هذه
السنة ظهرت قبيحة للاتراك ودلتهم على الاموال التى عندها والذخائر والجوهر
وذلك أنها فيما ذكر قد قدرت الفتك بصالح وواطأت على ذلك النفر من الكتاب
الذين أوقع بهم صالح فلما أوقع بهم صالح وعلمت أنهم لم يطووا عن صالح شيئا
من الخبر بسبب مانالهم من العذاب أيقنت بالهلاك فعملت في التخلص فأخرجت
ما في الخزائن داخل الجوسق من الاموال والجواهر وفاخر المتاع فأودعت ذلك
كله مع ما كانت أودعت قبل ذلك مما هو في هذا المعنى ثم لم تأمن المعالجة إلى
مانزل بها وبابنها فاحتالت للهرب وجها فحفرت سربا من داخل القصر من حجرة
لها خاصة ينفذ إلى موضع يفوت التفتيش فلما علمت بالحادثة بادرت من غير
تلبث ولاتلوم حتى صارت في ذلك السرب ثم خرجت من القصر فلما فرغ
الذين شغبوا في أمر ابنها مما أرادوا احكامه فصاروا إلى طلبها غير شاكين
في القدرة عليها وجدوا القصر منها خاليا وأمرها عنهم مستترا ولايقفون منه
على شئ ولا ما يؤديهم إلى معرفته حتى وقفوا على السرب فعلموا حينئذ انهم
منه أتوا فسلكوه وانتهوا إلى موضع لايوقف منه على خبر ولا أثر فأيقنوا
بالفوت ثم رجموا الظنون فلم يجدوا لها معقلا أعز ولا أمنع إن هى لجأت اليه
من حبيب حرة موسى بن بغا التى تزوجها من جوارى المتوكل فأحالوا على تلك
الناحية وكرهوا التعرض لشئ من أسبابها ووضعوا العيون والارصاد عليها
وأظهروا التوعد لمن وقفوا على معرفته بأمرها ثم لم يظهرهم عليها فلم يزل الامر
( 34 7 )
ـ530ـ
منطويا عنهم حتى ظهرت في شهر رمضان وصارت إلى صالح بن وصيف
ووسطت بينها وبين صالح العطارة وكانت تثق بها وكانت لها أموال ببغداد
فكتبت في حملها فاستخرج وحمل منها إلى سامرا * فذكر أنه وافى سامرا يوم الثلاثاء
لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من هذه السنة قدر خمسمائة ألف دينار
ووقعوا لها على خزائن ببغداد فوجه في حملها فاستخرج وحمل منها فحمل إلى السلطان
من ذلك متاع كثير وأحيل من ببغداد من الجند والشاكرية المرتزقة بمال عظيم
عليه ولم تزل تباع تلك الخزائن متصلا ببغداد وسامرا عدة شهور حتى نفدت
ولم تزل قبيحة مقيمة إلى أن شخص الناس إلى مكة في هذه السنة فسيرت اليها
مع رجاء الربابى ووحش مولى المهتدى فذكر عمن سمعها في طريقها وهى تدعو الله
على صالح بن وصيف بصوت عال اللهم اخز صالح بن وصيف كما هتك سترى وقتل
ولدى وبدد شملى وأخذ مالى وغربنى عن بلدى وركب الفاحشة منى فانصرف الناس
عن الموسم واحتبست بمكة * وذكر أن الاتراك لما تحركوا وثاروا بالمعتز أرسلوا اليه
يطلبون منه خمسين ألف دينار على أن يقتلوا صالحا ويستوى لهم الامر فأرسل
إلى أمه يعلمها اضطرابهم عليه وأنه خائف على نفسه منهم فقالت ما عندى مال وقد
وردت لنا سفاتج فلينتظروا حتى نقبض ونعطيهم فلما قتل المعتز أرسل صالح إلى
رجل جوهرى قال الرجل فدخلت إليه وعنده أحمد بن خاقان فقال ويحك هوذا
ترى ما أنا فيه وكان صالح قد أخافوه وطالبوه بالمال ولم يكن عنده شئ فقال لى
قد بلغنى أن لقبيحة خزانة في موضع يرشدك إليه هذا الرجل وإذا رجل بين يديه
فامض ومعك أحمد بن خاقان فإن أصبتم شيئا فأثبته عندك وسلمه إلى أحمد بن
خاقان وصر إلى معه قال فمضيت إلى الصفوف بحضرة المسجد الجامع فجاء بنا ذلك
الرجل إلى دار صغيرة معمورة نظيفة فدخلناها ففتشنا كل موضع فيها فلم نجد شيئا
وجعل ذلك يغلظ على أحمد بن خاقان وهو يتهدد الرجل ويتوعده ويغلظ له وأخذ
الرجل فأسا فجعل ينقر به الحيطان يطلب موضعا قد ستر فيه المال فلم يزل كذلك
حتى وقع الفأس على مكان في الحائط استدل بصوته على أن فيه شيئا فهدمه وإذا
ـ531ـ
من ورائه باب ففتحناه ودخلنا اليه فأدانا إلى سرب وصرنا إلى دار تحت الدار
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 531 سطر 1 الى ص 540 سطر 26
من ورائه باب ففتحناه ودخلنا اليه فأدانا إلى سرب وصرنا إلى دار تحت الدار
التى دخلناها على بنائها وقسمتها فوجدنا من المال على رفوف في اسفاط زهاء
ألف ألف دينار فأخذ أحمد منها ومن كان معه قدر ثلثمائة ألف دينار ووجدنا
ثلاثة أسفاط سفطا فيه مقدار مكوك زمرد إلا أنه من الزمرد الذى لم أر
للمتوكل مثله ولا لغيره وسفطا دونه فيه نصف مكوك حب لم أر والله للمتوكل
ولا لغيره مثله وسفطا دونه فيه مقدار كليجة ياقوت أحمر لم أر مثله ولا
ظننت أن مثله يكون في الدنيا فقومت الجميع على البيع فكانت قيمته ألفى ألف
دينار فحملناه كله إلى صالح فلما رآه جعل لايصدق ولايوقن حتى أحضر بحضرته
ووقف عليه فقال عند ذلك فعل الله بها وفعل عرضت ابنها للقتل في مقدار
خمسين ألف دينار وعندها مثل هذا في خزانة واحدة من خزائنها ( وكانت ) أم
محمد بن الواثق توفيت قبل أن يبايع وكانت تحت المستعين فلما قتل المستعين صيرها
المعتز في قصر الرصافة الذى فيه الحرم فلما ولى الخلافة المهتدى قال يوما لجماعة من
الموالى أما أنا فليس لى أم أحتاج لها إلى غلة عشرة آلاف ألف في كل سنة لجواريها
وخدمها والمتصلين بها وما أريد لنفسى وولدى إلا القوت وما أريد فضلا إلا لاخوتى
فإن الضيقة قد مستهم ( ولثلاث ) بقين من رمضان من هذه السنة قتل أحمد بن إسرائيل
وأبونوح
* ذكر الخبر عن صفة القتلة التى قتلا بها *
فأما السبب الذى أداهما إلى القتل فقد ذكرناه قبل وأما القتلة التى قتلا
بها فإنه ذكر أن صالح بن وصيف لما استصفى أموالهما ومال الحسن بن
مخلد وعذبهم بالضرب والقيد وقرب كوانين الفحم في شدة الحر منهم
ومنعهم كل راحة وهم في يده على حالهم ونسبهم إلى أمور عظام من الخيانة
والقصد لذل السلطان والحرص على دوام الفتن والسعى في شق عصا المسلمين فلم
يعارضه المهتدى في شئ من أمورهم ولم يوافقه على شئ أنكره من فعله بهم ثم
وجه اليهم الحسن بن سليمان الدوشابى في شهر رمضان ليتولى استخراج شئ ان
كان زوى عنه من أموالهم قال فأخرج إلى أحمد بن اسرائيل فقلت له يافاجر تظن
ـ532ـ
أن الله يمهلك وان أمير المؤمنين لايستحل قتلك وأنت السبب في الفتن والشريك
في الدماء مع عظيم الخيانة وفساد النية والطوية إن في أقل من هذا ما تستوجب
به المثلة كما استوجب من كان قبلك والقتل في العاجلة والعذاب والخزى في الآجلة
ان لم تسعد من الله بعفو وامهال ومن إمامك بصفح واحتمال فاستر نفسك من
نزول ما تستحق بالصدق عما عندك من المال فانك ان تفعل ويوقف على صدقك
تسلم بنفسك * قال فذكر أنه لاشئ عنده ولاترك له إلى هذا الوقت مال ولا
عقدة * قال فدعوت بالمقارع وأمرت أن يقام في الشمس وأرعدت وأبرقت
وإن كاد ليفوتنى الظفر منه بشئ من صرامة ورجلة حتى أومى إلى قدر تسعة
عشر ألف دينار فأخذت رقعته بها * قال ثم أحضرت أبا نوح عيسى بن ابراهيم
فقلت له مثل الذى قلت لاحمد أو نحوه وزدت في ذلك بأن قلت وأنت مع هذا
مقيم على دينك النصرانية مرتكب فروج المسلمات تشفيا من الاسلام وأهله
ولا دلالة أدل على ذلك ممن لم يزل في منزلك على حال النصرانية من أهل وولد
ومن كان ذا عقده فقد أباح الله دمه * قال فلم يجب إلى شئ وأظهر ضعفا وفقرا
* قال وأما الحسن بن مخلد فأخرجته فلما خاطبته خاطبت رجلا موضعا رخوا قال
فبكته بما ظهر منه وقلت من كان له الراضة بين يديه اذا سار على الشهارى وقدر
ما قدرت وأراد ما أردت لم يكن موضعا رطبا ولا مخنثا رخوا * قال ولم أزل به
حتى كتب رقعة بجوهر قيمته نيف وثلاثون ألف دينار قال وردوا جميعا إلى
موضعهم وانصرفت فكانت مناظرة الحسن بن سليمان الدوشابى لهم آخر مناظرة
كانت معهم ولم يناظروا أيام المهتدى فيما بلغنى مناظرة غيرها * فلما كان يوم
الخميس لثلاث بقين من شهر رمضان أخرج أحمد بن اسرائيل وأبونوح عيسى بن
ابراهيم إلى باب العامة فقعد صالح بن وصيف في الدار ووكل بضربهما حماد بن
محمد بن حماد بن دنقش فأقام أحمد بن اسرائيل وابن دنقش يقول أوجع وكان كل
جلاد يضربه سوطين ويتنحى حتى وفوه خمسمائة سوط ثم أقاموا أبا نوح أيضا
فضرب خمسمائة سوط ضرب التلف ثم حملا على بغلين من بغال السقائين على
ـ533ـ
بطونهما منكسة رؤسهما ظاهرة ظهورهما للناس فاما أحمد فحين بلغ خشبة بابك
مات وحين وصلوا بأبى نوح مات فدفن احمد بين الحائطين ويقال إن أبا نوح
مات من يومه في حبس السرخسى خليفة طلمجور على شرط الخاصة وبقى الحسن
ابن مخلد في الحبس * وذكر عن بعض من حضر أنه قال لقد رأيت حماد بن محمد
ابن حماد دنقش وهو يقول للجلادين أنفسكم يابنى الفاعلة لايكنى ويقول أوجعوا
وغيروا السياط وبدلوا الرجال واحمد بن اسرائيل وعيسى يستغيثان فذكر أن المهتدى
لما بلغه ذلك قال أما عقوبة إلا السوط أو القتل أما يقوم مقام هذا شئ أما يكفى
إنا لله وإنا إليه راجعون يقول ذلك ويسترجع مرارا * وذكر عن الحسن بن مخلد
أنه قال لم يكن الامر فينا عند صالح إذا لم يحضره عبدالله بن محمد بن يزداد على
ما كان يكون عليه من الغلظة إذا حضر قال وكان يقول لصالح اضرب وعذب
فان الاصلح من وراء ذلك القتل فانهم إن أفلتوا لم تؤمن بوائقهم في الاعقاب
فضلا عن الواترين ويذكره قبيح ما بلغه عنهم وكان يسر بذلك قال وكان داود
ابن العباس الطوسى يحضرنا عند صالح فيقول وما هؤلاء أعزك الله فبلغ منك
الغضب بسببهم هذا المبلغ فنظنه يرفقه علينا حتى يقول على إنى والله أعلم أنهم إن تخلصوا
تخلص منهم شر كبير وفساد في الاسلام عظيم فينصرف وقد أفتاه بقتلنا وأشار عليه
بإهلاكنا فيزداد برأيه وما قال له علينا غيظا وإلى الاساءة بنا أنسا فسئل بعض من
كان يخبر أمرهم كيف نجا الحسن بن مخلد مما صلى به صاحباه فقال بخصلتين احداهما
أنه صدقه عن الخبر في أول وهلة وأوجده الدلائل على ماقاله له أنه حق وقد كان
وعده العفو إن صدقه وحلف له على ذلك والاخرى أن أمير المؤمنين كلمه فيه
وأعلمه حرمة أهله به وأومأ إلى محبته لاصلاح شأنه فرده عن عظيم المكروه فيه
وقد كنت أرى أنه لو طالت لصالح مدة وهو في يده أطلقه واصطنعه ولم يكن
صالح بن وصيف اقتصر في أمر الكتاب على أخذ أموالهم وأموال أولادهم حتى
أخاف أسبابهم وقراباتهم بأخذ أموالهم وتخطى إلى المتصلين بهم ( ولثلاث )
عشرة خلت من شهر رمضان منها فتح السجن ببغداد ووثبت الشاكرية والنائبة
ـ534ـ
ببغداد من جندها بمحمد بن أوس البلخى
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما آل الامر اليه فيه *
ذكر أن السبب في ذلك كان أن محمد بن أوس قدم بغداد مع سليمان بن عبدالله
ابن طاهر وهو على الجيش القادمين من خراسان مع سليمان و الصعاليك
الذين تألفهم سليمان بالرى ولم يكن أسماؤهم في ديوان السلطان بالعراق ولا أمر
سليمان فيهم بشئ وكانت السنة فيهم أن يقام لمن قدم معه من خراسان بالعراق
حسب ما يقام بخراسان لنظرائهم من مال ضياع ورثة ذى اليمينين ويكتب بذلك
إلى خراسان ليعارض الورثة هناك من مال العامة بدل ما كان دفع من مالهم
بالعراق فلما قدم سليمان بن عبدالله العراق وجد بيت مال الورثة فارغا وعبيد الله
ابن عبدالله بن طاهر قد تقدم عند ما صح عنده من الخبر بتصيير الامر فيما كان
يتولاه إلى أخيه سليمان بن عبدالله فأخذ ما كان حاصلا لورثة أبيه وجده
في بيت مالهم واستسلف على مالم يرتفع وتعجل من المتقبلين أموال نجوم لم تحل
حتى استنظف ذلك أجمع وشخص فأقام بالجويث في شرقى دجلة ثم عبر حتى صار
في غربيها فضاقت بسليمان الدنيا وتحرك الشاكرية والجند في طلب الارزاق
وكتب سليمان إلى أبى عبدالله المعتز بذلك وقدر أموالهم وأدخل في المال تقدير
القادمين معه ووجه محمد بن عيسى بن عبدالرحمن الكاتب الخراسانى كاتبه في ذلك
فأجيب بعد مناظرات إلى أن سبب له على عمال السواد مال صودر عليه لطمع
من بمدينة السلام وشحن السواد لايقوم بما يجب للنائبة فضلا عن القادمين مع
النائبة فلم يتهيأ لسليمان الوصول إلى شئ من المال وقدم ابن أوس و الصعاليك
وأصحابه فقصر المال عنه وعمن كان يقدر وصوله اليه من النائبة فوقفوا على
ذلك وعلى السبب المضر بهم فيه وكان القادمون مع سليمان من الصعاليك وغيرهم
لما قدموا بغداد أساءوا المجاورة لاهلها وجاهروا بالفاحشة وتعرضوا للحرم
والعبيد والغلمان وعادوهم لمكانهم من السلطان حتى امتلاوا عليهم غيظا وحنقا وقد
كان سليمان بن عبدالله وجر على الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب بن
ـ535ـ
رزيق لمكانه كان من عبيد الله بن عبدالله ونصرته له وكفايته إياه وانصرافه
عن سليمان وأسبابه فلما انصرف الحسين بن إسماعيل إلى بغداد بعقب ما كان
يتولاه لعبيد الله من أمر الجند والشاكرية فحبس كاتبه في المطبق وحاجبه في سجن
باب الشأم ووكل بباب الحسين بن إسماعيل جندا من قبل إبراهيم بن إسحاق بن
إبراهيم لان سليمان ولى إبراهيم ما كان الحسين بن إسماعيل يتولاه لعبيد الله من
أمر جسرى بغداد وطساسيج قطربل ومسكن والانبار فلما حدث ما حدث من
بيعة المهتدى وشغب الجند والشاكرية بمدينة السلام ووقعت الحرب في تلك
الايام شد محمد بن أوس على رجل من المراوزة كان من الشيعة فضربه في دار
سليمان ثلثمائة سوط ضربا مبرحا وحبسه بباب الشأم وكان هذا الرجل من خاصة
الحسين بن اسماعيل فلما حدث هذا الحادث احتيج إلى الحسين بن اسماعيل لفضل
جلده واقدامه فنحى من كان ببابه موكلا فظهر فتراجع اليه أصحابه من غير أمر
وقد كانوا فرقوا على القواد وضم منهم جمع كبير إلى محمد بن أبى عوز القائد فذكر
أن المضمومين إلى ابن أبى عون لما صاروا إلى بابه فرق فيهم من ماله للراجل
عشرة دراهم وللفارس دينارا فلما رجعوا إلى الحسين رفع ابن أبى عون بذكر
ذلك فلم يخرج في ذلك تعيين ولا أمر فلم يزل الحال على هذا والجند والشاكرية
يصيحون في طلب مال البيعة وما بقى لهم من مال الطمع المتقدم وقد رد أمرهم
في تقسيط مالهم وقبضهم إلى الحسين على ما كان الامر عليه أيام عبيد الله بن عبدالله
ابن طاهر وكان الحسين لايزال يلقى اليهم ما عليه محمد بن أوس ومن قدم مع
سليمان من القصد لاخذ أموالهم والفوز بها دونهم حتى امتلات قلوبهم فلما كان
يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان اجتمع جماعة من الجند
والشاكرية ومعهم جماعة من العامة حتى صاروا إلى سجن باب الشأم ليلا
فكسروا بابه وأطلقوا في تلك الليلة أكثر من كان فيه ولم يبق فيه من أصحاب
الجرائم أحد الا الضعيف والمريض والمثقل فكان ممن خرج في تلك الليلة
نفر من أهل بيت مساور بن عبدالحميد الشارى وخرج معهم المروزى مضروب محمد
ـ536ـ
ابن أوس وجماعة ممن قد لزم السلطان إلى أن صاروا إلى قبضته زهاء خمسين ألف ألف
وأصبح الناس في يوم الجمعة وباب الحبس مفتوح فمن قدر أن يمشى مشى ومن لم
يقدر أكترى له مايركبه وما يمنع من ذلك مانع ولا يدفع دافع فكان ذلك من
أقوى الامور التى بعثت الخاصة والعامة على دفع الهينة بينهم وبين سليمان بن
عبدالله وسد باب السجن بباب الشأم بآجر وطين ولم يعلم أنه كان لابراهيم
ابن إسحاق في هذه الليلة ولا لاحد من أصحابه حركة أصلا فتحدث الناس أن الذى
جنى على سجن باب الشأم بمكان المروزى الذى ضربه ابن أوس فيه حتى يخلص
ثم لم يمض بعد ذلك خمسة أيام حتى نافر ابن أوس الحسين بن إسماعيل في أمره
مال النائبة أراده محمد بن أوس لاصحابه ومنعه الحسين وتجاريا في ذلك كلاما غلظ
بينهما فخرج محمد متنكرا فلما كان الغد من ذلك اليوم غدا محمد بن أوس إلى دار
سليمان وغدا الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال مولى طاهر وحضر الناس
باب سليمان وكان بين من حضر من أصحاب ابن أوس وبين النائبة محادثة علت
فيها الاصوات فتبادر أصحاب أوس والقادمون إلى الجزيرة وعبر إليهم
ابن أوس وولده وتصايح الناس بالسلاح وخرج الحسين بن إسماعيل والشاه بن
ميكال والمظفر بن سيسل في أصحابهم وصاح الناس بالعامة من أراد النهب فليلحق
بنا فقيل إنه عبر الجسرين من العامة في ذلك الوقت مائة ألف إنسان في الزواريق
وتوافى الجند والشاكرية بالسلاح فوافى أوائل الناس الجزيرة فلم يكن إلا قدر
اللحظة حتى حمل رجل من أهل سرخس على الكبير من ولده محمد بن أوس وطعنه
فأرداه عن شهرى كان تحته ثم أخذته السيوف فانهزم عنه أصحابه فلم يعمل أحد
منهم شيئا وسلب الجريح وحمل في زورق حتى عبر به إلى دار سليمان بن عبدالله
ابن طاهر فألقى هناك * فذكر بعض من حضر سليمان أنه لما رآه اغرورقت
عيناه من الدمع ومهد له وأحضر له الاطباء ومضى ابن أوس من وجهه إلى
منزله وكان ينزل في دار لآل أحمد بن صالح بن شيرزاد بالدور مما يلى قصر جعفر
ابن يحيى بن خالد بن برمك وجد أهل بغداد في آثارهم والقواد معهم حتى تلقوهم
ـ537ـ
فكانت بينهم وقعة بالدور أولها في آخر الساعة الثانية وآخرها في أول الساعة
السابعة فلم يزالوا يتراشقون بالنشاب ويتطاعنون بالرماح ويتخاطبون بالسيوف
وأعان ابن أوس جيرانه من أهل سويقة قطوطا وأصحاب الزواريق من ملاحى الدور
واشتدت الحرب ووجه أهل بغداد يطلبون نفاطين من دار سليمان فذكروا أن
حاجبه دخل فأعلمه ذلك فأمر بمنعهم منه وقاتل ابن أوس بنفسه قتالا شديدا فناله
جراح من سهام وطعن فانهزم وأصحابه وقد كان أخرج حرمه من داره فلم يزل
أهل بغداد يتبعونهم حتى أخرجوهم من باب الشماسية ووصل الناس إلى منزل ابن
أوس فانتهبوا جميع ما كان فيه فذكر أنه انتهب له بقيمة ألفى ألف درهم والمقلل يقول
ألف ألف وخمسين ألف وأنه انتهب له زهاء مائة سراويل مبطن بسمور سوى ما كان
مبطنا بغيره من الوبر مما يشاكل ذلك وانتهب له من الفرش الطبرى الخام والمقصور
والمدرج والمقطوع ما يكون قيمته ألف ألف درهم وانصرف الناس فجعل الجند
يدخلون دار سليمان وهم يكثرون ومعهم النهب وهم يصيحون ومالهم مانع ولا
زاجر وأقام ابن أوس ليلته تلك بالشماسية مع من لحق به من أصحابه وقد كان أهل
بغداد وثبوا بمنازل الصعاليك التى كانوا فيها سكانا فنهبوها وتعرضوا لمن كان
تخلف منهم فتلاحق القوم هرابا ولم يبق منهم في اليوم الثانى ببغداد أحد ظاهرا *
فذكر أن سليمان وجه تلك الليلة إلى ابن أوس ثيابا وفرشا وطعاما فيقال إن
محمدا قبله وقيل إنه رده وأصبح الناس في اليوم الثانى وغدا الحسين بن اسماعيل
والمظفر بن سيسل إلى دار الشاه بن ميكال ولحق به وجوه الشاكرية والنائبة
وغيرهم فأقاموا هناك مراغمين سليمان بن عبدالله بن طاهر وخلت دار سليمان
فلم يحظرها إلا جمعية فبعث إليهم سليمان مع محمد بن نصر بن حمزة بن مالك
الخزاعى وهو لايعلم ما عليه عقد القوم يعلمهم قبح ماركبوا من محمد بن أوس وما
يجب لمحمد بحرمته وقديمه وانهم لو أنهوا اليه ما أنكروا منه لتقدم في ذلك بما
يكفيهم معه الحال التى ركبوها فضج الشاكرية الذى حضروا دار الشاه جميعا
وقالوا لا نرضى بمجاوزة ابن أوس ولا بمجاورة أحد من أصحابه ولا من الصعاليك
ـ538ـ
المنضمين اليه وأنهم إن أكرهوا على ذلك تعاقدوا مباينته وخلع من يسومهم إياه
وأحال الشاه بن ميكال والحسين بن اسماعيل والمظفر بن سيسل على كراهة القوم
فرجع الرسول بذلك إلى سليمان فرده بكلام دون ذلك ووعدهم وقال أنا
أثق بقولكم وضمانكم دون أيمانكم وعهودكم ثم استوى جالسا وذكر أنه لم يزل
مستثقلا محمد بن أوس ومن لحق به من الصعاليك وغيرهم عارفا بسوء رغبتهم
ورداءة مذاهبهم وبسوم محمد بن أوس في نفسه خاصة ومحبته وشروعه في كل
ما دعا إلى خلاف وفرقة وأسبغ هذا المعنى وكثر فيه حتى خرج به إلى الاغراق
فيه إلى أن قال لقد كنت أدخل في قنوتى في الصلاة طلب الراحة من ابن أوس
ثم التفت إلى محمد بن على بن طاهر فأمره بالمصير إلى ابن أوس والتقدم اليه في
العزم على الانصراف إلى خراسان وأن يعلمه أنه لاسبيل له إلى الرجوع إلى
مدينة السلام ولا إلى تولى شئ من الامور التى يتولاها لسليمان فلما تناهى الخبر
إلى ابن أوس رحل من الشماسية فصار في رقة البردان على دجلة فأقام بها أياما
حتى اجتمع اليه من تفرق من أصحابه ثم رحل فنزل النهروان فلم يزل بها مقيما
وقد كان كتب إلى بايكباك وصالح بن وصيف يعرض عليهما نفسه ويشكو
اليهما ما نزل به فلم يجد عندهما شيئا مما قصد وقد كان محمد بن عيسى بن عبدالرحمن
مقيما بسامرا لينجز أمور سليمان وكان كارها لابن أوس منحرفا عنه وكان ابن
أوس مضطرب الامر لسوء محضر محمد بن عيسى الكاتب فلما انقطعت عن ابن
أوس وأصحابه المادة تعبثوا بأهل القرى والسابلة وأكثروا الغارات والنهب
ورحل حتى نزل النهروان * فذكر عن بعض من قصدوه لينتهبوه فذكرهم
المعاد وخوفهم الله أنهم ردوا عليه ان قالوا له ان كان النهب والقتل جائزا في
مدينة السلام وهى قبة الاسلام ودار عز السلطان فما استنكار ذلك في الصحارى
والبرارى ثم رحل ابن أوس عن النهروان بعد أن أثر في تلك الناحية آثارا قبيحة
وأخذ أهل البلاد بأداء الاموال وحمل منها الطعام في السفن في بطن النهروان
إلى إسكاف بنى جنيد لبيعه هناك وكان محمد بن المظفر بن سيسل بالمدائن فلما بلغه
ـ539ـ
مصير ابن أوس إلى النهروان صير اقامته ب النعمانية من عمل الزوابى خوفا على
نفسه منه لحضور أبيه كان في يوم الوقعة * فذكر عن محمد بن نصر بن منصور
ابن بسام وعبرتا ضيعته أن وكيله انصرف عنها هاربا بعد أن أدى إلى ابن أوس
تحت العذاب وخوف الموت قريبا من ألف وخمسمائة دينار ولم يزل ابن أوس
مقيما هناك يقرب ويباعد ويقبض ويبسط ويشتد ويلين ويرهب حتى أتاه كتاب
بايكباك بولاية طريق خراسان من قبله فكان من وقت خروجه من مدينة السلام
إلى وقت ورود الكتاب عليه بالولاية شهران وخمسة عشر يوما * وذكر عن
بعض ولد عاصم بن يونس العجلى أن أباه كان يتولى ضياعا للنوشرى بناحية طريق
خراسان وأنه كتب إلى النوشرى يذكر ما عاين من قوة عسكر ابن أوس وظاهر
عدتهم ويشير بأن يذكر ذلك لبايكباك ويصف خلاء طريق خراسان من سلطان
يتولاه ويحوط أهله وأن هذا عسكر مشحن بالرجال والعدة والعتاد مقيم في
العمل وأن النوشرى ذكر ذلك لبايكباك وأشار عليه بتوليته طريق خراسان
وتخفيف المؤنة عن السلطان فقبل ما أشار به عليه وأمر بكتبه فكتبت وولى
طريق خراسان في ذى القعدة من هذه السنة وهى سنة 255 وكان موسى خليفة
مساور بن عبدالحميد الشارى مقيما بالدسكرة ونواحيها في زهاء ثلثمائة رجل قد
ولاه مساور مابين حلوان إلى السوس على طريق خراسان وبطن جوخى وما قرب
ذلك من طساسيج السواد ( وفيها ) أمر المهتدى بإخراج القيان والمغنين و المغنيات
من سامرا ونفيهم منها إلى بغداد بعد أمر كان قد تقدم من قبيحة في ذلك قبل أن
ينزل بابنها مانزل وأمر بقتل التى كانت في دار السلطان وطرد الكلاب وإبطال
الملاهى ورد المظالم وجلس لذلك للعامة وكانت ولايته والدنيا كلها من أرض الاسلام
مفتونة ( وفيها ) شخص موسى بن بغا ومن معه من الموالى وجند السلطان من الرى
وانصرف مفلح عن طبرستان بعد أن دخلها وهزم الحسن بن زيد وأخرجه
عنها إلى أرض الديلم
ـ540ـ
* ذكر الخبر عن شخوصه عنها *
ذكر أن السبب في ذلك أن قبيحة أم المعتز لما رأت من الاتراك اضطرابا
وأنكرت أمرهم كتبت إلى موسى بن بغا تسأله القدوم إلى ما قبلها وأملت وروده
عليها قبل حدوث ماحدث عليها وعلى ابنها المعتز فعزم موسى على الانصراف
إليها وكان ورود كتابها عليه ومفلح بطبرستان وكتب موسى إلى مفلح يأمره
بالانصراف اليها وهو بالرى فحدثنى بعض أصحابنا من أهل طبرستان أن كتاب
موسى ورد على مفلح بذلك وقد توجه نحو أرض الديلم في طلب الحسن بن زيد
الطالبى فلما ورد عليه الكتاب انصرف راجعا إلى حيث توجه منه فعظم ذلك على
قوم كانوا معه من رؤساء أهل طبرستان ممن كان هاربا قبل مقدم مفلح عليهم من
الحسن بن زيد لما كانوا قد رجعوا من مقدمه عليهم وكفايتهم أمر الحسن بن زيد
والرجوع إلى منازلهم وأوطانهم وذلك أن مفلحا كان يعدهم اتباع الحسن بن زيد
حيث توجه حتى يظفر به أو يخترم دونه ويقول لهم فيما ذكر لى لو رميت قلنسوتى
في أرض الديلم ما اجترأ أحد منهم أن يدنو لهم فلما رأى القوم انصرافه عن
الوجه الذى توجه له من غير عسكر للحسن بن زيد ولا أحد من الديلم صده سألوه
فيما ذكر لى عن السبب الذى صرفه عما كان يعدهم به من اتباع ابن زيد فجعلوا
يكلمونه فيما أخبرت وهو كالمسبوت لايجيبهم بشئ فلما أكثروا عليه قال لهم
ورد على كتاب الامير موسى بعزمة منه ألا أضع كتابه من يدى بعد ما يصل إلى
حتى أقبل اليه وأتا مغموم بأمركم ولكن لاسبيل إلى مخالفة الامير فلم يتهيأ لموسى
الشخوص من الرى إلى سامرا حتى وافاه الكتاب بهلاك المعتز وقيام المهتدى
بعده بالامر ففثأه ذلك عما كان عزم عليه من الشخوص لفوته ماقدر ادراكه من
أمر المعتز ولما ورد عليه بيعة المهتدى امتنع أصحابه عليه من بيعته ثم بايعوا فورد
خبر بيعتهم سامرا لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان من هذه السنة ثم إن
الموالى الذين في عسكر موسى بلغهم ما استخرج صالح بن وصيف من أموال
الكتاب وأسباب المعتز والمتوكل فشحوا بذلك على المقيمين بسامرا فدعوا موسى
إلى الانصراف بهم إلى سامرا وقدم مفلح على موسى بالرى تاركا طبرستان على
ـ541ـ
الحسن بن زيد * فذكر عن القشانى أنه قال كتب إلى ابن أخى من الرى يذكر
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 541 سطر 1 الى ص 550 سطر 25
الحسن بن زيد * فذكر عن القشانى أنه قال كتب إلى ابن أخى من الرى يذكر
أنه لقى مفلحا بالرى فسأله عن سبب انصرافه فذكر أن الموالى قد أبوا أن يقيموا
وأنهم اذا انصرفوا لم يغن مقامه شيئا ثم إن موسى افتتح خراج سنة 256 يوم
الاحد مستهل شهر رمضان سنة 255 فاجتبى فيما ذكر في يوم الاحد قدر خمسمائة
ألف درهم فاجتمع أهل الرى فقالوا أعز الله الامير إنك تزعم أن الموالى يرجعون
إلى سامرا لما بقدرونه من كثرة العطاء هناك وأنت وأصحابك في أكثر وأوسع
مما القوم هناك فيه فإن رأيت أن تسد هذا الثغر وتحتسب في أهله الاجر والثواب
وتلزمنا من خراجنا في خاص أموالنا لمن معك ماترى أن نحتمله فعلت فلم يجبهم
إلى ما سألوا فقالوا أصلح الله الامير فاذا كان الامير عزم على تركنا والانصراف
عنا فما معنى أخذنا بالخراج لسنة لم نبتدئ بعمارتها وأكثر غلة سنة 255 التى قد أخذ الامير
خراجها في الصحارى لايمكننا الوصول اليها إن رحل الامير عنا فلم يلتفت إلى شئ
مما وصفوه له وسألوه إياه واتصل خبر انصرافه بالمهتدى فكتب اليه في ذلك كتبا
كثيرة لم تؤثر أثرا فلما انتهى اليه قفول موسى من الرى ولم تغن الكتب شيئا وجه رجلين
من بن هاشم يقال لاحدهما عبدالصمد بن موسى ويعرف الآخر بأبى عيسى يحيى
ابن اسحاق بن موسى بن عيسى بن على بن عبدالله بن عباس وحملا رسالة إلى موسى
وإلى من ضم عسكره من الموالى يصدقونهم فيها عن الحال بالحضرة وضيق الاموال
بها وما يحاذر من ذهاب ما يخلفونه وراء ظهورهم وغلبة الطالبيين عليه واتساع
آثارهم إلى ناحية الجبل فشخص بذلك الهاشميان في جماعة من الموالى وأقبل موسى
ومن معه وصالح بن وصيف في ذلك يعظم على المهتدى انصرافه وينسبه إلى المعصية
والخلاف ويبتهل عليه في أكثر ذلك ويبرأ إلى الله من فعله * فذكر أن كتاب
صاحب البريد بهمذان لما ورد على المهتدى بفصول موسى عنها رفع المهتدى يديه
إلى السماء ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه اللهم انى أبرأ اليك من فعل موسى بن
بغا واخلاله بالثغر واباحته العدو فانى قد أعذرت فيما بينى وبينه اللهم تول كيد
من كايد المسلمين اللهم انصر جيوش المسلمين حيث كانوا اللهم إنى شاخص بنيتى
ـ542ـ
واختيارى إلى حيث نكب المسلمون فيه ناصرا لهم ودافعا عنهم اللهم فآجرنى
بنيتى اذ عدمت صالح الاعوان ثم انحدرت دموعه يبكى * وذكر عن بعض من
حضر المهتدى في بعض مجالسه التى يقول فيها هذا القول وحضره سليمان بن وهب
فقال أيأمرنى أمير المؤمنين أن أكتب إلى موسى بما أسمع منه فقال له نعم اكتب
بما تسمع منى وإن أمكنك أن تنقشه في الصخر فافعل فلقياه الهاشميان في الطريق
ولم يغنيا شيئا وضج الموالى وكادوا يثبون بالرسل ورد موسى في جواب الرسالة يعتذر
بتخلف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين وأنه ان رام
التخلف عنهم لم يأمنهم على نفسه ويحتج بما عاين الرسل الموجهون اليه فورد الرسل
بذلك وأوفد مع الرسل موسى وفدا من عسكره فوافوا سامرا لاربع خلون من
المحرم سنة 256 ( وفى هذه السنة ) فارق كنجور على بن الحسين بن قريش وكان
قد نفى أيام المعتز إلى فارس فوكل به على بن الحسين وحبسه فلما أراد على بن
الحسين محاربة يعقوب بن الليث أخرجه من الحبس وضم اليه خيلا ورجالا فلما
انهزم الناس عن على بن الحسين لحق كنجور بناحية الاهواز فأثر في ناحية رامهرمز
أثرا ثم لحق بابن أبى دلف فوافاه بهمذان وأساء السيرة في أسباب وصيف وضياعه
ووكلائه في تلك الناحية ثم لحق بعد ذلك بعسكر موسى فلما أقبل موسى فيمن ضمه
العسكر بلغ ذلك صالحا فكتب عن المهتدى في حمل كنجور إلى الباب مقيدا فأبى
ذلك الموالى ثم لم تزل الكتب تختلف فيه إلى أن نزل العسكر القاطول ثم ظهر
أن صالحا قعد لمراغمته وان موسى ترحل إلى سامرا على المباينة لصالح ومن مال
اليه ولحق بايكباك بعسكر موسى وأقام موسى هناك يومين ووجه المهتدى اليه أخاه
ابراهيم لامه في أمر كنجور يعلمه أن الموالى بسامرا قد أبوا أن يقاروا على دخول
كنجور ويأمره بتقييده وحمله إلى مدينة السلام فلم يتهيأ في ذلك ما قدره صالح
وكان جوابهم أن قالوا إذا دخلنا سامرا امتثلنا ما أمر به أمير المؤمنين
في كنجور وغيره
ـ543ـ
* أول خروج علوى البصرة *
( وللنصف ) من شوال من هذه السنة ظهر في فرات البصرة رجل زعم
أنه على بن محمد بن أحمد بن على بن عيسى بن زيد بن على بن الحسين بن على بن
أبى طالب وجمع اليه الزنج الذى كانوا يكسحون السباخ ثم عبر دجلة فنزل الدينارى
* ذكر الخبر عن أمره والسبب الذى بعثه على الخروج هنالك *
وكان اسمه ونسبه فيما ذكر على بن محمد بن عبدالرحيم ونسبه في عبدالقيس
وأمه قرة ابنة على بن رحيب بن محمد بن حكيم من بنى أسد بن خزيمة من ساكنى
قرية من قرى الرى يقال لها ورزين بها مولده ومنشأه فذكر عنه أنه كان يقول
جدى محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبدالملك مع
زيد بن على بن الحسين فلما قتل زيد هرب فلحق بالرى فلجأ إلى ورزين فأقام بها
وأن أبا أبيه عبدالرحيم رجل من عبدالقيس كان مولده بالطالقان وأنه قدم العراق
فأقام بها واشترى جارية سندية فأولدها محمدا أباه فهو على بن محمد هذا وانه
كان متصلا قبل بجماعة من آل المنتصر منهم غانم الشطرنجى وسعيد الصغير
ويسر الخادم وكان منهم معاشه ومن قوم من أصحاب السلطان وكتابه يمدحهم
ويستمحيهم بشعره ثم إنه شخص فيما ذكر من سامرا سنة 249 إلى البحرين فادعى
بها أنه على بن محمد بن الفضل بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى
طالب ودعا الناس بهجر إلى طاعته واتبعه جماعة كثيرة من أهلها وأبته جماعة أخر
فكانت بسببه بين الذين اتبعوه والذين أبوه عصبية قتلت بينهم جماعة فانتقل
عنهم لما حدث ذلك إلى الاحساء وضوى إلى حى من بنى تميم ثم من بنى سعد يقال
لهم بنو الشماس فكان بينهم مقامه وقد كان أهل البحرين أحلوه من أنفسهم محل النبى
فيما ذكر حتى جبى له الخراج هنالك ونفذ حكمه بينهم وقاتلوا أسباب السلطان بسببه
ووتر منهم جماعة كثيرة فتنكروا له فتحول عنهم إلى البادية ولما انتقل إلى البادية صحبه
جماعة من أهل البحرين منهم رجل كيال من أهل الاحساء يقال له يحيى بن محمد الازرق
المعروف بالبحرانى مولى لبنى دارم ويحيى بن أبى ثعلب وكان تاجرا من أهل هجر
ـ544ـ
وبعض موالى بنى حنظلة أسود يقال له سليمان بن جامع وهو قائد جيشه ثم كان ينتقل
في البادية من حى إلى حى * فذكر عنه أنه كان يقول أوتيت في تلك الايام
آيات من آيات امامتى ظاهرة للناس منها فيما ذكر عنه أنه قال انى لقيت سورا من
القرآن لا أحفظها فجرى بها لسانى في ساعة واحدة منها سبحان والكهف
وص قال ومن ذلك أنى ألقيت نفسى على فراشى فجعلت أفكر في الموضع الذى أقصد
له وأجعل مقامى به اذ نبت بى في البادية وضقت بسوء طاعة أهلها فأظلتنى سحابة
فبرقت ورعدت واتصل صوت الرعد منها بسمعى فخوطبت فيه فقيل اقصد
البصرة فقلت لاصحابى وهم يكنفوننى انى أمرت بصوت هذا الرعد بالمصير إلى
البصرة * وذكر أنه عند مصيره إلى البادية أوهم أهلها أنه يحيى بن عمر أو الحسين
المقتول بناحية الكوفة فاختدع بذلك قوما منهم حتى اجتمع بها منهم جماعة كثيرة
فزحف بهم إلى موضع بالبحرين يقال له الردم فكانت بينهم وقعة عظيمة
كانت الدائرة فيها عليه وعلى أصحابه قتلوا فيها قتلا ذريعا فنفرت عنه العرب
وكرهته وتجنبت صحبته فلما تفرقت عنه العرب ونبت به البادية شخص عنها
إلى البصرة فنزل بها في بنى ضبيعة فاتبعه بها جماعة منهم على بن أبان المعروف بالمهلبى
وأخواه محمد والخليل وغيرهم وكان قدومه البصرة في سنة 254 ومحمد بن رجاء
الحضارى عامل السلطان بها ووافق ذلك فتنة أهل البصرة بالبلالية والسعدية
فطمع في أحد الفريقين أن يميل اليه فأمر أربعة نفر من أصحابه فخرجوا بمسجد
عباد أحدهم يسمى محمد بن سلم القصاب الهجرى والآخر بريش القريعى والثالث
على الضراب والرابع الحسين الصيدنانى وهم الذين كانوا صحبوه بالبحرين فدعوا
اليه فلم يجبه من أهل البلد أحد وثاب اليهم الجند فتفرقوا ولم يظفر بأحد منهم
فخرج من البصرة هاربا فطلبه ابن رجاء فلم يقدر عليه وأخبر ابن رجاء بميل جماعة
من أهل البصرة اليه فأخذهم فحبسهم فكان فيمن حبس يحيى بن أبى ثعلب ومحمد
ابن الحسن الايادى وابن صاحب الزنج على بن محمد الاكبر وزوجته أم ابنه
ومعها ابنة له وجارية فحبسهم ومضى هو لوجهه يريد بغداد ومعه من أصحابه
ـ545ـ
محمد بن سلم ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع وبريش القريعى فلما صاروا بالبطيحة
تذر بهم بعض موالى الباهليين كان يلى أمر البطيحة يقال له عمير بن عمار فأخذهم
وحملهم إلى محمد بن أبى عون وهو عامل السلطان بواسط فاحتال لابن أبى عون
حتى تخلص هو وأصحابه من يده ثم صار إلى مدينة السلام فأقام بها حولا وانتسب
فيها إلى أحمد بن عيسى بن زيد وكان يزعم أنه ظهر له أيام مقامه بها آيات وعرف
ما في ضمائر أصحابه وما يفعله كل واحد منهم وأنه سأل ربه بها آية أن يعلم حقيقة
أمره فرأى كتابا يكتب له وهو ينظر اليه على حائط ولايرى شخص كاتبه *
وذكر عن بعض أتباعه أنه بمقامه بمدينة السلام استمال جماعة منهم جعفر بن محمد
الصوحانى كان ينتسب إلى زيد بن صوخان ومحمد بن القاسم وغلاما يحيى بن عبدالرحمن
ابن خاقان مشرق ورفيق فسمى مشرقا حمزة وكناه أبا أحمد وسمى رفيقا جعفرا
وكناه أبا الفضل ثم لم يزل عامه ذلك بمدينة السلام حتى عزل محمد بن رجاء عن
البصرة فخرج عنها فوثب رؤساء الفتنة من البلالية والسعدية ففتحوا المحابس
وأطلقوا من كان فيها فتخلصوا فيمن تخلص فلما بلغه خلاص أهله شخص إلى
البصرة فكان رجوعه اليها في شهر رمضان سنة 255 ومعه على بن أبان وقد كان
لحق به وهو بمدينة السلام ويحيى بن محمد ومحمد بن سلم وسليمان بن جامع وغلاما
يحيى بن عبدالرحمن مشرق ورفيق وكان يحضر هؤلاء الستة رجل من الجند يكنى
أبا يعقوب ولقب نفسه بعد ذلك بجربان فساروا جميعا حتى وافوا برنخل فنزلوا
قصرا هنالك يعرف بقصر القرشى على نهر يعرف بعمود ابن المنجم كان بنو موسى
ابن المنجم احتفروه وأظهر أنه وكيل الولد الواثق في بيع السباخ وأمر أصحابه
أن ينحلوه ذلك فأقام هنالك * فذكر عن ريحان بن صالح أحد غلمان الشورجيين
وهو أول من صحبه منهم أنه قال كنت موكلا بغلمان مولاى أنقل الدقيق اليهم من
البصرة وأفرقه فيهم فحملت ذلك اليهم كما كانت أفعل فمررت به وهو مقيم ببرنخل
في قصر القرشى فأخذنى أصحابه فصاروا بى اليه وأمرونى بالتسليم عليه بالامرة
ففعلت ذلك فسألنى عن الموضع الذى جئت منه فأخبرته أنى أقبلت من البصرة
( 35 7 )
ـ546ـ
فقال هل سمعت لنا بالبصرة خبرا قلت لا قال فما خبر الزينبى قلت لا علم لى به
قال فخبر البلالية والسعدية قلت ولا أعرف أخبارهم أيضا فسألنى عن أخبار غلمان
الشورجيين وما يجرى لكل غلام منهم من الدقيق والسويق والتمر وعمن يعمل
في الشورج من الاحرار والعبيد فأعلمته ذلك فدعانى إلى ما هو عليه فأجبته فقال لى
احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان فأقبل بهم إلى ووعدنى أن يقودنى على من
آتيه به منهم وأن يحسن إلى واستحلفنى ألا أعلم أحدا بموضعه وأن أرجع اليه فخلى
سبيلى فأتيت بالدقيق الذى معى الموضع الذى كنت قصدته به وأقمت عنه يومى ثم
رجعت اليه من غد فوافيته وقد قدم عليه رفيق غلام يحيى بن عبدالرحمن وكان
وجه إلى البصرة في حوائج من حوائجه ووافاه بشبل بن سالم وكان من غلمان
الدباسين وبحريرة كان أمره بابتياعها ليتخذها لواء فكتب فيها بحمرة وخضرة
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله
إلى آخر الآية وكتب اسمه واسم أبيه وعلقها في رأس مردى وخرج في السحر
من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان فلما صار إلى مؤخر القصر الذى كان
فيه لقيه غلمان رجل من الشورجيين يعرف بالعطار متوجهين إلى أعمالهم فأمر بأخذهم
فأخذوا وكتف وكيلهم وأخذ معهم وكانوا خمسين غلاما ثم صار إلى الموضع الذى
يعمل فيه السنائى فأخذ منه خمسمائة غلام فيهم المعروف بأبى حديد وأمر بوكيلهم
فأخذ معهم مكتوفا وكانوا في نهر يعرف بنهر المكاثر ثم مضى إلى موضع السيرافى
فأخذ منه خمسين ومائة غلام فيهم زريق و أبوالخنجر ثم صار إلى موضع ابن عطاء فأخذ
طريقا وصبيحا الاعسر وراشد المغربى وراشد القرماطى وأخذ معهم ثمانين غلاما
ثم أتى موضع اسماعيل المعروف بغلام سهل الطحان ثم لم يزل يفعل ذلك كذلك في يومه
حتى اجتمع اليه بشر كثير من غلمان الشورجيين ثم جمعهم وقام فيهم خطيبا فمناهم ووعدهم
أن يقودهم ويرأسهم ويملكهم الاموال وحلف لهم الايمان الغلاظ ألا يغدر بهم ولا
يخذلهم ولايدع شيئا من الاحسان إلا أتى اليهم ثم دعا مواليهم فقال قد أردت ضرب
أعناقكم لما كنتم تأتون إلى هؤلاء الغلمان الذين اس تضعفتموهم وقهرتموهم
ـ547ـ
وفعلتم بهم ماحرم الله عليكم أن تفعلوه بهم وجعلتم عليهم مالا يطيقون فكملنى
أصحابى فيكم فرأيت إطلاقكم فقالوا إن هؤلاء الغلمان إباق وهم يهربون منك
فلا يبقون عليك ولا علينا فخذ منا مالا وأطلقهم لنا فأمر غلمانهم فأحضروا شطبا
ثم بطح كل قوم مولاهم ووكيلهم فضرب كل رجل منهم خمسمائة شطبة وأحلفهم
بطلاق نسائهم ألا يعلموا أحدا بموضعه ولا بعدد أصحابه وأطلقهم فمضوا نحو البصرة
ومضى رجل منهم يقال له عبدالله ويعرف بكريخا حتى عبر دجيلا فأنذر
الشورجيين ليحرزوا غلمانهم وكان هناك خمسة عشر ألف غلام ثم سار بعد
ما صلى العصر حتى وافى دجيلا فوجد سفن سماد تدخل في المد فقدمها فركب
فيها وركب أصحابه حتى عبروا دجيلا وصاروا إلى نهر ميمون فنزل المسجد الذى
في وسط السوق الشارع على نهر ميمون وأقام هناك ولم يزل ذلك دأبه يجتمع
اليه السودان إلى يوم الفطر فلما أصبح نادى في أصحابه بالاجتماع لصلاة الفطر
فاجتمعوا وركز المردى الذى عليه لواؤه وصلى بهم وخطب خطبة ذكر فيها
ما كانوا عليه من سوء الحال وأن الله قد استنقذهم به من ذلك وأنه يريد أن يرفع
أقدارهم ويملكهم العبيد والاموال والمنازل ويبلغ بهم أعلى الاموال ثم حلف
لهم على ذلك فلما فرغ من صلاته وخطبته أمر الذين فهموا عنه قوله أن يفهموه
من لافهم له من عجمهم لتطيب بذلك أنفسهم ففعلوا ذلك ودخل القصر فلما كان
بعد يوم قصد نهربور فوافى جماعة من أصحابه هناك الحميرى في جماعة فدفعوهم
حتى أخرجوهم إلى الصحراء فلحقهم صاحب الزنج فيمن معه فأوقع بالحميرى
وأصحابه فانهزموا حتى صارواإلى بطن دجلة واستأمن اليه رجل من رؤساء الزنج
يكنى بأبى صالح يعرف بالقصيرة في ثلثمائة من الزنج فمناهم ووعدهم خيرا فلما كثر
من اجتمع اليه من الزنج قود قواده وقال لهم كل من أتى منكم برجل فهو مضموم
اليه وقيل أنه لم يقود قواده إلا بعد مواقعة الخول ببيان ومصيره إلى سبخة القندل
وكان ابن أبى عون نقل عن ولاية واسط إلى ولاية الايلة وكور دجلة فذكر
أنه انتهى اليه في اليوم الذى قود فيه قواده أن الحميرى وعقيلا مع خليفة ابن
ـ548ـ
أبى عون المقيم كان بالابلة قد أقبلوا نحوه ونزلوا نهر طين فأمر أصحابه بالمصير إلى
الرزيقية وهى في مؤخر الباذاورد فصار اليها في وقت صلاة الظهر فصلوا بها
واستعدوا للقتال وليس في عسكره يومئذ إلا ثلاثة أسياف سيفه وسيف على
ابن أبان وسيف محمد بن سلم ونهض بأصحابه فيما بين الظهر والعصر راجعا نحو
المحمدية وجعل على بن أبان في آخر أصحابه وأمره أن يعرف خبر من يأتيه من
ورائه وتقدم في أوائل الناس حتى وافى المحمدية فقعد على النهر وأمر الناس
فشربوا منه وتوافى اليه أصحابه فقال له على بن أبان قد كنا نرى من ورائنا بارقة
ونسمع حس قوم يتبعونا فلسنا ندرى أرجعوا عنا أم هم قاصدون الينا فلم يستتم
كلامه حتى لحق القوم وتنادى الزنج بالسلاح فبدر مفرج النوبى المكنى بأبى
صالح وريحان بن صالح وفتح الحجام وكان فتح يأكل فلما نهض تناول طبقا
كان بين يديه وتقدم أصحابه فلقيه رجل من الشورجيين يقال له بلبل فلما رآه
فتح حمل عليه وحذفه بالطبق الذى كان في يده فرمى بلبل بسلاحه وولى هاربا
وانهزم أصحابه وكانوا أربعة آلاف رجل فذهبوا على وجوههم وقتل من قتل
منهم ومات بعضهم عطشا وأسر منهم قوم فأتى بهم صاحب الزنج فأمر بضرب
أعناقهم فضربت وحملت الرؤوس على بغال كان أخذها من الشورجيين كانت
تنقل الشورج ومضى حتى وافى القادسية وذلك وقت المغرب فخرج من القرية
رجل من موالى بعض الهاشميين على أصحابه فقتل رجلا من السودان فأتاه الخبر
فقال له أصحابه ائذن لنا في انتهاب القرية وطلب قاتل صاحبنا فقال لا سبيل
إلى ذلك دون أن نعرف ما عند القوم وهل فعل القاتل ما فعل عن رأيهم ونسألهم
أن يدفعوه الينا فان فعلوا وإلا ساغ لنا قتالهم وأعجلهم المسير فصاروا إلى نهر
ميمون راجعين فأقام في المسجد الذى كان أقام فيه في بدأته وأمر بالرؤوس
المحمولة معه فنصبت وأمر بالاذان أبا صالح النوبى فأذن وسلم عليه بالامرة
فقام فصلى بأصحابه العشاء الآخرة وبات ليلته بها ثم مضى من الغد حتى مر
بالكرخ فطواها وأتى قرية تعرف بجبى في وقت صلاة الظهر فعبر دجيلا من
ـ549ـ
مخاضة دل عليها ولم يدخل القرية وأقام خارجها منها وأرسل إلى من فيها فأتاه
كبراؤهم وكبراء أهل الكرخ فأمرهم بإقامة الانزال له ولاصحابه فأقيم له ما أراد
وبات عندهم ليلته تلك فلما أصبح أهدى له رجل من أهل جبى فرسا كميتا فلم
يجد سرجا ولا لجاما فركبه بحبل وسنفه بليف وسار حتى انتهى إلى المعروف
بالعباسى العتيق فأخذ منه دليلا إلى السيب وهو نهر القرية المعروفة بالجعفرية
ونذر به أهل القرية فهربوا عنها ودخلها فنزل دار جعفر بن سليمان وهى في السوق
وتفرق أصحابه في القرية فأتوه برجل وجدوه فسأله عن وكلاء الهاشميين
فأخبره أنهم في الاجمة فوجه الملقب بجربان فأتاه برئيسهم وهو يحيى بن يحيى المعروف
بالزبيرى أحد موالى الزياديين فسأله عن المال فقال لا مال عندى فأمر بضرب
عنقه فلما خاف القتل أقر بشئ قد كان أخفاه فوجه معه فأتاه بمائتى دينار
وخمسين دينارا وألف درهم فكان هذا أول ما صار اليه ثم سأله عن دواب وكلاء
الهاشميين فدله على ثلاثة براذين كميت وأشقر وأشهب فدفع أحدهما إلى ابن سلم
والآخر إلى يحيى بن محمد وأعطى مشرقا غلام يحيى بن عبدالرحمن الثالث وكان
رفيق يركب بغلا كان يحمل عليه النقل ووجد بعض السودان دارا لبعض بنى
هاشم فيها سلاح فانتهبوه فجاء النوبى الصغير بسيف فأخذه صاحب الزنج فدفعه
إلى يحيى بن محمد فصار في أيدى الزنج سيوف وبالات وزقايات وتراس وبات ليلته
تلك بالسيب فلما أصبح أتاه الخبر أن رميسا والحميرى وعقيلا الابلى قد وافوا
السيب فوجه يحيى بن محمد في خمسمائة رجل فيهم سليمان وريحان بن صالح
وأبوصالح النوبى الصغير فلقوا القوم فهزموهم وأخذوا سميرية وسلاحا وهرب
من كان هنالك ورجع يحيى بن محمد فأخبره الخبر فأقام يومه وسار من غد يريد
المذار بعد أن اتخذ على أهل الجعفرية ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا ولا
يستروا عنه فلما عبر السيب صار إلى قرية تعرف بقرية اليهود شارعة على دجلة
فوافق هنالك رميسا في جمع فلم يزل يقاتلهم يومه ذلك وأسر من أصحابه عدة
وعقر منهم جماعة بالنشاب وقتل غلام لمحمد بن أبى عون كان مع رميس وغرقت
ـ550ـ
سميرية كان فيها ملاحها فأخذ وضربت عنقه وسار من ذلك الموصع يريد المذار
فلما صار إلى النهر المعروف بباب مداد جاوزه حتى أصحر فرأى بستانا وتلا يعرف بجبل الشياطين فقصد للتل فقعد عليه وأثبت أصحابه في الصحراء وجعل
لنفسه طليعة * فذكر عن شبل أنه قال أنا كنت طليعته على دجلة فأرسلت اليه
أخبره أن رميسا بشاطئ دجلة يطلب رجلا يؤدى عنه رسالة فوجه اليه على
ابن أبان ومحمد بن سلم وسليمان بن جامع فلما أتوه قال لهم اقرؤا على صاحبكم
السلام وقولوا له أنت آمن على نفسك حيث سلكت من الارض لايعرض
لك أحد واردد هؤلاء العبيد على مواليهم وخذ لك عن كل رأس خمسة دنانير
فأتوه فأعلموه ما قال لهم رميس فغضب من ذلك وآلى ليرجعن فليبقرن بطن
امرأة رميس وليحرقن داره وليخوضن الدماء هنالك فانصرفوا اليه فأجابوه بما
أمروا به فانصرف إلى مقابل الموضع الذى هو به من دجلة فأقام به فوافاه في
ذلك اليوم إبراهيم بن جعفر المعروف بالهمدانى ولم يكن لحق به إلا في ذلك الوقت
وأتاه بكتب فقرأها فلما صلى العشاء الآخرة أتاه ابراهيم فقال له ليس الرأى لك
اتيان المذار قال فما الرأى قال ترجع فقد بايع لك أهل عبادان وميان روذان
وسلميانان وخلفت جمعا من البلالية بفوهة القندل وابرسان ينتظرونك فلما سمع
السودان ذلك من قول ابراهيم مع ما كان رميس عرض عليه في ذلك اليوم
خافوا أن يكون احتال عليهم ليردهم إلى مواليهم فهرب بعضهم واضطرب الباقون
فجاءه محمد بن سلم فأعلمه اضطرابهم وهرب من هرب منهم فأمر بجمعهم في ليلته
تلك ودعا مصلحا وميز الزنج من الفراتية ثم أمر مصلحا أن يعلمهم أنه لايردهم
ولا أحد منهم إلى مواليهم وحلف لهم على ذلك بالايمان الغلاظ وقال ليحط
بن منكم جماعة فإن أحسوا منى غدرا فتكوا بى ثم جمع الباقين وهم الفراتية
وا لقرماطيون والنوبة وغيرهم ممن يفصح بلسان العرب فحلف لهم على مثل ذلك
وضمن ووثق من نفسه وأعلمهم أنه لم يخرج لعرض من أعراض الدنيا وما خرج
إلا غضبا لله ولما رأى عليه الناس من الفساد في الدين وقال ها أنا ذا معكم في
ـ551ـ
كل حرب أشرككم فيها بيدى وأخاطر معكم فيها بنفسى فرضوا ودعوا له بخير فلما
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 551 سطر 1 الى ص 560 سطر 25
كل حرب أشرككم فيها بيدى وأخاطر معكم فيها بنفسى فرضوا ودعوا له بخير فلما
أسحر أمر غلاما من الشورجيين يكنى أبا منارة فنفخ في بوق لهم كانوا يجتمعون
بصوته وسار حتى أتى السيب راجعا فألقى هناك الحميرى ورميسا وصاحب ابن
أبى عون فوجه اليهم مشرقا برسالة أخفاها فرجع اليه بجوابها فصار صاحب الزنج
إلى النهر فتقدم صاحب محمد بن أبى عون فسلم عليه وقال له لم يكن جزاء صاحبنا
منك أن تفسد عليه عمله وقد كان منه اليك ما قد علمت بواسط فقال لم آت لقتالكم
فقل لاصحابك يوسعون لى في الطريق حتى أجاوزكم فخرج من النهر إلى دجلة ولم
يلبث أن جاء الجند ومعهم أهل الجعفرية في السلاح الشاك فتقدم المكتنى بأبى
يعقوب المعروف بحربان فقال لهم ياأهل الجعفرية أما علمتم ما أعطيتمونا من
الايمان المغلظة ألا تقاتلونا ولا تعينوا علينا أحدا وأن تعينونا متى اجتاز بكم أحد
منا فارتفعت أصواتهم بالنعير والضجيج ورموه بالحجارة والنشاب وكان هناك
موضع فيه زهاء ثلثمائة زرنوق فأمر بأخذها فأخذت وقرن بعضها ببعض
حتى صارت كالشاشات وطرحت إلى الماء وركبها المقاتلة فلحقوا القوم فقال
بعضهم عبر على بن أبان يومئذ قبل أخذ الزرانيق سباحة ثم جمعت الزرانيق وعبر
الزنج وقد زالوا عن شاطئ النهر فوضعوا فيهم السيف فقتل منهم خلق كثير وأتى
منهم بأسرى فوبخهم وخلى سبيلهم ووجه غلاما من غلمان الشورجيين يقال له
سالم يعرف بالزغاوى إلى من كان دخل الجعفرية من أصحابه فوردهم ونادى ألا برئت
الذمة ممن انتهب شيأ من هذه القرية أوسبى منها أحدا فمن فعل ذلك فقد حلت به
العقوبة الموجعة ثم عبر من غربى السيب إلى شرقية واجتمع أصحابه الرؤساء حتى
إذا جاوز القرية بمقدار غلوة سمع النعير من ورائه في بطن النهر فتراجع الزنج فاذا رميس
والحميرى وصاحب ابن أبى عون قد وافوه لما بلغهم حال أهل الجعفرية فألقى السودان
أنفسهم عليهم فأخذوا منهم أربع سميريات بملاحيها ومقاتليها فأخرجوا ا لسميريات
بمن فيها ودعا بالمقاتلة فسألهم فأخبره أن رميسا وصاحب ابن أبى عون لم يدعهم حتى
حملاهم على المصير اليه وأن أهل القرى حرضوا رميسا وضمنوا له ولصاحب ابن
ـ552ـ
أبى عون مالا جليلا وضمن له الشورجيين على رد غلمانهم لكل غلام خمسة دنانير
فسألهم عن الغلام المعروف بالنميرى المأسور والمعروف بالحجام فقالوا أما النميرى
فأسير في أيديهم وأما الحجام فان أهل الناحية ذكروا أنه كان يتلصص في ناحيتهم
ويسفك الدماء فضربت عنقه وصلب على نهر أبى الاسد فلما عرف خبرهم أمر
بضرب أعناقهم فضربت إلا رجلا يقال له محمد بن الحسن البغدادى فإنه حلف له
أنه جاء في الامان لم يشهر عليه سيفا ولانصب له حربا فأطلقه وحمل الرؤوس والاعلام
على البغال وأمر باحراق سفنهم فأحرقت وسار حتى أتى بنهر فريد فانتهى إلى نهر
يعرف بالحسن بن محمد القاضى وعليه مسناة تعترض بين الجعفرية ورستاق القفص
فجاءه قوم من أهل القرية من بنى عجل فعرضوا عليه أنفسهم وبذلوا له مالديهم فجزاهم خيرا
وأمر بترك العرض لهم وسار حتى أتى نهرا يعرف بباقثا فنزل خارجا من القرية
التى على النهر وهى قرية تشرع على دجيل فأتاه أهل الكرخ فسلموا عليه ودعوا
له بخير وأمدوه من الانزال بما أراد وجاءه رجل يهودى خيبرى يقال له ماندويه
فقبل يده وسجد له زعم شكرا لرؤيته إياه ثم سأله عن مسائل كثيرة فأجابه عنها
فزعم أنه يجد صفته في التوراة وأنه يرى القتال معه وسأله عن علامات في بدنه
ذكر أنه عرفها فيه فأقام معه ليلته تلك يحادثه وكان إذا نزل اعتزل عسكره بأصحابه
الستة ولم يكن يومئذ ينكر النبيذ على أحد من أصحابه وكان يتقدم إلى محمد بن سلم
في حفظ عسكره فلما كان في تلك الليلة أتاه في آخر الليل رجل من أهل الكرخ
فاعلمه أن رميسا وأهل المفتح والقرى التى تتصل بها وعقيلا وأهل الابلة قد أتوه
ومعهم الدبيلا بالسلاح الشاك وأن الحميرى في جمع من أهل الفرات وقد صاروا
في تلك الليلة إلى قنطرة نهر ميمون فقطعوها ليمنعوه العبور فلما أصبح أمر فصيح
بالزنج فعبروا دجيلا وأخذ في مؤخر الكرخ حتى وافى نهر ميمون فوجد القنطرة
مقطوعة والناس في شرق النهر وا لسميريات في بطنه والدبيلا في ا لسميريات وأهل
القرى في ا لجريبيات وا لمجونحات فأمر أصحابه بالامساك عنهم وأن يرحلوا عن
النهر توقيا للنشاب ورجع فقعد على مائة ذراع من القرية فلما لم يروا أحدا يقاتلهم
ـ553ـ
خرج منهم قوم ليعرفوا الخبر وقد كان أمر جماعة من أصحابه فأتوا القرية فكمنوا
فيها مخفين لاشخاصهم فلما أحسوا خروج من خرج منهم شدوا عليهم فأسروا
اثنين وعشرين رجلا وسعوا نحو الباقين فقتلوا منهم جماعة على شاطئ النهر ورجعوا
اليه بالرؤس والاسرى فأمر بضرب أعناقهم بعد مناظرة جرت بينه وبينهم وأمر
بالاحتفاظ بالرؤس وأقام إلى نصف النهار وهو يسمع أصواتهم فأتاه رجل من أهل
البادية مستأمنا فسأله عن غور النهر فاعلمه أنه يعرف موضعا منه يخاض وأعلمه أن القوم
على معاودته بجمعهم يقاتلونه فنهض مع الرجل حتى أتى به موضعا على مقدار ميل من
المحمدية فخاض النهر بين يديه وخاض الناس خلفه وحمله ناصح المعروف بالرملى وعبر
بالدواب فلما صار في شرقى النهر كر راجعا نحو نهر ميمون حتى أتى المسجد فنزل فيه
وأمر بالرؤوس فنصبت وأقام يومه وانحدر جيش رميس بجمعه في بطن دجيل
فأقاموا بموضع يعرف بأقشى بازاء النهر المعروف ببرد الخيار ووجه طليعة فرجع
اليه فأخبره بمقام القوم هناك فوجه من ساعته ألف رجل فأقاموا بسبخة هناك
على فوهة هذا النهر وقال لهم إن أتوكم إلى المغرب وإلا فأعلمونى وكتب كتابا إلى
عقيل يذكره فيه أنه قد كان بايعه في جماعة من أهل الابلة وكتب إلى رميس
يذكره حلفه له بالسيب أنه لا يقاتله وأنه ينهى أخبار السلطان اليه ووجه
بالكتابين اليهما مع بعض الاكرة بعد أن أحلفه أن يوصلهما وسار من نهر ميمون
يريد السبخة التى كان هيأ فيها طليعة فلما صار إلى القادسية والشيفيا سمع هناك نعيرا
ورأى رميا وكان إذا سار يتنكب القرى فلم يدخلها وأمر محمد بن سلم أن يصير
إلى الشيفيا في جماعة فيسأل أهلها أن يسلموا اليه قاتل الرجل من أصحابه في ممره
كان بهم فرجع اليه فأخبره أنهم زعموا أنه لاطاقة لهم بذلك الرجل لولائه من
الهاشميين ومنعهم له فصاح بالغلمان وأمرهم بانتهاب القريتين فانتهب منهما مالا
عظيما عينا وورقا وجوهرا وحليا وأوانى ذهب وفضة وسبى منهما يومئذ غلمانا
ونسوة وذلك أول سبى سبى ووقفوا على دار فيها أربعة عشر غلاما من غلمان
الشورج قد سد عليهم باب فأخذهم وأتى بمولى الهاشميين القاتل صاحبه فأمر محمد
ـ554ـ
ابن سلم بضرب عنقه ففعل ذلك وخرج من القريتين في وقت العصر فنزل السبخة
المعروفة ببرد الخيار فلما كان في وقت المغرب أتاه أحد أصحابه الستة فأعلمه أن
أصحابه قد شغلوا بخمور وأنبذة وجدوها في القادسية فصار ومعه محمد بن سلم
ويحيى بن محمد اليهم فاعلمهم أن ذلك مما لايجوز لهم وحرم النبيذ في ذلك اليوم
عليهم وقال لهم إنكم تلاقون جيوشا تقاتلونهم فدعوا شرب النبيذ والتشاغل به
فأجابوه إلى ذلك فلما أصبح جاءه غلام من السودان يقال له قاقويه فأخبره أن
أصحاب رميس قد صاروا إلى شرقى دجيل وخرجوا إلى الشط فدعا على بن أبان
فتقدم اليه أن يمضى بالزنج فيوقع بهم ودعا مشرقا فأخذ منه اصطرلابا فقاس به
الشمس ونظر في الوقت ثم عبر وعبر الناس خلفه القنطرة التى على النهر المعروف
ببرد الخيار فلما صاروا في شرقية تلاحق الناس بعلى بن أبان فوجدوا أصحاب
رميس وأصحاب عقيل على الشط والدبيلا في السفن يرمون بالنشاب فحملوا عليهم
فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهبت ريح من غربى دجيل فحملت السفن فأدنتها
من الشط فنزل السودان إليها فقتلوا من وجدوا فيها وانحاز رميس ومن كان
معه إلى نهر الدير على طريق أقشى وترك سفنه لم يحركها ليظن أنه مقيم وخرج
عقيل وصاحب ابن أبى عون إلى دجلة مبادرين لايلويان على شئ وأمر صاحب
الزنج بإخراج مافى السفن التى فيها الدبيلا وكانت مقرونا ببعضها ببعض فنزل فيها
قاقويه ليفتشها فوجد رجلا من الدبيلا فحاول إخراجه فامتنع عليه وأهوى إليه
بسرنى كان معه فضربه ضربة على ساعده فقطع بها عرقا من عروقه وضربه
ضربة على رجله فقطعت عصبة من عصبه وأهوى له قاقويه فضربه ضربة على
هامته فسقط فأخذ بشعره واحتز رأسه فأتى به صاحب الزنج فأمر له بدينار
خفيف وأمر يحيى بن محمد أن يقوده على مائة من السودان ثم سار صاحب
الزنج إلى قرية تعرف بالمهلبى تقابل قياران ورجع السودان الذين كانوا اتبعوا
عقيلا وخليفة ابن أبى عون وقد أخذ سميرية فيها ملاحان فسألهم عن الخبر فقالوا اتبعناهم
فطرحوا أنفسهم إلى الشط وتركوا هذه السميرية فجئنا بها فسأل الملاحين فأخبراه
ـ555ـ
أن عقيلا حملهما على اتباعه قهرا وحبس نساءهما حتى اتبعاه وفعل ذلك بجميع من
تبعه من الملاحين فسألهما عن سبب مجئ الدبيلا فقال أن عقيلا وعدهم مالا فتبعوه
فسألهما عن السفن الواقعة بأقشى فقالا هذه سفن رميس وقد تركها وهرب في
أول النهار فرجع حتى إذا حاذاها أمر السودان فعبروا فأتوه بها فأنهبهم ما كان
فيها وأمر بها فأحرقت ثم صار إلى القرية المعروفة بالمهلبية واسمها تنغت فنزل قريبا
منها وأمر بانتهابها واحراقها فانتهبت وأحرقت وسار على نهر الماديان فوجد
فيها تمورا فأمر باحراقها وكان لصاحب الزنج بعد ذلك أمور من عيثه هو وأصحابه
في تلك الناحية تركنا ذكرها إذ لم تكن عظيمة وإن كان كل أموره كانت عظيمة
ثم كان من عظيم ما كان له من الوقائع مع أصحاب السلطان وقعة كانت مع رجل
من الاتراك يكنى أبا هلال في سوق الريان ذكر عن قائد من قواده يقال له ريحان
أن هذا التركى وافاهم في هذا السوق ومعه زهاء أربعة آلاف رجل أو يزيدون
وفى مقدمته قوم عليهم ثياب مشهرة وأعلام وطبول وأن السودان حملوا عليه حملة
صادقة وأن بعض السودان ألقى صاحب علم القوم فضربه بخشبتين كانتا معه
في يده فصرعه وانهزم القوم وتلاحق السودان فقتلوا من أصحاب أبى هلال زهاء
ألف وخمسمائة وأن بعضهم اتبع أبا هلال ففاته بنفسه على دابة عرى وحال بينهم
وبين من أفلت ظلمة الليل وأنه لما أصبح أمر بتتبعهم ففعلوا ذلك فجاؤا بأسرى
ورؤوس فقتل الاسرى كلهم ثم وكانت له وقعة أخرى بعد هذه الوقعة مع أصحاب
السلطان هزمهم فيها وظفر بهم وكان مبتدأ الامر في ذلك فيما ذكر عن قائد
لصاحب الزنج من السودان يقال له ريحان أنه قال لما كان في بعض الليل من ليالى
هذه السنة التى ذكرنا أنه ظهر فيها سمع نباح كلب في أبواب تعرف بعمر بن مسعدة
فأمر بتعرف الموضع الذى يأتى منه النباح فوجه لذلك رجل من أصحابه ثم رجع
فأخبره أنه لم ير شيئا وعاد النباح قال ريحان فدعانى فقال لى صر إلى موضع هذا
الكلب النابح فانه انما نبح شخصا يراه فصرت فاذا أنا بالكلب على المسناة ولم
أر شيئا فأشرفت فاذا أنا برجل قاعد في درجات هنالك فكلمته فلما سمعنى أفصح
ـ556ـ
بالعربية كلمنى فقال أنا سيران بن عفو الله أتيت صاحبكم بكتب من شيعته بالبصرة
وكان سيران هذا أحد من صحب صاحب الزنج أيام مقامه بالبصرة فأخذته
فأتيته به فقرأ الكتب التى كانت معه وسأله عن الزينبى وعن عدة من كان معه
فقال إن الزينبى قال أعدلك الخول والمطوعة والبلالية والسعدية وهم خلق كثير
وهو على لقائك بهم ببيان فقال له اخفض صوتك لئلا يرتاع الغلمان بخبرك وسأله
عن الذى يقود الجيش فقال قد ندب لذلك المعروف بأبى منصور وهو أحد
موالى الهاشميين قال له أفرأيت جمعهم قال نعم وقد أعدوا الشروط لكتف من
ظفروا به من السودان فأمره بالانصراف إلى الموضع الذى يكون فيه مقامه فانصرف
سيران إلى على بن أبان ومحمد بن سلم ويحيى بن محمد فجعل يحدثهم إلى أن أسفر
الصبح ثم سار صاحب الزنج إلى أن أشرف عليهم فلما انتهى إلى مؤخر ترسى
وبرسونا وسندادان بيان عرض له قوم يريدون قتله فأمر على بن أبان فأتاهم
فهزمهم وكان معهم مائة أسود فظفر بهم قال ريحان فسمعته يقول لاصحابه من
أمارات تمام أمركم ماترون من اتيان هؤلاء القوم بعبيدهم فيسلمونهم اليكم
فيزيد الله في عددكم ثم سار حتى صار إلى بيان قال ريحان فوجهنى وجماعة من
أصحابه إلى الحجر لطلب الكاروان وعسكرهم في طرف النخل في الجانب
الغربى من بيان فوجهنا إلى الموضع الذى أمرنا بالمصير اليه فألفينا هناك ألفا
وتسعمائة سفينة ومعها قوم من المطوعة قد احتبسوها فلما رأونا خلوا عن
السفن وعبروا سلبان عرايا ماضين نحو جوبك وسقنا السفن حتى وافيناه بها
فلما أتيناه بها أمر فبسط له على نشز من الارض وقعد وكان في السفن قوم
حجاج أرادوا سلوك طريق البصرة فناظرهم بقية يومه إلى وقت غروب الشمس
فجعلوا يصدقونه في جميع قوله وقالوا لو كان معنا فضل نفقة لاقمنا معك فردهم
إلى سفنهم فلما أصبحوا أخرجهم فأحلفهم ألا يخبروا أحدا بعدة أصحابه وأن
يقللوا أمره عند من سألهم عنه وعرضوا عليه بساطا كان معهم فأبدله ببساط
كان معه واستحلفهم أنه لا مال للسلطان معهم ولاتجارة فقالوا معنا رجل
ـ557ـ
من أصحاب السلطان فامر بإحضاره فأحضر فحلف الرجل أنه ليس من أصحاب
السلطان وأنه رجل معه نقل أراد به البصرة فأحضر صاحب السفينة التى وجد
فيها فحلف له أنه إنما اتجر فيه فحمله فخلى سبيله وأطلق الحجاج فذهبوا وشرح
أهل سليمانان على بيان بإزائه في شرق النهر فكلمهم أصحابه وكان فيهم حسين
الصيدنانى الذى كان صحبه بالبصرة وهو أحد الاربعة الذين ظهروا بمسجد
عباد فلحق به يومئذ فقال له لم أبطأت عنى إلى هذه الغاية قال كنت مختفيا
فلما خرج هذا الجيش دخلت في سواده قال فأخبرنى عن هذا الجيش ما هم
وما عدة أصحابه قال خرج من الخول بحضرتى ألف ومائتا مقاتل ومن
أصحاب الزينبى ألف ومن البلالية والسعدية زهاء ألفين والفرسان مائتا فارس
ولما صاروا بالابلة وقع بينهم وبين أهلها اختلاف حتى تلاعنوا وشتم الخول
محمد بن أبى عون وخلفتهم بشاطئ عثمان وأحسبهم مصبحيك في غد قال
فكيف يريدون أن يفعلوا إذا أتونا قال هم على إدخال الخيل من سندادان
بيان ويأتيك رجالتهم من جنبتى النهر فلما أصبح وجه طليعة ليعرف الخبر
واختاره شيخا ضعيفا زمنا لئلا يعرض له فلم يرجع إليه طليعته فلما أبطأ عنه
وجه فتحا الحجام ومعه ثلثمائة رجل ووجه يحيى بن محمد إلى سندادان وأمره
أن يخرج في سوق بيان فجاءه فتح فأخبره أن القوم مقبلون اليه في جمع كثير
وأنهم قد أخذوا جنبتى النهر فسأل عن المد فقيل لم يأت بعد فقال لم تدخل
خيلهم بعد وأمر محمد بن سلم وعلى بن أبان أن يقعدا لهم في النخل وقعد هو
على جبل مشرف عليهم فلم يلبث أن طلعت الاعلام والرجال حتى صاروا إلى
الارض المعروفة بأبى العلاء البلخى وهو عطفة على دبيران فأمر الزنج فكبروا
ثم حملوا عليهم فوافوا بهم دبيران ثم حمل الخول يقدمهم أ بوالعباس بن أيمن
المعروف بأبى الكباش وبشير القيسى فتراجع الزنج حتى بلغوا الجبل الذى هو
عليه ثم رجعوا عليهم فثبتوا لهم وحمل أ بوالكباش على فتح الحجام فقتله وأدرك
غلاما يقال له دينار من السودان فضربه ضربات ثم حمل السودان عليهم فوافوا
ـ558ـ
بهم شاطئ بيان وأخذتهم السيوف قال ريحان فعهدى بمحمد بن سلم وقد ضرب
أبا الكباش فألقى نفسه في الطين فلحقه بعض الزنج فاحتز رأسه وأما على بن
أبان فانه كان ينتحل قتل أبى الكباش وبشير القيسى وكان يتحدث عن ذلك اليوم
فيقول كان أول من لقينى بشير القيسى فضربنى وضربته فوقعت ضربته في ترسى
ووقعت ضربتى في صدره وبطنه فانتظمت جوانح صدره وفريت بطنه وسقط
فأتيته فاحتززت رأسه ولقينى أبو الكباش فشغل بى وأتاه بعض السودان من
ورائه فضربه بعصا كانت في يده على ساقيه فكسرهما فسقط فأتيته ولا امتناع
به فقتلته واحتززت رأسه فأتيت بالرأسين صاحب الزنج قال محمد بن الحسن بن
سهل سمعت صاحب الزنج يخبر أن عليا أتاه برأس أبى الكباش ورأس بشير
القيسى قال ولا أعرفهما فقال كان هذا يقدمان القوم فقتلتهما نهزم أصحابهما لما
رأوا مصرعهما قال ريحان فيما ذكر عنه وانهزم الناس فذهبوا كل مذهب واتبعهم
السودان إلى نهر بيان وقد جزر النهر فلما وافوه انغمسوا في الوحل فقتل
أكثرهم قال وجعل السودان يمرون بصاحبهم دينار الاسود الذى كان أ بوالكباش
ضربه وهو جريح ملقى فيحسبونه من الخول فيضربونه بالمناجل حتى أثخن ومر
به من عرفه فحمل إلى صاحب الزنج فأمر بمداواة كلومه قال ريحان فلما صار القوم
إلى فوهة نهر بيان وغرق من غرق وأخذت السفن التى كانت فيها الدواب إذا
ملوح يلوح من سفينة فأتيناه فقال ادخلوا النهر المعروف بشريكان فان لهم كمينا
هناك فدخل يحيى بن محمد وعلى بن أبان فأخذ يحيى في غربى النهر وسلك على بن
أبان في شرقيه فاذا كمين في زهاء ألف من المغاربة ومعهم حسين الصيدانى أسيرا
قال فلما رأونا شدوا على الحسين فقطعوه قطعا ثم أقبلوا إلينا ومدوا رماحهم
فقاتلوا إلى صلاة الظهر ثم أكب السودان عليهم فقتلوهم أجمعين وحووا سلاحهم
ورجع السودان إلى عسكرهم فوجدوا صاحبهم قاعدا على شاطئ بيان وقد أتى
بنيف وثلاثين علما وزهاء ألف رأس فيها رؤس أنجاد الخول وأبطالهم ولم
يلبث أن أتوه بزهير يومئذ قال ريحان فلم أعرفه فأتى يحيى وهو بين يديه فعرفه
ـ559ـ
فقال لى هذا زهير الخول فما استبقاؤك اباه فأمر به فضربت عنقه وأقام صاحب
الزنج يومه وليلته فلما أصبح وجه طليعة إلى شاطئ دجلة فأتاه طليعته فأعلمه أن
بدجلة شذاتين لاصقتين بالجزيرة والجزيرة يومئذ على فوهة القندل فرد الطليعة
بعد العصر إلى دجلة ليعرف الخبر فلما كان وقت المغرب أتاه المعروف بأبى العباس
خال ابنه الاكبر ومعه رجل من الجند يقال له عمران وهو زوج أم أبى العباس
هذا فصف لهما أصحابه ودعا بهما فأدى إليه عمران رسالة ابن أبى عون وسأله أن
يعبر بيانا ليفارق عمله وأعلمه أنه قد نحى الشذا عن طريقه فأمر بأخذ السفن التى
تخترق بيانا من جبى فصار أصحابه إلى الحجر فوجدوا في سلبان مائتى سفينة فيها
أعدال دقيق فأخذت ووجد فيها أكسية وبركانات وفيها عشرة من الزنج وأمر
الناس بركوب السفن فلما جاء المد وذلك في وقت المغرب عبر وعبر أصحابه حيال
فوهة القندل واشتدت الريح فانقطع عنه من أصحابه المكنى بأبى دلف وكانت معه
السفن التى فيها الدقيق فلما أصبح وافاه أبودلف فأخبره أن الريح حملتك إلى حسك
عمران وأن أهل القرية هموا به وبما كان معه فدافعهم عن ذلك وأتاه من السودان
خمسون رجلا فسار عند موافاة السفن والسودان إياه حتى دخل القندل فصار
إلى قرية للمعلى بن أيوب فنزلها وانبث أصحابه إلى دبا فوجدوا هناك ثلثمائة رجل
من الزنج فأتوه بهم ووجدوا وكيلا للمعلى بن أيوب فطالبه بمال فقال اعبر إلى
برسان فآتيك بالمال فأطلقه فذهب ولم يعد إليه فلما أبطأ عليه أمر بانتهاب القرية
فانتهبت قال ريحان فيما ذكر عنه فلقد رأيت صاحب الزنج يومئذ ينتهب معنا ولقد
وقعت يدى ويده على جبة صوف مضربة فصار بعضها في يده وبعضها في يدى وجعل
يجاذبنى عليها حتى تركتها له ثم سار حتى صار إلى مسلحة الزينبى على شاطئ القندل
في غربى النهر فثبت له القوم الذين كانوا في المسلحة وهم يرون أنهم يطيقونه
فعجزوا عنه فقتلوا أجمعين وكانوا زهاء مائتين وبات ليلته في القصر ثم غدا في
وقت المد قاصدا إلى سبخة القندل واكتنف أصحابه حافتى النهر حتى وافوا منذران
فدخل أصحابه القرية فانتهبوها ووجدوا فيها جمعا من الزنج فأتوه بهم ففرقهم
ـ560ـ
على قواده ثم صار إلى مؤخر القندل فأدخل السفن النهر المعروف بالحسنى
النافذ إلى النهر المعروف بالصالحى وهو نهر يؤدى إلى دبا فأقام بسبخة هناك *
فذكر عن بعض أصحابه أنه قال ههنا قود القواد وأنكر أن يكون قود قبل ذلك
وتفرق أصحابه في الانهار حتى صاروا إلى مربعة دبا فوجدوا رجلا من التمارين
من أهل كلاء البصرة يقال له محمد بن جعفر المريدى فأتوه به فسلم عليه وعرفه
وسأله عن البلالية فقال إنما أتيتك برسالتهم فلقينى السودان فأتوك بى وهم
يسألونك شروطا اذا أعطيتهم اياها سمعوا لك وأطاعوا فأعطاه ما سأل لهم وضمن
القيام له بأمرهم حتى يصيروا في حيزه ثم خلى سبيله ووجه معه من صيره إلى الفياض
ورجع عنه فأقام أربعة أيام ينتظره فلم يأته فسار في اليوم الخامس وقد سرح السفن
التى كانت معه في النهر وأخذ هو على الظهر فيما بين نهر يقال له ا لداوردانى والنهر
المعروف بالحسنى والنهر المعروف بالصالحى فلم يتعد حتى رأى خيلا مقبلة من نحو
نهر الامير زهاء ستمائة فارس فأسرع أصحابه إلى النهر الدوردانى وكان الخيل
في غربيه فكلموهم طويلا وإذا هم قوم من الاعراب فيهم عنترة بن حجنا وثمال
فوجه اليهم محمد بن سلم فكلم ثمالا وعنترة وسأل عن صاحب الزنج فقال هاهو
ذا فقال نريد كلامه فأتاه فأخبره بقولهما وقال له كلمتهما فزجره وقال إن هذا
مكيدة وأمر السودان بقتلهم فعبروا النهر فعدلت الخيل عن السودان ورفعوا
علما أسود وظهر سليمان أخو الزينبى وكان معهم ورجع أصحاب صاحب الزنج
وانصرف القوم فقال لمحمد بن سلم ألم أعلمك أنهم إنما أرادوا كيدنا وسار حتى
صار إلى دبا وانبث أصحابه في النخل فجاؤا بالغنم والبقر فجعلوا يذبحون ويأكلون
وأقام ليلته هناك فلما أصبح سار حتى دخل الارخنج المعروف بالمطهرى وهو
أرخنج ينفذ إلى نهر الامير المقابل للفياض من جانبيه فوجدوا هناك شهاب بن
العلاء العنبرى ومعه قوم من الخول فأوقعوا به وأفلت شهاب في نفير ممن كان
معه وقتل من أصحابه جماعة ولحق شهاب بالمنصب من الفياض ووجد أصحاب
صاحب الزنج ستمائة غلام من غلمان الشورجيين هناك فأخذوهم وقتلوا وكلاءهم
ـ561ـ
وأتوه بهم ومضى حتى انتهى إلى قصر يعرف بالجوهرى على السبخة المعروفة
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 561 سطر 1 الى ص 570 سطر 25
وأتوه بهم ومضى حتى انتهى إلى قصر يعرف بالجوهرى على السبخة المعروفة
بالبرامكة فأقام فيه ليلته تلك ثم سار حيث أصبح حتى وافى الشبخة التى تشرع
على النهر المعروف بالدينارى ومؤخرها يفضى إلى النهر المعروف بالمحدث
فأقام بها وجمع أصحابه وأمرهم ألا يعجلوا بالذهاب إلى البصرة حتى يأمرهم
وتفرق أصحابه في انتهاب كل ما وجدوا وبات هناك ليلته تلك
* ذكر الخبر عن مسير صاحب الزنج بزنوجه وجيوشه فيها إلى البصرة *
ذكر أنه سار من السبخة التى تشرع على النهر المعروف بالدينارى
ومؤخرها يفضى إلى النهر المعروف بالمحدث بعد ما جمع بها أصحابه يريد البصرة
حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحى أتاه قوم من السودان فأعلموه أنهم رأوا
في الرياحى بارقة فلم يلبث إلا يسيرا حتى تنادى الزنج السلاح فأمر على بن أبان
بالعبور اليهم وكان القوم في شرقى النهر المعروف بالدينارى فعبر في زهاء
ثلاثة آلاف وحبش صاحب الزنج عنده أصحابه وقال لعلى إن احتجت إلى
مزيد في الرجال فاستمدنى فلما مضى صاح الزنج السلاح لحركة رأوها من غير
الجهة التى صار اليها على فسأل عن الخبر فأخبر أنه قد أتاه قوم من ناحية القرية
الشارعة على نهر حرب المعروفة بالجعفرية فوجه محمد بن سلم إلى تلك الناحية
فذكر عن صاحبه المعروف بريحان أنه قال كنت فيمن توجه مع محمد
وذلك في وقت صلاة الظهر فوافينا القوم بالجعفرية فنشب القتال بيننا وبينهم
إلى آخر وقت العصر ثم حمل السودان عليهم حملة صادقة فولوا منهزمين
وقتل من الجند والاعراب وأهل البصرة البلالية والسعدية خمسمائة رجل
وكان فتح المعروف بغلام أبى شيث معهم يومئذ فولى هاربا فأتبعه فيروز
الكبير فلما رآه جادا في طلبه رماه ببيضة كانت على رأسه فلم يرجع عنه فرماه بترسه
فلم يرجع عنه فرماه بتنور حديد كان عليه فلم يرجع عنه ووافى به نهر حرب فألقى فتح
نفسه فيه فأفلت ورجع فيروز ومعه ماكان فتح ألقاه من سلاحه حتى أتى به صاحب
الزنج قال محمد بن الحسن قال شبل حكى لنا ان فتحا ظفر يومئذ نهر حرب قال فحدثث
( 36 7 )
ـ562ـ
هذا الحديث الفضل بن عدى الدارمى فقال أنا يومئذ مع السعدية ولم يكن على
فتح تنور حديد وما كان إلا صدرة حرير صفراء ولقد قاتل يومئذ حتى لم يبق
أحد يقاتل وأتى نهر حرب فوثبه حتى صار إلى الجانب الغربى منه ولم يعرف ما
حكى ريحان من خبر فيروز * قال وقال ريحان لقيت فيروز قبل انتهائه إلى صاحب
الزنج فاقتص على قصته وقصة فتح وأرانى السلاح وأقبل الزنج على أخذ الاسلاب
وأخذت على النهر المعروف بالدينارى فاذا أنا برجل تحت نخلة عليه قلنسوة خز
وخف أحمر ودراعة فأخذته فأرانى كتبا معه وقال لى هذه كتب لقوم من أهل
البصرة وجهونى بها فألقيت في عنقه عمامة وقدته اليه وأعلمته خبره فسأله عن اسمه
فقال أنا محمد بن عبدالله وأكنى بأبى الليث من أهل أصبهان وانما أتيتك راغبا في
صحبتك فقبله ولم يلبث ان سمع تكبيرا فاذا على بن أبان قد وافاه ومعه رأس
البلالى المعروف بأبى الليث القواريرى * قال وقال شبل الذى قتل أبا الليث القواريرى
وصيف المعروف بالزهرى وهو من مذكورى البلالية ورأس المعروف بعبدان
الكسبى وكان له في البلالية صوت في رؤوس جماعة منهم فسأله عن الخبر فأخبره
انه لم يكن فيمن قاتله أشد قتالا من هذين يعنى أبا الليث وعبدان وأنه هزمهم حتى
ألقاهم في نهر نافذ وكانت معهم شذاة فغرقها ثم جاءه محمد بن سلم ومعه رجل من
البلالية أسيرا أسره شبل يقال له محمد الازرق القواريرى ومعه رؤس كثيرة فدعا
الاسير فسأله عن أصحاب هذين الجيشين فقال له أما الذين كانوا في الرياحى فان
قائدهم كان أبا منصور الزينبى وأما الذين كانوا مما يلى نهر حرب فان قائدهم كان
سليمان أخا الزينبى من ورائهم مصحرا فسأله عن عددهم فقال له لا أحصيهم إلا
أنى أعلم أنهم كثير عددهم فأطلق محمد القواريرى وضمه إلى شبل وسار حتى وافى
سبخة الجعفرية فأقام ليلته بين القتلى فلما أصبح جمع أصحابه فحذرهم أن يدخل أحد
منهم البصرة وسار فتسرع منهم انكلويه وزريق و أبوالخنجر ولم يكن قود
يومئذ وسليم ووصيف الكوفى فوافوا النهر المعروف بالشاذانى وأتاهم أهل
البصرة وكثروا عليهم وانتهى الخبر اليه فوجه محمد بن سلم وعلى بن أبان ومشرقا
ـ563ـ
غلام يحيى في خلق كثير وجاء هو يسايرهم ومعه السفن التى فيها الدواب المحمولة
ونساء الغلمان حتى أقام بقنطرة نهر كثير * قال ريحان فأتيته وقد رميت بحجر
فأصاب ساقى فسألنى عن الخبر فأخبرته أن الحرب قائمة فأمرنى بالرجوع وأقبل
معى حتى أشرف على نهر السبابجة ثم قال لى امض إلى أصحابنا فقل لهم يستأخروا عنهم
فقلت له ابعد عن هذا الموضع فإنى لست آمن عليك الخول فتنحى ومضيت
فأخبرت القواد بما أمر به فتراجعوا وأكب أهل البصرة عليهم وكانت هزيمة
وذلك عند العصر ووقع الناس في النهرين نهر كثير ونهر شيطان فجعل يهتف بهم
ويردهم فلا يرجعون وغرق جماعة من أصحابه في نهر كثير وقتل منهم جماعة على
شط النهر وفى الشاذانى فكان ممن غرق يومئذ من قواده أبوالجون ومبارك
البحرانى وعطاء البربرى وسلام الشأمى ولحقه غلام أبى شيث وحارث القيسى
وسحيل فعلوا القنطرة فرجع إليهم وانهزموا عنه حتى صاروا إلى الارض وهو
يومئذ في دراعة وعمامة وفعل وسيف وترسه في يده ونزل عن القنطرة وصعدها
البصريون يطلبونه فرجع فقتل منهم بيده رجلا على خمس مراق من القنطرة
وجعل يهتف بأصحابه ويعرفهم مكانه ولم يكن بقى معه في ذلك الموضع من
أصحابه إلا أبوالشوك ومصلح ورفيق غلام يحيى * قال ريحان فكنت معه
فرجع حتى صار إلى المعلى فنزل في غربى نهر شيطان * قال محمد بن الحسن فسمعت
صاحب الزنج يحدث قال لقد رأيتنى في بعض نهار هذا اليوم وقد ضللت عن
أصحابى وضلوا عنى فلم يبق معى إلا مصلح ورفيق وفى رجلى نعل سندى وعلى
عمامة قد انحل كور منها فأنا أسحبها من ورائى ويعجلنى المشى عن رفعها ومعى سيفى
وترسى وأسرع مصلح ورفيق في المشى وقصرت فغابا عنى ورأيت في أثرى رجلين
من أهل البصرة في يد أحدهما سيف وفى يد الآخر حجارة فلما رأيانى عرفانى
فجدا في طلبى فرجعت إليهما فانصرفا عنى ومضيت حتى خرجت إلى الموضع
الذى فيه مجمع أصحابى وكانوا قد تحيروا لفقدى فلما رأونى سكنوا إلى رؤيتى *
قال ريحان فرجع بأصحابه إلى موضع يعرف بالمعلى في غربى نهر شيطان فنزل
ـ564ـ
به وسأل عن الرجال فذا قد هرب كثير منهم ونظر فاذا هو من جميع أصحابه في
مقدار خمسمائة رجل فأمر بالنفخ في البوق الذى كانوا يجتمعون لصوته فلم يرجع
إليه أحد وبات ليلته فلما كان في بعض الليل جاء الملقب بجربان وقد كان هرب
فيمن هرب ومعه ثلاثون غلاما فسأله أين كانت غيبته فقال ذهبت إلى الزوارقة
طليعة * قال ريحان ووجهنى لاتعرف له من في قنطرة نهر حرب فلم أجد هناك
أحدا وقد كان أهل البصرة انتهبوا السفن التى كانت معه وأخذوا الدواب التى
كانت فيها في هذا اليوم وظفروا بمتاع من متاعه وكتب من كتبه و اصطرلابات كانت
معه فلما أصبح من غد هذا اليوم نظر في عدة أصحابه فإذا هم ألف رجل قد كانوا ثابوا
إليه في ليلتهم تلك * قال ريحان فكان فيمن هرب شبل وكان ناصح الرملى ينكر هرب
شبل قال ريحان فرجع شبل من غد ومعه عشرة غلمان فلامه وسأل عن غلام كان
يقال له نادر يكنى بأبى نعجة وعن عنبر البربرى فأخبر أنهما هربا فيمن هرب فأقام في
موضعه وأمر محمد بن سلم أن يصير إلى قنطرة نهر كثير فيعظ الناس ويعلمهم ما الذى
دعاه إلى الخروج فصار محمد بن سلم وسليمان بن جامع ويحيى بن محمد فوقف سليمان
ويحيى وعبر محمد بن سلم حتى توسط أهل البصرة وجعل يكلمهم ورأوا منه غرة
فانطووا عليه فقتلوه * قال الفضل بن عدى عبر محمد بن سلم إلى أهل البصرة
ليعظهم وهم مجتمعون في أرض تعرف بالفضل بن ميمون فكان أول من بدر
اليه وضربه بالسيف فتح غلام أبى شيث وأتاه ابن التومنى السعدى فاحتز رأسه
فرجع سليمان ويحيى اليه فأخبراه الخبر فأمرهما بطى ذلك عن الناس حتى يكون
هو الذى يقوله لهم فلما صلى العصر نعى محمد بن سلم لاصحابه وعرف خبره من
لم يكن عرفه فقال لهم إنكم تقتلون به في غد عشرة آلاف من أهل البصرة ووجه
زريقا وغلاما له يقال له سقلبتويا وأمرهما بمنع الناس من العبور وذلك في يوم
الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة 255 قال محمد بن الحسن
فحدثنى محمد بن سمعان الكاتب قال لما كان في يوم الاثنين لاربع عشرة ليلة خلت
من ذى القعدة جمع له أهل البصرة وحشدوا له لما رأوا من ظهورهم عليه في
ـ565ـ
يوم الاحد وانتدب لذلك رجل من أهل البصرة يعرف بحماد الساجى وكان من
غزاة البحر في الشذا وله علم بركوبها والحرب فيها فجمع المطوعة ورماة الاهداف
وأهل المسجد الجامع ومن خف معه حزبى البلالية والسعدية ومن أحب النظر
من غير هذه الاصناف من الهاشميين و القريشيين وسائر أصناف الناس فشحن
ثلاثة مراكب من الشذا من الرماة وجعلوا يزدحمون في الشذا حرصا على حضور
ذلك المشهد ومضى جمهور الناس رجالة منهم من معه السلاح ومنهم نظارة لاسلاح
معهم فدخلت الشذا والسفن النهر المعروف بأم حبيب بعد زوال الشمس من
ذلك اليوم في المد ومرت الرجالة والنظارة على شاطئ النهر قد سدوا ما ينفذ فيه
البصر تكاثفا وكثرة وكان صاحب الزنج مقيما بموضعه من النهر المعروف
بشيطان * قال محمد بن الحسن فأخبرنا صاحب الزنج انه لما أحس بمصير الجمع
اليه وأتته طلائعه بذلك وجه زريقا وأبا الليث الاصبهانى في جماعة معهما
في الجانب الشرقى من النهر كمينا وشبلا وحسينا الحمامى في جماعة من أصحابه
في الجانب الغربى بمثل ذلك وأمر على بن أبان ومن بقى معه من جمعه
بتلقى القوم وأن يجثو لهم فيمن معه ويستتروا بتراسهم فلا يثور اليهم منهم
ثائر حتى يوافيهم القوم ويوموا اليهم بأسيافهم فاذا فعلوا ذلك ثاروا اليهم وتقدم
إلى الكمينين إذا جاوزهما الجمع وأحسا بثورة أصحابهم اليهم أن يخرجا من جنبتى
النهر ويصيحا بالناس وأمر نساء الزنج بجمع الآجر وإمداد الرجال به * قال وكان
يقول لاصحابه بعد ذلك لما أقبل إلى الجمع يومئذ وعاينته رأيت أمرا هائلا
راعنى وملا صدرى رهبة وجزعا وفزعت إلى الدعاء وليس معى من أصحابى
إلا نفر يسير منهم مصلح وليس منا أحد إلا وقد خيل له مصرعه في ذلك
فجعل مصلح يعجبنى من كثرة ذلك الجمع وجعلت أومى اليه أن يمسك فلما قرب
القوم منى قلت اللهم إن هذه ساعة العسرة فأعنى فرأيت طيورا بيضا تلقت ذلك الجمع
فلم أستتم كلامى حتى بصرت بسميرية قد انقلبت بمن فيها فغرقوا ثم تلتها الشذا وثار
أصحابى إلى القوم الذين قصدوا لهم فصاحوا بهم وخرج الكمينان عن جنبتى النهر
ـ566ـ
من وراء السفن والرجالة وخبطوا من ولى من الرجالة والنظارة الذين كانوا على
شاطئ النهر المعروف فغرقت طائفة وقتلت طائفة وهربت طائفة نحو الشط
طمعا في النجاة فأدركها السيف فمن ثبت قتل ومن رجع إلى الماء غرق ولجأ
من كان على شاطئ النهر من الرجالة إلى النهر فغرقوا وقتلوا حيت أبير أكثر ذلك
الجمع ولم ينج منهم إلا الشريد وكثرت المفقودون بالبصرة وعلا العويل من
نسائهم وهذا يوم الشذا الذى ذكره الناس وأعظموا ما كان فيه من القتل وكان
فيمن قتل من بنى هاشم جماعة من ولد جعفر بن سليمان وأربعون رجلا من الرماة
المشهورين في خلق كثير لا يحصى عددهم وانصرف الخبيث وجمعت له الرؤس فذهب
اليه جماعة من أولياء القتلى فعرضها عليهم فأخذوا ما عرفوا منها وعبأ ما بقى عنده
من الرؤس التى لم يأت لها طالب في جريبية ملاها منها وأخرجها من النهر المعروف
بأم حبيب في الجزر وأطلقها فوافت البصرة فوقفت في مشرعة تعرف بمشرعة
القيار فجعل الناس يأتون تلك الرؤس فيأخذ رأس كل رجل أولياؤه وقوى
عدو الله بعد هذا اليوم وتمكن الرعب في قلوب أهل البصرة منه وأمسكوا عن
حربه وكتب إلى السلطان بخبر ما كان منه فوجه جعلان التركى مددا لاهل البصرة
وأمر أبا الاحوص الباهلى بالمصير إلى الابلة واليا وأمده برجل من الاتراك
يقال له جريح . فزعم الخبيث ان أصحابه قالوا له بعقب هذه الوقعة إنا قد قتلنا
مقاتلة أهل البصرة ولم يبق فيها إلا ضعفاؤهم ومن لاحراك به فأذن لنا في تقحمها
فزبرهم وهجن آراءهم وقال لهم لابل ابعدوا عنها فقد أرعبناهم وأخفناهم وأمنتم
جانبهم فالرأى الآن أن تدعوا حربهم حتى يكونوا هم الذين يطلبونكم ثم انصرف
بأصحابه إلى سبخة بمآخير أنهارهم إردب يقارب النهر المعروف بالحاجر . قال
شبل هى سبخة أبى قرة وقعها بين النهرين نهر أبى قرة والنهر المعروف بالحاجر
فأقام هناك وأمر أصحابه باتخاذ الاكواخ وهذه السبخة متوسطة النخل والقرى
و العمارات وبث أصحابه يمينا وشمالا يغير بهم على القرى ويقتل بهم الاكرة
وينهب أموالهم ويسوق مواشيهم فهذا ما كان من خبره وخبر الناس الذين قربوا
ـ567ـ
من موضع مخرجه في هذه السنة ( ولليلتين ) بقيتا من ذى القعدة منها حبس الحسن
ابن محمد بن أبى الشوارب القاضى وولى عبدالرحمن بن نائل البصرى قضاء
سامرا في ذى الحجة منها ( وحج ) بالناس فيها على بن الحسن بن إسماعيل بن
العباس بن محمد بن على
* ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين *
* ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة *
فمن ذلك ما كان من موافاة موسى بن بغا سامرا واختفاء صالح بن وصيف
لمقدمه وحمل من كان مع موسى من قواده المهتدى من الجوسق إلى دارياجور *
ذكر أن دخول موسى بن بغا سامرا بمن معه كان يوم الاثنين لاحدى عشرة
ليلة خلت من المحرم من هذه السنة فلما دخلها أخذ في الحير وعبأ أصحابه ميمنة
وميسرة وقلبا في السلاح حتى صار إلى باب الحير مما يلى الجوسق والقصر الاحمر
وكان ذلك يوما جلس فيه المهتدى للناس للمظالم فكان ممن أحضره في ذلك اليوم
بسبب المظالم أحمد بن المتوكل بن فتيان فكان في الدار إلى أن دخل الموالى فحملوا
المهتدى إلى دار ياجور واتبعه أحمد بن المتوكل إلى ما هناك فلم يزل موكلا به في
مضرب مفلح إلى أن انقطع الامر ورد المهتدى إلى الجوسق ثم أطلق وكان القيم
بأمر دار الخلافة بايكباك فصيرها إلى ساتكين قبل ذلك بأيام فظن الناس أنه إنما
فعل ذلك لثقته بساتكين وأنه على أن يغلب على الدار والخليفة وقت قدوم موسى
فلما كان في ذلك اليوم لزم منزله وترك الدار خالية وصار موسى في جيشه إلى الدار
والمهتدى جالس للمظالم فأعلم بمكانه فأمسك ساعة عن الاذن ثم أذن لهم فدخلوا
فجرى من الكلام نحو ما جرى يوم قدوم الوفد والرسل فلما طال الكلام تراطنوا
فيما بينهم بالتركية وأقاموه في مجلسه وحملوه على دابة من دواب الشاكرية وانتهبوا
ما كان في الجوسق من دواب الخاصة ومضوا يريدون الكرخ فلما صاروا عند باب
الحير في القطائع عند دار ياجور أدخلوه دار ياجور * فذكر عن بعض الموالى
ـ568ـ
ممن حضرهم ذلك اليوم أن سبب أخذهم المهتدى ذلك اليوم كان أن بعضهم قال لبعض
إن هذه المطاولة إنما هى حيلة عليكم حتى يكبسكم صالح بن وصيف بجيشه فخافوا
ذلك فحملوه وذهبوا به إلى الموضع الآخر فذكر عمن سمع المهتدى يقول لموسى ماتريد
ويحك اتق الله وخفه فانك تركب أمرا عظيما * قال فرد عليه موسى انا ما نريد
إلا خيرا ولا وتربة المتوكل لا نالك منا شر البتة * قال الذى ذكر فقلت في نفسى
لو أراد خيرا لحلف بتربة المعتصم أو الواثق ولما صاروا به إلى دار ياجور أخذوا
عليه العهود والمواثيق ألا يمايل صالحا عليهم ولايضمن لهم إلا مثل ما يظهر ففعل
ذلك فجحدوا له البيعة ليلة الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من المحرم وأصبحوا يوم
الثلاثاء فوجهوا إلى صالح أن يحضرهم للمناظرة فوعدهم ان يصير اليهم * فذكر
عن بعض رؤساء الفراغنة أنه قيل له ما الذى تطالبون به صالح بن وصيف فقال
دماء الكتاب وأموالهم ودم المعتز وأمواله وأسبابه . ثم أقبل القوم على إبرام
الامور وعسكرهم خارج بباب الحير عند باب ياجور فلما كانت ليلة الاربعاء
استتر صالح فذكر عن طلمجور أنه قال كانت ليلة الاربعاء اجتمعنا عند صالح
وقد أمر ان يفرق أرزاق اصحاب النوبة عليهم فقال لبعض من حضره أخرج
فأعرض من حضر من الناس فكانوا بالغداة زهاء خمسة آلاف . قال فعاد اليه وقال
يكونون ثمانمائة رجل اكثرهم غلمانك ومواليك فأطرق مليا ثم قام وتركنا ولم يأمر بشئ
وكان آخر العهد به وذكر عمن سمع بختيشوع يقول وهو يعرض بصالح قبل قدوم
موسى حركنا هذا الجيش الخشن وراغمناه حتى إذا اقبل الينا تشاغلنا بالنرد والشرب
كأنا بنا وقد اختفينا إذا ورد القاطول فكان الامر كذلك * وغدا طغتا إلى باب
ياجور سحر يوم الاربعاء فلقيه مفلح فضربه بطبرزين فشجه في جانب جبينه
الايمن فكان الذين أقاموا مع صالح الليلة التى استتر فيها من القواد الكبار طغتا بن
الصيغون وطلمجور صاحب المؤيد ومحمد بن تركش وخموش والنوشرى ومن
الكتاب الكبار أبوصالح عبدالله بن محمد بن يزداد وعبدالله بن منصور وأبوالفرج
وأصبح الناس يوم الاربعاء عشرة خلت من المحرم وقد استتر صالح وغدا
ـ569ـ
أبوصالح إلى دار ياجور وجاء عبدالله بن منصور فدخل الدار مع سليمان بن وهب
وتنصح اليهم أن عنده سفاتج بخمسة آلاف دينار وذكر أن صالحا أراده على
حملها فأبى الا أن يقر الامر قراره وخلع في هذا اليوم على كنجور ليتولى أمر دار
صالح وتفتيشها ومضى ياجور صاحب موسى فأتى الحسن بن مخلد من الموضع
الذى كان فيه محبوسا من دار صالح ( وفى ) هذا اليوم من هذا الشهر ولى سليمان
ابن عبدالله بن طاهر مدينة السلام والسواد ووجه اليه بخلع وزيد على ما كان يخلع
على عبيد الله بن عبدالله بن طاهر ( وفيه ) رد المهدى إلى الجوسق ودفع عبدالله
ابن محمد بن يزداد إلى الحسن بن مخلد ( وفيه ) أظهر النداء على صالح * ولثمان بقين
من صفر من هذه السنة قتل صالح بن وصيف
* ذكر الخبر عن سبب قتله وسبب الوصول اليه بعد اختفائه *
ذكر أن سبب ذلك كان أن المهتدى لما كان يوم الاربعاء لثلاث بقين من
المحرم سنة 256 أظهر كتابا ذكر أن سيما الشرابى زعم أن امرأة جاءت به مما
يلى القصر الاحمر ودفعته إلى كافور الخادم الموكل بالحرم وقالت له إن فيه نصيحة
وإن منزلى في موضع كذا فان أردتمونى فاطلبونى هناك فأوصل الكتاب إلى المهتدى
فلما طلبت في الموضع الذى وصفت حين احتيج إلى بحثها عن الكتاب لم توجد
ولم يعرف لها خبر * وقد ذكر أن المهتدى أصاب ذلك الكتاب ولم يدر من
رمى به * فذكر أن المهتدى دعا سليمان بن وهب بحضرة جماعة من الموالى فيهم
موسى بن بغا ومفلح وبايكباك وياجور وبكالبا وغيرهم فدفع الكتاب إلى سليمان
وقال له تعرف هذا الخط قال نعم هذا خط صالح بن وصيف فأمره أن يقرأه
عليهم فاذا صالح يذكر فيه أنه مستخف بسامرا وأنه انما استتر متخيرا للسلامة
وابقاء على الموالى وخوفا من ايصال الفتن بحرب إن حدثث بينهم وقصدا لان
يبيت القوم ويكون ما يأتونه بعد بصيرة مما ذكر في هذا الباب ثم ذكر ماصار
اليه من أموال الكتاب وقال إن علم ذلك عند الحسن بن مخلد وهو أحدهم وهو
في أيديكم ثم ذكر من وصل اليه ذلك المال وتولى تفريقه وذكر ماصار اليه
ـ570ـ
من أمر قبيحة وأشار إلى أن علم ذلك عند أبى صالح بن يزداد وصالح العطار ثم
ذكر أشياء في هذا المعنى بعضها يعتذر به وبعضها يحتج به ومخرج القول في ذلك
يدل على قوة في نفسه فلما فرغ سليمان من قراءة الكتاب وصله المهتدى بقول منه
يحث على الصلح والهدنة والالفة والاتفاق ويكره اليهم الفرقة والتفانى والتباغض
فدعا ذلك القوم إلى تهمته وأنه يعلم بمكان صالح وأنه يتقدمهم عنده فكان بينهم
في ذلك كلام كثير ومناظرات طويلة ثم أصبحوا يوم الخميس لليلتين بقيتا من
المحرم سنة 256 فصاروا جميعا إلى دار موسى بن بغا في داخل الجوسق يتراطنون
ويتكلمون واتصل الخبر بالمهتدى * فذكر عن أحمد بن خاقان الواثقى أنه قال
من ناحيتى انتهى الخبر إلى المهتدى وذلك أنى سمعت بعض من كان حاضرا المجلس
وهو يقول أجمع القوم على خلع الرجال * قال فصرت إلى أخيه إبراهيم فأعلمته
بذلك فدخل عليه فأعلمه ذلك وحكاه عنى فلم أزل خائفا أن يعجل أمير المؤمنين
فيخبرهم عنى بالخبر فرزق الله السلامة . وذكر أن أخا بايكباك قال لهم في هذا
المجلس لما أطلعوه على ما كانوا عزموا عليه انكم قتلتم ابن المتوكل وهو حسن
الوجه سخى الكف فاضل النفس وتريدون أن تقتلوا هذا وهو مسلم يصوم ولا
يشرب النبيذ من غير ذنب والله لئن قتلتم هذا لالحقن بخراسان ولاشيعن أمركم
هناك فلما اتصل الخبر بالمهتدى خرج إلى مجلسه متقلدا سيفا وقد لبس ثيابا نظافا
وتطيب ثم أمر بإدخالهم اليه فأبوا ذلك مليا ثم دخلوا عليه فقال لهم إنه قد بلغنى
ما أنتم عليه من أمرى ولست كمن تقدمنى مثل أحمد بن محمد المستعين ولا مثل ابن
قبيحة والله ما خرجت اليكم الا وأنا متحنط وقد أوصيت إلى أخى بولدى وهذا
سيفى والله لاضربن به ما استمسك قائمه بيدى والله لئن سقط من شعرى شعرة
ليهلكن أوليذهبن بها أكثركم أما دين أما حياء أما رعة كم يكون هذا الخلاف
على الخلفاء والاقدام والجرأة على الله سواء عليكم من قصد الابقاء عليكم ومن
كان إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها سرورا بمكروهكم وحبا
لبواركم خبرونى عنكم هل تعلمون أنه وصل إلى من دنياكم هذه شئ أما إنك تعلم
ـ571ـ
يا بايكباك أن بعض المتصلين بك أيسر من جماعة اخوتى وولدى وإن أحببت أن
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 571 سطر 1 الى ص 580 سطر 25
يا بايكباك أن بعض المتصلين بك أيسر من جماعة اخوتى وولدى وإن أحببت أن
تعرف ذلك فانظر هل ترى في منازلهم فرشا أو وصائف أو خدما أو جوارى أولهم
ضياع أو غلات سوأة لكم ثم تقولون إنى أعلم صالح وهل صالح إلا رجل من
الموالى وكواحد منكم فكيف الاقامة معه إذا ساء رأيكم فيه فإن آثرتم الصلح كان
ذلك ما أهوى لجمعكم وإن أبيتم الا الاقامة على ما أنتم عليه فشأنكم فاطلبوا صالحا
ثم ابلغوا شفاء أنفسكم وأما أنا فما أعلم علمه قالوا فاحلف لنا على ذلك قال أما
اليمين فإنى أبذلها لكم ولكنى أؤخرها حتى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة
والمعدلين وأصحاب المراتب غدا إذا صليت الجمعة فكأنهم لانوا قليلا ووجه في احضار
الهاشميين فحضروا في عشيتهم فأذن لهم فسلموا ولم يذكر لهم شيئا وأمروا بالمصير إلى الدار
لصلاة الجمعة فانصرفوا غدا الناس يوم الجمعة ولم يحدثوا شيئا وصلى المهتدى وسكن
الناس انصرفوا هادنين . وذكر عن بعض من سمع الكلام في يوم الاربعاء يقول إن
المهتدى لما خرن صالح قال إن بايكباك قد كان حاضرا ما عمل به صالح في أمر الكتاب
ومال ابن قبيحة فان كان صالح قد أخذ من ذلك شيئا فقد أخذ مثل ذلك بايكباك فكان
ذلك الذى أحفظ بايكباك ( وقال آخر ) إنه سمع هذا القول وإنه ذكر محمد بن
بغا وقال قد كان حاضرا وعالما بما أجروا عليه الامر والشريك في ذلك أجمع
فأحفظ ذلك أبانصر ( وقد قيل ) إن القوم من لدن قدم موسى كانوا مضمرين
هذا لمعنى منطوين على الغل وإنما كان يمنعهم منه خوف الاضطراب وقلة
الاموال فلما ورد عليهم مال فارس والاهواز تحركوا وكان ورود ذلك عليهم
يوم الاربعاء لثلاث بقين من المحرم ومبلغه سبعة عشر ألف ألف درهم وخمسمائة
ألف درهم * فلما كان يوم السبت انتشر الخبر في العامة أن القوم على أن يخلعوا
المهتدى ويفتكوا به وأنهم إنما أرادوه على ذلك وأرهقوه وكتبوا الرقاع
وألقوها في المسجد الجامع والطرقات فذكر بعض من زعم أنه قرأ رقعة منها فيها
( بسم الله الرحمن الرحيم ) يامعشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضى
المضاهى لعمر بن الخطاب أن ينصره على عدوه ويكفيه مؤنة ظالمة ويتم النعمة
ـ572ـ
عليه وعلى هذه الامة ببقائه فان الموالى قد أخذوه بأن يخلع نفسه وهو يعذب
منذ أيام والمدبر لذلك أحمد بن محمد بن ثوابة والحسن بن مخلد رحم الله من أخلص
النية ودعا وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الاربعاء لاربع خلون
من صفر من هذه السنة تحرك الموالى بالكرخ والدور ووجهوا إلى المهتدى
على لسان رجل منهم يقال له عيسى إنا نحتاج أن نلقى إلى أمير المؤمنين شيئا وسألوا
أن يوجه أمير المؤمنين اليهم أحد إخوته فوجه اليهم أخاه عبدالله أباالقاسم وهو
أكبر إخوته ووجه معه محمد بن مباشر المعروف بالكرخى فمضيا اليهم فسألاهم
عن شأنهم فذكروا أنهم سامعون مطيعون لامير المؤمنين وأنه بلغهم أن موسى
ابن بغا وبايكباك وجماعة من قوادهم يريدونه على الخلع وأنهم يبذلون دماءهم
دون ذلك وأنهم قد قرؤا بذلك رقاعا ما ألقيت في المسجد والطرقات وشكوا مع
ذلك سوء حالهم وتأخر أرزاقهم وما صار من الاقطاعات إلى قوادهم التى قد
أجحفت بالضياع والخراج وما صار لكبرائهم من المعاون و الزيادات من الرسوم
القديمة مع أرزاق النساء والدخلاء الذين قد استغرقوا أكثر أموال الخراج
وكثر كلامهم في ذلك فقال لهم أبوالقاسم عبدالله بن الواثق اكتبوا هذا في كتاب
إلى أمير المؤمنين أتولى إيصاله لكم فكتبوا ذلك وكاتبهم في الذى يكتبون محمد
ابن ثقيف الاسود وكان يكتب لعيسى صاحب الكرخ أحيانا وانصرف أبوالقاسم
ومحمد بن مباشر فأوصلا الكتاب إلى المهتدى فكتب جوابه بخطه وختمه بخاتمه
وغدا أبوالقاسم إلى الكرخ فوافاهم به إلى دار أشناس وقد صيروها
مسجد جامع لهم فوقف ووقفوا له في الرحبة واجتمع منهم زهاء مائة وخمسين
فارسا ونحو من خمسمائة راجل فأقرأهم من المهتدى السلام وقال يقول لكم
أمير المؤمنين هذا كتابى اليكم بخطى وخاتمى فاسمعوه وتدبروه ثم دفع الكتاب
إلى كاتبهم فقرأه فاذا فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) والحمد لله وصلى الله على محمد
النبى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا أرشدنا الله وإياكم وكان لنا ولكم وليا وحافظا
فهمت كتابكم وسرنى ماذكرتم من طاعتكم وما أنتم عليه فأحسن الله جزاءكم
ـ573ـ وتولى حياطتكم فأما ما ذكرتم من خلتكم وحاجتكم فعزيز على ذلك فيكم ولوددت
والله أن صلاحكم يهيأ بأن لا آكل ولا أطعم ولدى وأهلى إلا القوت الذى
لايسع شئ دونه ولا ألبس أحدا من ولدى إلا ماستر العورة ولا والله حاطكم
الله ما صار إلى منذ تقلدت أمركم لنفسى وأهلى وولدى ومتقدمى غلمانى وحشمى
إلا خمسة عشر ألف دينار وأنتم تقفون على ما ورد ويرد كل ذلك مصروف اليكم
غير مدخر عنكم وأما ماذكرتم مما بلغكم وقرأتم به الرقاع التى ألقيت في المساجد
والطرق وما بذلتم من أنفسكم فأنتم أهل ذلك وأين تعتذرون مما ذكرتم ونحن
وأنتم نفس واحدة فجزاكم الله عن أنفسكم وعهودكم وأمانتكم خيرا وليس الامر
كما بلغكم فعلى ذلك فليكن عملكم إن شاء الله وأما ماذكرتم من الاقطاعات والمعاون
وغيرها فأنا أنظر في ذلك وأصير منه إلى محبتكم إن شاء الله والسلام عليكم أرشدنا
الله وإياكم وكان لنا ولكم حافظا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبى
وآله وسلم تسليما كثيرا فلما بلغ القارئ من الكتاب إلى الموضع الذى قال ولم
يصل إلى إلا قدر خمسة عشر ألف دينار أشار أبوالقاسم إلى القارئ فسكت
ثم قال وهذا ماقدر هذا قد كان أمير المؤمنين في أيام إمارته يستحق في أقل من هذه المدة
ما هو أكثر منه بأرزاقه وانزاله ومعونته وقد تعلمون ما كان من تقدمه يصرفه
في صلات المخنثين والمغنين وأصحاب الملاهى وبناء القصور وغير ذلك فادعوا
الله لامير المؤمنين ثم قرأ الكتاب حتى أتى على الكتاب فلما فرغ كثر الكلام
وقالوا قولا فقال لهم أبو القاسم اكتبوا بذلك كتابا صدروه على مجارى الكتب
إلى الخلفاء واكتبوه عن القواد وخلفائهم والعرفاء بالكرخ والدور وسامرا
فكتبوا بعد أن دعوا الله فيه لامير المؤمنين ان الذى يسألون أن ترد الامور إلى أمير
المؤمنين في الخاص والعام ولا يعترض عليه معترض وأن ترد رسومهم إلى ماكانت
عليه أيام المستعين بالله وهو أن يكون على كل تسعة منهم عريف وعلى كل خمسين خليفة
وعلى كل مائة قائد وأن تسقط النساء و الزيادات والمعاون ولايدخل مولى في
قبالة ولاغيرها وأن يوضع لهم العطاء في كل شهرين على مالم يزل وأن تبطل
ـ574ـ
الاقطاعات وأن يكون أمير المؤمنين يزيد من شاء ويرفع من شاء وذكروا أنهم
صائرون في أثر كتابهم إلى باب أمير المؤمنين ومقيمون هناك إلى أن تقضى حوائجهم وأنه
ان بلغهم أن أحدا اعترض على أمير المؤمنين في شئ من الامور أخذوا رأسه وإن سقط
من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا به موسى بن بغا وبايكباك وفلحا وياجور وبكالبا
وغيرهم ودعوا الله لامير المؤمنين ودفعوا الكتاب إلى أبى القاسم فانصرف به حتى
أوصله وتحرك الموالى بسامرا واضطرب القواد جدا قد كان المهتدى قعد للمظالم
وأدخل الفقهاء والقضاة وأخذوا مجالسهم وقام القواد في مراتبهم وسبق دخول أبى
القاسم دخول المتظلمين فقرأ المهتدى الكتاب قراءة ظاهرة وخلا بموسى بن بغا ثم
أمر سليمان بن وهب أن يوقع في رقعتهم بإجابتهم إلى ما سألوا فلما فعل ذلك في
فصل من الكتاب أو فصلين قال أبوالقاسم يا أمير المؤمنين لايقنعهم إلا خط
أمير المؤمنين وتوقيعه فأخذ المهتدى كتابهم فضرب على ما كان سليمان وقع في
ذلك ووقع في كل باب بإجابتهم إلى ماسألوا وبأن يفعل ذلك ثم كتب كتابا مفردا
بخطه وختمه بخاتمه ودفعه إلى أبى القاسم فقال أبوالقاسم لموسى وبايكباك ومحمد
ابن بغا وجهوا اليهم معى رسلا يعتذرون إليهم مما بلغهم عنكم فوجه كل واحد
منهم رجلا وصار أبوالقاسم اليهم وهم في مواضعهم وقد صاروا زهاء ألف فارس
وثلاثة آلاف راجل وذلك في وقت الظهر من يوم الخميس لخمس ليال خلون من صفر
من هذه السنة فأقرأهم من أمير المؤمنين السلام وقال لهم إن أمير المؤمنين قد
أجابكم إلى كل ماسألتم فادعوا الله لامير المؤمنين ثم دفع كتابهم إلى كاتبهم فقرأه
عليهم بما فيه من ا لتوقيعات ثم قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين فاذا فيه بسم الله
الرحمن الرحيم الحمد لله وحده وصلى الله على محمد النبى وآله وسلم أرشدكم الله
وحاطكم وأمتع بكم وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم وعلى أيديكم فهمت كتابكم
وقرأته على رؤسائكم فذكروا مثل الذى ذكرتم وسألوا مثل الذى سألتم وقد
أجبتكم إلى جميع ما سألتم محبة لصلاحكم وألفتكم واجتماع كلمتكم وقد أمرت
بتقرير أرزاقكم وأن تصير دارة عليكم فليست لكم حاجة إلى حركة فطيبوا
ـ575ـ
نفسا والسلام أرشدكم الله وحاطكم وأمتع بكم وأصلح أموركم وأمور المسلمين
بكم وعلى أيديكم فلما فرغ القارئ من الكتاب قال لهم أبوالقاسم وهؤلاء رسل
رؤسائكم يعتذرون اليكم من شئ إن كان بلغكم عنهم وهم يقولون إنما أنتم
إخوة وأنتم منا والينا وتكلم الرسل بمثل ذلك فتكلموا أيضا كلاما كثيرا ثم كتبوا
كتابا يعتذرون فيه بمثل العذر الاول إلى أمير المؤمنين وذكروا فيه خصالا مما
ذكروه في الكتاب الذى قبله ووصفوا أنه لايقنعهم إلا أن ينفذ اليهم خمس
توقيعات توقيعا بحط الزيادات وتوقيعا برد الاقطاعات وتوقيعا بإخراج الموالى
البوابين من الخاصة إلى عداد البرانيين وتوقيعا برد الرسوم إلى ما كانت عليه
أيام المستعين وتوقيعا برد التلاجئ حتى يدفعوها إلى رجل يضمون اليه خمسين
رجلا من أهل الدور وخمسين رجلا من أهل سامرا ينتجزون من الدواوين ثم
يصير أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أو غيرهم ممن يرى ليسفر بينه وبينهم
بأمورهم ولايكون رجلا من الموالى وأن يؤمر صالح بن وصيف فيحاسب هو
وموسى بن بغا على ما عندهم من الاموال وأنه لايرضيهم دون ما سألوا في كتبهم
كلها مع تعجيل العطاء وإدرار أرزاقهم عليهم في كل شهرين وأنهم قد كتبوا إلى
أهل سامرا والمغاربة في موافاتهم وأنهم صائرون إلى باب أمير المؤمنين لينجز
ذلك لهم ودفعوا الكتاب إلى أبى القاسم أخى أمير المؤمنين وكتبوا كتابا آخر إلى
موسى بن بغا وبايكباك ومحمد بن بغا ومفلح وياجور وبكالبا وغيرهم من القواد
الذين ذكروا أنهم كتبوا كتابا ذكروا فيه أنهم قد كتبوا إلى أمير المؤمنين بما
كتبوا وان أمير المؤمنين لايمنعهم ما سألوا إلا أن يعترضوا عليه وأنهم إن فعلوا
ذلك وخالفوهم لم يوافقوهم على شئ وان أمير المؤمنين إن شاكته شوكة أو أخذ
من رأسه شعرة أخذوا رؤسهم جميعا وأنهم ليس يقنعهم إلا أن يظهر صالح بن
وصيف حتى يجمع بينه وبين موسى بن بغا حتى ينظر أين موضع الاموال فان
صالحا قد كان وعدهم قبل استتاره أن يعطيهم أرزاق ستة أشهر ثم دفعوا هذا
الكتاب إلى رسول موسى ووجهوا مع أبى القاسم عدة نفر منهم ليوصلوا إلى
ـ576ـ
أمير المؤمنين كتابهم وليستمعوا كلامه . فلما رجع أبوالقاسم وجه موسى زهاء
خمسمائة فارس فوقفوا على باب الحير بين الجوسق والكرخ فمال إليهم أبوالقاسم
ورسل القوم ورسل أنفسهم فدفع رسول موسى إلى موسى كتاب القوم إليه وإلى
أصحابه وفى الجماعة سليمان بن وهب وولده وأحمد بن محمد بن ثوابة وغيرهم من
الكتاب فلما قرأ الكتاب عليهم أعلمهم أبو القاسم ان معه كتابا من القوم
إلى أمير المؤمنين ولم يدفعه اليهم فركبوا جميعا وانصرفوا إلى المهتدى فوجدوه
في الشمس قاعدا على لبد قد صلى المكتوبة وكسر جميع ما كان في القصر من الملاهى
وآلاتها وآلات اللعب والهزل فدخلوا فأوصلوا اليه الكتب وخلوا مليا ثم أمر
المهتدى سليمان بن وهب بإنشاء الكتب على ما سألوا في خمس رقاع فأنفذها المهتدى
في درج كتاب منه بخطه ودفعه إلى أخيه وكتب القواد اليهم جواب كتابهم ودفعوه
إلى صاحب موسى فصار اليهم أبوالقاسم في وقت المغرب فأقرأهم من المهتدى
السلام وقرأ عليهم كتابه فاذا فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وفقنا الله وإياكم
لطاعته وما يرضيه فهمت كتابكم حاطكم الله وقد أنفذت اليكم ا لتوقيعات الخمس على
ماسألتم فوكلوا من يتنجزها من الدواوين ان شاء الله وأما ما سألتم من تصيير أمركم
إلى أحد اخوتى ليوصل إلى أخباركم ويؤدى إلى حوائجكم فوالله انى لاحب أن
أتفقد ذلك بنفسى وأن أطلع على كل أمركم وما فيه مصلحتكم وأنا مختار لكم الرجل
الذى سألتم من اخوتى أو غيرهم ان شاء الله فاكتبوا إلى بحوائجكم وما تعلمون
أن فيه صلاحكم فانى صائر من ذلك إلى ما تحبون ان شاء الله وفقنا الله وإياكم لطاعته
وما يرضيه وأوصل اليهم رسول موسى كتاب موسى وأصحابه فاذا فيه ( بسم الله الرحمن
الرحيم ) أبقاكم الله وحفظكم وأتم نعمته عليكم فهمنا كتابكم وانما أنتم اخواننا وبنو
عمنا ونحن صائرون إلى ما تحبون وقد أمر أمير المؤمنين أعزه الله في كل ما سألتم بما تحبون
وأنفذ ا لتوقيعات به اليكم وأما ماذكرتم من أمر صالح مولى أمير المؤمنين وتغيرنا له فهو
الاخ وابن العم وما أردنا من ذلك ما تكرهون فان وعدكم أن يعطيكم أرزاق ستة أشهر فقد
رفعنا إلى أمير المؤمنين رقاعا نسأله مثل الذى سألتم وأما ما قلتم من ترك الاعتراض على
ـ577ـ
أمير المؤمنين وتفويض الامر إليه فنحن سامعون مطيعون لامير المؤمنين والامور
مفوضة إلى الله وهو مولانا ونحن عبيده وما نعترض عليه في شئ من الامور
أصلا وأما ما ذكرتم أنا نريد بأمير المؤمنين سوءا فمن أراد ذلك فجعل الله دائرة
السوء عليه وأخزاه في دنياه وآخرته أبقاكم الله وحفظكم وأتم نعمته عليكم
فلما قرأ الكتاب عليهم قالوا لابى القاسم هذا المساء قد أقبل ننظر في أمرنا
الليلة ونعود بالغداة لنعرفك رأينا فافترقوا وانصرف أبوالقاسم إلى أمير المؤمنين
ثم أصبح القوم من غداة يوم الجمعة فلما كان في آخر الساعة الاولى ركب موسى
ابن بغا من دار أمير المؤمنين وركب الناس معه وهم قدر ألف وخمسمائة رجل
حتى خرج من باب الحير الذى يلى القطائع من الجوسق والكرخ فعسكر هناك
وخرج أبوالقاسم أخو المهتدى ومعه الكرخى حتى صار إلى القوم وهم زهاء
خمسمائة فارس وثلاثة آلاف راجل وقد كان أبوالقاسم انصرف في الليل ومعه
ا لتوقيعات فلما صار بينهم أخرج كتابا من المهتدى نسخته شبيه بالكتاب الذى في
درجه ا لتوقيعات فلما قرأ الكتاب ضجوا واختلفت أقاويلهم وكثر من يلحق
بهم من رجالة الموالى من ناحية سامرا في الحير فلم يزل أبوالقاسم ينتظر أن ينصرف
من عندهم بجواب يحصله يؤديه إلى أمير المؤمنين فلم يتهيأ ذلك إلى الساعة الرابعة
وانصرفوا فطائفة يقولون نريد ان يعز الله امير المؤمنين ويوفر علينا أرزاقنا فإنا
قد هلكنا بتأخيرها عنا وطائفة يقولون لانرضى حتى يولى علينا أمير المؤمنين
إخوته فيكون واحد بالكرخ وآخر بالدور وآخر بسامرا ولانريد أحدا من
الموالى يكون علينا رأسا وطائفة تقول نريد أن يظهر صالح بن وصيف وهى الاقل
فلما طال الكلام بهذا منهم انصرف أبوالقاسم إلى المهتدى بجملة من الخبر وبدأ
بموسى في الموضع الذى هو معسكر فيه فانصرف بانصرافه فلما صلى المهتدى الجمعة
صير الجيش إلى محمد بن بغا وأمره بالمصير إلى القوم مع أخيه أبى القاسم فركب
معه محمد بن بغا في زهاء خمسمائة فارس ورجع موسى إلى الموضع الذى كان فيه
بالغداة ومضى أبوالقاسم ومحمد بن بغا حتى خالطا القوم وأحاط الجميع به فقال
( 37 7 )
ـ578ـ
أبوالقاسم لهم إن أمير المؤمنين يقول قد أخرجت ا لتوقيعات لكم بجميع ما سألتم
ولم يبق لكم مما تحبون شئ إلا وأمير المؤمنين يبلغ فيه الغاية وهذا أمان لصالح
ابن وصيف بالظهور وقرأ عليهم أمانا لصالح بأن موسى وبايكباك سألا أمير
المؤمنين أعزه الله ذلك فأجابهما اليه وأكده بغاية التأكيد ثم قال فعلام اجتماعكم
فأكثروا الكلام فكان الذى حصله عند انصرافه أن قالوا نريد أن يكون موسى
في مرتبة بغا الكبير وصالح في مرتبة وصيف أيام بغا وبايكباك في مرتبته الاولى
ويكون الجيش في يد من هو في يده إلى أن يظهر صالح بن وصيف فيوضع لهم
العطاء وتتنجز لهم الارزاق بما في ا لتوقيعات قالوا نعم فانصرف القوم فلما صاروا
على قدر خمسمائة ذراع اختلفوا فقال قوم قد رضينا وقال قوم لم نرض وانصرف
رسل المهتدى إلى ان القوم قد تفرقوا وهم على أن ينصرفوا فانصرف عند ذلك
وتفرق الناس إلى مواضعهم من الكرخ والدور وسامرا فلما كان غداة يوم
السبت ركب ولد وصيف وجماعة من مواليهم وغلمانهم وتنادى الناس السلاح
وانتهب دواب العامة الرجالة رجالة أصحاب صالح بن وصيف ومضوا فعسكروا
بسامرا في طرف وادى اسحاق بن ابراهيم عند مسجد لجين أم ولد المتوكل وركب
أبوالقاسم عند ذلك يريد دار المهتدى فمر بهم في طريقه فتعلقوا به وبمن كان
معه من حشمه وغلمانه فقالوا له تؤدى إلى أمير المؤمنين عنا رسالة فقال لهم قولوا
فخلطوا ولم يتحصل من قولهم شيئا الا أنا نريد صالحا فمضى حتى أدى إلى أمير
المؤمنين ذلك والى موسى وجماعة القواد حضور * فذكر عن من حضر المجلس
أن موسى بن بغا قال يطلبون صالحا منى كأنى أنا أخفيته وهو عندى فان كان
عندهم فينبغى لهم أن يظهروه وتأكد عندهم الخبر باجتماع القوم وتحلب الناس
اليهم وتهايجوا من دار أمير المؤمنين فركبوا في السلاح وأخذوا في الحير حتى
اجتمعوا مابين الدكة وظهر المسجد الجامع فاتصل الخبر بالاتراك ومن كان ضوى
اليهم فانصرفوا ركضا وعدوا لايلوى فارس على راجل ولاكبير على صغير
حتى دخلوا الدروب والازقة ولحقوا بمنازلهم وزحف موسى وأصحابه جميعا فا
ـ579ـ
يبق بسامرا قائد ركب إلى دار أمير المؤمنين الا ركب معه ولزموا الحير حتى
خرجوا مما يلى الحائطين ثم خرجوا فأما مفلح وواجن ومن انضم اليهما فسلكوا
شارع بغداد حتى بلغوا سوق الغنم ثم عطفوا إلى شارع أبى أحمد حتى لحقوا بجيش
موسى وأما موسى وجماعة القواد الذين كانوا معه مثل ياجور وساتكين ويارجوخ
وعيسى الكرخى فانهم سلكوا على سمت شارع أبى أحمد حتى صاروا إلى الوادى
وانصرفوا إلى الجوسق فكان تقدير الجيش الذين كانوا مع موسى في هذا اليوم
وهو يوم السبت أربعة آلاف فارس في السلاح والقسى الموترة والدروع
والجواشن والرماح وال طبرزينات وكان أكثر القواد الذين كانوا بالكرخ يطلبون
صالحا مع موسى في هذا الجيش يريدون محاربة من يطلب صالحا ( وقد ذكر )
عن بعض من تخبر أمرهم أن أكثر من كان راكبا مع موسى كان هواه مع صالح
ولم يكن للكرخيين والدوريين في هذا اليوم حركة فلما وصل القوم إلى الجوسق
كان أول ما ظهر منهم النداء بأن من لم يحضر دار أمير المؤمنين في غداة يوم الاحد
من قواد صالح وأهله وغلمانه وأصحابه أسقط اسمه وخرب منزله وضرب وقيد وحدر
إلى المطبق ومن وجد بعد ثالثة من هذه الطبقة ظاهرا بعد استتار فقد حل به مثل ذلك
ومن أخذ دابة لعامى أو تعرض له في طريق فقد حلت به العقوبة الموجعة وبات الناس
ليلة الاحد لثمان خلون من صفر على ذلك فلما كان غداة يوم الاثنين انتهى إلى
المهتدى أن مساورا الشارى صار إلى بلد فقتل بها وحرق فنادى في مجلسه بالنفير
وأمر موسى ومفلحا وبايكباك بالخروج وأخرج موسى مضاربه فلما كان يوم
الاربعاء لاحدى عشرة مضت من صفر بطل أمر موسى ومحمد بن بغا ومفلح في
الخروج وقالوا لايبرح أحد منا حتى ينقطع أمرنا وأمر صالح وهم مجمعون على
ذلك يخافون من صالح أن يخلفهم بمكروه * وذكر عن بعض الموالى أنه قال رأيت
بعض من بنى وصيف وهو الذى كان جمع تلك الجموع يلعب مع موسى وبايكباك
بالصوالجة في ميدان بغا الصغير يوم الاربعاء لاحدى عشرة ليلة خلت من
صفر ثم جد هؤلاء في طلب بن وصيف فهجم بسببه على جماعة ممن كان
ـ580ـ
متصلا به قبل ذلك وممن اتهموه أنه آواه منهم إبراهيم بن سعدان النحوى وإبراهيم
الطالبى وهارون بن عبدالرحمن بن الازهر الشيعى و أبوالاحوص بن أحمد بن
سعيد بن سلم بن قتيبة وأبوبكر ختن أبى حرملة الحجام وشارية المغنية والسرخسى
صاحب الشرطة الخاصة وجماعة غيرهم * فذكر عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن
مصعب بن زريق قال حدثنى صاحب ربع القبة وهو ربع تلقاء دار صالح بن وصيف
قال بينا نحن قعود يوم الاحد إذا غلام قد خرج من زقاق وأراه مذعورا
فأنكرناه فأردنا مسألته عن شأنه ففاتنا فلم نلبث أن أقبل عيار من موالى صالح
ابن وصيف يعرف بروزبه ومعه ثلاثة نفر أو أربعة فدخلوا الزقاق فأنكرناهم
فلم يلبثوا ان خرجوا وأخرجوا صالح بن وصيف فسألنا عن الخبر فاذا الغلام
قد دخل دارا في الزقاق يطلب ماء ليشربه قال فسمع قائلا يقول بالفارسية أيها
الامير تنح فان غلاما قد جاء يطلب ماء فسمع الغلام ذلك وكان بينه وبين هذا
العيار معرفة فجاء فأخبر فجمع العيار ثلاثة أناسى وهجم عليه فأخرجه * وذكر
عن العيار الذى هجم عليه أنه قال قال لى الغلام ما قال فأقبلت ومعى ثلاثة نفر
فاذا بصالح بن وصيف بيده مرآة ومشط وهو يسرح لحيته فلما رآنى بادر فدخل
بيتا فخفت أن يكون قصد لاخذ سيف أو سلاح فتلومت ثم نظرت اليه فاذا هو
قد لجأ إلى زاوية فدخلت اليه فاستخرجته فلم يزدنى على التضرع شيئا قال فلما
تضرع إلى قلت ليس إلى تركك سبيل ولكنى أمر بك على أبواب إخوتك
وأصحابك وقوادك وصنائعك فان اعترض لى منهم اثنان أطلقتك في أيديهم قال
فأخرجته فما لقيت إلا من هو عونى على مكروهه * فذكر أنه لما أخذ مضى
به نحو ميلين ليس معه إلا أقل من خمسة نفر من أصحاب السلطان * وذكر أنه
أخذ حين أخذ وعليه قميص ومبطنة ملحم وسراويل وليس على رأسه شئ وهو
حاف ( وقيل ) إنه حمل على برذون صنابى والعامة تعدو خلفه وخمسة من الخاصة
يمنعون منه حتى انتهبوا به إلى دار موسى بن بغا فلما صاروا به إلى دار موسى
ابن بغا بايكباك ومفلح وياجور وساتكين وغيرهم من القواد ثم أخرجوه
ـ581ـ
من باب الحير الذى يلى قبلة المسجد الجامع ليذهبوا به إلى الجوسق وهو على
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 581 سطر 1 الى ص 590 سطر 25
من باب الحير الذى يلى قبلة المسجد الجامع ليذهبوا به إلى الجوسق وهو على
بغل بإكاف فلما صاروا به إلى حد المنارة ضربه رجل من أصحاب مفلح ضربة
من ورائه على عاتقه كاد يقذه منه ثم احتزوا رأسه وتركوا جيفته هناك وصاروا
به إلى دار المهتدى فوافوا به قبيل المغرب وهو في بركة قباء رجل من غلمان
مفلح يقطر دما فوصلوا به اليه وقد قام لصلاة المغرب فلم يره فأخرجوه ليصلح
فلما قضى المهتدى صلاته وخبروه أنهم قتلوا صالحا وجاؤا برأسه لم يزدهم على
أن قال واروه وأخذ في تسبيحه ووصل الخبر إلى منزله فارتفعت الواعية
وباتوا ليلتهم فلما كان يوم الاثنين لسبع بقين من صفر حمل رأس صالح بن
وصيف على قناة وطيف به ونودى عليه هذا جزاء من قتل مولاه ونصب
بباب العامة ساعة ثم نحى وفعل به ذلك ثلاثة أيام تتابعا وأخرج رأس بغا
الصغير في وقت صلب رأس صالح يوم الاثنين فدفع إلى أهله ليدفنوه * فذكر
عن بعض الموالى أنه قال رأيت مفلحا وقد نظر إلى رأس بغا فبكى وقال قتلنى
الله ان لم أقتل قاتلك فلما كان يوم الخميس لاربع بقين من صفر وجه موسى
بالرأس إلى أم الفضل ابنة وصيف وهى امرأة النوشرى وكانت قبله عند
سلمة بن خاقان . يذكر عن بعض بنى هاشم أنه قال هنأت موسى بن بغا بقتل صالح فقال كان عدو أمير المؤمنين استحق القتل قال وهنأت بايكباك
بذلك فقال مالى أنا وهذا إنما كان صالح أخى فقال السلولى لموسى إذ قتل
صالح بن وصيف
ونلت وترك من فرعون حين طغى * وجئت إذ جئت ياموسى على قدر
ثلاثة كلهم باغ أخو حسد * يرميك بالظلم والعدوان عن وتر
وصيف بالكرخ ممثول به وبغا * بالجسر محترق بالجمر والشرر
وصالح بن وصيف بعد منعفر * في الحير جيفته والروح في سقر
( وفى مستهل ) جمادى الاولى من هذه السنة رحل موسى بن بغا وبايكباك
إلى مساور وشيعهم محمد بن الواثق ( وفى جمادى ) الاولى أيضا منها التقى مساور
ـ582ـ
ابن عبدالحميد وعبيدة العمروسى الشارى بالكحيل وكانا مختلفى الآراء فظفر
مساور بعبيدة فقتله . وفى هذا الشهر من هذه السنة التقى مساور الشارى ومفلح
فحدثت عن مساور أنه انصرف من الكحيل بعد قتله العمروسى وقد كلم كثير
من أصحابه فلم يندمل كلومهم ولغبوا من الحرب التى كانت جرت بين الفريقين
إلى عسكر موسى ومن ضمه ذلك العسكر وهم حامون فأوقع بهم فلما لم يصل إلى
ما أراد منهم من الظفر بهم وكان التقاؤهم بجبل زينى تعلق هو وأصحابه بالجبل
فصاروا إلى ذروته ثم أوقدوا النيران وركزوا رماحهم وعسكر موسى بسفح
الجبل ثم هبط مساور وأصحابه من الجبل من غير الوجه الذى عسكر به موسى
فمضى وموسى وأصحابه يحسبون أنهم فوق الجبل ففاتوهم ( وفى رجب ) من هذه
السنة لاربع عشرة ليلة خلت منه خلع المهتدى وتوفى يوم الخميس لاثنتى عشرة
ليلة بقيت من رجب
* ذكر الخبر عن سبب خلعه ووفاته *
ذكر أن ساكنى الكرخ بسامرا والدور تحركوا لليلتين خلتا من رجب من هذه
السنة يطلبون أرزاقهم فوجه إليهم المهتدى طبايغو الرئيس عليهم وعبدالله
أخا المهتدى فكلمهم فلم يقبلوا منهما وقالوا نحن نريد أن نكلم أمير المؤمنين مشافهة
وخرج أبونصر بن بغا تحت ليلته إلى عسكر أخيه وهو بالسن بالقرب من
الشارى ودخل دار الجوسق جماعة منهم وذلك يوم الاربعاء فكلمهم المهتدى
بكلام كثير وقطع العطاء عن الناس يوم الاربعاء والخميس والناس متوقفون
حتى يعرفوا ما يصنع موسى بن بغا وكان موسى وضع العطاء في عسكره لشهر
وكان على مناجزة الشارى إذ استوى أصحابه فوقع الاختلاف ومضى موسى
يريد طريق خراسان واختلف في سبب الاختلاف الذى جرى فصار من أجله
موسى إلى طريق خراسان والسبب الذى من أجله خرج المهتدى لحرب من
حاربه من الاتراك فقال بعضهم كان السبب الذى من أجله تنحى موسى عن وجه
الشارى وترك حربه وصار إلى طريق خراسان أن المهتدى واستمال بايكباك وهو
ـ583ـ
مع موسى مقيم في وجه الشارى مساور وكتب إليه يأمره ان يضم العسكر الذى مع
موسى إلى نفسه وأن يكون هو الامير عليهم وأن يقتل موسى بن بغا ومفلحا أو
يحملهما إليه مقيدين فلما وصل الكتاب إلى بايكباك أخذه ومضى به إلى موسى
ابن بغا فقال إنى لست أفرح بهذا وإنما هذا تدبير علينا جميعا واذا فعل بك اليوم
شئ فعل بى غدا مثله فما ترى قال أرى أن تصير إلى سامرا فتخبره أنك في طاعته
وناصره على موسى ومفلح فإنه يطمئن إليك ثم ندبر في قتله فقدم بايكباك
فدخل على المهتدى وقد مضوا إلى منازلهم كما قدموا من عند الشارى فأظهر له
المهتدى الغضب وقال تركت العسكر وقد أمرتك أن تقتل موسى ومفلحا وداهنت
في أمرهما قال يا أمير المؤمنين وكيف لى بهما وكيف يتهيأ لى قتلهما وهما أعظم
جيشا منى وأعز منى ولقد جرى بينى وبين مفلح شئ في بعض الامر فما انتصفت
منه ولكنى قد قدمت بجيشى وأصحابى ومن أطاعنى لانصرك عليهما وأقوى أمرك
وقد بقى موسى في أقل العدد قال ضع سلاحك وأمر بادخاله دارا فقال يا أمير المؤمنين
ليس هذا سبيل مثلى إذا قدم من مثل هذا الوجه حتى أصير إلى منزلى وآمر أصحابى
وأهلى بأمرى قال ليس إلى ذلك سبيل أحتاج إلى مناظرتك فأخذ سلاحه فلما أبطأ
خبره على أصحابه سعى فيهم أحمد بن خاقان حاجب بايكباك فقال اطلبوا صاحبكم
قبل أن يحدث به حدث فجاشت الترك وأحاطوا بالجوسق فلما رأى ذلك المهتدى
وعنده صالح بن على بن يعقوب بن أبى جعفر المنصور شاوره وقال ما ترى قال
يا أمير المؤمنين إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة والاقدام وقد
كان أبومسلم أعظم شأنا عند أهل خراسان من هذا التركى عند أصحابه فما كان الا
أن طرح رأسه اليهم حتى سكنوا وقد كان فيهم من يعبده ويتخذه ربا فلو فعلت مثل
ذلك سكنوا فأنت أشد من المنصور إقداما وأشجع قلبا فأمر المهتدى الكرخى واسمه
محمد بن المباشر وكان حدادا بالكرخ يطرق المسامير فانقطع إلى المهتدى ببغداد فوثق
به ولزمه فأمره بضرب عنق بايكباك فضرب عنقه والاتراك مصطفون في الجوسق
في السلاح يطلبون بايكباك فأمر المهتدى عتاب بن عتاب القائد أن يرميهم برأسه
ـ584ـ
فأخذ عتاب الرأس فرمى به ليهم فتأخروا وجاشوا ثم شد رجل منهم على عتاب
فقتله فوجه المهتدى إلى الفراغنة والمغاربة والاوكشية و الاشروسنية والاتراك
الذين كانوا بايعوا على الدرهمين والسويق فجاؤا فكانت بينهم قتلى كثيرة كثر
فيها الناس فقيل قتل من الاتراك الذين قاتلوا نحو من أربعة آلاف وقيل ألفان
وقيل ألف وذلك يوم السبت لثلاث عشرة خلت من رجب من هذه السنة ثم
تتام القوم يوم الاحد فاجتمع جميع الاتراك فصار أمرهم واحدا فجاء منهم زهاء
عشرة آلاف رجل وجاء طوغتيا أخو بايكباك وأحمد بن خاقان حاجب بايكباك
في نحو من خمسمائة مع من جاء مع طغوتيا من الاتراك والعجم وخرج المهتدى
ومعه صالح بن على والمصحف في عنقه يدعو الناس إلى أن ينصروا خليفتهم فلما
التحم الشر مال الاتراك الذين مع المهتدى إلى أصحابهم الذين مع أخى بايكباك وبقى
المهتدى في الفراغنة والمغاربة ومن خف معه من العامة فحمل عليهم طغوتيا أخو
بايكباك حملة ثائر حران موتور فنقض تعبيتهم وهزمهم وأكثر فيهم القتل
وولوا منهزمين ومضى المهتدى يركض منهزما والسيف في يده مشهور وهو
ينادى يا معشر الناس انصروا خليفتكم حتى صار إلى دار أبى صالح عبدالله بن محمد
ابن يزداد وهو بعد خشبة بابك وفيها أحمد بن جميل صاحب المعونة فدخلها ووضع
سلاحه ولبس البياض ليعلوا دارا وينزل أخرى ويهرب فطلب فلم يوجد وجاء
أحمد بن خاقان في ثلاثين فارسا يسأل عنه حتى وقف على خبره في دار ابن جميل
فبادرهم ليصعد فرمى بسهم وبعج بالسيف ثم حمله أحمد بن خاقان على دابة أو بغل
وأردف خلفه سائسا حتى صار به إلى داره فدخلوا عليه فجعلوا يصفعونه ويبزقون
في وجهه وسألوه عن ثمن ما باع من المتاع والخرثى فأقر لهم بستمائة ألف قد أودعها
الكرخى الناس ببغداد وأصابوا عنده خسف الواضحة معنية فأخذوا رقعته
بستمائة ألف دينار ودفعوه إلى رجل فوطئ على خصييه حتى قتله ( وقال
بعضهم ) كان السبب وأول الخلاف أن اللاحقين من أولاد الاتراك
اجتمعوا وقالوا لا نرضى أن يكون علينا رئيس غير أمير المؤمنين وكتبوا
ـ585ـ
إلى موسى بن بغا و بايكبابك وهما في وجه الشارى فوافى موسى في رجاله حتى
صار إلى قنطرة في ناحية الوزيرية يوم الجمعة وعسكر المهتدى في الحير وقرب
منهم ثم خرج إلى الجوسق وعليه السلاح فلما كان يوم السبت لثلاث
عشرة خلت من رجب دخل بايكباك طائعا ومضى موسى إلى ناحية طريق
خراسان في نحو من ألفى رجل وجاء المهتدى رجل من الموالى فقال له إن بايكباك
قد وعد موسى أن يفتك بك في الجوسق فأخذ المهتدى بايكباك وأمر بنزع
سلاحه وحبسه فحبس يوم السبت إلى وقت العصر ثم خرج أهل الكرخ وأهل
الدور يطلبونه وانصرفوا وبكروا يوم الاحد فلم يتخلف منهم أحد إلا حضر
راكبا وراجلا في السلاح فلما صاروا إلى الجوسق صلى المهتدى الظهر وخرج
اليهم في الفراغنة والمغاربة فتطارد لهم الاتراك فحملوا عليهم فلما تبعوهم خرج كمين
لهم فقتل من الفراغنة والمغاربة جماعة كبيرة وهرب المهتدى ومر على باب أبى
الوزير وغلام له يصيح يامعشر الناس هذا خليفتكم وتراكض الاتراك خلفه
فدخل دار أحمد بن جميل وتسلق المهتدى من دار إلى دار وأحدق الاتراك بتلك
الناحية كلها فأخرجوه من دار غلام لعبد الله بن عمر البازيار وحملوه وبه طعنة في
خاصرته على برذون أعجف في قميص وسراويل وانتهبوا دار الكرخى ودور بنى
ثوابة وجماعة من الناس فلما كان يوم الاثنين حمل أحمد بن المتوكل المعروف بابن
فتيان إلى دار يارجوخ والاتراك يدورون في الشوارع ويحمدون العامة اذ لم
يتعرضوا لهم ( وقال آخرون ) بل كان السبب في ذلك أن أهل دور سامرا والكرخ
تحركوا في يوم الاثنين لليلة خلت من رجب من هذه السنة واجتمعوا بالكرخ
وفوقها فوجه المهتدى اليهم كيغلغ وطبايغوا بن صول ارتكين وعبدالله أخا
نفسه فلم يزالوا بهم حتى سكنوا ورجعوا إلى الدار وبلغ أبا نصر محمد بن بغا الكبير
أن المهتدى قد تكلم فيه وفى أخيه موسى وقال للموالى إن الاموال عندهم
فتخوفه واياهم فهرب في ليلة الاربعاء لثلاث خلون من رجب فكتب اليه المهتدى
أربعة كتب يعطيه فيها الامان على نفسه ومن معه ووصل كتابان اليه وهو بالمحمدية
ـ586ـ
مع ابرتكين بن برنماتكين ووصل الآخران اليه مع فرج الصغير فوثق بذلك
فرجع حتى دخل الدار هو وأخوه حبشون وبكالبا فحبسوا وحبس معهم كيغلغ
فأفرد أبونصر عنهم فطلب منه المال فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار وقتل
يوم الثلاثاء لثلاث خلون من رجب ورمى به في بئر من آبار القناة وأخرج من
البئر يوم الاثنين للنصف من رجب ومضى به إلى منزله وقد أراح فاشترى له
ثلثمائة مثقال مسك وستمائة مثقال كافور وصير عليه فلم ينقطع الرائحة وصلى عليه
الحسن بن المأمون وكتب المهتدى إلى موسى بن بغا عند حبسه أبا نصر يأمره
بتسليم العسكر إلى بايكباك والاقبال إلى سامرا في مواليه وكتب إلى بايكباك في
تسلم العسكر والقيام بقتال الشارى فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه
فاجتمعوا على الانصراف إلى سامرا وبلغ المهتدى ذلك وأنهم على خلافه فجمع
الموالى فحضهم على الطاعة وأمرهم بلزومه في الدار وترك الاخلال به وأجرى
على كل رجل من الاتراك ومن يجرى مجراهم في كل يوم درهمين وعلى كل رجل من
المغاربة درهما فاجتمع له من الفريقين وأخدانهم زهاء خمسة عشر ألف انسان
منهم من الاتراك المعروف بالكاملى في الجوسق وغيره من المقاصير وكان القيم بأمر
الدار بعد حبس كيغلغ مسرور البلخى والرئيس من القواد طبايغوا والقيم بحبس
من حبس من هؤلاء عبدالله بن تكين وبلغ موسى ومفلحا وبايكباك حبس أبى نصر
وحبشون ومن حبس فاخذوا حذرهم وجرت الرسل والكتب بينهم وبين المهتدى
يوم الخميس وخرج المهتدى يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من رجب بجمعه
متوقعا ورود القوم عليه فلم يأت أحد فلما كان يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت
من رجب صح الخبر بأن موسى قد عرج عن طريق سامراإلى ناحية الجبل مع
مفلح ودخل يوم السبت بايكباك ويارجوخ واساتكين وعلى بن بارس وسيما
الطويل وخطارمش إلى الدار فحبس بايكباك وأحمد بن خاقان خليفته وصرف
الباقون فاجتمع أصحاب بايكباك وغيره من الاتراك وقالوا لم يحبس قائدنا ولم
قتل أبو نصر فخرج اليهم المهتدى يوم السبت ولم يكن بينهم حرب فرجع وخرج
ـ587ـ
يوم الاحد وقد اجتمعوا له وجمع هو المغاربة والاتراك البرانيين والفراغنة فصير
على الميمنة مسرور البلخى وعلى الميسرة يارجوخ والمهتدى في القلب مع اساتكين
وطبايغوا وغيرهما من القواد فلما حميت الشمس قرب القوم بعضهم من بعض
وهاجت الحرب وطلبوا بايكباك فرمى اليهم المهتدى برأسه وكان عتاب بن عتاب
أخرجه من بركة قبائه فلما رأوه شد أخوه طغوتيا في جماعة من خاصته على جمع
المهتدى وعطفت الميمنة والميسرة من عسكر المهتدى فصاروا معهم وانهزم الباقون
عن المهتدى وقتل جماعة من الفريقين * فذكر عن حبشون بن بغا أنه قال قتل
سبعمائة وثمانون إنسانا وتفرق الناس ودخل المهتدى الدار فأغلق الباب الذى
دخل منه وخرج من باب المصاف حتى خرج من الباب المعروف بايتاخ ثم إلى
سويقة مسرور ثم درب الواثق حتى خرج إلى باب العامة وهو ينادى يامعشر
الناس أنا أمير المؤمنين قاتلوا عن خليفتكم فلم تجبه العامة إلى ذلك وهو يمر في
الشارع وينادى فلم يرهم ينصرونه فصار إلى باب السجن فأطلق من فيه وهو يظن
أنهم يعينونه فلم يكن منهم إلا الهرب ولم يجبه أحد فلما لم يجيبوه صار إلى دار أبى
صالح عبدالله بن محمد بن يزداد وفيها أحمد بن جميل صاحب الشرطة نازل فدخل
عليه فأخرج من ناحية ديوان الضياع ثم صير به إلى الجوسق فحبس فيه عند أحمد
ابن خاقان وانتهب دار احمد بن جميل وكان ممن قتل في المعركة من قواد المغاربة
نصر بن أحمد الزبيرى ومن قواد الشاكرية عتاب بن عتاب حين جاء برأس
بايكباك اليهم وقتل المهتدى فيما قيل في الوقعة عدة كثيرة بيده ثم جرى
بينهم وبينه بعد أن حبس كلام شديد وأرادوه على الخلع فأبى واستسلم
للقتل فقالوا إنه كان كتب رقعة بيده لموسى بن بغا وبايكباك وجماعة من
القواد أنه لايغدر بهم ولا يغتالهم ولا يفتك بهم ولا يهم بذلك وانه متى فعل
ذلك بهم أو بأحد منهم ووقفوا عليه فهم في حل من بيعته والامر اليهم يقعدون من
شاءوا فاستحلوا بذلك نقض أمره وقد كان يارجوخ بعد انهزام الناس صار إلى الدار
فأخرج من ولد المتوكل جماعة فصار بهم إلى داره فبايعوا أحمد بن المتوكل
ـ588ـ
المعروف بابن فتيان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب وسمى المعتمد
على الله وأشهد يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب على وفاة المهتدى محمد
ابن الواثق وأنه سليم به الا الجراحتان اللتان نالتاه يوم الاحد في الوقعة
احداهما من سهم والاخرى من ضربة وصلى عليه جعفر بن عبدالواحد وعدة
من اخوة أمير المؤمنين ودفن في مقبرة المنتصر ودخل موسى بن بغا ومفلح سامرا
يوم السبت لعشر بقين من رجب فسلم على المعتمد فخلع عليه وصار إلى منزله
وسكن الناس ( وقال بعضهم ) وذكر أنه كان شاهدا أمرهم لما كان ليلة الاثنين
لليلة خلت من رجب ثار أهل الكرخ والدور جميعا فاجتمعوا وكان المهتدى يوجه
اليهم إذ تحركوا أخاه عبدالله فوجه اليهم في هذا اليوم عبدالله أخاه كما كان يوجهه
فصار اليهم فوجدهم قد أقبلوا يريدون الجوسق فكلمهم وضمن لهم القيام بحوائجهم
فأبوا وقالوا لانرجع حتى نصير إلى أمير المؤمنين ونشكو اليه قصتنا فانصرف
منهم عبدالله وفى الدار في هذا الوقت أبو نصر محمد بن بغا وحبشون وكيغلغ
ومسرور البلخى وجماعة فلما أدى عبدالله إلى المهتدى مادار بينه وبينهم أمره
بالرجوع اليهم وأن يأتى بجماعة منهم فيوصلهم اليه فخرج فتلقاهم قريبا من الجوسق
فأدارهم على أن يقفوا بموضعهم ويوجهوا معه جماعة منهم فأبوا فلما تناهى الخبر
إلى أبى نصر ومن كان معه في الدار بأن جمعهم قد أقبل خرجوا جميعا من الدار
مما يلى النزالة فلم يبق في الدار إلا مسرور البلخى وألطون خليفة كيغلغ ومن
الكتاب عيسى بن فرخانشاه ودخل الموالى مما يلى باب القصر الاحمر فملاوا الدار
زهاء أربعة آلاف فصاروا إلى المهتدى فشكوا اليه حالهم وكان اعتمادهم في
مسألتهم أن يعزل عنهم أمراؤهم ويضم أمورهم إلى إخوة أمير المؤمنين وأن يوخذ
الامراء والكتاب بالخروج مما اختانوه من أموال السلطان وذكروا أن قدره
خمسون ومائة ألف ألف فوعدهم النظر في أمرهم وإجابتهم إلى ماسألوا فأقاموا
يومهم ذلك في الدار فوجه المهتدى محمد بن مباشر الكرخى فاشترى لهم الاسوقة
ومضى أبونصر بن بغا من فوره ذلك حتى عسكر في الحير بالقرب من موضع الحلبة
ـ589ـ
فلحق به زهاء خمسمائة رجل ثم تفرقوا عنه في ليلتهم فلم يبق إلا في أقل من مائة
ومضى فصار إلى المحمدية وأصبح الموالى في غداة يوم الاربعاء يطالبون بما
كانوا يطالبون به أولا فقيل لهم إن هذا الامر الذى تريدونه أمر صعب واخراج
الامر عن أيدى هؤلاء الامراء ليس بسهل عليكم فكيف إذ جمع إلى ذلك أخذهم
بالاموال فانظروا في أموركم فإن كنتم تظنون أنكم تصبرون على هذا الامر
حتى يبلغ منه غايته أجابكم اليه أمير المؤمنين وإن تكن الاخرى فان أمير المؤمنين
يحسن لكم النظر فأبوا الا ما سألوه أولا فدعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على
هذا القول ولايرجعوا عنه أن يقاتلوا من قاتلهم فيه وينصحوا لامير المؤمنين ويوالوه
فاجابوه إلى ذلك فأخذت عليهم أيمان البيعة فبايع في ذلك اليوم زهاء ألف رجل
وعيسى بن فرخانشاه الذى يجرى على يده الامور ومقامه مقام الوزير ثم كتبوا
إلى أبى نصر كتابا عن أنفسهم كتبه لهم عيسى بن فرخانشاه يذكرون فيه إنكارهم
خروجه من الدار عن غير سبب وأنهم انما قصدوا أمير المؤمنين ليشكوا اليه
حاجتهم وإنهم لما وجدوا الدار فارغة أقاموا فيها وأنهم اذا عاد ردوه إلى حاله
ولم يهيجوه وكتب عيسى عن الخليفة بمثل ذلك اليه فاقبل من المحمدية بين العصر
والعشاء فدخل الدار ومعه أخوه حبشون وكيغلغ وبكالبا وجماعة منهم فقام
الموالى في وجوههم معهم السلاح وقعد المهتدى فوصل اليه أبونصر ومن معه
فسلم عليه ودنا فقبل يد المهتدى ورجله والبساط وتأخر فخاطبه المهتدى بأن قال
له يا محمد ما عندك فيما يقول الموالى قال وما يقولون قال يذكرون أنكم احتجنتم
الاموال واستبددتم بالاعمال فما تنظرون في شئ من أمورهم ولا فيما عاد لمصلحتهم
فقال محمد يا أمير المؤمنين وما أنا والاموال ما كنت كاتب ديوان ولاجرت على يدى
أعمال فقال له فأين هى الاموال وهل هى إلا عندك وعند أخيك وكتابكم
وأصحابكم ودنا الموالى فتقدم عبدالله بن تكين وجماعة منهم فأخذوا بيد أبى نصر
وقالوا هذا عدو أمير المؤمنين يقوم بين يديه بسيف فأخذوا سيفه ودخل
غلام لابى نصر كان حاضرا يقال له ثيتل فسل سيفه وخطا ليمنعهم من أبى نصر
ـ590ـ
وكانت خطوته تلى الخليفة فسبقه عبدالله بن تكين فضرب رأسه بالسيف فما بقى
في الدار أحد إلا سل سيفه وقام المهتدى فدخل بيتا كان بقربه وأخذ محمد بن بغا
فأدخل حجرة في الدار وحبس أصحابه الباقون وأراد القوم قتل الغلام فمنعهم
المهتدى وقال إن لى في هذا نظر ثم أمر فأعطى قميصا من الخزانة وأمر بغسل
رأسه من الدم وحبس فأصبح الناس يوم الاربعاء وقد كثروا والبيعة تؤخذ ثم
أمر عبدالله بن الواثق بالخروج إلى الرفيف في ألف رجل من الشاكرية والفراغنة
وغيرهم وكان ممن أمر بالخروج من قواد خراسان محمد بن يحيى الواثقى وعتاب
ابن عتاب وهارون بن عبدالرحمن بن الازهر وابراهيم أخو أبى عون يحيى بن
محمد بن داود وولد نصر بن شيث و عبدالرحمن بن دينار وأحمد بن فريدون
وغيرهم ثم إن عبدالله بن الواثق بلغه عن هؤلاء القواد أنهم يقولون إنه ليس بصواب
شخوصهم إلى تلك الناحية فترك الخروج اليها ثم إنهم أرادوا أن يكتبوا إلى موسى
ومفلح بالانصراف وتسليم العسكر إلى من فيه من القواد فأجمعوا على أن يكتبوا
اليهما بذلك كتابا وكتبا إلى بعض القواد في تسلم العسكر منهما وكتبا إلى الصغار بما سأل
أصحابهم بسامرا وما أجيبوا اليه وأمر بنسخ الكتب التى كتبت إلى القواد وأن ينظروا
فان سارع موسى ومفلح إلى ما أمرا به من الاقبال إلى الباب في غلمانهم وتسليم العسكر
إلى من أمرا بتسليمه إليه والا شدوهما وثاقا وحملوهما إلى الباب ووجهوا هذه
الكتب مع ثلاثين رجلا منهم فشخصوا عن سامرا ليلة الجمعة لخمس خلون من رجب
من هذه السنة وأجرى على من أخذت عليه البيعة في الدار على كل رجل منهم
في اليوم درهمان فكان المتولى لتفرقة ذلك عليهم عبدالله بن تكين وهو خال
ولد كنجور ولما تناهى الخبر إلى موسى وأصحابه اتهم كنجور وأمر بحبسه بعد
أن ناله بالضرب وموسى حينئذ بالسن ولما انتهى الخبر إلى بايكباك وهو بالحديثة
أقبل إلى السن فاستخرج كنجور من الحبس واجتمع العسكر بالسن ووصل اليهم
الرسل وأوصلوا الكتب وقرأوا بعضها على أهل العسكر وأخذوا عليهم البيعة
بالنصرة لهم فارتحلوا حتى نزلوا قنطرة الرفيف يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة
ـ591ـ
خلت من رجب وخرج المهتدى في هذا اليوم إلى الحير وعرض الناس وسار
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 7 من ص 591 سطر 1 الى ص 600 سطر 26
خلت من رجب وخرج المهتدى في هذا اليوم إلى الحير وعرض الناس وسار
قليلا ثم عاد وأمر أن تخرج الخيام والمضارب فتضرب في الحير وأصبح الناس
يوم الجمعة وقد انصرف من عسكر موسى زهاء ألف رجل منهم كوتكين وخشنج
ثم خرج المهتدى إلى الحير ثم صير ميمنته عليها كوتكين وميسرته عليها خشنج
وصار هو في القلب ثم رجع الرسل تختلف بين العسكرين والذى يريد موسى بن
بغا أن يولى ناحية ينصرف اليها والذى يريد القوم من موسى أن يقبل في غلمانه
ليناظرهم فلم يتهيأ بينهم في ذلك اليوم شئ فلما كان ليلة السبت انصرف من أراد
الانصراف عن موسى ورجع موسى ومفلح يريدان طريق خراسان في زهاء
ألف رجل ومضى بايكباك وجماعة من قواده في ليلتهم مع عيسى الكرخى فباتوا
معه ثم أصبحوا يوم السبت وأقبل بايكباك ومن معه حتى دخلوا الدار فأخذت
سيوفهم بايكباك ويارجوخ وأساتكين وأحمد بن خاقان وخطارمش وغيرهم
فوصلوا جميعا إلى المهتدى فسلموا فأمروا بالانصراف إلا بايكباك فإن المهتدى
أمر أن يوقف بين يديه ثم أقبل يعدد عليه ديونه وماركب من المسلمين والاسلام
ثم إن الموالى اعترضوه فأدخلوه حجرة في الدار وأغلقوا عليه الباب ثم لم يلبث إلا قدر
خمس ساعات حتى قتل يوم السبت مع الزوال واستوى الامر فلم تكن حركة
ولا تكلم أحد إلا نفر يسير أنكروا أمر بايكباك ولم يظهروا كل الجزع فلما
كان يوم الاحد أنكر الاتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار ودخولهم معهم
ووضع عندهم أن التدبير إنما جرى في قتل رؤسائهم حتى يقدم عليهم الفراغنة
والمغاربة فخرجوا من الدار بأجمعهم وبقيت الدار على الفراغنة والمغاربة وأنكر
الاتراك بناحية الكرخ ذلك وأضافوا إليه طلب بايكباك لاجتماع أصحاب
بايكباك معهم فأدخل المهتدى اليه جماعة من الفراغنة وأخبرهم بما أنكره الاتراك
وقال لهم إن كنتم تعلمون أنكم تقومون بهم فما يكره أمير المؤمنين قربكم وان كنتم
بأنفسكم تظنون عجزا أرضيناهم بالمصير إلى محبتهم من قبل تفاقم الامر فذكر
الفراغنة أنهم يقومون بهم ويقهرونهم اذا اجتمعت كلمتهم وكلمة المغاربة وعددوا
ـ592ـ
أشياء كثيرة من تقديمهم عليهم وأرادوا المهتدى على الخروج اليهم فلم يزل كذلك
إلى الظهر ثم ركب وأكثر الفرسان الفراغنة وأكثر الرجالة المغاربة ووجه
اليهم وهم بين الكرخ والقطائع والاتراك زهاء عشرة آلاف وهم في ستة آلاف
لم يكن معهم من الاتراك الا أقل من ألف وهم أصحاب صالح بن وصيف وجماعة
مع يارجوخ فلما التقى الزحفان انحاز يارجوخ بمن معه من الاتراك وانهزم أصحاب
صالح بن وصيف فرجعوا إلى منازلهم وخرج طاشتمر من خلف الدكة وكانوا
جعلوا كمينا وتصادم القوم فكانت الحرب بينهم ساعة من النهار ضربا وطعنا
ورميا ثم وقعت الهزيمة على أصحاب المهتدى فثبت وأقبل يدعوهم إلى نفسه ويقاتل
حتى يئس من رجوعهم ثم انهزم وبيده سيف مشطب وعليه درع وقباء ظاهر
به حرير أبيض معين فمضى حتى صار إلى موضع خشبة بابك وهو يحث الناس على
مجاهدة القوم ونصرته فلم يتبعه أحد الا جماعة من العيارين فلما صاروا إلى باب
السجن تعلقوا بلجامه وسألوه اطلاق من في السجن فانصرف بوجهه عنهم فلم
يتركوه حتى أمر بإطلاقهم فانصرفوا عنه واشتغلوا بباب السجن وبقى وحده فمر
حتى صار إلى موضع دار أبى صالح بن يزداد وفيها أحمد بن جميل فدخل الدار
وأغلقت الابواب فنزع ثيابه وسلاحه وكانت به طعنة في وركه فطلب قميصا
وسراويل فأعطاه أحمد بن جميل وغسل الدم عن نفسه وشرب ماء وصلى فأقبل
جماعة من الاتراك مع يارجوخ نحو من ثلاثين رجلا حتى صاروا إلى دار أبى
صالح فضربوا الباب حتى دخلوها فلما أحس بهم أخذ السيف وسعى فصعد على
درجة في الدار ودخل القوم وقد علا السطح فأراد بعضهم الصعود لاخذه فضربه
بالسيف فأخطأه وسقط الرجل عن الدرجة فرموه بالنشاب فوقعت نشابة في
صدره فجرحته جراحة خفيفة وعلم أنه الموت فأعطى بيده ونزل فرمى بسيفه
فأخذوه فجعلوه على دابة بين يدى أحدهم وسلكوا الطريق الذى جاء منه حتى
صيروه إلى دار يارجوخ في القطائع وأنهبوا الجوسق فلم يبق فيه شئ وأخرجوا
أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان وكان محبوسا في الجوسق وكتبوا إلى موسى
ـ593ـ
ابن بغا وسألوه الانصراف اليهم فأقام المهتدى عندهم لم يحدثوا في أمره شيئا فلما
كان يوم الثلاثاء بايعوا أحمد بن المتوكل في القطائع وصاروا به يوم الاربعاء إلى الجوسق
فبايعه الهاشميون والخاصة وأرادوا المهتدى على الخلع في هذه الايام فأبى ولم يجبهم
ومات يوم الاربعاء وأظهروه يوم الخميس لجماعة الهاشميين والخاصة فكشفوا عن
وجهه وغسلوه وصلى عليه جعفر بن عبدالواحد يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت
من رجب سنة 256 وقدم موسى بن بغا يوم السبت لعشر بقين من رجب وركب أحمد
ابن فتيان إلى دار العامة يوم الاثنين لثمان بقين من رجب فبايعوه بيعة العامة * فذكر
عن محمد بن عيسى القرشى أنه قال لما صار المهتدى في أيديهم أبى أن يخلع نفسه فخلعوا
أصابع يديه ورجيله من كفيه وقدميه حتى ورمت كفاه وقدماه وفعلوا به غير شئ حتى
مات ( وقد ذكر ) في سبب قتل أبى نصر محمد بن بغا أنه كان خرج من سامرا
يريد أخاه موسى فوجه اليه المهتدى أخاه عبدالله في جماعة من المغاربة والفراغنة
فلحقوه بالرفيف فجئ به فحبس وكان قد دخل على المهتدى مسلما قبل خلافهم فقال
له يا محمد إنما قدم أخوك موسى في جيشه وعبيده حتى يقتل صالح بن وصيف وينصرف
قال يا أمير المؤمنين أعيذك بالله موسى عبدك وفى طاعتك وهو مع هذا في وجه
عدو كلب قال قد كان صالح أنفع لنا منه وأحسن سياسة للملك وهذا العلوى قد رجع
إلى الرى قال وما حيلته يا أمير المؤمنين قد هزمه وقتل أصحابه وشرد به كل مشرد
فلما انصرف عاد وهذا فعله أبدا اللهم إلا أن تأمره بالمقام بالرى دهره قال دع هذا
عنك فان أخاك ما صنع شيئا أكثر من أخذ الاموال واحتجانها لنفسه فأغلظ له
ابونصر وقال ينظر فيما صار اليه وإلى اهل بيته منذ وليت الخلافة فيرد وينظر
ماصار اليك وإلى اخوتك فيرد فأمر به فأخذ وضرب وحبس وانتهبت داره ودار
ابن ثوابة ثم أباح دم الحسن بن مخلد وابن ثوابة وسليمان بن وهب القطان كاتب
مفلح فهربوا فانتهبت دورهم ثم جاء المهتدى بالفراغنة و الاشروسنية والطبرية
والديالمة و الاشتاخنية ومن بقى من أتراك الكرخ وولد وصيف فسألهم النصرة
على موسى ومفلح وضرب بينهم وقال قد أخذوا الاموال واستأثروا بالفئ وأنا
أخاف أن يقتلونى وإن